يوم أن احتجزني الجيش العراقي رهينة في الكويت


المكان: الدوار الخامس 
الزمان : أيلول 1990
Untitled
رغيف الخبز كان هو المشكلة 

كانت المشكلة الكبرى للناس الذين لم يغادروا دولة الكويت بعد احتلالها سنة 1990 من قبل الجيش العراقي هو تدبير لقمة العيش (رغيف الخبز) له ولأولاده ولمن يعيلهم لأن الجيش العراقي في ذلك الوقت كان قد سيطر على كل المخابز التي كانت تعمل في الكويت وعلى كل مراكز بيع الخبز فيها وبهذا  يكون هذا الجيش قد جعل الناس تزداد جشعاً وطلباً للخبز دون أن يدري طبقاً للقاعدة الذهبية التي تقول:كل ممنوع مرغوب.

011d49d1b43a8d38cb1a2ad7ee6091cb_w570_h0
أحد طوابير الخبز بعد إحتلال الكويت

ونظراً لعدم وجود الفواكه والخضار فقد إزداد إعتماد الناس على هذا الخبز أكثر  من العادة وتضاعفت المشكلة أكثر بعد أن تقررت حصة الشخص الواحد بأربعة أرغفة في المرة الواحدة بعد أن ينتظم هذا الشخص في طابور طويل له أول وليس له آخر ويمتد لساعات طويلة قد تصل إلى أربع ساعات في بعض الأيام فاضطر كل ساكن في الكويت أن يأخذ زوجته والكبار من أولاده كي يجمعوا أكل يومهم.

12227115_889132741155602_303105736970326108_n
محطة مياه السالمية

وفي أحد الأيام كنت قادماً من جهة دوّار (البدع) في السالمية مُتجهاً إلى طريق الدائري الخامس أبحث عن مخبز زُوّاره قليلون نسيباً، لعلني أستطيع أن أشتري منه  ربطة من الخبز أو ربطتين ليوم قادم أو يومين، وعندما وصلت نقطة التفتيش  (السيطرة) التي كان قد نصبها الجيش العراقي مقابل محطة مياه السالمية مباشرة، وهذه السيطرة كانت مميزة عن مثيلاتها من نقط التفتيش بكثرة عدد أفرادها وآلياتها وضباطها وبوجود خيمة أو خيمتين يجلس وينام فيها الضباط المناوبون.

Untitled
الباص المسروق

وعندما إقتربت من نقطة التفتيش هذه كان أمامي باص جديد يقوده مواطن عراقي ومرافق له وعندما مر هذا الباص عن نقطة التفتيش تكلم مع الجنود العراقيون بلهجتهم الخاصة فسمحوا له بالدخول وفي تلك اللحظة خرج الضابط المناوب من خيمته فلمح الباص وهو يمر من أمام هذه السيطرة فسأل الجنود المناوبين على الفور: من أين له هذا الباص؟ وكيف سمحتم له بالمرور؟ وعلى الفور طلب من جنديين بجانبه أن يلحقا بهذا الباص ويحضراه في الحال وأسرع الجنديان المسلحان على أول سيارة بعد الباص فكانت سيارتي.

11753648_10152896922715981_2105130977697025347_n
وقال لهم رئيسهم: جيبوه

فما كان من أحد هذين الجنديين إلا أن قام بفتح باب سيارتي الأمامي (دون إذني) وجلس بجانبي مادّاً بندقيته على فخذيه فوصل رأسها إلى بطني أما الثاني فقام بفتح الباب الخلفي وجلس في المقعد الخلفي من السيارة وطلبا مني بلهجة عسكرية اللحاق بالباص وبسرعة فما كان مني إلا أن دُستُ على دواسة البنزين بشدة أكثر إلى أن وصلنا دوار الجوازات وهناك سيكون أمامي أربعة خيارات لحركة الباص المطارَد فأيّ الطرق سأختار؟سألت الجنديين عن أي الطرق أسلك؟ فأجابني الجندي الذي يجلس بجانبي بشئ من اللامبالاة وقال: تأكد أننا لن ننزل من سيارتك هذه إلا على الباص حتى لو امتد بنا الطريق إلى بغداد فعليك أنت أن تختار الطريق المناسب وأنت حر في الإختيار لأنك تعرف الكويت أكثر منا.

Grow_up_Your_Career_With_Online_Education
كان عليّ أن أختار الطريق المناسب

عندها بدأت أحاور نفسي بنفسي وأقول: لصوص الباص مسلحون ومن معي من العسكر مسلحون أيضاً وسأذهب أنا وسيارتي ضحية أي إشتباك يحدث بينهما لهذا علي أن أتحاشا هذا الإشتباك مهما كلفني الثمن فما كان مني إلا أن أسلمت نفسي وسيارتي لله سبحانه وتعالى ليخلصني من هذا البلاء العظيم الذي نزل عليّ من السماء داعياً في سري أن يُلهمني الصبر والثبات وأن يساعدني في اختيار الطريق المناسب الذي سيؤدي بنا إلى اللحاق بهذا الباص لتنتهي هذه المغامرة بسرعة.

9f259d9a-2407-4e0d-8557-a935c2422d0f_mw1024_n_s
دورية عسكرية متحركة بالقرب من شارع عمان

واستجاب لي الله في الحال بعد أن ألهمني ربي عز وجل أن أسلك الطريق الذي يؤدي إلى الدائري الخامس وهناك وجدت نقطة تفتيش عسكرية متحركة عند بداية شارع عمان كانت قد أوقفت هذا الباص للتفتيش عندها أمرني الجندي الذي يجلس بجانبي بالوقوف السريع ونزلوا من سيارتي وألقوا القبض على هذا الباص ومن فيه وعندها حمدت الله على تخليصي من هذه الورطة واستغنيت عن شراء الخبز في ذلك اليوم وذهبت إلى البيت سالماً لكنني لست غانماً بالخبز الذي خرجت من أجله.

682f70a66d222803de9f9cbed1695856
محافظة دهوك في شمال العراق

وما أن وصلت البيت والتقيت بالجيران وحدثتهم بما حصل معي في هذا اليوم لم يندهشوا مما كان قد حصل معي بل قال أحدهم: يجب عليك أن تشكر الله كثيراً فأنا مثلاً أخذوا مني أوراقي الثبوتية من على أحد هذه السيطرات المنتشرة هنا وهناك وبعدها أرغموني على توصيل (جثة) إلى أصحابها في بغداد بعد أن أعطوني العنوان كاملاً فما كان مني إلا أن حمدت الله ثانية عندما قارنت نفسي بغيري ولم يكن مشواري إلى البصرة أو إلى مدينة دهوك في الشمال الكردي مثلاً.

أرأيتم يا سادة يا كرام كيف جعلوني مسؤولاً عن سرقاتهم؟ لا بل طالبوني باستردادها؟ وجعلوا جاري يتمنى أن يكون الموت لقريب الدار وأن يطيل الله في عمر بعيد الدار ليسهل عليه المشوار.

مشاهد عراقية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

مشاهد عراقية من حرب الخليج بعيون فلسطينية


images0VAVYW7U

  1. مقدمة
  2. الحرامي
  3. خيبة الأمل
  4. أكلة السردين
  5. طالب الشهادة
  6. يوم سقوط المئذنة
  7. الديمقراطيون العرب
  8. سيف الله المسموم
  9. السيطرة تبيع إطارات
  10. دفعوا لنا مرتباتنا بعملة مصورة
  11. كيف تحولت من معلم إلى سائق تكسي؟
  12. جندي السيطرة يطلب سيجارة بدل الهوية
  13. يوميات سائق تكسي خصصوصي في الحرب
  14. يوم أن احتجزني الجيش العراقي رهينة في الكويت

خـيـبـة الأمــــــل


المكان: خيطان / الكويت
الزمـــان: فبراير 1991
download
منطقة خيطان في الكويت

أثناء عودتي إلى بيتي بعد زيارة خاطفة لصديق لي في منطقة (خيطان) أثناء الإحتلال العراقي للكويت وإذا بجندي عراقي يتخذ من شارع فرعي في منطقة خيطان مقرّاً له كي يبتعد عن أعين الشرطة العسكرية العراقية وعندما أصبحت على مقربة منه وإذا به يشير لي بيده للتوقف فوقفت وبادرته بالقول:خيراً إن شاء الله قال:عيني أنا من (دهوك) كنت قد أخذت إجازة وأريد السفر إلى أهلي هناك ولا أملك أجرة الطريق!فهل لك أن تساعدني في الوصول إلى بلدي؟. 

download (3)
الحرب قد بدأت ولا نعرف نهاية لها

فوجئت بطلب هذا الجندي الذي لا يمكن لي أن أتوقعه وأجبته على الفور:إن الحرب يا سيدي قد بدأت ولا نعرف نهاية لها وأنا لا أملك نقوداً تزيد عن حاجتي كي أعطيك لكنني أستطيع توصيلك إلى أي مكان في مدينة الكويت ترغب في الوصول إليه فوجىء هذا الجندي بكلامي هذا وكأنه لم يكن يتوقعه (والسبب في ذلك أنهم كانوا قد أفهموه قبل دخوله للكويت بأن كل من يعيش على أرض الكويت جيوبه متخمة بالفلوس) وعلى الفور تغيّرت ملامح وجهه وبشيء من الغضب قال:شكراً عيني وأدار بوجهه عني وخفض من صوته (وكأنه لا يريد أن يسمعه أحد) وقال:لقد سئمت الكويت بمن فيها. 

1-68a31b84fb2e9be8dbcfc6105f8ba4e3
صواريخ صدام التي كان قد أطلقها على الكيان الصهيوني

بعد هذا الموقف الذي رأيته بأم عيني وسمعته بأذني صحوت من حلمي الجميل الذي كانت قد صنعته لي (ولأمثالي) الصواريخ التي كان قد أطلقها الرئيس العراقي صدام حسين على الكيان الصهيوني أثناء حرب الخليج وإذا بهذا الحلم الجميل الذي كان قد أوصلني إلى أرض فلسطين بين ليلة وضحاها يختفي مرة واحدة كالسراب أمام ما حدث معي ومع هذا الجندي العراقي الذي تُرك على أرض الكويت (عارياً) بلا ماء ولا طعام ولا مواصلات ولا فلوس.

download (1)
صواريخ عبدالناصر التي أوصلتنا إلى دول الخليج 

وبعد أن تركت هذا الجندي  العراقي سألت نفسي في الحال:كيف لهذا الجندي وأمثاله من الجنود العراقيين أن يُحرروا لنا بلادنا فلسطين وهم في هذا الحال؟وبعد أن أجبت نفسي بنفسي تذكرت في الحال صواريخ الرئيس المصري جمال عبد الناصر (القاهر والظافر)التي كانت السبب في إقتلاعنا من أرضنا وهجرتنا إلى بلاد الخليج.

download (2)
أحد صواريخ القسام

وبعد أن أثبتنا وجودنا في دول الخليج العربي بالجهد والعرق وأصبحنا قوة سياسية وإقتصادية يحسب حسابها في المنطقة لا يستطيع كائن من كان أن يخرجنا من هذه الدول جاءت صواريخ الرئيس العراقي صدام حسين لتُخرجنا من دول الخليج مجتمعة بكل سهولة ويسر وترسلنا إلى المجهول وأصبحنا  بعد ذلك ننتظر (الجنة) التي وعدتنا بها صواريخ القسّام. 

مشاهد عراقية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

أَكـَلَــةُ السرديـن


 المكان : الشُويخ / الكويت
الزمان : أيلول 1990
imagesCA0NGJ9K
بك أب مكشوف وعلى ظهره أشياء غريبة مُتماثلة

كنت في أحد أيام إحتلال الجيش العراقي لدولة الكويت أبحث عن أي دكان في منطقة الشويخ يقبل أن يبيعني (سجائر) بعد أن أخفاها تجارها ليرفعوا من سعرها وذلك بعد أن إنتشر الجيش العراقي في دولة الكويت فوجدت نفسي أقف أمام (بك أب) مكشوفاً وعلى ظهره أشياء غريبة لكنها مُتماثلة فلم أتمكن من التحقق منها عن بعد فقررت أن أقترب من هذا البيك أب أكثر لأتعرّف على ما يحمله على ظهره وذلك من باب حُبّ الإستطلاع ليس إلا.

download (1)
قد يكون نوعاً من أنواع الخبز وأعدتها إلى مكانها 

وعندما وصلته تناولت واحدة مما يحمله على ظهره بيدي اليمنى وقمت بالضغط عليها كي أتفحصها فلم أستطع فاستعنت باليد اليسرى فوجدت ما بيدي أصلب من حجر الصوان لكنه مع ذلك خفيف الوزن فقلت في نفسي:قد يكون نوعاً من أنواع الخبز وأعدتها إلى مكانها وإذا بجندي عراقي أظنه السائق يصيح عليّ من بعيد وبأعلى صوته عندما رآني قد لمست أشيائه الموجودة في شاحنته الصغيرة حيث قال:ماذا تريد يا رجل؟وعن ماذا تبحث؟.

image2033
أكلة السردين

إلتقطتُ واحدة من على ظهر الشاحنة ورفعتها له بيدي وسألته باستهجان عن الذي أحمله بيدي فردّ عليّ قائلاً:هذا (صمّون) عراقي عيني يا للعجب هل يوجد عراقياً لا يعرف الصمّون العراقي؟أكيد أنك لست عراقياً لأن الشعب العراقي كله يعرف الصمون الذي منه إستمد ويستمد قوته على الدوام فهذا الصمون هو الذي جعلنا ننتصر على الفرس والمجوس في الماضي الذي هو ليس بالبعيد وعلى المستعربين من عرب الخليج هذه الأيام وهو الذي سيجلب لنا النصر على أعدائنا الجدد (أكلة السردين).

imagesvmmv74ca
هذا هو تموين الحيش العراقي عندما احتل الكويت 

هذا هو تموين أفراد الجيش العراقي عندما إحتلّ دولة الكويت فقط صمّون يُشبه الخبز وما هو بخبز ومن من أفراد هذا الجيش يُريد غير ذلك عليه أن يتدبره بنفسه كل كما يحلوا له نسيت أن أنبّه القارئ إلى أن الأخ السائق هذا كان يحمل معه تموين مجموعة كبيرة من أفراد الجيش العراقي الذين يرابطون على أرض الكويت في انتظار قوات التحالف يلفّ ويدور في الأسواق عله يجد ما يبحث عنه مثلي.

20100917258
وجبة الجندي من قوات التحالف 

وبعد أن حررّت قوات التحالف دولة الكويت من قبضة الرئيس العراقي صدام حسين إستطعت أن أحصل على وجبة الجندي من قوات التحالف التي كانت تسقط عليه من السماء وهي مكيسة بكيس من البلاستك الشفاف رُقمت عليه مُحتويات هذه الوجبة وقمت مرة وعددت هذه المحتويات فوجدتها تصل إلى سبع عشرة قطعة فقط لا غير تبدأ بكوب الماء البارد وتنتهي بمادة بيضاء قابلة للإشتعال لتسخين كوب الشوربة الموجود فيها.

ahmed-saeed2
مذيع صوت العرب من القاهرة أحمد سعيد

وعلى الفور عادت ذاكرتي إلى ربع قرن كان قد مضى إلى الوراء دون أن تستأذنني فتذكرت (أحمد سعيد) مذيع صوت العرب من القاهرة قبيل حرب 1967 وهو يطلب من السمك والسردين في البحار والمحيطات أن يجوع كي يُطعمه وجبة دسمة من لحوم أعدائنا الصهاينة ثم عادت بي الذاكرة إلى هذه الأيام بعد أن تمكن مذيعونا الأفاضل أن يقنعوا  أفراد جيوشهم العربية بأن الجوع أفضل لهم ألف مرة من أن يأكلوا سمك السردين المعلب.

مشاهد عراقية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

طـالـبُ الـشـهـادة


المكان:الرميثية/الكويت
الزمان:كانون الثاني/يناير 1991
gwh407b
مدينة الخفجي

اشتعلت الحرب على أطراف مدينة الخفجي في المملكة العربية السعودية بين الجيش العراقي وقوات التحالف الدولي ضد العراق وأصبح الناس وأنا منهم ينتظرون ويراقبون الموقف على أحرّ من الجمر!وفي أحد تلك الأيام التي كنا ننتظر فيها ساعة حسم  هذه المعركة كنت واقفاً على شرفة بيتي لقتل الوقت ليس إلا وإذا بـجيب عسكري عراقي قادم من بعيد باتجاهي وعندما راقبته أكثر وجدته يقترب مني رويداً رويداً فقلت في نفسي:هذه منطقة سكنية لا تحتاج لمثل هذا الجيب العسكري العظيم فلماذا هو قادم في هذا الصباح الباكر؟ربنا يُستر.  

Untitled
نزل من الجيب ضابط كبير وقام بفك إطارها الأمامي

وبدأت أراقبه لأرى إلى أين يُريد أن يصل؟وإذا به يقف فجأة!مما جعلني أتسائل مع نفسي:أيعقل أنه رأى جندياً أمريكياً وأراد القبض عليه؟لكنني لم أر ولم أسمع عن أيّ إنزال أمريكي في حيّنا وعندما أمعنت النظر أكثر وإذا به يقف أمام صيد سمين بالنسبة له إنها سيارة BMW وما هي إلا لحظات حتى نزل من هذا الجيب ضابط كبير يُعلق على كتفه وصدره نجوماً ونياشين لو صُهرت وأعيد تشكيلها لبيعت في سوق النحاسين وقام بفك إطارها الأمامي الأيمن وحمله بين يديه ووضعه في الجيب وتابع طريقه وكأنّ شيئاً لم يكن. 

kenya-nairobi-vendors-340_227
دوّار شارع عمّان في السالمية 

سئمت من وقفتي على البلكون تلك وأحببت أن أغيّر المنظر ولم يكن أمامي من حل إلا أن أذهب إلى دوّار شارع عمّان في السالمية مشياً على الأقدام لأنه المكان القريب الوحيد الذي أصبح الناس يتجمعون فيه طوال النهار من أجل البيع والشراء بعد أن تحول هذا الدّوار إلى سوق كبير يعرض كلّ شخص فيه بضاعته وقد تصادف أن وصلنا الدوّار معاً أنا وحضرة الضابط الكبير بعد أن ركن سيارته العسكرية وبداخلها الإطار المسروق على جانب الشارع. 

imagescaale1q1
أحببت أن أمرّ عليكم لطمأنتكم عن الأوضاع 

فوجئ الناس بقدوم مثل هذا الضابط الكبير إلى هذا المكان الشعبي فتوسّموا به خيراً وتحلقوا حوله  وبدؤوا يمطرونه بأسئلة عن أحوال الجبهة المُلتهبة في مدينة الخفجي لعله يحمل لهم أخباراً سارّة فقال لهم هذا الضابط:لقد ذبحنا الكفرة!وسيصدر بيان لاحق من القيادة العامة للقوات المسلحة بذلك وسترونهم بأعينكم جيفاً مُقطعة أوصالها على شاشات التلفزة العالمية فأنا قادمٌ للتوّ من مدينة الخفجي لكن بمهمّة عسكرية خاصة وبعد أن أنجزتها أحببت أن أمرّ عليكم لطمأنتكم عن الأوضاع هناك ثم أعود لأواصل طريقي للشهادة فأخذ الناس يُكبّرون ويُهللون ويهتفون وتحمّس أحدهم وصاح بأعلى صوته:بالرّوح بالدّم نفديك أبو عُدي وبعد أن أنهى طالب الشهادة هذا كلمته الموجزة أخذ ما يُريد من السوق مجّاناً وذهب ليبحث له عن سوق آخر.

10042012_104325f067573dcdef7808ea92ebb2612591c7_123514597_127
المطربة ليلى نظمي

أما أنا فتذكرت على الفور أغنية للمطربة ليلى نظمي كانت تذاع في نهاية القرن الماضي عندما كانت تظهر نتائج الثانوية العامة في معظم الدول العربية وفيها تصيح المُطربة بأعلى صوتها:جايين منين؟فيردّ عليها الكورَس بصوت أعلى:من الثانوية وتُتابع المطربة أغنيتها وتقول:رايحين فين؟ويجيبها الكورَس ثانية:على الكلية فتمنيت على حكوماتنا العربية اختصار هذه الأغنية لتصبح:جايين منين؟من الجبهة ورايحين فين؟على الجنة وتعميمها على قواتنا المسلحة ليحفظوها عن ظهر قلب في الحروب الداخلية القادمة.

مشاهد عراقية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

الـسّـيْـطـرة تـبـيـع الإطارات


المكان:السّالميّة/الكويت
الزمان:أغسطس 1990
1-460545
نقطة تفتيش 

تخيل نفسك عزيزي القارئ أنك تقود مركبتك في أي شارع من شوارع أي بلد في هذا العالم الواسع واقتربت من نقطة تفتيش فماذا تتوقع أن يطلب منك الشرطيّ المُتواجد على رأس عمله؟وإذا حصل بينك وبين هذا الشرطي حوار فهل تستطيع أن تتخيل موضوع هذا الحوار؟ لن أنتظر منك جواباً على هذين السؤالين لأنني كسائر عباد الله أعلم جوابهما سلفاً سيطلب منك ذلك الشرطي أوراقك الثبوتية وأوراق سيارتك ليقوم بتدقيقها ويُعيدها إليك مشكوراً. 

21a-na-122191
قسمت نقطة التفتيش الشارع إلى قسمين

إلا في الكويت بعد إحتلالها آنذاك فقد تحوّل إسم (نقطة التفتيش) لتصبح (سيطرة) وهذه السيطرة تقسم الشارع إلى قسمين: قسم للعامّة أمثالي وقسم آخر V.I.P وتحوّل الشرطيّ إلى جندي بلباس الحرب وعندما تمر على إحدى نقاط هذه السيطرات فلن يسألك هذا الجندي عن أي شيء يخصّ الأمن ولا حتى عن الوطن نفسه لأن لباسه الحربي يفرض عليه أن يكون فوق هذه الأسئلة البسيطة فهو مُجهـز للحرب وساقته ظروفه بالغلط ليكون في هذا المكان وينوب عن الشرطي الذي غاب عن مكانه.

iraqi_police1-650_416
أبشري يا فلسطين

وفي أحد الأيام كنت قد إقتربت من أحد هذه السيطرات وعندما رأيت ما رأيت من جنود وضباط في لباسهم الحربي المُخيف تسارعت دقات قلبي وتسائلت في نفسي: إذا كان العراق قد وضع كل هذا العدد الهائل من الجنود والضباط على نقاط السيطرة في المدن فما هو عدد الجنود المحاربين يا ترى؟ أبشري يا فلسطين وانتظري فما هي إلا أيام ويدخلوك منتصرين وبدأت أنتظر حربهم القادمة مع اسرائيل وأقول في نفسي:قواكم الله ونصركم على أعدائكم كي تنصرونا على أعدائنا بعد ذلك. 

Untitled
ما هو مقاس إطار سيارتك عيني؟

وعندما وصلت إلى نقطة السيطرة أبرزت له أوراقي وأوراق سيارتي معاً ظناً مني أنه سيطلبها جميعاً، لكنه لم يلتفت إليها ولم يعرها أي اهتمام بل بادرني بسؤال لم أكن أتوقعه ولم أكن أعلم جوابه في ذلك الوقت عندما قال لي: ما هو مقاس إطار سيارتك عيني؟قلت له: لا أعلم ودققّ النظر في عجلات سيارتي وقال: مقاسها 15 عيني أتريد أن تشتري لها إطاراً بسعر أرخص من السوق؟ قلت له: لا أريد شكراً قال: إذن إحفظ مقاس إطار سيارتك لأنك ستُسأل عنه في السيطرة القادمة قلت له: شكراً لكم فقد علمتمونا الكثير الكثير وليس مقاس الإطارات فقط. وقبل أن أحرّك سيارتي نظر بداخلها فوجد  بداخلها مسابح كثيرة مُعلقة في مرآة السائق فطلب مني واحدة فأعطيته.

imagescaqh9a81
شكراً عيني الله وعليّ ويّاك

أما أنا فقد كنت قد دخلت السيطرة وأنا أدعو لهم بالنصر وغادرتها وأنا مشبع بالهزيمة والإحباط مُعترف بجهلي السياسي وبدأت أحلامي تتقلص إلى أن مررت على سيطرة ثانية فلم أحضّر أوراقي هذه المرّة ولم يسألني جندي السيطرة حتى عن مقاس الإطار كما في السيطرة السابقة بل عرض عليّ على الفور إطاراً مقاس 17 لسيارتي فقلت له: أنا آسف فمقاس إطار سيارتي 15 وخذ مسبحتك التي كنت قد نسيتها في سيارتي فأنا حفظت الدرس جيداً فقال: شكراً عيني الله وعليّ ويّاك.

imagesehcv20xj
بيضة 

وبعد أن غادرت السيطرة الثانية قررت إلغاء مشواري في الحال والتنازل عن ما كنت ذاهب من أجله واتجهت إلى البيت سالكاً أحد الشوارع الخلفية كي لا أمر على سيطرة ثالثة ولسان حالي يقول: كيف حصل هذا الجندي على هذا الكم الهائل من الإطارات وبمختلف المقاسات؟ ومتى حصل عليها؟ وأين يُخزنها؟ أرأيتم كيف خُلطت أوراق الوحدة العربية بالجريمة؟ أرأيتم كيف رُبط النصر بالقهر؟ وكيف سُرقت أحلام أمة؟ أعلمُ أنّ منْ يسرقُ بيضة ليأكلها تُقطع يده، لكنني لا أعلم عقاب من يسرق حُلم الأمة؟.

مشاهد عراقية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

جندي السيطرة يطلب سيجارة بدلاً من الهوية


المكان : الكويت

الزمان : أغسطس 1990 إلى فبراير 1991

untitled59
المدخنون عادة هم الفئة الأكثر تأثراً بالحروب

عندما تقرع أجراس الحرب تبدأ القوانين التي كانت سائدة بالزوال تدريجياً وتحل الأنانية بدلاً منها بين الناس وتتغير النفوس ويصبح الشعار السائد بينهم:اللهم أسألك نفسي والمدخنون عادة هم الفئة الأكثر تأثراً بين فئات المجتمع بالحروب وما أن يستشعروا بقدومها حتى يسيحون في الأرض بحثاً عن مزيد من السجائر لتخزينها للأيام القادمة والتي لا يعرف أحد نهاية لها ويستغلّ الباعة غياب الرقابة الحكومية والحالة النفسية للمدخنين ويُغيّبون الرقابة الإلهية على أنفسهم ويقومون بإخفاء السجائر ليرفعوا سعرها لأنهم يعتقدون أنهم مهما رفعوا من سعرها فهناك من سيدفع ويشتريها.

imagesCADUMQY3
وصلت شحنة من السجائر الهندية 

هكذا أصبحت حياتنا في الكويت بعد 2 أغسطس 1990 الناس تشتري لتخزن والباعة يُخفون البضاعة لكي يرفعوا سعرها بدون رقيب أو حسيب والباعة يرفضون بيع كل ما عندهم على أمل أن يحصلوا على سعر أعلى في المستقبل استمرت هذه الحالة على ما هي عليه إلى أن جاء وقت اختفت فيه السجائر تماماً من الكويت بقينا على هذا الحال إلى أن وصلت شحنة من السجائر الهندية وهي ليست كالسجائر في شيء إلا في اسمها إلا أنها بيعت بأسعار خيالية بعد نفاذها وصلت شحنة من السجائر القبرصية المنتهية مدة صلاحيتها فهي كالعيدان في صلابتها جافة كأنها خرجت من الفرن الآن رائحة الرطوبة تخرج منها وكأنها كانت في منجم واستغل الباعة الظروف وباعوها حتى وصل سعر العلبة منها عشرون ديناراً. 

imagesCASBX4H2
أعطيت الممرض كل ما عندي من سجائر 

أما نحن الذين بقينا في الكويت ولم نخرج منها فكنا بدون عمل نجتمع ليلاً في إحدى الشقق ليروي كل واحد منا قصة صراعه اليومي مع الحياة فقد صغرت أحلامنا وأصبحنا مشغولين في تدبير لقمة العيش ليس إلا في أحد هذه الأيام روى لنا مُمرّض يعمل في مستشفى الأمراض العقلية أن مريضاً أعمى يضع إصبعه في فم مريض آخر مثله ويوهمه بأن إصبعه سيجارة ويُصدق الأعمى ذلك ويدخن إصبع صاحبه على أساس أنه سيجارة تأثرت في هذا الموقف وسألت المُمرض عن عدد المدخنين عنده فأجاب الممرض:حوالي الأربعين فأعطيته كل ما عندي من سجائر عن طيب خاطر كي يعطي كل مريض سيجارة!.

21a-na-122191
نصب الجيش العراقي نقاط تفتيش في كل مكان 

وفي هذه الظروف الصعبة نصب الجيش العراقي نقاط تفتيش في كافة الطرق لدواعٍ أمنية كما كانوا يزعمون وعندما كنت أقف أمام جندي نقطة التفتيش ويرى أنني أحمل سجائر يطلب مني واحدة بدلاً من أن يطلب هويتي الشخصية فأعطيه مُكرهاً – لا كما أعطيت المرضى في مستشفى الأمراض العقلية – وأذهب للنقطة التي بعدها فيطلب هو الآخر سيجارة فأعطيه وهكذا إلى أن أصل البيت فأكون قد أنهيت كل سجائري.

untitled
أصفط على اليمين وإفتح الدبة 

أما إذا حاولت إخفاء سجائري عنهم فلن أستطيع إخفاء أسناني التي تكشف أنني مدخن وعندما أقترب من نقطة التفتيش يطلب مني الجندي الواقف سيجارة فإذا قلت له:لا أدخن فينظر إلى أسناني فيعلم أني غير صادق معه عندها يقول لي:اصفط على اليمين وافتح الدّبة والجيبة أي قف على اليمين وافتح صندوق السيارة والمحفظة الأمامية ولا يُفتش سيارتي كما هي وظيفته بل يفتش عن سجائري!فإذا وجدها يطلب مني واحدة فأعطيه مُجبراً أما إذا لم يجد ما يبحث عنه فستبقى واقفاً على يمين الطريق إلى أن يُجبرك على التدخين فتدخن وعندها سيطلب منك سيجارة ويقول لك:مع السلامة عيني في أمان الله وفي حال عاندت ولم تدخن في فترة الوقوف الإجباري هذه فأنت بذلك قد وضعت نفسك مع أعداء الأمة العربية وعليك أن تتحمّل النتائج المُترتبة على ذلك!.

مشاهد عراقية بعيون فلسطينية من حرب الخليج