هبة من الجيل الثالث للنكبة هذا الجيل الذي ورث الوثيقة الفلسطينية العتيدة عن آبائه وأجداده بكل همومها ومشاكلها وتناقضاتها دون أن يكون لهذا الجيل يد في ذلك ودون أن يستشار أو يؤخذ رأيه في الحصول عليها أو رفضها وهذا الجيل هو من توقعت له غولدمائير رئيسة وزراء العدو الصهيوني السابقة أن ينسى وطنه فلسطين بمن فيها بعد أن يموت الكبار وينشغل الصغار بحياتهم اليومية الشاقة التي سيقضوها في بلاد اللجوء باحثين عن لقمة العيش في البلاد العربية بعد أن يمنعوهم من مزاولة أعمالهم ويمنعوهم من مغادرتها وهم بهذا لن يعطوا الفرصة للتفكير في فلسطين!.
وبدأ الفلسطينيون ينتظرون العودة الميمونة متحملين قساوة الحياة وشظف العيش الذي قيل لهم عنه بأنه مؤقت وكما فُهّموا من قبل الساسة العرب وانطلت هذه اللعبة على الكثير منهم فمنهم من مات في مخيمه دون أن تطأ قدماه أرض المدينة المجاورة وهو بانتظار عودته إلى أرضه ومنهم من حرّم على نفسه السفر إلا إلى وطنه فلسطين ومات دون أن يسافر ومنهم من أجل فريضة الحج والعمرة إلى ما بعد تحرير فلسطين ومنهم من مات دون يزر ابنه بعد أن علا شأنه وأقام في المدينة بحكم المهنة.
سمع الفلسطينيون نصيحة الحكام العرب لهم بألا يذوبوا في محيطهم العربي ويسكنوا المدن لأنهم إن فعلوا ذلك فإنهم سينسون بلادهم فلسطين فكانت هذه النصيحة كلمات حق يراد بها باطل ولكنها على الرغم من ذلك كانت قد انطلت على الكثير منهم ودغدغت مشاعر البعض لا بل كان منهم من تبناها في ما بعد لتصبح قاعدة عامة لهم في حياتهم مما جعل البعض يعتقد بأن من شروط الحنين وحب الوطن أن يبقى الإنسان شقياً تعيساً.
أحد مخيمات اللجوء الفلسطيني
واختار الحكام العرب لهؤلاء الفلسطينيين أماكن مخيماتهم بعناية فائقة فمن هذه المخيمات من كان معزولاً بعيداً عن المدن والتجمعات السكانية ومنها من كانت أرضه صخرية لا تصلح للزراعة أو طينية لا تصلح للإقامة وعلى الرغم من ذلك فقد تحمل الفلسطينيون قساوة الحياة في هذه المخيمات بعد أن اقتنعوا بأن الإقامة فيها مؤقتة وما هي إلا بضعة شهور ويعود كل لاجئ إلى بلده الأصلية.
طلآبكم يعدون سنوات النكبة بأجسادهم وينتظرون يوم عودتهم إلى أرض أجدادهم!
وأضافت هبة قائلة:إنكم من الشعوب المناضلة التي تستحق الحياة!لقد رأيت عندكم ما كنت قد رأيته في الدول المتقدمة!رغم أنكم تحت إحتلال عنصري غاشم لا يبقي ولا يذر!إنكم كنتم قد أنشأتم وتنشئون دولتكم رغم كل المعوقات بسواعد الآباء وبدماء الأجداد!فالأجداد كانوا في الماضي قد تركوا الأرض من أجل العرض!وجاء الآباء وإستفادوا من تجربة الأجداد (بعد أن عاشوا في الشتات) فزرعوا في عقول الأحفاد أن يبقوا مزروعين في أرضهم ويموتون فيها خير لهم ألف مرة من أن يعيشوا خارجها!وبهذا يكون الآباء قد فرّخوا جيلاً جديداً بثقافة جديدة تختلف عن ثقافة الآباء والأجداد فشعارهم يقول:نموت ولا نهاجر!وبيننا وبين اليهود الزمن!فها هم طلابكم في مدارسهم يعدون سنوات النكبة بأجسادهم!وينتظرون عودتهم إلى بيوتهم وأرضهم المغتصبة!.
بائع سوس في رام الله يضع على خصره لافتة تطالب بإنهاء الإحتلال!
وقبل أن تودعنا (هبة) لتعود إلى مكان إقامتها في أستراليا قالت:لكم أن تفخروا بأن الكل في بلادكم يطالب بإنهاء الإحتلال حتى بائع السوس في رام الله يعلق على خصره لافتة تطالب بإنهاء الإحتلال!ولكم أن تفخروا بأنكم آخر البلاد المحتلة في هذا العالم!وعدوكم يعلم ذلك جيداً لكنه يعيش بعقلية سيدنا (نوح) عليه السلام!عندما أقام مستعمراته على رؤوس الجبال العالية!ظناً منه أنها ستحميه من الطوفان العربي لو حصل!.
الطوفان العربي القادم!
لكن هذا العدو الصهيوني كان في حساباته قصير النظر فهو لم يحسب حساباً لـ (تسونامي العرب) القادم!فهذا الطوفان العربي القادم (إن حصل) لن يُبقي على أحد من طغاة العرب حماة إسرائيل!ولن يذر أحداً من العرب المتصهينين!ونسي هذا العدو أيضاً أن خارطة دول الشرق الأوسط ما هي إلا كثبان رملية متحركة!لا تستقر على حال!وما قد يراه هذا العدو اليوم (جبلا) رملياً سيصحو من نومه ذات يوم ليجده قد تحوّل إلى واد سحيق!.
أصرت هبة إلا أن تقرأ الفاتحة على قبر القائد الشهيد
وفي طريق عودتها إلى سلفيت أصرت هبة إلا أن تقرأ الفاتحة على قبر الشهيد ياسر عرفات في رام الله وترى بعينها المقاطعة التي كان قد حوصر فيها من قبل العدو الصهيوني وفي اليوم التالي أصرت على أن تذهب معنا إلى مدينة نابلس لتأكل الكنافة النابلسية الشهيرة في البلدة القديمة ولترى بعينها ماذا فعل الإحتلال بها؟ ومن نابلس إشترت بذور النباتات الفلسطينية لتهديها إلى والدها كي يقوم بزراعتها في أستراليا كي تتذكر فلسطين من خلال هذه النباتات وفي اليوم التالي أصرت على أن ترى مدينة جنين ومخيمها الذي كان قد صمد في وجه العدو الغاصب شهوراً وسنوات ولا زال صامداً حتى يومنا هذا وزارت كذلك الجامعات الفلسطينية والمؤسسات والوزارات المختلف بأنواعها.
وفي الأيام القليلة المتبقية أصرت هبة على زيارة القدس الشريف هي وأمها دون مرافقتنا لأننا ممنوعين من دخولها كمواطنين فزارت هبة القدس مع أمها ورأت بأم عينيها جدار الفصل العنصري الذي يتلوى كأفعى سامة كانت قد إبتلعت جزءاً كبيراً من فريستها للتو وبقي عليها الشيء القليل وأصرت على الصلاة في المسجد الأقصي وتجولت في شوارع القدس القديمة وهي تغني مع فيروز للقدس سلام واشترت كل التحف والملابس التي تشير إلى فلسطين من قريب أو بعيد كي تقدمها هدايا لصاحباتها عندما تعود إلى بلد إقامتها أستراليا.
وما أن وصلنا إلى بيتنا في سلفيت حتى أخذت هبة تقبل كل من كان في إستقبالنا وكأنها تعرفهم منذ زمن طويل وخيل إلي بأن بيتنا كذلك يهم بتقبيلها لكنها لم تنتظره بل دارت حوله دورة كاملة فوجدت نبات الفول في استقبالها لكن حبات اللوز الأخضر سبقته إلى فمها واحتجت شجرة ليمون وقالت:أنا أولى من الفول واللوز في الأكل لأنني لا أجد من يأكلني فثماري تسقط أرضاً وهمت هبة بقطف حبة ليمون عن تلك الشجرة فرأت ثمار شجرة البوملي وهي تتدلى كمشكاة صفراء فقطفتها لا لتأكلها بل لتنظر إليها.
وأدار السائق وحهه نحو (هبة) وأكمل كلامه قائلاً:هذه يسمبها اليهود (مستوطنة) أما نحن نسميها (مغتصبة إسرائيلية) يا بنيتي!وهذه ليست قرية فلسطينية!فنحن لا نُسيّج قرانا!فقرانا مفتوحة للجميع!وترحب بجميع الزائرين!لكن مستوطناتهم مغلقة!ومحاطة بالأسلاك الشائكة المكهربة!لأنهم أكلوا (الفريسة) وبقيت عظامها في بطونهم!فمن أجل هذا لا يعرفون للنوم طعماً!لأن المريب يكاد يقول خذوني!.
نحن نطالب المجتمع الدولي من خلالك يا بنيتي أن يكون حالنا كحال الهنود الحمر في أمريكا!
ثم تابع السائق كلامه مع هبة بشئ من الجدية والغضب وقال لها:بما أنك درست وتدرسين السياسة في أستراليا!هل سمعت أو قرأت يا بنيتي عن شعب سُرقت منه أرضه؟وشُرد عن وطنه؟وعن عدو يُسيج ما سرق أمام أعين المجتمع الدولي!ويمنع السكان الأصليين من دخول أرضهم؟نحن نطالب يا بنيتي أن يكون حالنا كحال (الهنود الحمر) في أستراليا أو أمريكا!بلغي أساتذتك يا بنيتي أنه عار عليهم إذا لم يُدرّسوا في جامعاتهم:كيف تغلب الكف على المخرز في فلسطين؟.
وعندما اقتربنا أكثر وإذْ بمستوطنة يهودية على رأس جبل تطل علينا من بعيد وعندما رأتها هبة حسبتها قرية من قرى فلسطين فصورتها لكن ما لفت إنتباهها أكثر الجدار والأسلاك الشائكة المحيطة بها فتساءلت في الحال: لم هذا السياج؟ وأكملت: إنه يذكرني بالسجون النازية التي كنت قد قرأت عنها في كتب التاريخ فتدخل السائق عندما سمعها لا تتقن اللغة العربية وتسأل عن أشياء إن تبد لها تسؤها فسألني في الحال عن جنسيتها فقلت له: شابة فلسطينية تدرس العلوم السياسية في أستراليا كانت تحمل الوثيقة الفلسطينية المصرية والآن تحمل جواز سفر أسترالي فضحك وبدون أن يفكر قال: يا بادل السخلة بنخلة.