الكاتب: جــمــيــل عــبــود
لا ناصحاً ينصح… ولا منصوحاً يسمع

كانت مدارسنا في الماضي تربي طلبتها على الأخلاق والقيم بعد أن تعلمهم العلوم الدنيوية النافعة، وكانت هذه المدارس لا تكتف بالتربية والتعليم فقط بل كانت تعدهم وتهيئهم للمستقبل منذ نعومة أظافرهم دون أن يعلم هؤلاء الطلاب، فكانت على سبيل المثال لا الحصر تعطي كل طالب في الصفوف العليا فيها قطعة صغيرة من أرض المدرسة ليقوم بزراعنها بطريقته الخاصة ويكون مسؤولاً عنها وعن حمايتها حتى آخر العام وكان على كل طالب منهم أن يختار ما يزرعه فيها كي يتميز بقطعته عن أقرانه الآخرين.

وفي آخر السنة كانت تؤلف لجنة برئاسة مدير المدرسة وعدد من المدرسين لتقييم طلبتهم من خلال قطعهم المزروعة ولن أنس نصيحة أستاذي لي قبل أن تأتي اللجنة لتقيم قطعتي عندما قال لي: عشّب ما تزرع يا بُني. والتعشيب لمن لا يعرفه من جيل هذه الأيام هو خلع الأعشاب والحشائش البرية التي تنمو بين نباتات المحصول وإتلافها، فهي في العادة تكون كثيرة ومتنوعة فإن تُركت على حالها فقد تحجب الشمس والهواء عن المحصول وتشاركه في غذائه وتضعفه وقد تميته أحياناً.

هذا ما كان يحدث في مدارس الماضي، أما ما يحدث في مدارس هذه الأيام فليس مطلوباً منها إلا أن تعد طلبتها لحفلة التخريج في نهاية العام وتحتفل معهم دون أن تحملهم أي نوع من المسؤولية فيبقى الطلاب على حالهم إلى أن يتزوجوا ويفتحوا بيوتاً، بعد أن يتعبوا ويكدوا في الحصول عليها ويزرعوها بالبنين والبنات دون أن يجدوا من ينصحهم ويقول لهم: عشِّبوا ما زرعتم، فأساتذة اليوم أصبحوا ملاحقين من الجميع يلهثون وراء لقمة عيشهم فلا وقت لديهم كي ينصحوا طلابهم ولو نصحوا لن يجدوا من الطلاب من يسمعهم، لهذا فقد أحاطت بأولادهم وبناتهم الأعشاب والمهلكات من كل جانب دون أن يعملوا على تعشيبها فلا ناصحاً يريد أن ينصح ولا منصوحاً يريد أن يسمع.
مقالات
لا تـصـنـع الـمـعـروف فـي غـيـر أهـلـه

خرج قوم للصيد في يوم من الأيام، وبينما هم كذلك تعرضت لهم (أم عامر) وهي أنثى حيوان الضبع، فطردوها وطاردوها حتى ألجؤوها إلى بيت أعرابي من الذين يسكنون في تلك المنطقة، فقال لهم الأعرابي: ما شأنكم؟ فقالوا له: نريد صيدنا وطريدتنا التي دخلت في حِماك، فأجابهم: كلا والذي نفسي بيده، لن تصلوها ما دام سيفي بيدي بعد أن استجارت ببيتي. فرجع القوم وتركوها في ضيافته ولم يُقصّر الأعرابي في إكرامها، فأحضر لها الحليب والماء فأخذت تشرب ونام الأعرابي قرير العين بعد أن استطاع تخليصها من أيدي هؤلاء الصيادين.

وبعد أن شبعت (أم عامر) من الحليب الذي قدمه لها هذا الأعرابي الشهم الكريم انقضت عليه فبقرت بطنه وشربت دمه وأكلت عظامه، ثم غادرت بيته. وفي اليوم التالي حضر ابن عم لهذا الأعرابي (المغدور) لزيارته في بيته فوجده صريعاً وفي أبشع صورة، فالتفت إلى موضع (أم عامر) في البيت فلم يجدها في مكانها، ففهم ما كان قد حصل منها تجاه ابن عمه وعلى الفور استل سيفه من غمده وبدأ يقتفي أثرها في البراري والقفار حتى أدركها فقتلها في الحال وأنشد يقول:
ومـن يـصـنـع الـمـعـروف فـي غـيـر أهـلـه يـلاقـي مـا لاقـى مـجـيـر مـن أم عـامــــــــر
أدام لـهـا حـيـن اسـتـجـارت بـقـربــــــــــــه قـراهـا مـن ألـبـان الـلـقـاح الـغـزائـــــــــــــر
وأشـبـعـهـا حـتـى إذا مـا تـمـــــــــــــــــلأت فـرتـه بـأنـيـاب لـهـا وأظـافــــــــــــــــــــــــــر
فـقـل لـذوي الـمـعـروف هـذا جـزاء مـــــن غـدا يـصـنـع الـمـعـروف مـع غــيــر أهــلـــه
الدنيا حكايات
ناقصات عقل ودين

في بلادي العربية يقولون عن النساء (كل النساء) أنهن ناقصات عقل ودين ويعتبرون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في المحاكم أي أن المرأة (أية امرأة) كانت قد درست وتعلمت وعملت وتوظفت وربما استوزرت في بعض البلدان وبهذا (النصف) اختارت وتزوجت وحملت وأنجبت وأرضعت وأنشأت وربّت فكيف لو كان عقلها كاملاً؟ أما آن لنا أن ننظر لهذا النصف بما هو أهلُ له؟.
كل شيء عن المرأة
الصين تصنع والعرب يستهلكون

كنا في الماضي القريب نحتفل في قدوم شهر رمضان المبارك كل بطريقته الخاصة فالأطفال منا كانوا يفرحون لتغيير موعد ونوع وجبات الطعام حتى وإن قل عددها أما العمال والصناع والزراع منا فكانوا ينتظرون قدوم هذا الشهر المبارك لزيادة الإنتاج فالمزارع منهم كان يزرع ويحصد لنأكل والطالب كان يجد ويجتهد لينجح والبنّاء كان يبني البيوت ليفرح ساكنوها الجدد على الرغم من بساطتها ولم نكن نُزيّن بيوتنا بهلال ولا بنجمة ولا بحبال مضيئة من صنع الصين.

أما في رمضان هذه الأيام فانقلب حال الناس وأصبحوا ينامون في النهار ويسهرون في الليل ويقيمون الأفراح والليالي الملاح ويتسابقون فيما بينهم على تزيين موائدهم وبيوتهم من الداخل ومن الخارج بحبال وأشكال مضيئة صنعتها لهم دولة الصين العظيمة ليعلقوها في شوارعهم وعلى أسوار بيوتهم بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك حتى أن هذه الموضة وصلت إلى أهلنا في قطاع غزة فها هي عائلة منكوبة تعيش في العراء لكنها تصر على تزيين ما تبقى من بيتها بأحبال الزينة ونسوا أو تناسوا مثلهم المشهور:إن راح البيت فلا أسفاً على الخوابي.
من كل بستان زهرة
قـبـل أن يـتـحـول الأخـوة إلـى أعـداء

في تاريخ كل أسرة من أسرنا العربية أسرار مؤلمة، ولكن بعض هذه الأسر تستطيع الاستمرار في العلاقات بين أفرادها بشيءٍ من الحب والتفاهم وبقليل من التنازل والتسامح بين أفرادها، بينما يعجز الكثير من أفراد هذه الأسر على الاستمرار في علاقة الحب والتسامح بين أفرادها. ولمعرفة الأسباب التي تؤدي إلى تشتت أفرادها علينا أن نعلم جيداً أن العلاقة بين الإخوة والأخوات يتم تحديد معالمها الرئيسية في العمر من سنة إلى تسع سنوات، وعلى الآباء والأمهات في تلك السنوات الأولى تقع مهمة تحرير الأبناء والبنات من المشاعر السلبية في هذه الفترة الحرجة من أعمار أطفالهم.

وعلى هؤلاء الآباء والأمهات أيضاً تقع مهمة تدريب أطفالهم على اللعب مع بعضهم البعض بشيءٍ من الحب والتسامح والتنازل والإنصاف والعدل فيما بينهم، وتعليمهم منذ الصغر على كيفية إدارة صراعاتهم الطفولية الصغيرة دون أن تخلف في نفوسهم رواسب وأحقاد على إخوتهم، وعلى هؤلاء الآباء والأمهات أيضاً أن لا يتركوا أحداً من أطفالهم ينام حزيناً أو مقهوراً من أحد إخوانه أو أخواته إلى اليوم التالي.

وعلى هؤلاء الآباء والأمهات كذلك أن يعطوا كل ولد من أولادهم الفرصة الكافية والمجال الكافي للحديث والتعبير عن أسباب غضبه من أخيه أو غضب الأخت من أخيها، ومناقشة كل واحد منهم على حدة كشخص بالغ عاقل، وليس كطفل صغير لا يفهم. وعليهم أيضاً احترام عواطف الأبناء وعدم لومهم أو تقريعهم على ما كان قد صدر منهم من أخطاء، وعلى الجميع أن يعلم أن الإخوة (الأعداء) هم غالباً نتيجة لسوء إدارة الأبوين لمهماتهما في هذا العمر وبالتحديد في تعليم الأبناء كيف يختلفون ويخسرون ويكسبون من دون أن يكره أحدهما الآخر.

ومع كل هذه التوصيات للأهل فهناك حالات كثيرة لا يكون للآباء والأمهات فيها ذنب كبير. وذلك عندما تكون شخصية الإبن الأكبر (عدوانية) وشخصية أحد إخوته (لوّامة)، فقد يكون الأخ الأكبر عدائي بطبعه وغيور وحسود وعنيف وأناني، وقد يكون الأخ الأصغر يبحث عمّا يلومه عليه، فإن لم يجد شيئاً يلومه عليه الآن فسيذكره بحادثة قديمة كان قد قدم له فيها معروفاً في يوم من الأيام ولم يشكره عليها، أو قد يذكره بأنه كان في يوم من الأيام لم يسمح له باستعارة شيءٍ ما من عنده، ومثل هذه الشخصية اللوامة تجمع كل ما يؤذيها من إخوتها وأخواتها مهما كانت هذه الأشياء صغيرة أو تافهة وتجعل منها أمراً كبيراً سيلومهم عليه مهما طال الزمن.

ومع مرور الأيام والسنين يزداد هذا الأخ الأكبر عناداً ومكابرة، ويزداد كذلك لوم إخوته وأخواته له أكثر فأكثر، وقد ينضم إليهم أحد الوالدين أو كليهما. ومع مرور الأيام والسنين يقاطع الأخ الأكبر إخوته، وقد تمتد هذه المقاطعة لتصل إلى أهله دون أن يكون لديه مستمسك واضح أو حادثة معينة تسببت في عداوته لأخوته وأخواته وأهله، بل إن كل ما لديه من شعور هو عبارة عن مشاعر سلبية تراكمية مختلطة كانت قد تكونت بداخله مع الزمن.

أما كيف تتكون في داخل الولد الأكبر مثل هذه المشاعر السلبية التي قد يحتفظ فيها إلى الأبد، فقد يشعر هذا الأخ الأكبر بأنه ليس محبوباً من قبل أفراد أسرته أو من قيل والديه، وقد يشعر بالأحقية في أن يكون هو الأفضل والأول في كل شيء، وقد يشعر بفقدان والديه بعد أن امتلكهما فترة من الزمن عندما كان وحيدهم، وعليه لا بد له من السيطرة على إخوته الآخرين، وإذا لم يتحقق له ذلك فلا يشعر بالانتماء لهذه الأسرة، ومما يزيد الطين بلة أن هذه الأسرة نفسها لا تعترف بوجود مثل هذا الخلاف الدفين بين الأخوة، لا بل تتستر عليه دون أن يعلموا أن علاقة الأخوة علاقة محفوفة بالغيرة والتنافس والطمع وتعارض المصالح أحياناً (بعكس العلاقة بين الآباء وأبنائهم)، ولنا في قصة سيدنا يوسف عليه السلام مع أشقائه أفضل الأمثلة.

والعجيب في هذا الموضوع أن السبب في هذه الخلافات بين الأخوة موجود في رأس كل واحد منهم، ولكن من يجرؤ على فتح النقاش حول هذا الخلاف بكل صراحة؟ومن يقبل منهم أن يعترف بخطئه ويعتذر للآخر؟ ومن منهم يمكن أن يسامح بحقه؟ ثلاثة عناصر لا يبدو أن تنفيذها سهلٌ ولكن فيها الحل الذي يؤجله الجميع. ويظل السؤال الأهم هو من سيبدأ بهذه المبادرة ويحتمل ما قد يزعجه ويسيء إليه من كلام ولوم أو نفور وفظاظة؟ لا بد لأحد من الطرفين أن يبدأ فهل ستكونين أنت أم تكون أنت؟ أم ترون أنه من الأفضل المقاطعة على فتح باب الماضي والخلافات؟
مقالات
تـوزيـع الـغـنـائـم

يُذكّرني شهر رمضان المبارك كل عام بأحداث كانت قد وقعت معي في الأيام التي قضيتها بالتدريس، ففي إحدى السنوات كانت قد تفتّقت قريحة أحد أذناب مدير المدرسة التي كنت أعمل بها، وما أكثرهم، عن خطة جهنمية قام بوضعها شخصياً. كانت هذه الخطة تقوم على أن يدفع كل طالب 25 ديناراً مقابل أن يقوم المدرسون بتدريسهم المواد الأساسية بعد الدوام، وكانت حجته في ذلك أن تكاليف الدروس الخصوصية تقصم ظهر ولي الأمر وتقلل من هيبة المدرس.

وقد استطاع هذا الذنَب أن يحصل على فرمان بذلك من مديره بسهولة، وبعد صدور ذلك الفرمان لا يستطيع أحد من المدرسين أن يناقشه أو يعترض على خطته، فهو يستظل بظل المدير وما عليهم إلا التنفيذ. نفذ المدرسون ما طُلب منهم على مضض، وعندما حان وقت تقسيم “الغنائم” وإذا بها توزع كالآتي: 500 دينار لحضرة المدير، ومثلها لمساعده، ومثلها للمشرف الذنَب صاحب الفكرة ومنفذها، ومثلها ثمن قرطاسية وطباشير، ثم بعد ذلك تم توزيع الفتات على المدرسين.

وفي كل رمضان أستطيع أن أتعرف على أسماء كل رؤساء الأقسام في وزارة الأوقاف، وعلى أسماء جميع أنواع المفتين في المملكة بسهولة، كما أستطيع كذلك أن أتعرف على أسماء كل دكاترة الشريعة في الجامعات الأردنية، بعد أن يتناوبوا على تقديم برامجهم في شهر رمضان المبارك في أجهزة الراديو والتلفزيون، وهي برامج متشابهة لا تختلف عن بعضها البعض إلا في العنوان فقط.

فمنهم من يسمي برنامجه (بعد الغروب)، ومنهم من يسميه (بعد الفطور)، ثم يقوم كل منهم بقراءة (ورقة) كان العزيز (جوجل) قد أعدّها له سلفاً، وما عليه إلا قراءتها على المستمعين والمشاهدين الكرام. وفي نهاية الشهر الكريم يقومون بتوزيع الغنائم على بعضهم البعض كما كانوا قد وزّعوها في المدرسة، وهي بالتأكيد لن تكون متساوية بل تعتمد على منصب كل واحد منهم وما أن يقبضوا المعلوم حتى تجدهم يدخلون في سبات عميق لن يصحوا منه إلا في رمضان القادم.
الدنيا حكايات
قـول عـلـى قـول

كنا قد وصلنا مدينة (قرطبة) عاصمة الدولة الأموية في الأندلس ظهراً، وبعد أن قمنا بتأكيد الحجز في الفندق فضّلنا أن نقوم بجولة سريعة في حاراتها وشوارعها مشياً على الأقدام لنرى قرطبة على أرض الواقع، فكان كل ما رأيته يذكرني ببلادي العربية. وما أن رأيت إخوتنا الإسبان وهم يقطفون أزهار الياسمين من حدائق بيوتهم الجميلة حتى تذكرت أهلنا في دمشق وهم يحاولون أن يبعدوا القنابل والبراميل المتفجرة عن ياسمين دمشق العريق.

وما أن شاهدت نخيل قرطبة حتى تذكرت في الحال نخيل العراق الحزين، وما أن رأيت القصور الجميلة والمباني الفخمة القديمة والشوارع الضيقة المبلطة بالحجر حتى تذكرت مدينة حلب الشهباء ومثلها مدينة دمشق الفيحاء ومثلها مدينة نابلس عاصمة جبل النار. وما هي إلا لحظات قليلة حتى همس في أذني صوت ليقول: قرطبة ابنة حلب، وحلب ابنة اسطنبول فكيف يا عرب تسكتون على حلب وهي تقصف بالبراميل المتفجرة؟ تابعنا سيرنا حتى وجدنا أنفسنا في حارة اليهود، والتي استوطنوها منذ أيام الحكم الإسلامي.

بدأت أتوجس خيفة من هذا المكان المفاجئ، وتذكرت على الفور أنه يُمنع علينا كفلسطينيين من دخول حارات اليهود وكذلك المستعمرات اليهودية في فلسطين. لكن ما خفف من روعي أنني لم أشاهد أسلاكاً شائكة مكهربة ولا أنفاقاً تحيط بما يسمى بحارة اليهود هذه من كل جانب، ولم أشاهد حاملي الأسلحة (من الجنسين) من كافة الأنواع والألوان وهم يمشون في الشوارع والميادين والأسواق.

بدأت أُحَدّث نفسي: ها هم أجدادنا العرب الأوائل من آلاف السنين كانوا قد أعطوا الناس حقوقهم، لا بل احتضنوا اليهود في الماضي وأعطوهم الأمن والأمان في بلادهم، حتى أنهم حافظوا على اسم حارتهم كما هي. بينما اليهود في فلسطين في هذه الأيام صادروا الأرض وطردوا سكانها الأصليين وجاؤوا بحثالة الشعوب من كل صوب وأسكنوهم في القرى والمدن الفلسطينية بعد أن غيروا أسماء كل شيءٍ فيها.

وقبل أن أنتهي من هذا الحوار مع نفسي، وإذا بشيءٍ يلفت انتباهي أكثر مما كنت أفكر به وما أن اقتربت منه أكثر وإذ به ماء سبيل في الشارع العام على شكل أسطوانة من الغرانيت يعلوه حنفية متجهة للأعلى وتصب في حوض صغير، وبجانب هذه الأسطوانة دواسة من الحديد فإذا أردت أن تشرب الماء البارد فما عليك إلا أن تدوس بقدمك على هذه الدواسة فتخرج المياه من الحنفية على شكل نافورة، وبعد أن تشرب وترتوي من هذه المياه الباردة ما عليك إلا أن ترفع قدمك عن هذه الدواسة فيقف نزول الماء فوراً وبعد أن شربنا منها وقفت بجانبها مندهشاً مما صنعه الأجداد.

في هذه الأثناء تقدم نحونا رجل يركب دراجة هوائية ويغطي رأسه بطاقية إسبانية إلا أن ملامحه عربية، وما أن وصلنا قال لنا: السلام عليكم أكيد أنكم عرب؟ فسألته في الحال: أأنت عربي مثلنا؟ قال: نعم أنا من المغرب، وإن أردتم مرشداً لكم في جولتكم هذه فأنا مستعد لذلك. وافقنا على الفور وبدأ يشرح لنا عن تاريخ العرب في قرطبة وفضلهم على الإسبان وعلى الإنسانية جمعاء. بعد ذلك رأيت أن أدخل مع هذا المرشد المغربي في حوار أحببت أن أنقل للقارئ جزءاً هاماً منه.

قلت:منذ متى وأنت تقيم في قرطبة؟.
قال:منذ خمس سنوات.
قلت:لماذا اخترت أن تقيم في إسبانيا وفضلتها على بلادك العربية؟
قال: بلادي العربية من المحيط إلى الخليج لا تصلح للإقامة الدائمة فيها، لأنه لا حاضر ولا مستقبل لمن يعيش على أرضها، فمن العرب من ترك دنياه ولا زال يعيش على أمجاد أجدادهم وكأنهم كانوا قد ساهموا فيها ومنهم ما زال يعيش بعقلية القرون الوسطى.

قلت: لماذا هذا التجني على العرب؟ولماذا تتعمد جلد الذات؟ ألم يكن العرب سادة العالم في يوم من الأيام؟ ألم يبني لك العرب قرطبة التي تعيش فيها أنت الآن؟
قال:أرجوك أن لا تعد بي إلى الماضي البعيد فأنا كنت قد شبعت من الكلمات والعبارات المعلبة التي كانوا قد درسوها لنا في المدارس عن إيجابيات الماضي ونسوا سلبيات الحاضر لا بل يتناسون أن هناك أناس في بلادنا العربية تخصصوا في تخريب عقول شباب الأمة.

قلت: ومن هم هؤلاء الذين تقصدهم؟كانت حجتكم في الماضي الإستعمار وكنتم تعلقون عليه سبب تخلفنا أما اليوم فقد رحل الاستعمار عن أراضينا منذ زمن بعيد ولم يعد له من وجود بيننا.
قال:قبل أن نكمل حوارنا مع بعضنا البعض دعني أتعرف عليك أولاً فهل أنت ممن يعترفون بالآخر حتى ولو اختلف معك؟ أم ممن يكفرونه ويخرجونه من الملة لو عارضهم في رأي أو قضية؟

قلت: أنا يا سيدي من الذين يستخدمون عقولهم عند سماع القول، وما لا يعترف به عقلي من هذا القول أرفضه مهما كان قائله. زد على ذلك أنني لست ممن يعتنقون الأفكار المعلبة فلا تخف، خذ راحتك في كل ما تريد أن تقول لي.
قال: في بلادنا العربية يقولون لنا عبارات وجمل معلبة وأفكار ما أنزل الله بها من سلطان فعلى سبيل المثال لا الحصر يقولون لنا:كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
قلت: وما الضير في هذا؟
قال: هذا الكلام برأيي يقتل الحرية الشخصية للفرد لا بل يلغي خصوصيته عندما يُعامل كغنمة بحاجة لمن يرعاها. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الرعاة سيكونون في هذه الحالة مختلفين في كل شيءٍ وكل راع منهم سيقود قطيعه لأهدافه الخاصة وبطريقته التي يريدها. أما هنا في الغرب فالناس ليسوا بقطيع ولا يحتاجون إلى راعي فلا راعي للناس غير القانون فهو السيد وهو الحكم.

قلت: عندنا يا سيدي قانون مثل ما عندهم لكننا دائماً معجبون بالأجنبي.
قال: قانونكم يا سيدي يضعه لكم الحاكم ويزول هذا القانون بزوال هذا الحاكم، أما هنا في الغرب فالشعب هو الذي يضع القانون ويحافظ عليه ويرعاه، هذه واحدة.
قلت: وما هي الثانية؟
قال: شعوبنا العربية في بلادها من المحيط إلى الخليج تسير على مبدأ من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان.

قلت:ألا تعلم بأن ما قلته هو حديث نبوي شريف؟
قال: أعلم أن ما أقوله هو حديث شريف وعلى الرغم من ذلك قد يخرب مثل هذا الكلام الأمة كلها، لأن المنكر مُختلَف عليه من بلد إلى آخر، فما تراه أنت منكراً قد لا يراه غيرك كذلك. فعلى شعوبنا العربية أن تحدد المنكر أولاً ثم تتفق عليه ثانياً وهذا لن يتم إلا إذا ساد القانون بينهم، لأنه هو الذي سيحدد المنكر وهو الذي سيجتثه من جذوره.

كل شخص يحدد المنكر ويتخلص منه بطريقته الخاصة
أما أن يُترك الحبل على الغارب لكل شخص في بلادنا العربية بأن يحدد المنكر الذي يراه هو مناسباً ويتخلص منه بطريقته الخاصة فهذا هو قمة الفوضى والارتجال. وإذا لم تصدقني فيما أقول انظر لما حدث ويحدث في كل البلاد العربية الآن، فكل شيخ يحدد المنكر الذي يريده بلسانه وعلى أتباعه التغيير كل بطريقته الخاصة ومعظم هؤلاء المنفذين لن يكتفي باليد للتغيير بل يستخدم كافة أنواع الأسلحة في القضاء على من يختلف مع شيخه.
مقالات
لا يعرف ابن الحرام إلا ابن حرام مثله

كان لأعرابي أبناء ثلاثة، أسماهم جميعاً عبدالله، وعندما حضرته الوفاة نظر إلي أبنائه الثلاثة وقال: عبدالله يرث وعبدالله يرث وعبدالله لا يرث وخرجت روحه على الفور، فأصبح كل عبدالله منهم ينوء بنفسه عن من لا يرث واحتاروا في أمر عبدالله الذي لن يرث، فقرروا أن يستفتوا أحد القضاة في ذلك فذهبوا إلي قاضي من قضاة المدينة المنورة وعندما دخلوا على هذا القاضي قال لهم: ما قضيتكم يا أولادي؟ فقال أحدهم: قضيتنا يا سيدي أن أبونا كان قد سمّاني عبدالله وأخي هذا سمّاه عبدالله وأخي هذا فسمّاه أيضاً عبدالله وعند موته قال: عبدالله يرث وعبدالله يرث وعبدالله لا يرث وأصبحنا في حيرة من أمرنا في من يرث ومن لا يرث.

استغرب القاضي ما سمعه من الأخوة الثلاثة وقال لهم: قضيتكم يا أولادي تختلف عن كل القضايا التي مرّت عني وهي بحاجة إلى تدقيق وتمحيص أكثر من غيرها لهذا أنتم ستكونون ضيوفي في هذه الليلة وتنامون عندي في بيتي، وبعد أن تُصلّون الصبح تأتون إلي دار القضاء لنحل لكم مشكلتكم هذه، وأرسل قبلهم عيناً كي يسمع ماذا يتحاورون فيما بينهم. وعندما أدخلهم القاضي دار الضيافة وقبل أن يرسل لهم طعام العشاء وإذا بأحدهم يقول لإخوانه: إنتبهوا جيداً إن عيناً تتجسس علينا في هذا البيت.

وبعد بضع ساعات قدم الخادم إلى مكان إقامتهم ومعه طعام العشاء الذي كان يحتوي على اللحم والخبز والمرق وما أن وضعه الخادم أمامهم حتى مدّ الولد الأول يده ليأكل من هذا الطعام وإذا به يقول منبهاً لإخوته: انتظروا فلا تأكلوا من هذا اللحم لأنه لحم كلب ونظر الولد الثاني الي أرغفة الخبز المرافقة للطعام وقال: إن المرأة التي خبزت هذا الخبز هي إمراة حامل في شهرها التاسع أما الولد الثالث فقال: والقاضي الذي سيقضي بيننا هو ابن حرام.

وفي الصباح صلّوا صلاة الصبح ثم دخلوا على القاضي وكانت العين التي كانت تتجسس عليهم قد نقلت للقاضي ما دار بين الأخوة من أقوال فقال لهم القاضي: قبل أن نبدأ بحل قضيتكم عليكم أن تجيبوني على ثلاثة أسئلة أولها: ما الذي جعلكم تقولون عن اللحم الذي قُدّم لكم أنه لحم كلب؟ فردّ عليه الولد الأول وقال: أيها القاضي إن اللحم الذي نأكله في العادة يبدأ بالعظم ثم اللحم ثم الشحم أما ما قدم لنا من لحم فكان يبدأ بالعظم ثم الشحم ثم اللحم فعلمت أن هذا اللحم هو لحم كلب فنادي القاضي على الطباخ وقال له: ماذا طبخت لهم بالأمس؟ فقال له الطباخ: بعد أن كلفتني يا مولاي بإعداد الطعام تأخر قطيع الأغنام في المرعى ولم أجد غير كلب بجانبي فذبحته لهم.

وأضاف القاضي أما سؤالي الثاني لكم: كيف عرفتم أن المرأة التي خبزت أرغفة الخبز المرافق لطعامكم حاملاً وفي شهرها التاسع؟ ققال له الولد الثاني: لقد وجدت أن الأرغفة منتفخة من جهة واحدة فقط، والمرأة في شهرها التاسع تكون بطنها أمامها، فلا تستطيع أن تميل يدها في الفرن لتدير الرغيف حتي يستوي من جميع جوانبه، وفي الحال سأل القاضي عن من خبزت خبز العشاء؟ فقالوا له أن من خبزت العشاء هي أم فلان وهي حامل في شهرها التاسع.

وأما سؤالي الثالث لكم: من الذي قال عني (والعياذ بالله) بأنني لست إبن حلال؟ فقال له الولد الثالث: أيها القاضي إن ضيوفاً حلّوا على قاضي عدل مسلم ليتحاكموا ويتقاضوا بين يديه في قضية تشغل ثلاثتهم، ثم يقوم هذا القاضي ويرسل عيناً تتجسس عليهم فيما يقولون ويفعلون في الليل والنهار، لا يعملها إلا قاضي ابن حرام وفي الحال دخل هذا القاضي على أمه فأقرّها بما كان قد سمع منهم فأقرّت له بذلك واعترفت بما كانت قد فعلته في الماضي البعيد.


