الزرب أكلة الحرامية


253970_234785196537743_1394072_n1
حرامية زمان
images-22
حرامية اليوم

في الماضي القريب كان عدد (الحرامية) في كل قرية أو مدينة عربية (إن وجد) قليلاً جداً يُعد على أصابع اليد الواحدة، وهؤلاء الذين كانت تجبرهم ظروفهم على هذه المهنة فعليهم أن يتقيدوا بكل متطلباتها، وهي أربعة شروط يجب توافرها جميعاً للانتساب إلى نقابة الحرامية، أولها أن يكون هذا المنتسب الجديد (مُعدَماً) أي لا يمتلك قوت يومه، أما ثاني هذه الشروط أن لا يسرق هذا الحرامي شيئاً يمتلك مثله، وثالثها أن يقر ويعترف بأن ما يقوم به عمل “منكر” لا يقره أحد وعليه إخفائه أو على الأقل عدم الجهر به علانية أمام الناس، وآخر هذه الشروط أن لا يُدخل شيئاً مما كان قد سرقه إلى بيته، وأن لا يطعم منه عائلته. كانت هذه الشروط الواجب توفرها في حرامية الأمس، فمن خالف إحداها عليه التوبة من أفعاله كما يصبح منبوذاً حتى من مجتمع الحرامية نفسه. 

DSC00050
تجهيز اللحمة

وكان تذوق لحم الخاروف البلدي المشوي أو تذوق الدجاج المشوي هو كل ما يطلبه ويشتهيه حرامية أيام زمان، لأن هذه اللحوم غير متوفرة لديهم، ولا يجدونها في بيوتهم، فيضطرون  لسرقتها من بيوت جيرانهم القريبين أو البعيدين عنهم، وكان عليهم في جميع الحالات أن يراعوا شروط مهنتهم التي تمنعهم من أكل ما سرقوا داخل بيوتهم، لذا كان لا بد لهم من اختراع طريقة جديدة لأكل هذه اللحمة المسروقة وملء بطونهم منها دون أن ينكشف أمرهم على أحد، فاخترعوا أكلة خاصة بهم سموها (الزرب).

???????????????????????????????
اللحمة وقد انشوت داخل الحفرة

فكانوا يذهبون إلى (الخلاء) بعيداً عن أعين الناس ومعهم ما سرقوا من لحوم أو دجاج، ثم يقومون بحفر حفرة عميقة في الأرض يملؤونها بالحطب والخشب ويشعلون فيها النار، وينتظرون عليها حتى تخبو شعلتها ويلمع جمرها وتشتد حرارتها، ثم يضعون فيها اللحم أو الدجاج المسروق بعد تنظيفه وتقطيعه وتغطيته بغطاء حديدي محكم، ثم يقومون بتغطية كامل الحفرة بالتراب. وبعد ساعتين من الزمن يفتحون الحفرة فيجدون اللحمة قد احمرت وانشوت فيأكلونها دون ضجة أو جلبة.

???????????????????????????????
اللحمة بعد خروجها من الحفرة

هكذا كان حرامية أيام زمان، فقد كانوا قنوعين جداً، فهم لا يسرقون إلا سراً ولا يسرقون شيئاً يمتلكون مثله، وهم إن سرقوا فيسرقوا ليأكلوا هم فقط ولا يُطعمون عائلاتهم مما سرقوا. أما حرامية هذه الأيام فحدث ولا حرج، فأول عمل قاموا به هو كسر قواعد مهنتهم، فلم يعد السارق هو الشخص المعدم بل أصبح من يملك أكثر من غيره، ولم تعد السرقة من أجل تذوق الأكل الذي كان يفتقده فقط، بل أصبح هدف السرقة أن يكون السارق أغنى من الأغنياء، كما تحولت المجاهرة بالسرقة إلى مدعاة للتفاخر بينهم في دواوينهم، وفقد سؤال “من أين لك هذا؟” إجاباته عند معظم هؤلاء.  

1a_zpsa91b0409
وأصبح للحرامية سوق في كل كل مدينة عربية

ولم تعد السرقة تجلب العار لأصحابها بل أصبحت مفخرة لهم ولأولادهم من بعدهم. ولم تعد حفرة الزرب التي يحفرونها في الخلاء كما كانت في الماضي، بل أصبحوا يحفرون هذه الحفرة في داخل بيوتهم حتى قبل أن يتم بناؤها، لا بل أصبحوا يتفاخرون بها بين الناس. ولم تعد أكلة الزرب أكلة للحرامية فقط بل أصبحت أكلة شعبية شائعة في المجتمع العربي بعد أن تذوق الأولاد طعم اللحمة المشوية المسروقة فأعجبتهم واستساغوا طعمها ورائحتها فقرر الكثير من هؤلاء الأطفال أن يمتهنوا هذه المهنة من صغرهم لكن من غير شروطها.

img-20150217-wa00031
سوق الحرامية في دمشق

وتمكن هؤلاء الحرامية الجدد بعد أن تزايدت أعدادهم في مجتمعاتنا العربية أن يستبدلوا ثقافتنا العربية التي ورثناها عن أجدادنا وثقافتنا الإسلامية التي ورثناها عن ديننا الحنيف بثقافتهم الجديدة، ولم يعد ما يقومون به سراً عليهم إخفاؤه بل أصبح لهم في كل مدينة من مدننا العربية والإسلامية سوقاً كبيراً سموه سوق الحرامية دون حياء أو خجل، يعرضون فيه بضاعتهم المسروقة ويبيعون فيه ما يسرقون على مرأى ومسمع من الحكومات المتعاقبة، وهم بذلك انتزعوا اعترافاً من الناس ومن الحكومات أيضاً بمهنتهم (السهلة) بعد أن أصبح الناس يشترون منهم بضاعتهم وهم يعلمون علم اليقين أنها  بضاعة مسروقة.  

الدنيا حكايات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s