كسروا هيبة الطابور المدرسي


109779191
طابور الصباح مرآة تعكس سير العمل في المدرسة 

طابور الصباح في المدرسة عادة ما يكون مؤشراً على مسار اليوم المدرسي للطالب إن كان سلباً أو إيجاباً وفي الوقت نفسه يعتبر مرآة تعكس سير العمل في المدرسة بشكل عام ويعطي انطباعاً فورياً عن العلاقة القائمة بين المدير والمعلمين والطلاب لكنهم كسروا هيبته بالتغاضي عن الطلاب الذين لا يحضروه بينما جعلوه شرطاً على المعلمين فإذا تأخر المعلم حاسبوه أَما إِذا تأخر الطالب فلا يسألوه لهذا فقد أصبح الطالب ينتظر في الخارج حتى ينتهي الطابور ثم يدخل غرفة الصف دون أَن يحاسبه  أَحد.

images
 يُحْضِر الطالب ما معه إِلى الطابور 

أَما إِذا أجبر الطالب على حضور الطابور الصباحي (وهذا نادراً ما يجدث) فيقف فيه لا مبالياً بما يرى أو يسمع ولا يستجيب للتعليمات التي تطلب منه ولا ينفذها دون أَن يجد من يحاسبه أو يعاقبه أما إِذَا قُرِع جرس الطابور وكان هذا الطالب موجوداً في المقصف مثلا فَقَد يُحْضِر ما معه من شاي أَو عصِير أَو ساندويش إِلى الطابور وفي الطابور يُكمل مَا كَان يأكل أو يشرب دون حساب أو عقاب لهذا فقد الطالب أهمية البداية لليوم المدرسي الفعّال.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

حوّل المرتزقة المدرسة إلى مزرعة


m1
أصبح عليك كمعلم أن تكون بوقاً لأحد هؤلاء الديكة 

بعد أن جاء (المرتزقة) إلى حقل التربية والتعليم استطاعوا بكل سهولة أن يحوّلوا المدرسة إلى (مزرعة) فيها بضع دُيوك مُتصارعة على إرضاء صاحب القرار بأي طريقة كانت حتى لو إضطروا إلى تزوير حقائق أو السكوت على باطل كي تبقى صورتهم في ذهن صاحب القرار دائماً (وردية) وليُظهِروا له أنه من دونهم ستقف الحياة وبهذا أصبح عليك كمعلم أن تكون (بوقاً) لأحد هؤلاء الديكة كي يحميك من شرور زملائه الديكة الآخرين في المدرسة ويُعفيك أو يُخفف عنك (إن شئت) العمل الصعب أو ليغضوا الطرف عنك في العمل بشكل عام وليغدقوا عليك العطايا المُباشرة أو غير المُباشرة والتقارير المُمتازة!.

morgannews_2013-04-25_11-45-06_khsoof
خسوف 

وإذا ركبت رأسك ولم تنضم إلى أحد الديكة فستبقى تراوح مكانك (قف)في أحسن الأحوال وستكون أنت السبب في كل خسوف أو كسوف يحدث داخل المدرسة أو خارجها لهذا لم تعد المدرسة كما كانت في الماضي قادرة على توفير البيئة الصحيحة لإنتاج المتعلمين بكل ما يستلزمه ذلك من تغيير في السلوك والذهنية ومنظومة القيم وتحملهم لمسؤولياتهم الكبيرة الملقاة على كاهلهم بل تحولت المدرسة إلى مزرعة لهؤلاء المرتزقة الذين استطاعوا أن يُفشلوا دور المدرسة والمدرس في التأكيد على أهمية العلم والمعرفة كقيمة من قيم المجتمع!.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

وبقي المعلم محترماً إلى أن جاء المرتزقة


2725358
أصبح التعليم في زماننا هذا مهنة من لا مهنة له 

أصبح التعليم في زماننا هذا مهنة من لا مهنة له فأيّ جامعيّ عاطل عن العمل يستطيع أن يعمل مُدرساً إن لم يكن في مدارس وزارة التربية ففي مدرسة خاصة ويبقى في هذه المهنة المؤقتة إلى أن يتوب الله عليه ويجد عملا آخر بمهنته الأصلية فيترك التدريس لأهله ويذهب إلى مهنته الحقيقية وفي الماضي الذي ليس هو بالبعيد كان التعليم طريق يسلكه كل من (يُفكر) بالقيادة والزعامة وما أن يحصل على الخبرة التي يُريدها يترك التعليم وأهله لا بل يحقد عليهم لأنهم يُذكروه بماض كان قد تولى ولا يريد تذكره من خلالهم بدليل أن معظم قياداتنا كانوا قد جربوا التدريس وعاشوا ظروف المهنة لكنهم لم يُغيروا فيها شيئاً عندما أصبحوا في مراكز القيادة.

23211048
 اربط الحمار أينما وحيثما يُريد لك صاحبه

والأغرب من هذا كله أن غالبية المُدرسين الذين رأيتهم يكرهون مهنتهم لكنهم مُستمرون فيها تحت شعار (إربط الحمار أينما وحيثما يُريد لك صاحبه) فتحت هذا الشعار دخل وأُدخِل على هذه المهنة مفاهيم جديدة لا تمت إلى التعليم بصلة فهناك من درس زراعة أو هندسة أو تجارة وأصبح يقود ويُنظر في التعليم وطرق التدريس ولم يكتف هؤلاء الناس بذلك بل أغرقوا وزارة التربية والمديريات والمدارس بجيش من العاطلين عن العمل وخلقوا لهم وظائف سموها (مهن مساعدة) كي تساعد المدرس في العملية التعليمية.

images-1-22
المهن المساعدة أصبحت سلطة أخرى على المعلم 

فأصبحت هذه المهن سلطة أخرى على هذا المعلم ولكنها هذه المرة سلطة (غير متعلمة) أضيفت إلى ما عليه من سلطات وهذه الفئة لا تفهم شيئاً عن كرامة المعلم وبشكل عام لا يهم المرتزقة الذين كانوا قد دخلوا في سلك التعليم تعلّم أولاد (يعبد) أم لم يتعلموا بل تهمهم مصالحهم الشخصية فهم كالخلايا السرطانية عندما تدخل في جسم الإنسان فهي تعيش لنفسها فقط ولا يهمها الجسم الذي تعيش في داخله.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

ومع كل هذا كان المُعلم مفخرة


d8acd8a7d8a6d8b2d8a9-164x300
جوائز للمعلمين

رغم ظهور المفاجئة وما تلاها من صدمة إلا أنه كان للمدرس قيمة معنوية ومادية لدى جميع طبقات المجتمع في ذلك الوقت فكانت المدارس جميعها تقبل أبناء المدرس مجاناً مهما كان عددهم!وتوفر لهم الزي المدرسي صيفاً وشتاءاً بالمجان مع وجبة إفطار يومية وكان المدرس يختار مدرسة أولاده وعلى الصعيد الشخصي لن أنس في يوم من الأيام أن أخي الأصغر كان قد قُبل في جامعة الكويت لكوني مدرساً في وزارة التربية وفوق ذلك كله كان يُقبل إبن المدرس في الصف الأول الإبتدائي أقل عمراً من الطالب العادي بثلاثة شهور وكانت تُعطى للمدرس رخصة لقبادة السيارة دون إمتحان وإذا وجد هذا الإمتحان فيكون شكلياً فلن أنسى ذلك الشرطي عندما سألني عن مهنتي وعلم أنني مدرساً عندها قال لي يالحرف الواحد: يا أستاذ أنت تمتحن الناس ولا تُمْتَحْن أنت ناجح لا بل أكثر من ذلك فكانوا إذا إرتكب المدرس مخالفة مرورية أو غيرها من المخالفات البسيطة يسامحونه.

untitled
كان الحلاق يتفنن في قص شعر المدرس

وكانت شركات القطاع الخاص الكبيرة تعطي المدرس (خصماً) على جميع مشترياته وتقبل كفالته لنفسه عند الشراء بالأقساط بينما غيره من الموظفين كان يحتاج إلى كفيل لهذا كان يفتخر كل من له قريب أو صديق مدرس لأنه سيساعده على شراء حاجياته حتى الحلاق كان يتفنن في قص شعر المدرس إذا علم ذلك الحلاق أن من يحلق له مدرساً هذا عدا عن أن الوزارة توفر لهذا المدرس وأسرته السكن المفروش الملائم وتعمل على صيانة مرافق هذا السكن على مدار السنة وكانت الوزارة تُوفر لمن يريد من المدرسين وجبة إفطار يومية في المدرسة هذا عدا عن التكريم الذي كان يلقاه من إدارة المدرسة والوزارة وأولياء الأمور المقتدرين مادياً وكان وجوده ضرورياً في كل جاهة أو حفلة أو إجتماع.

news_222272
الكُلِّيَّة العِلْمِيَّة الإِسْلَامِيَّةِ في جبل عمان

ودارت الأيام على المدرسين حتى تولاهم من لا يخاف الله فبعد أن كانت المدارس تسعى خلفهم وتمنحهم مختلف أشكال التكريم المعنوي والمادي أصبحت تتهرب حتى من أبسط إلتزاماتها نحوهم وليس أدل على ذلك مما ترون من كتب الشكر التي إمتلأ بها ملفي الشخصي فيما مضى مما يدلل على عطاء عال في بدايات طريقي المهني إلا أنني لأم أتلق حتى ورقة واحدة أو حتى كلمة شكراً من آخر مدرسة عملت بها خمسة عشر سنة متتالية وهي الكلية العلمية الإسلامية في جبل عمان كنت في قمة عطائي بها بعد أن تراكمت لدي خبرات مختلفة في التعليم حيث حصدت هذه المدرسة كل خبراتي وَشَهِد لِي الجَمِيع بها بالأمانة والإخلاص وَالأَدَاء المُتْقَن والخبرة العالية.

image
المدرس موظف مطلوب منه إرضاء الزبائن (الطلاب) 

مع أنني ألوم إدارات هذه المدرسة المتعاقبة تحديداً لكنهم جزء من نظام عام كان قد  أفقد المدرس هَيْبَتَه وكينونته التي كان يتمتع بها في ما مضى وأصبح المدرس في نطرهم موظف مطلوب منه إرضاء الزبائن (الطُّلَّابُ) في كل ما يريدون دون أي إعتبار للرسالة التي يؤديها وإذا ما بقي حال من يمسك بزمام أمور التعليم في بلادنا العربية على ما هو عليه الآن سوف لن تجدوا من يعلم لكم أبنائكم في الغد القريب.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

أول صفعة لي بعد أن أصبحت معلماً


Scan11344
في ثانوية عيدالله السالم 

عندما تخرجت من جامعة حلب سنة ١٩٧٣عملت مدرساً في الكويت وعندما دخلت الحصة الأولى على صف توجيهي خطر في بالي أن أسألهم قبل أن أدرسهم: مَنْ منكم يُرِيد أن يصبح طبيباً؟ فرفع يده عدد لا بأس به من الطلاب ثم سألتهم: من منكم يُرِيد أن يصبح مهندساً؟ فرفع عدد أقل من العدد الذي رفع يده في المرة الأولى وأكملت بقية أسئلتي للطلاب إلى أن وصلت إلى المدرس فسألتهم: من منكم يُرِيد أن يصبح مدرساً؟ فضحك كل طلاب الصف معاً ولم يرفع يده أحداً منهم فكانت إجابة الطلبة على أسئلتي أول صفعة تلقيتها بعد أن أصبحت مدرساً.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

أول مفاجئة لي قبل أن أصبح مدرساً


tips-for-job-interview
قبل المقابلة

بعد أن تخرجت من جامعة حلب سنة ١٩٧٣ ذهبت إلى دولة الكويت مباشرة للعمل في مدارسها وما أن وصلتها قمت بتقديم طلب للتدريس في وزارة التربية وطلبوني للمقابلة في مبنى الوزارة وهناك جلست على مقعد ومعي مجموعة من المدرسين ننتظر دورنا في المقابلة واحتاج من يُقابلنا كرسياً إضافياً في مكتبه فطلب من الآذن أن يأتي له بكرسي فما كان من هذا الآذن المحترم إلا أن تقدم نحونا وقال لنا بلهجة أعرابية: قم قم أنت وإيّاه (وهو يعلم بأننا مُدرسون أو في طريقنا لنصبح مُدرسين) فقمنا عن المقعد الذي نجلس عليه وحمله وأدخله الى غرفة المدير وبقينا واقفين إلى أن بدأت المقابلة فكانت هذه أول مفاجئة لي قبل أن أصبح مدرساً فأنا لم أكن أعلم أن الآذن قد يأمر مُدرساً بالوقوف ويسحب من تحته المقعد بل كل ما أعرفه أن الآذن إن رأى مُدرساً واقفاً يُحضر له مقعداً ويُجلسه.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

كيف تحققت هذه الأمنية؟


Scan10273
أخي الأكبر المرحوم أبو حسين

عندما أنهيت دراستي الثانوية من مدرسة الزرقاء الثانوية بالأردن عام 1968 تلقيت رسالة من أخي الأكبر الذي كان يعمل في الكويت يقول لي فيها: لقد استطعت أن أحصل لك على قبول في إحدى الجامعات التركية لدراسة الهندسة وما عليْك إلا أن تُراجع السفارة التركية في عمان كي تطبع الفيزا على جواز سفرك وتسافر إلى هناك فما كان مني إلا أن طبعت الفيزا على جواز سفري وسافرت برّاً لقلة ذات اليد فوصلت مدينة دمشق ومنها إلى مدينة حلب وكنت قد وصلتها منهكاً فقررت المبيت في أحد فنادقها (الفندق العربي في باب الفرج) كي أستريح من عناء السفر وأجدد نشاطي لليوم القادم.

11061309_415691978556062_748733552424518699_n
في الفندق العربي إخترت مهنة المستقبل

وهناك التقيت في الفندق طلبة من كافة الجنسيات العربية يبحثون عن مقاعد جامعية مثلي لأن عدد الجامعات في ذلك الوقت كان قليلاً وفي السهرة بدأ كل منا يطرح مشروعه ورغباته أمام الجميع وعندما جاء دوري قلت: أنا أحبّ دراسة الرياضيات وقد تخصصت بها في التوجيهي ــ إذ كان على كل طالب من الفرع العلمي أن يختار مادة علمية يتخصص بها ــ كي أصبح معلماً لها في المستقبل فأنا أهوى التعليم من صغري لكنني مُجبر على دراسة الهندسة  من قبل أخي الأكبر فقالوا لي: مُشكلتك محلولة يُمكنك دراسة الرياضيات هنا في جامعة حلب إذا أردت فكانت هذه الكلمات قد أيقظت حُلماً قديماً عندي جعلني أختار حلب وأتمرّد على أخي وعلى الهندسة وعلى السفر إلى تركيا.

جميل
أنصح كل من أعرفه أن يترك هذه المهنة

وبعثت إليه رسالة أبلغه فيها بقراري هذا والذي لا رجعة فيه فأجابني على الفور: لا تهد من أحببت إن الله يهدي من يشاء لكن لي طلب صغير منك أن لا تحدثني عن التعليم لو التقينا فأنا معلم سابق وأنصح كل من أعرفه أن يترك هذه المهنة لأنها في بلادنا العربية ليس لها مستقبل وبعثت له رسالة أخرى أقول له فيها: لك ما تريد وقد رحل إلى جوار ربه ولم نتحدث عن التدريس برغم أنني كنت أتعمد أن أجرّه إليه وهكذا نحن لا نقدر الناس أحياء بل ننتظر موتهم للاعتراف بحكمتهم ولا نقبل نصيحة المُجرّب والجاهل منا لا يعترف بجهله بل يُكابر ويُعاند ولو حساب مُستقبله.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

قل لي من تصادق؟


10310982_561614790621793_7002337426933254709_n

إنقسم زملائي في الجامعة حول شخصي فمنهم من كان يقول عني:إنه كغيره من الناس الذين لا تتطابق أقوالهم مع أفعالهم وعندما يوضعون على المحك سيتغيرون ومنهم من كان يقول:إن هؤلاء الناس أمثالي لا تتغير أفكارهم لأنهم ولدوا وعاشوا تحت الاحتلال الإسرائيلي واحتد الخلاف بينهم حتى وصل إلى زملائي في السكن فانقسموا هم أيضاً حول شخصي وتراهنوا فيما بينهم على اختباري دون علمي وذهب أحدهم وأحضر معه مومس إلى حيث نسكن واتفق معها أن يزيد من أجرتها إذا تمكنت من إغوائي بعد أن تعهدت له بذلك. 

imagescaesjigd
صخوت من نومي فوجدت بجانبي إمرأة عارية تماماً 

أدخلوها عليّ بينما كنت أغط في نوم عميق وأقفلوا علينا الباب ونامت بجانبي وحدث كل هذا دون أن أشعر بشيء وأثناء نومي تحركت يدي حركة لا إرادية فغاصت في مكان ناعم عندها صحوت من نومي فوجدت بجانبي امرأة عارية تماماً فوجئت بها وتذكرت على الفور من رسم هذه الخطة القذرة ومن نفذها ومن أخرجها ممن يعتبرون أنفسهم من أصدقائي وقررت الصمود أمام هذه المومس وأمام من أرسلوها. 

cartoon-snake_20
بدأت تراودني وأنا أرفضها كما أرفض أن يداعبني ثعبان 

بدأت هذه المومس تداعبني وتراودني عن نفسي وأنا أرفضها كما أرفض أن يداعبني ثعبان إلى أن زهقت مني وخرجت من الغرفة التي أنا بها بعد أن اتهمتني برجولتي وبهذا خابت هي وخاب من أرسلوها عندما تمكنتُ من افشال خطتهم وخسر من راهن منهم بعد أن تطابقت الأقوال مع الأفعال لكن بعد هذه الحادثة كبرت في أعينهم وأصبح كلامي عندهم لا تشوبه شائبة ولا زال البعض منهم من أصدقائي المقربين حتى يومنا هذا لكنهم اليوم يطلقون لحاهم ويأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم أروي لكم هذه الحكاية ليس مدحاً في نفسي ولكن ليتعظ بها الشباب عندما يصادقون فقل لي من تصادق أقول لك من أنت؟. 

مشاهد من ذاكرة الرحيل

أنا والثورة


Fateh-logo
أنا إبن فتح ما هتفت لغيرها

كان لزاماً عليّ في المرحلة الجامعية في بداية سبعينات القرن الماضي أن أنخرط في العمل الوطني مثلي مثل شباب تلك الأيام لا بل أكثر قليلاً لأن اليهود كانوا قد قتلوا والدي فانتظمت في صفوف حركة فتح لأنني كنت أرى فيها ضمير الشعب الفلسطيني والعربي لكن ما مررت به من أحداث جسام جعلتني شخصاً نظرياً لا بل مثالياً في أغلب الأحيان فكنت أحب وأكره على الشكل لا على المضمون فمن كان يطيل شعره مثلا أو يرتدي بنطال الشارلستون (موضة تلك الأيام) أتهمه في وطنيته ولا أعترف به بأنه مناضل فأنا إبن فتح ما هتفت لغيرها.

1_1073564_1_34
غسان كنفاني 

ومن سوء الطالع أن معظم عناصر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في ذلك الوقت كانوا ممن يطيلون شعورهم ويلبسون بناطبل الشارلستون ويعلقون السلاسل الذهبية والفضية في أعناقهم وعليه فلم أستمع لهم فيما كانوا يقولون ولم أستمع لما كانوا يطرحون من فكر لتحرير فلسطين لأنه مغاير لفكر حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح حتى أنه وصل بي التعصب إلى أنني لم أقرأ للكاتب العالمي غسان كنفاني ما كتبه من روائع الأدب العالمي متعمداً لأنه كان من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وليس من حركة فتح.

1017467_512833828783399_784799098_n
كنت كهذا الطفل الذي يفرح لسيارة المطرب محمد عساف

ولم أكتف بذلك التعصب بل امتدت آرائي إلى أن وصل بعضها إلى:لا مكاتب للثورة في المدن بل يجب أن تكون المكاتب في الكهوف والجبال والوديان وعلينا أن لا نشرب الشاي والقهوة في هذه المكاتب كي نوفر ثمن ما نشربه لنشتري به سلاحاً وذخيرة لقتال العدو الصهيوني وأن المسؤول لا يجب أن يُعطى سيارة وإذا أعطي سيارة فهي ليست له بل عليه أن ينقل بها كل من يجده واقفاً في طريقه حتى وصل بي الحد إلى أن حرّمت على شعبي الترف والترفيه فكنت أطعن في وطنية كل فلسطيني يرفه عن نفسه أو عن أهله وكنت أتهم كل من كان يملك بيتاً جميلاً أو سيارة فخمة بأنه لا يحب فلسطين.

مشاهد من ذاكرة الرحيل

من شاب إلى ختيار


imagesCAL7N1PJ
أحداث كنت قد مررت بها في غير موعدها 

ما مررت به من أحداث كبيرة وسريعة ومفاجئة في غير موعدها جعلتني أفارق هموم الطلاب غالباً وأتحد مع الملائكة أحياناً فلم أسلك سلوكاً خاطئاً كغيري من الطلبة ولم أعش حياتي الجامعية كما يعيشها الطلبة العاديون فالطلبة الجامعيون عادة ما يعيشون حياتهم الجامعية بطولها وعرضها وكما يجب أن تكون لأن هذه الأيام لن تعود فالطالب له هدف واحد هو النجاح في دراسته فقط وبعدها هو حر في حياته الأخرى أما أنا فقد أصبح النجاح عندي في المرتبة الثالثة بعد إعالة نفسي وأهلي. 

untitled208
أطلق عليّ الزملاء لقب ختيار وأنا في عز الشباب

هذه الأحداث الكبيرة والمفاجئة كانت قد تركت آثارها على ملامح وجهي ورسمت عليه أشكالاً وخطوطاً أفقية ورأسية جعلتني أبدو أكبر من سني بكثير فوجهي أصبح كفنجان قهوة في يد بصّارة كل يقرأ فيه ما يحلو له فإذا كان الناظر إلى وجهي كبيراً في السن كان يقرأ فيه نكبات ونكسات الأمة العربية كلها أما إذا كان الناظر في وجهي صغيراً في السن فكان يدخل في نوبة هستيرية من البكاء لا يسكته إلا إذا غاب عن وجهي لهذا أطلق عليّ الزملاء لقب (ختيار) وأنا في عز الشباب.

مشاهد من ذاكرة الرحيل