أعجب أهل القرية بشجاعة هذه الفرس وبحبها ووفائها للأرض التي كانت قد تعبت فيها وحرثتها وزرعتها قمحاً وشعيراً وبرسيماً وذاع صيت هذه الفرس بين الناس في القرى المجاورة لقريتهم وبدأوا يراجعون ما تعلموه في كتبهم عن الشجاعة فاكتشفوا أن شجاعة العرب كانت تستمد من خيولهم فلهذا يجب عليهم أن يكاثروا من هذه الفرس!فقرروا فيما بينهم أنّ من يملك حصاناً منهم عليه أن يستضيف هذه الفرس المباركة عنده كي تلد لهم أفراساً وأحصنة أصيلة مثلها قبل أن ترحل.
نريد إصابتك في يدك اليسرى لتكوني عبرة لغيرك من الخيول المتمردة أو التي قد تفكر بالتمرد!
بدأت الفرس تشعر بالجوع ولم تجد حولها ما تأكله بعد أن خفت العلاقة بينها وبين صاحبها فتحركت نحو الأرض التي كانت قد حرثتها وتعبت فيها وما أن وصلتها حتى بدأت في رعي كل شئ وبينما هي كذلك وإذ بالأعداء قادمون ومعهم مترجم وقالوا لها عن طريق المترجم:نحن قادرون على قتلك لكننا لا نريد غير إصابتك في يدك اليسرى لتكوني عبرة لغيرك من الخيول المتمردة أو التي قد تفكر بالتمرد!وأطلقوا عليها النار وأصابوا يدها اليسرى وعادت إلى بيت صاحبها تعرج مرة ثانية فربط لها صاحبها يدها اليسرى مع قطعة من الخشب وأوصاها بعدم الحركة هذه المرة وتعهد لها بأكلها وشربها ما دامت مصابة.
وبينما كانت الفرس داخلة في سجال مع صاحبها وإذا بالمختار قادم ومعه (يلاغ) يطالب صاحب الفرس بريط فرسه لأنها قد تُعلم بقية الخيول التمرّد وإذا ما تمرّدت هذه الخيول ستعكّر صفو حياة الجيران ثم تابع المختار كلامه قائلاً:وأنت تعلم أنه إذا خاصمك دهرك فعليك بمصاحبته لأن الدهر لا يخاصم!فردّ صاحب الفرس على المختار قائلاً:لن أطلب من فرسي أن تعمل ما يمليه عليّ الآخرون!واعلم إن كنت لا تعلم بأن كل شاة ستعلق بعرقوبها فِي المسلخ عند ذبحها فقال له المختار مهدداً:أنا أقول لك:إعقل فرسك ولا ترم بها إلى التهلكة.
قالت له فرسه:لكم أن تبرروا الهزيمة كما تشاؤون ولكم أن تنتقوا كلماتكم من بحر لغتكم العربية الواسع فكلماتكم التبريرية لا تنضب حتى أنكم لم تكتفوا بها فقط بل أصبحتم تدرسون أولادكم في مدارسكم لغة التبرير أيضاً وسيأتي بعدكم جيل يكون قادراً على تحويل الهزيمة إلى نصر بالكلمات فقط وسيضيفون إلى لغتكم العربية كلمات جديدة يستغرب من يأتي بعدكم من أي قاموس جاؤوا بها؟وستصبح العبارة:ما كان بالإمكان خير مما كان مشجباً يعلقون عليه أخطائهم ودستوراً يُسيّر أعمالهم وبما أنني لا أفهم منطقكم هذا فسأذهب يومياً لأرعى ما زرعت وإذا عجزت يوماً عن الرعي فسأجعله زقوماً في بطونهم.
قال صاحب الفرس لفرسه (بعد أن قام بربط رحلها المصابة مع قطعة خشب لإسنادها) متشفياً:عندما لا تستطيعين تمييز مصدر النيران وعندما يختلط عليك الصديق مع العدو كان عليك أن تقبلي بما قبلت به أنا دون مكابرة!لقد نبهتك في المرة السابقة إلى ذلك لكنك لم تسمعي كلامي ولا إلى تنبيهي لك فأنا أحب الأرض والزرع مثلك تماماً بل أكثر لكن القوة فوق الحق في هذه الأيام وقديماً قيل:إذا لم يأت معك دهرك فمن الأفضل أن تأتي أنت معه.
وفي اليوم التالي أعادت فرسه الرخلة مرة أخرى وما أن اقتربت من السلك الشائك حتى أطلقت عليها النيران فأصيبت في رحلها اليسرى فعادت إلى البيت خلسة وهي تعرج لكن صاحبها كان لها بالمرصاد هذه المرة فقال لها:لَا أُرِيد أَن أُعِيد حوار الأمس معك ولكنني أريد أن أكمله وأسألك عن مصدر النيران التي أصابتك؟فقالت له:لم أعرف مصدر النيران التي أطلقت علي أهي شرقية أم غربية؟.
تقدم صاحب الفرس نحو فرسه معاتباً فاستمعت الفرس إليه جيداً عله يكون قد غير من وجهة نظره (التي لم تعجب فرسه) وبعد أن سمعت ما قاله لها لم تجد في كلامه أي تغيير يذكر فقالت له:أنت حر في أرضك وفي شجرك وفي قمحك وعدسك وفي تينك وعنبك وفي كدك وتعبك أما أنا فلن أسامح الأعداء لا في عرقي ولا في برسيمي ولا في تعبي وعلي أن أذهب يومياً إلى هناك كي آكل كل ما كنت قد زرعته معك ولن أبادل الجوع بالسلامة مثلك.
هب صاحب الفرس مسرعاً كمن صحا من نومه على كابوس مرعب وعندما وصل لابسي القبعات الزرقاء وجدهم يدقون أوتاداً إسمنتية ويصلون بينها بأسلاك شائكة فسألهم عما يقومون به؟فأجابوه بأنهم يرسمون خط الهدنة بينكم وبين جيرانكم ويمنع عليكم بعد هذا اليوم أن تدخلوا أرض جيرانكم وبعد نظرة سريعة شك في أحدهم فله سحنة عربية وعندما دقق النظر أكثر وإذا (بالمختار) يتوسطهم فسأله على الفور كيف تقبل يا مختار بهذا الوضع؟فأجابه المختار قائلاً:الدهر اللي ما بيجي معك تعال أنت معاه وعندما سمع صاحب الفرس كلام المختار له لم يعثر لسانه إلا على حسبي الله ونعم الوكيل.
خط الهدنة
وجاء خط الهدنة الذي رسمه لابسي القبعات الزرقاء فأخذ معه أرض صاحب الفرس وما عليها من مزروعات ومحاصيل وخضروات صيفية ولم يترك له سوى بضعة دونمات جرداء حول بيته ولم يكتف راسموا هذا الخط بذلك بل منعوه حتى من الإتجاه غرباً فأصبح يرى أرضه بعينه لكن قدماه لا تجرأ على دخولها أما فرسه فقد فهمت لوحدها ما حصل لأنها لم تعد تأكل من برسيمها وشعبرها ولم تعد تزاول الأعمال الزراعية اليومية التي كانت تمارسها سابقاً حتى أن فجوة في العلاقات بينها وبين صاحبها بدأت في الطهور .
وما هي إلا بضعة أيام كانت قد خلت حتى فوجئ صاحب الفرس برجال من ذوي البشرة البيضاء يرتدون قبعات زرقاء كلون عيونهم يدقون أوتاداً إسمنتية تفصله عن أرضه ثم يضعون عليها أسلاكاً شائكة لتعيقه وتمنعه من الوصول إليها فاحتار في الأمر وتذكر في الحال الذين رحلوا عن أرضهم وديارهم قبل مدة وفهم الآن أكثر لماذا كانوا يرحلون؟ولماذا كانوا يبكون؟فندم أشد الندم على عدم مساعدتهم في ذلك الوقت والقيام بواجبهم وفهم أنهم رحلوا هم بالأمس وهو راحل لا محالة اليوم والقرية الشرقية التي كانت تجاور قريتهم سترحل غداً وتأكد من أن ما أصاب راحلوا الأَمس سيصيبه غداً أو بعد غد.