الـديـمـقـراطـيـون الـعـرب


المكان:الجابرية /الكويت
الزمان:23 نوفمبر 1990
imagescaale1q1
أبو رحاب 

أبو رحاب ضابط كبير في الجيش العراقي، (نسيت رتبته الآن)، عينته الحكومة العراقية ليكون مسؤولاً عن وزارة التربية والتعليم في الكويت، بعد احتلالها من قبل النظام العراقي، لكنني وإن كنت قد نسيت رتبته، لا يمكن أن أنسى مُسدّسه، وهو يتدلّى من وسطه، ولن أنس نياشينه العسكرية المُرصّعة على كتفيه وصدره، وخاصة عندما أصدر أمراً عسكرياً للأسرة التربوية في الكويت، للإجتماع بشخصه الكريم قبيل افتتاح العام الدراسي، في إحدى الصالات غير المُكيّفة في منطقة الجابرية، ولم ولن أنس كمّية العرق التي نزفت من جسمي في ذلك اليوم، ونحن في أواخر شهر أغسطس، حيث تتزايد الرطوبة في الكويت في هذا الشهر، ولا يمكن كذلك أن أنسى جوابه لنا (نحن المعلمون العرب الذين كنا نعمل في الكويت سابقاً وأصبحت المحافظة التاسعة عشرة من محافظات العراق لاحقاً) عندما طالبناه بدفع مستحقاتنا المادية، ليذهب كل واحد منا إلى بلده.

download (5)
سفن تحميل النفط

أما جواب أبو رحاب لنا عندما طالبناه بدفع مستحقاتنا فكان: العراق كما تعلمون بلاد كل العرب، ومن يقول غير ذلك عليه مراقبة السفن، حتى ترسو على شواطئ الكويت لتحميل النفط، عندها فقط سنطلب منكم أن تأتون إلينا، لندفع لكم مُستحقاتكم، أما اليوم فعليكم الإلتزام بالدّوام المدرسي، في أوّل يوم من أيام العام الدراسي هذا، ومن يتغيّب منكم عن عمله، سيُحرم من مُكافئته المادية، ويُفصل من سلك التربية والتعليم، وسنعتبره من الخاسئين، ثم أكمل كلامه وقال: وليخسأ الخاسئون.

download (2)
أهل الكويت وهم يغادرون بلدهم 

بالنسبة لي وأمثالي من المعلمين العرب في الكويت، كنا قد أسّسنا لحياتنا القادمة، ولم يكن لدينا سيولة تكفينا ذلّ السؤال، لو رفضنا هذا الوضع الجديد، وعُدنا إلى بلادنا، فهل يُعقل أن أعود إلى بلدي بعد هذا الإغتراب الطويل، وأمدّ يدي إلى من هم حولي؟لهذا قبلنا بالواقع المرير، وتحملنا من أجله كل المخاطر، أما أنا شخصياً بعد أن اتخذت قرار الصمود في الكويت، تعرّضت لهجوم آخر من الأهل والأصدقاء على هذا القرار، حتى أنّ أحدهم قال لي بالحرف الواحد: إذا كان أهل الكويت أنفسهم كانوا قد غادروها، فلماذا أنت باقٍ فيها؟.

1333635465__dsc01549_resize_j1
الطالب القدوة

ومع كل هذا الضغط التي تعرضت له من الأهل والأقارب، رفضت مغادرة الكويت، وانتظمت في دوامي، فعينوني مدرساً للرياضيات في ثانوية الجابرية بدلاً من ثانوية عبدالله السالم، وفرضوا نظامهم التعليمي على على التعليم في الكويت، ففي يوم 23 تشرين الثاني من كل عام، يتم اختيار الطالب (القدوة) في كل صف دراسي، على أن يكون هذا الطالب مُهذباً، ومُتفوقاً في دراسته، ومُتعاوناً مع زملائه، كي يكون جديراً بالثقة التي ستمنح له من قبل زملائه الطلاب في صفه، تحت إشراف مدير المدرسة، ومعه معلمون آخرون بعد أن يُنظمون محضراً رسمياً بذلك.

600249_1002029915098_1903163647_s
الفائز بالتزكية فلان الفلاني الذي لم يُداوم أبداً

وكان في الصف الذي كنت أدرسه، طالب مُسجل عندي في كشف أسماء طلاب الصف، إلا أنه لا يداوم أبداً، حتى أنني لم أر وجهه مطلقاً، وقد صادف غيابي عن المدرسة في يوم الانتخابات التي كانت قد أجريت بين طلاب هذا الصف، الذي كنت أدرّسه، فقد غادرت المدرسة لأمر يخصّني في ذلك اليوم المشهود، وعندما عدت في اليوم التالي سألت عن الطالب الفائز بلقب القدوة، فقالوا لي: إنه فلان الفلاني الذي لم يُداوم أبداً، وقد فاز بالتزكية، وبدون مُنازع. حيّرني الأمر واختليت بطالب مُجتهد خلوق، أرشحه ليكون الطالب القدوة، وسألته عن الذي حصل بالأمس، وكيف فاز فلان الفلاني بالتزكية؟ فقال لي هذا الطالب:

download (3)
البرنامج الإنتخابي

عندما سمع فلان هذا عن منصب الطالب القدوة وامتيازاته، حضر في يوم الإنتخابات فقط، وأغلق علينا الباب، وقال لنا: اسمعوا وعوا جيداً أيها الرفاق، أنا لست قدوتكم، ولن أكون كذلك، ولكني أعدكم إذا انتخبتموني أن أقف في وجه المدير والمدرسين، وأحصّل لكم حقوقكم منهم بالقوة إذا لزم الأمر، أما إذا انتخبتم القدوة الحقيقي، فسيكون مؤدباً معهم، ولن يستطيع مُجابهة الإدارة والمدرسين، وبالتالي ستضيع حقوقكم، وأنتم أحرار فيما تختارون، ثم جاء المدير ومعه طاقم الانتخابات، وانتخب طلاب الصف فلاناً هذا، وسجلوا في المحضر الرسمي أنه فاز بالتزكية.

DSC03769
صف دراسي

أكتب لكم ما كان قد حصل في صفّ دراسيّ، لطلاب صغار، لا يعرفون اللفّ ولا الدوران بعد، لكن وُجد من يربط مصالحهم (الوهمية) بنفسه، ويفوز بالقدوة، والسؤال الآن، هل يختلف هذا المشهد كثيراً عن ما يحدث في مُجتمعاتنا العربية؟ فهناك من يخلق أهدافاً وهمية للجماهير، ويربط تحقيقها بنفسه، وعندما ينتخبه الناس ويفوز بالتزكية، تطير  هذه الأهداف دفعة واحدة، ويبقى هو في السلطة، وبعد أن يتمكن منها يُورّثها لأولاده من بعده، ويهدي ما تبقى منها، لأصدقائه وأقاربه ومعارفه.

مشاهد عراقية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

الحــرامـــي


المكان: الشويخ- الكويت
الزمان: أكتوبر 1990
download (1)
وإذا بشخص يشير لي بالوقوف وبإلحاح شديد

كنت أسير يوماً في الطريق الدائري الرابع، وهو أحد شوارع الكويت الذي يسلكه كل قادم أو ذاهب إلى العراق، وإذا بشخص يشير لي بالوقوف، وبإلحاح شديد. تحرّكت فيّ النخوة العربية الأصيلة، وقلت في نفسي، سأقف لهذا الشخص، ربما تكون عنده مشكلة، أستطيع حلها له. قبل أن أقف تماماً، ركض نحو السيارة مسرعاً، وقال: مضى عليّ ساعتان، وأنا أستنجد بالسيارات المارة، ولم يقف لي أحد منهم، فقلت له: وماذا تريد؟.

untitled61
أريد منك أن توصلني إلى أقرب رافعة سيارات

قال: أريد منك أن توصلني إلى أقرب رافعة سيارات، فقلت له:خيراً إن شاء الله، قال: دعمت سيارتي، وأريد تحميلها إلى البصرة لتصليحها، فقلت له: وما حلّ بها بعد أن دعمتها؟ قال: باب السائق ضغط على مقودها، ومنعها من الحركة، فقلت له: إذا تمكنا من إبعاد الباب عن المقعد، هل تستطيع أن تقودها؟ قال: نعم. وبكل نخوة عربية، وسذاجة ريفية، قلت له: إن أجرة الرافعة باهظة جداً، يصعب عليك تحملها، سأربط باب سيارتك، بمؤخرة سيارتي، بحبل أو سلك حديدي، وأحرك سيارتي، وأبعد لك الباب عن المقود، ثم بعدها تذهب بسيارتك إلى البصرة، وتصلحها هناك، فتقل عليك التكلفة.

download
كيف وصلت لهذا المكان؟

وافق الرجل، ولكن ببرود، وقال: لنجرب، فسألته عن مكان سيارته، فقال: هي قريبة جداً، فقلت له: دُلني على مكانها، وانطلقتُ بسرعة قبل أن تغيب الشمس، طالباً منه أن يدلني على مكانها، ولم يبق يمين أو يسار إلا ودخلته، وبعد جهد جهيد وصلنا إلى السيارة، وإذا نحن في منطقة الشويخ، بالقرب من مخازن إحدى الشركات المشهورة، فأدهشني هذا الرجل في كيفية وصوله إلى هذا المكان، فسألته على الفور: أنا أعيش في الكويت منذ عشرين سنة، ولم أصل هذا المكان، فكيف وصلت له بهذه السرعة؟.

imagesv1z9wxgt
الضابط العراقي

لم أنتظر جوابه لي، بل نزلت بسرعة من سيارتي، وقمت بمعاينة سيارته، فوجدته صادقاً فيما ادّعى، وانشغلت معه في تنفيذ الخطة التي كنا قد اتفقنا عليها. فجأة ظهر جيب عسكري عراقي، لا أدري كيف؟ ولا من أين ظهر؟ ونزل منه ضابط عراقي عريض المنكبين، طويل القامة، وتوجه إلينا، لم أصبر عليه ليصلنا، بل اتجهت نحوه، وعندما وقفت أمامه، شعرت بأنني قزم، وقلت له: هذا أخ عراقي دعم سيارته، ونحاول إصلاحها، لم يعرني هذا الضايط أي انتباه، ولا كأني تكلمت معه، بل توجه إلى الرجل مباشرة، ووضع مسدسه على رأسه، وقال له: ألم أطلق عليك النار قبل ساعة؟ وهربت بعد أن أصبت، وأصيبت سيارتك بعدة عيارات نارية؟ أرجعت ثانية، بدون حياء، ولا خجل، اذهب يا رجل، إني أعتقتك هذه المرة من أجل أطفالك الصغار، لكن في المرة الثالثة، لو رأيتك في أي مكان في الكويت، قسماً بالله، لن تخرج إلا جثة هامدة، ألم يكفيكم العراق بطوله وعرضه، بل جئتم إلى هنا لتسرقوا؟ أخزيتمونا أخزاكم الله، ماذا سيقول عنا الناس غداً؟.

untitled
ألبسني هذا الرجل تهمة عقوبتها السجن

وعلى ضوء سيارة الضابط العسكرية، رأيت يد هذا الرجل ملفوفة، لكنه يغطيها بكُمّ ثوبه، وبعد أن دققت النظر أكثر، رأيت بقع من الدم على ملابسه، ورأبت الرصاصات التي كانت قد اخترقت باب سيارته، وبعد الذي حصل، انصرف الرجل ماشياً على الأقدام، ولم يقل لي حتى كلمة شكراً، بعد أن ألبسني تهمة مساعدة حرامي على السرقة، عقوبتها السجن على الأقل، لولا لطف الله وتقدير هذا الضابط للموقف، حيث غادر دون أن يتكلم معي، ولو كلمة واحدة ، وغادرت المكان مندهشاً لما حدث، وقد ازددت إيماناً، بأن الله تعالى، يرى ما في القلوب، ولكل امرئ ما نوى.

مشاهد عراقية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

يـوم سقـوط الـمـئـذنـة


المكان:العبدلي ـ الكويت
الزمان:28أغسطس1990
gulfwarhwy1
الكويت بعد إحتلالها من قبل القوات العراقية 

بعد أن إجتاحت القوات العراقية دولة الكويت، وانتشرت فيها كالجراد الجائع، آكلين الأخضر واليابس، وفاتحين مخازنها، وناهبين ما بداخلها، أصبحت الكويت بعد ذلك قاعاً صفصفاً، بعد أن كانت جوهرةً للخليج. وانقلب الحال رأساً على عقب، فقد أصبحت الحاجات الأساسية متوفرة في مدينة البصرة، أكثر منها في الكويت. زد على ذلك أن البيع والشراء في البصرة بالدينار العراقي، وهو متوفر لدينا، عكس الشراء في الكويت الذي كان بالدينار الكويتي، الذي أصبح يختفي رويداً رويداً من بين أيدينا، أما نحن الوافدون إلى الكويت، فقد إنقطع الإتصال بيننا وبين أهلنا، ولم يعد بيننا وبينهم أي إتصال،مما سبب لنا ولهم مزيداً من القلق، وما أن إنتهت هذه الحرب، حتى وجدنا أن معظم الآباء والأمهات، قد أصيبوا على إثرها بمرضي الضغط والسكري.

download
بضاعة الكويت أصبحت موجودة في البصرة

وفي خضم هذا الواقع الجديد ارتأيت، أن أذهب إلى مدينة البصرة، كي أضرب عصفورين بحجر واحد، أتصل بأهلي لأطمئن عليهم، وأطمئنهم عن أحوالنا، وأشتري ما تحتاج له عائلتي من مواد تموينية بكميات أكبر، وأنا في الواقع، سأشتري بضاعة الكويت، ولكن من البصرة، ونسيت أن أنبه القارئ، إلى أن الحدود الكويتية العراقية أصبحت مفتوحة، ولم يعد لكرت الزيارة من ضرورة، فقد أصبحنا مثل أوروبا، نتحرك بالهوية الشخصية، وأصبحت مراكز الحدود بين الجانبين مهجورة، بعد أن كانت في الماضي، تعج بالموظفين والمسافرين.

download (1)
العبدلي

ركبت سيارتي، واتجهت إلى البصرة، وقبل وصولي إلى العبدلي، وجدت نفسي أقف في طابور طويل من السيارات، لم أسأل غير نفسي عن سبب الوقوف، بعد أن تعودنا على الوقوف بالطابور مراراً وتكراراً، وإذا بجندي عراقي، يمر على كل سيارة في الطابور، ليقول لسائقها: إنتظر عيني داخل سيارتك، وافتح شبابيكها، ولا تسألني عن السبب، وبقيت على هذا الحال حوالي الساعة، دون أن أعرف سبباً لوقوفي، وخلال هذه الساعة تذكرت العبدلي، وأنا الذي أعرفها جيداً، وأعرف مكانتها، فعندما كنت أصلها قادماً للكويت من الأردن، مروراً بالعراق، كانت هي المكان الوحيد، الذي كنت آكل فيه، وأشرب العصير، والماء البارد، دون أن يطاردني الذباب ليأكل معي، ومنها كنت أتصل بالعالم الخارجي، لأطمئن الأهل والأصدقاء عني، وما أن انتهيت من هذا الحلم، حتى رأيت القوم مشغولين، فسألت نفسي بنفسي: فيم ينشغل القوم يا ترى؟.

untitled63
وإذا بالمئذنة تهوي على الأرض

خطر في بالي لأول وهلة، أنهم يحلون الإشكال اللغوي الأزلي بين الكوفيين والبصريين، بعد أن حققوا الإنتصار العظيم على أرض الكويت، أو أنهم يدرسون خطة، لسحب مياه شط العرب، وتزويد الفرع «الكويت» من الأصل «العراق»، بعد أن رأوا بأم أعينهم، أن الفرع تنقصه مياه الأصل، وقد سرحت في خيالي أكثر، ونظرت أمامي، فلم أجد غير مئذنة المسجد الشامخة، لأركز نظري عليها، للتغلب على دقائق الإنتظار، وإذا بالمئذنة تهوي على الأرض، بطولها وعرضها، وسقف مسجدها يلامس سطح الأرض، ويصاحبه صوت انفجار ضخم، وتظهر سحابة من الغبار الكثيف، تلف المنطقة كلها.

untitled

فقلت في نفسي: يا للهول، أوصل الأعداء إلى هنا؟ لكن الأعداء حسب معلوماتي، يفجرون (مفاعلا نووياً)، ولا يفجرون مسجداً، إذن فقد عاد (الحجاج) ثانية،لكنه هذه المرة، لم يُعلّق جثة على أسوار الكعبة، كما فعل في الماضي، ويركع بعدها لله تعالى، بل أركع المسجد والمئذنة، هذه المرة له ، كي تصبح سابقة في التاريخ الحديث، والغريب في الموضوع، أن العراقيين بعدها، قاموا بتحديث العلم العراقي، وأدخلوا عليه، عبارة (الله أكبر) مرتين، مرة لهدم المسجد، والأخرى لهدم المئذنة، دون أن يراهم أحد، ومما زاد الطين بلة، أن بعض المسلمين في أرض الحشد والرباط، وأكناف بيت المقدس، كانوا قد شاهدوا صورة هذا الحجاج على وجه القمر في تلك الليلة.

944569_482630865162116_655283361_n
تماثيل على شط العرب لكل جنرالات الجيش العراقي 

وعندما وصلت البصرة، ذهبت إلى شط العرب، الذي كنت أحلم برؤيته في صغري، فقد كان إسمه يستهويني، فرأيت كل جنرالات الجيش العراقي العظام، الذين إستشهدوا في الحرب العراقية الإيرانية، كأنهم أحياء يرزقون، لهم تماثيل تجسدهم، وهم يمدون يداً، باتجاه العدو الإيراني، وتحت كل تمثال من هذه التماثيل، كُتب إسم صاحبه، ورتبته العسكرية، ويوم إستشهاده، والمعركة التي كان قد استشهد فيها، وفوق كل ذلك عبارة: لكي لا ننسى، فلم أتمالك نفسي، بعد أن إقتربت من أحد هؤلاء القادة  العظام، وهمست في أذنه باللهجة الخليجية: خُبرك عتيج يا سيادة القائد، فقد غيّرت قيادتك الإتجاه، وأنت لا تعلم سيدي،رحمك الله، ورحم كل شهداء العراق معك.

مشاهد عراقية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

سيف الله المسموم


المكان: الرميثية ـ الكويت
الزمان : 2/8/1990 – 5/1/1990
d8b5d988d8b1d987_d8add983d985_d986d8a7d8b1d98ad8a9_d88c_3
شعر زوج البنت الصغرى بالغيرة وشعرت زوجته بالغبن

شعرت البنت الصغرى، وزوجها بالغيرة والغُبْن، فوالدها لم يقدم لهما شيئاً عندما تزوجوا، لكنه قدّم لأختها الكبرى وزوجها كل شيءٍ، ابتداءً من الإبرة حتى السيارة، وجاءت حرب الخليج، لتجعل من زوج البنت الصغرى، عاطلاً عن العمل، فجاءت زوجته إلى والدها يوماً، تطلب منه المساعدة، فرفض، لأنه بدأ يشعر أن نجمه قد أفل، ولن تعود الحياة، كما كانت عليه، بسبب حرب الخليج، فيجب عليه أن يزداد حرصاً على أمواله.

الكويت
دينار كويتي 

فانقلبت حياة البنت الصغرى إلى جحيم، بعد أن طردها زوجها من بيته، إلى بيت أهلها، نكاية في والدها، وأصرّ زوجها أن لا تعود إلى بيته، إلا ومعها ما كان قد دفعه والدها على أختها، ومع كل هذا لم يحصل على شيء، مما يريد، فاحتدم الصراع بينهما، ليزداد شراسة بعد 24/9/1990، وهو اليوم الذي أعلن فيه العراق، أن الدينار الكويتي لم يعد صالحاً للتداول، لا بل يعاقب حامله، فقرر زوج البنت الصغرى الإنتقام من والد زوجته، فذهب إلى القوات العراقية، مُدّعياً أن عمّه يمتلك الكثير من الفلوس الكويتية، مخبأة في بيته، وجاءت قوات من الجيش العراقي، وفتشت بيته، ولم تجد غير كمية صغيرة من الفلوس، لا تحتاج إلى عقاب، فاكتفوا بمصادرتها.

new-picture
أبو العباس 

وكان العراق (كغيره من الدول العربية)، قد احتضن جبهة التحرير العربية، بقيادة أبو العباس، ليلوّح بها، ويستخدمها عند اللزوم، ولم يرضَ العراق عن موقف فلسطيني الكويت، فأراد معاقبتهم، فأرسل جنود أبو العباس إلى الكويت، تحت ذريعة حفظ أمن الفلسطينيين هناك، كي يتفرغ هو إلى أعداء الأمة العربية (أكلة السردين)، وهكذا دخل سيف الله المسموم إلى الكويت، وسمم كل شيء فيها، بعد أن نصب الحواجز، ونقاط التفتيش على أرض الكويت، فعرف أهل الكويت أنهم فلسطينيون من لهجتهم، فجنّ جنونهم بعدها، وتسائلوا، أيعقل أن يفتش الفلسطيني أهل الكويت في بلدهم؟ ونسوا أو تناسوا، أن هؤلاء الناس ليسوا بفلسطينيين، إلا بلهجتهم فقط، وهم من عساكر السلطان، الذين هم أخطر على الأمة من السلطان نفسه.

download
إنطلقت فتح من أرض الكويت وكان لهم شرف البداية

لم يكتف جنود أبي العباس بنصب الحواجز ونقط التفتيش، بل فتحوا شققاً، كانت قد سافر أصحابها، وجعلوا منها مكاتباً لهم، وبهذا العمل، فقد أضاع العراق على الكويتيين فلسطينيتهم، بعد أن انطلقت جحافل الفتح من أرضهم، فكان لهم شرف البداية، وأضاعت على ثلاثة أجيال متتالية من الفلسطينيين جهودهم في خدمة الكويت، وفي ظل هذه الظروف، التي كانت تعيشها الكويت، قرر الوالد أن يقاضي صهره، عند جند أبي العباس، فقدم شكوى ضده، واتهمه بأنه وشى به للعراقيين، وقدم بلاغاً كاذباً لدى القوات العراقية، فبعثوا معه ضابطاً كبيراً لحل هذه المشكلة.

18815
من تركوا يا ترى لتحرير فلسطين؟

وكان هذا الضابط شاب أنيق وسيم، لا يعلم من العسكرية إلا زيّها، يدخّن دخان السومر الأسود العراقي، الذي لا يدخّنه إلا النخبة في العراق، وبدأ الأب يسرد قصته مع صهره، منفعلاً من بدايتها، وإذا بهذا الضابط الكبير يغط في نوم عميق، أيقظه تغيير نبرة الصوت، عندما تكلمت زوجة الرجل، فما كان منه إلا أن فرك عينيه، وأخرج سيجارة، وبعد أن أشعلها قال: هذه مشكلة صغيرة جداً، على واحد مثلي بهذه الرتبة. هذه المشكلة بحاجة إلى رئيس إتحاد العمال، الذي عيناه خصيصاً، لحل مثل هذه المشكلات الصغيرة.

downloadفي اليوم التالي، ذهب الرجل إلى رئيس إتحاد العمال، وعرض مشكلته عليه، فحضر مع مرافق له لحل هذه المشكلة، وبينما هو في خضمها ذكّره مرافقه، بأنه حان موعد مسبق له، فاعتذر، والمشكلة في منتصفها، ولم يكمل سماعها، لكن الله عز وجل، هو حلال المشاكل، فقد بقيت البنت الصغرى، وزوجها المغامر في الكويت، وسافر والدها إلى عمّان، ولخوفه من تناقص أمواله دخل في مشاريع وهمية، كان أهل عمّان  قد جهزوها لكل من قدم من الكويت، وخسرت مشاريعه، فمرض ومات، فمثل هذا الجرح، ما كان ليُدمي أو يتعمق أو يتوسع، لولا حرب الخليج الباسلة.

مشاهد عراقية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

كيف تحوّلت من مُعلم إلى سائق تكسي؟


المكان: الكويت
الزمان:1 نوفمبر 1990 إلى 11 يناير 1991
images
المرحوم الأستاذ صلاح عواد أبو سهيل

عندما كنت صغيراً في السن لفت انتباهي سائق تكسي من دون كل السواق يسمونه أستاذ صلاح!أما لماذا يُسمونه بهذا الإسم؟وكيف حصل على هذا اللقب دون غيره من السواق؟فلم أكن أعلم وبقي هذا السؤال في ذاكرتي لغزاً محيراً لي حاولت حله بنفسي فلم أفلح!وبقيت كذلك إلى أن سألت أحد المقربين منه فأجابني إجابة مُقتضبة وبدون تفاصيل (على غير عادتنا كعرب) وقال لي:إنه كان أستاذ مدرسة قبل أن يصبح سائقاً وبقي هذا اللقب ملازماً له حتى بعد أن ترك التعليم لأهله.

haged
تآكل حقوق المعلم

لم أفهم ما قاله لي من سألته بل خطر في بالي أن هذا الأستاذ ترقى إلى رتبة سائق لكن هذا الأستاذ السائق لم أسمعه ولو لمرة واحدة يتكلم عن مهنته السابقة كغيره من الناس الذين يتركون مهنهم هذا يعني أن هذا السائق لم يكن يحب مهنته وعلى الرغم من ذلك يريد أن يستفيد من لقبه هذا لأن لقب أستاذ كان يُطلق في ذلك الوقت على كل من يُريد الناس إحترامه أما في هذه الأيام فأصبحت كلمة أستاذ في آخر قائمة كلمات الاحترام وفي المستقبل القريب ستتصدر هذه الكلمة قائمة كلمات السخرية.

images
الأستاذ السائق 

فكنت أراقب هذا الأستاذ السائق عن بعد وأقارنه بزملائه المدرسين الذين لا زالوا على رأس عملهم ممن كانوا يُدرسونني فأجد أن ملابسه أفضل من ملابسهم ويُحبه الطلاب ويطلبون وده لكنهم يهربون من زملائه المعلمين لو تصادف وجودهم في أحد الشوارع وهذا الأستاذ السائق كان قد تزوّج وبنى بيتاً جميلاً واستقل عن والده بينما زملائه حتى الآن عزّاباً يسكنون عند آبائهم وهو يقضي يومه جالساً على مقعد وفير وهم يقضون يومهم واقفين جنب الحائط. 

untitled21
السائق يتنفس الهواء الطلق وزملاؤه يتنفسون الغبار

وهو يراقب الطريق ذات المناظر الجميلة المُتجددة وهم يُراقبون ما يفعله الصغار من حيل يظنونها أنها تنطلي على الكبار هو يتنفس الهواء الطلق لكنهم يتنفسون غبار الطباشير هو يتناول طعام فطوره في بلد وغدائه في بلد آخر وزملائه يكدّون في أعمالهم بدون أي طعام أو شراب أما الفلوس فكانت تجري بين يديه وزملاؤه ينتظرون بضع دنانير في آخر الشهر بعد أن يكونوا قد إستدانوا مثلها أو أكثر منها فاستنتجت لوحدي أن الأستاذ لا يُرفع أو يُرقى إلى رتبة سائق كما كنت قد توهّمت سابقاً إنما الأستاذ هو الذي كان قد طلّق المهنة بالثلاث.

download (2)
تحوّل الجميع إلى تجار يبيعون ويشترون اللاشئ

وبقي الأستاذ السائق هذا لغزاً في حياتي لم أناقشه مع أحد إلى أن أصبحت مُعلماً داهمته حرب الخليج فبعد أن فرطوا عقد الكويت كدولة لم يبق شيء على حاله إلا وتغيّر للأسوأ فالحياة في الكويت كانت تعتمد على الرواتب وبما أنه لا يوجد رواتب فقد تحوّل الجميع إلى تجار يبيعون ويشترون اللاشئ فكنت ترى مديراً لشركة كانت كبيرة يقف على الدّوار أو على جانب الطريق يعرض إطار سيارة للبيع وموظف طويل عريض يعرض علبة سجائر ليبيعها بالسيجارة وأستاذ كان يقام له ويُقعد يعرض لعبة أطفال للبيع.

imagescaox3q1b
أهل دمشق 

أما أنا فلا أتقن التجارة ولا أميل إليها لأنني من أصول فلاحيّه ولا أذكر يوماً وأنا أعيش في بلدي أنني قمت بشراء التين مثلا أو بيعه إلا عندما عشت في المدينة فوجدتهم في المدينة يبيعون كل شيء وكنت قبل غزو الكويت أعتمد على مرتبي وما ينقصني كنت أعوضه من الدروس الخصوصية أما بعد إحتلال العراق للكويت فلا دروس خصوصية ولا راتب ولم تكن عندي مهنة أو حرفة لأعتاش منها كأهل دمشق مثلا فهم يفرضون على أولادهم أن يتعلموا حرفة أو مهنة منذ نعومة أظفارهم فوق تعليمهم الأكاديمي ليستخدموها عندما يجور عليهم الزمن فما الحل إذن؟.

download (3)
أشار شخص إليّ بيده للوقوف فوقفت

وفي أحد الأيام بينما كنت أقود سيارتي في أحد الشوارع الخلفية لمدينة السالمية وكنت مُنهمكاً في إيجاد حل لمشكلتي المادية أشار لي شخص بيده للوقوف فوقفت له في الحال فقال:أتوصلني في طريقك إلى المكان الفلاني؟فقلت له:على الرحب والسعة تفضل واركب وحملته وسرت به إلى أن وصلنا المكان الذي يُريده فطلب مني الوقوف فوقفت.

download
 الأجرة 

وإذا به يُخرج من جيبه خمسة دنانير عراقية ويُعطنيها فجنّ جُنوني وقلت له:أيُعقل أن آخذ منك أجرة ونحن في بلدنا نساعد بعضنا بعضاً دون مقابل؟فقال:نحن الآن لسنا في بلدك أنت قضيت حاجتي ولولاك لدفعت عشرة دنانير لغيرك فأنت بذلك كنت قد وفرت عليّ خمسة دنانير وبذلك تكون قد ساعدتني زد على ذلك أن البنزين كان قد إرتفع سعره وأصبح شبه مفقود في تلك الأيام وأصر على أن يدفع لي ودفع.

images3
لماذا لا أجرّب أن أكون سائق تكسي خصوصي؟

وبعد أن نزل هذا الراكب من سيارتي قلت في نفسي:كل الناس تبيع وتشتري إلا أنا فلماذا لا أجرّب أن أكون سائق تكسي خصوصي؟وها هي الفرصة قد سنحت لي كي أحل اللغز القديم الذي بقي في ذاكرتي طيلة هذه السنين الطويلة وهكذا قد كان فقد تحولت منذ تلك اللحظة إلى سائق أجرة لكنني للأسف الشديد لم أفز بلقب الأستاذ على الرغم أنني أستاذ مثله أما لماذا؟لأنه هو الذي كان قد ترك المهنة أما أنا فالمهنة هي التي كانت قد تركتني.

download

وبدأت أبحث في الحال عن الركاب في أماكن تواجدهم وعندما كان يستوقفني أحدهم ويسألني:أتوصلني إلى المكان الفلاني؟فأقول له:نعم فيرد عليّ:كم تريد أجرة مقابل ذلك؟وكان هذا السؤال يُحرجني جداً فأقول له:إدفع ما تراه مناسباً لأنني فعلاً لم أكن أعرف قيمة الأجرة المطلوبة فأنا جديد على هذا الكار فكان منهم من يتقي الله ويدفع الأجرة وبالتي هي أحسن ومنهم من كان يدفع الأجرة لكن بعد أن يبخسني حقي وكان أغلب الناس في ذلك الوقت لا يدفعون لي الأجرة مُتذرّعين بالإحتلال مرة وبقلة ذات اليد مرة وبحجج واهية في معظم المرات.

images (1)
 الناس تحب المساومة

ومن هؤلاء الناس كنت قد تعلمت وأصبحت أطلب الأجرة التي أريدها على أن يكون الدفع سلفاً ثم إكتشفت بعد ذلك أن الناس تحب المساومة ولا تحب الكلمة الواحدة لهذا أصبحت أطلب الكثير لأحصل على القليل ومع هذا كنت أشفق على قليل من الناس من الذين كانوا يقتنعون بالكلمة الواحدة فكنت أعيد لهم ما كنت قد أضفته على الأجرة عندما ينزلون من سيارتي ومن هذه المهنة تعلمت أيضاً أنه إذا رأيت عاملاً أو صانعاً أو موظفاً سيئاً فاعلم بأنه لم يكن سيئاً قبل أن يمارس مهنته بل تعامله مع شرائح مختلفة من الناس هو الذي جعله كذلك؟.

مشاهد عراقية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

يوميات سائق تكسي خصوصي


المكان:الكويت

الزمان:ما بين الاحتلال والتحرير

download
الحصان الرابح 

بعد أن احتلت القوات العراقية دولة الكويت قفز إلى السطح سؤال كبير كان قد حيّر الجميع في ذلك الوقت ألا وهو:هل يضرب الحلفاء العراق أم لا؟وانشغل المحللون السياسيون وحتى العامة من الناس في استقراء المرحلة القادمة فهي تهم الجميع حكاماً ومحكومين فالحكام يهمهم معرفة الحصان الرابح ليشجعوه ويقفوا في صفه أما المحكومين فيهمهم أن يخرجوا من هذه الحرب بأقل الخسائر وعلى ضوء هذه المرحلة ستتحدد مواقف دول وأفراد لهذا فقد اختلف الجميع مع الجميع وانقسموا فيما بينهم إلى فريقين.

images
أسد جائع 

فريق يرى أن العراق كان قد خرج من حرب ضروس أهلكت حرثه ونسله فأصبح كالأسد الجائع الذي يبحث عن صيد يليق به فألقموه الكويت ليسدّوا بها جوعه ويكبحوا جماحه ويأمنوا شرّه وفريق آخر يرى أنه لا بد من ضرب العراق ضربة قوية تقسم ظهره وتجعله عبرة لمن يعتبر بعد أن تجرّأ واعتدى على إسرائيل وبهذا يكون قد اجتاز الخط الأحمر الذي كان قد رُسم للعرب والمسلمين واخترق بذلك النفوذ الأمريكي ولم يكتف بذلك بل سعى جاهداً للسيطرة على منابع البترول في الخليج العربي وبهذا قد يكون مثالاً يُحتذي في المستقبل لدول الشر الأخرى.

download (1)
مباراة رياضية على الهواء مباشرة

احتدم النقاش بين الفريقين سواء كان ذلك في الليل أو في النهار وكل يدعم رأيه بحجج يستقيها من نشرات الأخبار اليومية وأصبح الناس وكأنهم يشاهدون مباراة رياضية على الهواء مباشرة فعندما يحرز أحد الفريقين هدفاً في مرمى الآخر كان يوجد من يفرح له ويشجعه ويبقى في انتظار المزيد من الأهداف وفي اليوم التالي تنقلب الصورة رأساً على عقب ففائز الأمس أصبح مهزوم اليوم.


اليوم الأول


 

1044806_505372179530687_1404648427_n1
ثلاثة من كبار الضباط في الجيش العراقي 

وبينما كنا نعيش في هذه الأجواء الحماسية أحياناً والمُحبِطة غالباً أشار إليّ ثلاثة من كبار الضباط في الجيش العراقي كانوا قد أرسلوا إلى الكويت في مُهمة رسمية (استلام جامعة الكويت) دون أن يكون تحت تصرفهم سيارة!فطلبوا مني أن أوصلهم إلى مكان حدّدوه فوجدتها فرصة سانحة لي كي أتعرف على الأخبار من صُنّاعها وأعرف الوتر الذي عليه يعزفون والكفة التي لها يُرجّحون؟فسألتهم السؤال نفسه الذي كان قد حيّر الجميع في ذلك الوقت ألا وهو:هل يضرب الحلفاء العراق أم لا؟.

images (1)
أعطني خبزاً لأولادي كي أفكر لك في الحرب

فقال لي كبيرهم:عندما قدمت من بغداد إلى الكويت تركت في بيتي خُطاراً من أهلي أي ضيوفاً بلهجتكم ولم أستطع تأمين الخبز لهم قبل أن يرسلوني إلى (أم المعارك) وتسألني حضرتك عن الحرب؟أي حرب هذه التي سأخوضها بينما أنا أسأل عن أولادي هل تناولوا طعام عشائهم اليوم أم لا؟وإذا كانوا قد تناولوه اليوم فمن يضمن لي أن يتناولوه غداً؟أعطني خبزاً لأولادي كي أفكر لك في الحرب قدْ سيارتك يا بني وأنت ساكت وانشغل في نفسك فلا أحد يُطعمك خبزاً لو احتجته غير سيارتك هذه التي تعمل عليها.

Untitled
كيف تكون العودة إلى حيفا؟

عندما رجعت إلى مجلس سكان البناية وهو شقة فارغة في البناية نفسها جعلناها مجلساً لنا في الليل أو النهار للتداول في كيفية تدبير سبل حياتنا اليومية وجدتهم مُختلفون على أيّ الطرق هي الأقصر للوصول من الكويت إلى حيفا بعد أن يُحررها العراق لهم فمنهم من حضر نفسه ليستقل الطائرة ومنهم من قال سأذهب بسيارتي إلى لبنان ومن هناك أذهب إلى حيفا فتحسّرت عليهم وقلت:لكم أن تختلفوا على الوسيلة التي ستحررون بها بلادكم لكن لا يجوز لكم أن تختلفوا على العودة بعد أن علمكم غسان كنفاني كيف ستكون العودة إلى حيفا؟!.

download (3)
العقل والقلب متعاكسان في الإتجاه

تذكرت في الحال كلام أمي عندما كانت تقول لي عند كل منعطف في حياتي:اسمع جيداً يا ولدي إذا جُنّ الناس فلا تستعمل عقلك لأنه لن ينفعك استخدامه في مثل هذه الحالة ولكن عليك أن تضع رأسك بين رؤوس الناس فما يحدث لهم سيحدث لك وإذا بعقلي يحتج على وصية أمي ويقول:أنا صالح لكل زمان ومكان وليس كما قالت لك أمك طيبت خاطره وقلت له:لا تحزن يا عقلي فسأسمع كلام أمي أولاً ثم أستشيرك أنت ثانياً وبهذا أكون باراً بوالدتي ومطيعاً لعقلي.


اليوم الثاني


 

Untitled
ساندويشات فلافل للجنود العراقيين في الجبهة

أشار لي أربعة جنود عراقيين بأيديهم كي أقف لهم وكانوا يحملون بأيديهم أكياساً كثيرة لا يرى ما بداخلها وقالوا لي بعد أن وقفت لهم:نريدك أن توصلنا إلى الوفرة فقلت لهم:ياإلهي أنا لم أصلها في زمن السلم فكيف لي أن أصلها في زمن الحرب؟قالوا:نحن فتية آمنا بربنا وأرسلنا قائدنا إلى المدينة لنحضر لرفاقنا طعاماً بعد أن مضى عليهم يومان بدون طعام فإذا تكرمت علينا وأوصلتنا إلى هناك تفوز بالدارين:في الآخرة سترجح كفة حسناتك وفي الدنيا سنكرمك حتى ترضى.

news1.525652
خرج الرفاق من خيامهم باتجاهنا يهوّسون للطعام 

أمام هذا الواقع قبلت بتوصيلهم وعندما ركب الأربعة في السيارة شعرت بها أنها تكاد تلمس الأرض وبدأت أسير في شارع الفحاحيل إلى أن انتهت المنطقة المنارة منه وحل الظلام الدامس فأصبحت أشعر أني أسير في طريق ليس له نهاية وأخيراً وصلنا إلى المكان الذي يريدونه وأسرع الرفاق من خيامهم باتجاهنا يهوّسون للطعام القادم لهم من الكويت واختلط الحابل بالنابل ولم أعد قادراً على تمييز من كان راكباً معي من غيره لكن أحدهم دفع لي الأجرة وانطلقت راجعاً إلى بيتي وعندما وصلت البيت وإذا بهم قد نسوا أكياس الطعام في سيارتي فحزنت عليهم وعلى من أرسلهم وقلت في نفسي:لا حول ولا قوة إلا بالله.


اليوم الثالث


 

images (2)
 كولر الماء 

أشارت لي أمّ عراقية الجنسية ومعها أولادها بعد أن اشتروْا من سوق الكويت ما كانوا يطلبون وكان معهم أغراضاً مُكيسة كثيرة ومعهم كولر ماء مكشوفاً وبدون كيس وطلبت مني توصيلها إلى مكان لا تعرفه كما يجب فمرة تطلب مني التوجه إلى اليمين ومرة التوجه إلى اليسار ومرة للأمام وأخرى للخلف إلى أن وصلتْ إلى هذا المكان الذي تريده فما كان منها إلا أن جمعت أغراضها وأولادها ونزلوا من السيارة وهي مُحرجة مني وعدت إلى بيتي وما أن وصلتُه ونزلت من سيارتي وإذا بكولر الماء موجوداً في داخلها فعدت إلى نفس المكان الذي أنزلتها فيه كي أعيده لها فلم أجد أحداً منهم ولم أعرف بأي شقة هم ينزلون؟وعدت إلى البيت ومعي كولر الماء وهو لا يزال موجوداً عندي حتى هذه اللحظة وكلما رأيته أتذكر تلك الأيام.


اليوم الرابع


 

download (4)
 فقد الوعي في كيفان

عادة من يستخدم المواصلات في الكويت هم غير الكويتيين إلا أن هذه المرة فمن يشير لي بيده هو راكب كويتي فوقفت له في الحال وبعد أن ركب سألته إلى أين سنتجه؟فقال:كيفان ولم يزد حرفاً آخر بعد هذه الكلمة فتوجست خيفة من هذا الصمت الذي هو فيه لكن تخوّفي لم يطل كثيراً فقبل وصولنا للبيت الذي يقصده في كيفان فقد الوعي واستند عليّ بجسمه حتى أنه أعاقني عن قيادة السيارة فوقفت على اليمين بسرعة وحاولت جرّه إلى خارج السيارة وبصعوبة نجحت وما أن وصل الأرض حتى بدأ يستفرغ ما كان قد أكله أو شربه.

untitled7
منطقة سكن للكويتين فقط 

إنه موقف مُحرج لي كفلسطيني ومُثير لغيري من الكويتيين في ذلك الوقت فقد وجدت نفسي مسؤولاً عن مواطن كويتي ممدد على الأرض وتجمع الناس من حولي وبدأ كل واحد منهم يلقي بدلوه في الأمر فسأل أحدهم وأجبته واقتنع وقال آخر:ألم تكتفوا بحولي وخيطان أيها الفلسطينيون فجئتم إلى كيفان عقر دارنا لتقتلوا أبناءنا؟لن تبرح هذا المكان إلا إذا أفاق هذا الرجل لنعلم منه الحقيقة اذهبوا واستدعوا أهله إنه فلان بن فلان بيتهم يقع على اليمين في نهاية الشارع وأمامه نخلتان كبيرتان وقال آخر:وحدوا الله يا جماعة الشغلة بسيطة لا تعقدوها ولا تخلطوا الأوراق فما تقولونه أكبر مما يحدث بكثير.

Untitled
أصبحت أشرب في الخارج وأستفرغ لهم في البيت 

حضر أخاه مُسرعاً وعندما رآه مسجّى على الأرض مُستفرغاً كل ما في بطنه واشتم رائحة الخمر بدأ بضربه وإهانته قائلاً له:قلت لك ألف مرّة لا تشرب المُنكر هذا لكنك تركت الشرْب في البيت وأصبحت تشربه مع زبانيتك ولولا لطف الله واستفراغك لكان هذا الرجل وأشار إليّ في ورطة كبيرة وخلال هذه الفترة خرج الخمر الذي كان قد شربه من جسمه بالإستفراغ وعندما صحصح هذا الرجل ورآني رهينة بين أيديهم أخذني بيدي وأركبني سيارتي ودفع لي الأجرة واعتذر مني قائلاً:الغزو عوّدني على الشرْب ومنعني أهلي أن أشرب في البيت فأصبحت أشرب في الخارج واستفرغ لهم في البيت وكان حظك سيئاً في هذا اليوم فأصابك نصيب مما اقترفت يداي.


مشاهد عراقية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

اليوم الأول من أيام إحتلال الكويت


scan10054
الدرّاجة التي كنت أحلم بها 

عودني والدي أطال الله في عمره أن يفاجئني في يوم مولدي من كل عام بهدية كان يختارها لي إلا في هذه السنة فقد اشترطتُ عليه أن أختار هديتي بنفسي لتكون درّاجة فأنا من مواليد 26/8/1977 ويزداد انتظاري لهذا اليوم أكثر كلما هلّ هلال شهر أغسطس في كل عام فأبدأ أعدّ الأيام المُتبقية للوصول إلى هذا اليوم الموعود ها هو أولّ يوم من أيام أغسطس يمضي هكذا كنت قد حدثتُ نفسي قبل أن أنام وقلتُ بصوت لا يسمعه أحد غيري:غاب نهار آخر لكنّ ليل هذا اليوم أبى واستكبر أن يغيب كي أعدّ يومه كسائر الأيام.

large_1238010724
 أمي ترد على مكالمة من أخيها الموجود في أمريكا

في تمام الساعة الثانية من صباح يوم الخميس الموافق 8/2/1990 استيقظتُ من نومي على غير العادة فوجدت أمّي تردّ على مُكالمة هاتفية من أخيها الموجود في أمريكا آنذاك فساورني الشك من هذه المكالمة فاقتربت من أمي أكثر كي أسمع ما يمكنني سماعه وما أن إقتربت أكثر سمعت خالي وهو يصرخ على أمّي من خلال جهاز الهاتف ويقول لها:كيف تنامون وآلاف الجنود العراقيون قد دخلوا أرض الكويت واحتلوها وأنتم نيام؟استيقظوا من نومكم في الحال كي تستعدّوا للقادم من الأيام فالله وحده هو الذي يعلم ما تخبئه لكم هذه الأيام في طياتها. 

www-st-takla-org-tears-023
بكاء أمي الصامت زاد من خوفي أكثر

بعد سماعي لهذه المكالمة الغريبة نهضتُ من فراشي مذعوراً والتحقتُ على الفور بحضن أمّي فرأيتها تبكي لكن بصمت فزاد بكائها من خوفي أكثر أما لماذا زاد خوفي؟لأنها كانت المرة الأولى التي أرى فيها دموع أمّي فقد كنت أسمع والدي وهو يقول لها مراراً وتكراراً:إن دموع المرأة أشد عورة من شعرها فشعرٌها يجوز أن يراه المحارم أما دموعها فيجب أن لا يراها أحد سواها ولكنها بكت هذه المرة ولم تسمع كلام والدي فقلت في نفسي:ربما لأنه كان نائماً أو أن الموقف أكبر من تنظير والدي عن المرأة. 

488132_3247622567798_458702608_n
بدأ والدي في احتساء قهوته 

عندما رأتني والدتي خائفاً أرتجف من شدة الخوف احتضنتني وهي تجفف من دموعها وأيقظتْ والدي في الحال وأخبرته بما قال لها أخوها فلم يُحرّك والدي ساكناً بل طلب من والدتي أن تُحضّر له فنجاناً من القهوة وما أن أحضرته له وبدأ في احتسائه وهو يُدخن سيجارته ويُفكر بما سمع لكن بصمت مُملّ وكانت هذه هي أوّل مرّة أشاهد والدي فيها يُدخن سيجارته قبل أن يتناول طعام فطوره فمن عادته أن لا يدخن قبل أن يأكل.

images-11
أصبح الجو ملبداً بالغيوم 

ومن خلال منظر أبي وأمي اكتشفت أن الجو قد تلبَد بالغيوم وإذا لم تنقشع هذه الغيوم في الوقت المناسب فسوف لن أحصل على الدراجة الموعودة في يوم مولدي فالغيمة الأولى كانت عندما لم يذهب والدي إلى عمله كعادته في كل صباح بل انشغل في الرّد على الاتصالات التلفونية القادمة من الأهل والأحباب والأصدقاء والأقارب من داخل الكويت ومن خارجها والجميع كانوا يُطالبونه لا بل يلحون عليه بمغادرة الكويت فوراً.

images (2)
 كنافة نابلس المشهورة

فرحت عندما سمعت أهل والدي وأقاربه وهم يطالبونه بمغادرة الكويت والسفر فوراً إلى عمان ومن ثم إلى فلسطين لأنني لم أرَ جدّي هذا العام ولم أركب عرَبَته ولم أسر بجانبه في شوارع مدينة سلفيت ولم أرافقه إلى مدينة نابلس ليطعمني طبق الحمص باللحمة ويتبعه بصحن من الكنافة النابلسية الشهيرة ولم أذهب معه للصلاة في المسجد الأقصى في القدس الشريف وبعد الصلاة يشتري لي كعكة من كعك القدس الشهير وفي طريق عودتنا كنا نذهب لزيارة خالتي في مدينة رام الله ذات الجو المُنعش صيفاً.

untitled133
جهاز الراديو الذي كان قد اختفى 

لكن أهلي لم يهتموا بما كنت أفكر به بل أصبحت اهتماماتهم تنصب على أشياء أكبر من الذي يشغل تفكيري فمنذ هذه اللحظة بدأت أشعر أنني انفصلت عن الأهل بعد أن كنت جلّ اهتمامهم فأخذوا يتابعون الأخبار المحلية والعالمية ولم يكتفوا بأخبار التلفاز وإنما أخذوا يتابعونها أيضاً عن طريق جهاز الراديو وهذه هي أول مرة أراهم فيها يستخدمون فيها هذا الجهازبعد أن ألغى التلفاز دوره في حياتنا.

download
أنقذوا الكويت يا عرب 

وما هي إلا لحظات حتى بدأ الجيران يتوافدون إلى بيتنا زرافات ووحدانا ومن مختلف الجنسيات العربية وأخذوا يتناقشون بما حدث وانقسموا فيما بينهم بين مُؤيد ومُعارض ولوحدي استنتجتُ أن الذي حصل في الكويت يهمّ الجميع لكنني لم أستوعبه في ذلك الوقت لأن كل ما أعرفه أنني أريد أن أشاهد الرسوم المتحركة لكنهم لم ولن يسمحوا لي بذلك فأرغمت نفسي على مشاهدة ما يُشاهدون وما هي إلا دقائق حتى ظهر مُذيع كويتي في جهاز التلفاز يصرخ ويقول للناس كافة:أنقذوا الكويت يا عرب وما هي إلا لحظات حتى غاب هذا المذيع وانقطع الإرسال.

images11
هل رمت الكويت نفسها في فم أسد جائع 

سألت نفسي لأنني لم ولن أجد من هو مستعد ليجيبني على أسئلتي لو سألته:ماذا جرى لكويتنا الحبيبة؟هل إبتلعها البحر؟أم هي التي رمت بنفسها داخل فم أسد مُفترس جائع؟فأنا من مواليد الكويت وأحبها تماماً مثل ما أحب بلدي فلسطين لكن ما يُميز فلسطين عن الكويت هو وجود الأهل والأقارب والأصدقاء والأحباب هناك.

imagesCD1RG68A

مللت الكلام وطلبت من والدي أن يخرجنا من البيت لنرى على أرض الواقع ماذا جرى ويجري على أرض الكويت؟فردّ عليّ قائلاً:احذر يا بُنيّ فترة تغيير الشفت فإنها لحظات خطيرة لكنني سأغامر هذه المرة من أجلك فقط بشرط أن نبقى جميعاً داخل السيارة ولا ننزل منها ولم أفهم شيئاً عن موضوع الشفت هذا إلا أنني سعدت بموافقته فخرجنا نتجول في يوم الخميس الأسود لكن هذه المرة للسير في الطرقات والشوارع لا للعب في الحدائق والملاعب.

12272010122019
الجنود العراقيون في الكويت  

وعندما رأيت الجنود ينتشرون في جميع الأماكن والشوارع تذكرت على الفور جيش اليهود في فلسطين المحتلة وبعد أن قارنت بينهما وجدت أن أفراد الجيش العراقي أضخم منهم جسماً ولهم شوارب سود ويتكلمون اللغة العربية مما جعلني أفهم عليهم ما يقولون في الغالب بعكس جيش اليهود فكنت لا أفهم من كلامهم حرفاً واحداً لكنني لم أكن أفهم كل كلماتهم على الرغم أنهم عرب مثلنا فمثلا هناك بعض الكلمات مثل سيطرة وقُبَل والله وعلي واياك والله يساعدك عيني وهذه الجملة الأخيرة نقولها نحن في فلسطين لمن خفّ عقله ولكن بعد الذي حصل خفّت عقول الناس جميعاً فقد أصبحت تلائم وتناسب الجميع فلم يستغرب الناس لسماعها.

download-2
إشكالية الإحتلال 

وكان هذا المشوار الوحيد الذي قمت به بمرافقة والدي في شوارع وحارات الكويت بعد الاحتلال قد ولد عندي إشكالية كبيرة في التفكير فقد كنت أظن أن الاحتلال يكون بين شعبين مختلفين في اللغة والدين والثقافة والعادات والتقاليد وبعدما رأيت ما رأيت اكتشفت عدم صحة هذه المقولة وعليه فلا بد من مراجعة جميع القيم والمفاهيم السابقة التي كانوا قد لقنونا إياها ونحن صغاراً في السن لا ندري ما كان يقال لنا ولا بد من إعادة النظر في كل ما كنا نسمعه منهم وما أن عدنا إلى البيت حتى دخلت في سبات عميق لأنني لم أنم في الليلة السابقة.

مذكرات طفل عربي فلسطيني عن حرب الخليج

القادم من الأيام


untitled132
لكنهما اليوم يتحاوران عن الخبز والحليب والرز والسكر

في الصباح الباكر صحوت على أبي وأمي وهما يتحاوران لكن حوارهما هذه المرة يختلف عن ما سبقه من حوارات سابقة فكنت أسمعهما يتحاوران عن المستقبل وعن تعليم الأبناء وعن تحقيق الأمنيات الصغيرة والكبيرة لكنهما اليوم يتحاوران عن الخبز والحليب والرز والسكر والسمن ولم أسمع بمثل هذه الكلمات سابقاً فقد كانت الحياة سهلة والحاجات كلها متوفرة والذي لفت إنتباهي أكثر من غيره هو أنهم لم يتكلموا عني ولا عن شراء ألعابي التي عودوني عليها في السنين السابقة فقلت في نفسي:لقد نسيني أهلي وأصبحت خارج إهتماماتهم.

download
شركة مطاحن الدقيق والمخابز اتلكويتية

تطور الأمر أكثر إلى الأسوأ وأصبح الوضع يميل إلى الصعوبة أكثر وأكثر حتى أنني أصبحتُ لا أرى أهلي ولا أجتمع بهم في ساعات النهار لأنهم أصبحوا يقضون يومهم مصطفين في الطوابير الطويلة لشراء الخبز من شركة المخابز الكويتية بعد أن استولى على إدارتها العراقيون وما أن يصل والدي  ووالدتي البيت حتى تكون الوقفة قد هدّت قواهم فيأكلون وينامون. 

download (1)
المحلات التجارية تحولت إلى بسطات في الشوارع

أما أنا عندما رأيت أهلي قد انشغلوا عني وجدتها فرصة سانحة لي كي أقوم بأعمال لم يكن مسموحاً لي القيام بها في الأيام السابقة لا بل كانت ممنوعة عني ففي هذه الأثناء كان قد حضر إبن الجيران وشرح لي خطة تجعله يصبح من الأغنياء فقال لي إذهب معي إلى السوق كي أبيع غرضاً من بيتي وأربح به وبعدها سأشتري غرضاً غيره من السوق وأبيعه  ثانية وأربح به أيضاً وما هي إلا أشهر قليلة حتى أصبح تاجراَ وأستغني بذلك عن المدرسة ومشاكلها فما كان مني إلا أن وافقته في الحال وذهبت معه دون أن أحسب النتائج المترتبة على ذلك.

scan11033
قرعت الباب قبل أن أفتحه كي أتأكد من وصول أهلي

حضر الأهل ولم يجدوني في البيت فجن جنونهم واحتاروا في الأمر فهذه أول مرة أغادر فيها البيت بدون إذن من أهلي لأنني كنت أراهن مع نفسي أن أذهب وأعود إلى البيت قبل حضورهم ومع هذا قمت بقرع الباب قبل أن أفتحه كي أطمئن على عدم حضورهم قبلي فوجدتهم قد سبقوني وبدل أن أفتح الباب أنا سبقوني وفتحوا لي الباب هم وابتدأ التحقيق فوراً:مع من ذهبت؟وإلى أين ذهبت؟ولماذا ذهبت؟وكيف ذهبت؟إلى أن إنتهى هذا التحقيق بعقاب بدني لن أنساه ما حييت عندها فقط إكتشفت أن الأهل قد يضربون إبنهم.

image%20(1).jpg
لعب الشدة

بعد هذه الحادثة وما صاحبها من عقاب بدني ومعنوي صحوت من غفوتي تلك وبدأت أدرك ما نحن به وأصبحت أساعد أمي في ترتيب البيت في حال غيابها أو حضورها وأعمل ما أستطيع من الأعمال المنزلية لمساعدتها لكنني بالمقابل كنت قد أخذت ضوءاُ أخضراً من الأهل أن ألعب مع أصحابي وأولاد الجيران في غيابهم ولكن داخل البيت فقط وفي هذه الأثناء كنت قد تعلمت من أولاد الجيران قراءة الروايات البوليسية ولعب الورق بأنواعه ولعبة طاولة الزهر وأصبحت أجيد هذه الألعاب وأتقنها على الرغم أنني لم أر والدي يوماً قد لعبها في حياتي.

مذكرات طفل عربي فلسطيني عن حرب الخليج

التعليم في الكويت أثناء الاحتلال العراقي


scan10223
كسروا القاعدة من أجلي 

كنت أحب المدرسة والمدرسون وبالمقابل كان المدرسون يحبونني أيضاً فقد كنت قد حصلت على شهادات تقدير وجوائز في كل السنوات السابقة لكنني في هذه السنة التي سبقت سنة الإحتلال (عندما كنت في الصف السابع) كان ترتيبي الرابع مُكرّر في صفي فكسروا القاعدة من أجل أن يُعطوني شهادة تقدير لتكون آخر أحلى ذكرى أتذكرهم بها على الرغم أن مثل هذه الشهادات لا تعطى إلا للثلاث الأوائل فقط.

download
أصدقائي كانوا من جنسيات عربية مختلفة

كنت أعتبر الذهاب إلى المدرسة أفضل بكثير من الجلوس في البيت فقد بدأت أملّ من لعب الورق مع أولاد الجيران واشتقت إلى زملائي الآخرين في المدرسة فقد زاد في نفسي حب الفضول كي أعرف من بقي منهم في الكويت ومن سافر منها فأنا لي أصدقاء كثيرون ومن مختلف البلدان العربية فقد كان أهلي ينعتونني منذ صغري بالقومي العربي لأن أصدقائي كانوا من جنسيات عربية مختلفة.

news1-525652
فتحوا المدارس كي يدّعوا أن الأمور تسير على ما يرام 

لم أكن أعلم بأن العراقيين كانوا قد إستغلوا المدرسة والتعليم والأطفال الصغار أبشع إستغلال ولم أكن أعلم بأنهم فتحوا أبواب المدارس هذا العام غصباً عن أهلها وملؤوها بالجنود الأشاوس لحراستها من الكويتيين الذين لا يريدون فتح مدارسهم تحت نير الإحتلال العراقي ولم أكن أعلم بأنهم فتحوا المدارس كي يتبجحوا ويدّعوا في وسائل إعلامهم أن الأمور تسير على ما يرام في الكويت (هكذا نحن العرب نحب تجميل الصورة دوماً لنظهر أنفسنا أبطالاً أمام الناس) حتى أنهم ذهبوا إلى إحدى المدارس وجمعوا الطلبة الفلسطينيين فيها ولقّنوهم ما سيقولونه وبثوا المشهد من تلفازهم العتيد ليقنعوا الرئيس صدام حسين وأنفسهم بأن الشعب الفلسطيني يؤيدهم وبهذا كانوا قد غرزوا خنجرهم المسموم في الجسم الكويتي الفلسطيني عقاباً أبدياً لهذين الشعبيين معاً.

download (1)
أمريكية تتعلم عربي 

حمدت الله أنني لم أكن واحداً من هؤلاء الطلبة المُبتَلِين في ذلك الوقت وهذه الحادثة كانت قد ذكرتني بمشهد كنت قد شاهدته ذات يوم  في التلفاز وهذا المشهد لثلاث من الطلبة العرب المتواجدين في أمريكا  يريدون تعليم بنت أمريكية اللغة العربية بناءاً على طلبها فكان يقول الواحد فيهم الكلمة وهي تردّد ورائه ما يقول دون علم أو دراية فكان الأول يقول:تسقط أمريكا وردّدت البنت ما قاله لها أما الثاني فكان يقول لها:أنا حمارة والبنت تردد ما يقوله لها الثاني وأما الثالث فكان يقول لها:أنا أحبك وأريد الزواج منك والبنت تردد ما كان يقوله لها الثالث فهل تُلام مثل هذه البنت الأمريكية على ما كانت تردده وراء كل واحد منهم؟وهل يحاسبها من في رأسه ذرة من عقل على كلامها هذا؟.

201170-cameleon
كنت أظن أن صفة التلوين هي فقط للحرباء

دخلت المدرسة وأحلام الصغار ترفرف من حولي واندهشت عندما رأيت الجنود يستقرون في هذه المدرسة وعندما إلتحقت بطابور الصباح فيها وإذا بي أقف تحت علم آخر وأنشد نشيداً آخر لم أتعوده وأعطوني كتباً غير الكتب التي كنت قد تعوّدت على رؤيتها والأهم من ذلك كله عندما بدأ الأستاذ في شرح درسه لم أفهم عليه ما كان قد قاله لنا فكلماته أصبحت كبيرة طويلة خالية من المضمون على الرغم أنه نفسه كان أستاذي في السنة الماضية يا إلهي هل يتلوّن الأستاذ أيضاً بلون البيئة؟كنت أظن أن صفة التلوين هي فقط للحرباء.

bfa6892cdcab11e183fe22000a1cf772_6
المقاومة الكويتية

لفت إنتباهي عدم وجود طلبة كويتيين في المدرسة!لكنني لم أفهم لماذا؟ وتساءلت في نفسي هل يوجد طالب لا يحب أن يذهب للمدرسة؟حتى ولو كان من باب حب التغيير؟هذا يعني أن في الأمر شيئاً لا أستوعبه لوحدي وسرعان ما إنتشر خبر مؤكد في المدرسة بين الطلاب والمدرسين بأن المقاومة الكويتية قد أعدمت مدرساً فلسطينياً وهو في طريقه إلى المدرسة على الفور اختلف الطلاب فيما بينهم على هذا المدرس المغدور فمنهم من قال:إنه (شهيد) وسيدخل الجنة لأن هدفه نبيل وهو تعليم الصبية والتعليم ليس له علاقة بالحاكم إن كان عباسياً أو أموياً ومنهم من قال:إنه (عميل) يريد مساعدة الظالم على ظلمه وعلى إخفاء الحقيقة وهي أن الناس ترفض الإحتلال فرد عليه الأول وقال:وماذا لو طال زمن الإحتلال هذا؟هل نلغي التعليم عندئذ؟ولماذا لا يحتج الكبار على الإحتلال؟.

051

هكذا استمرت الحياة في الكويت بين شد وجذب وخلاف واختلاف حتى أن الإنسان منا أصبح يختلف مع نفسه إن لم يجد من يختلف معه فقد لخص هذا الوضع الذي وجدنا أنفسنا فيه سائق شاحنة لنقل الماء (تنكر) عندما كتب بالخط العريض وعلى إمتداد شاحنتة من الجانبين:عليه الطلاق ما هو فاهم حاجة مما حدث ومما يحدث الآن ومما سوف يحدث مستقبلاً من يفهم فيكم عليه أن يُفهمني.

d8a7d984d987d8acd988d985-d8b9d984d989-d8a8d8bad8afd8a7d8af-d8bad8a7d8b1d8a7d8aa-d8acd988d98ad8a9
وبدأت الحرب الجوية

وسارت الأمور بعد ذلك إلى الأسوأ لكنني على الأقل تخلصت من الفراغ ولعب الورق لغاية يوم 15/1/1991 حيث رُمي على المدرسة من خارجها بعضٌ من إطارات السيارات القديمة المشتعلة فهرع الجميع إلى تلك النار وأخمدوها بالرمال بعد ذلك جمع المدرسون طلاب المدرسة كلها في صف واحد وبعدها ألغي دوام ذلك اليوم الذي كان آخر عهدي في المدرسة بعد أن قصفت طائرات التحالف بغداد وبدأت الحرب وأقفلت المدارس أبوابها بالقوة كما كانت قد فُتحت أبوابها بالقوة.

مذكرات طفل عربي فلسطيني عن حرب الخليج

اليوم الأول من أيام حرب تحرير الكويت


january-17-1991-anti-airc-017
وبدأت الحرب في 17 يناير 1991

في الساعة الثانية عشرة ليلاً من يوم 17 يناير 1991 بينما كنت أغط في نوم عميق صحوت على جار لنا وهو يدق على بابنا دون أن يستخدم الجرس كما هي العادة ويقول:إنهضوا من نومكم فقد بدأت الحرب جهزوا أنفسكم بسرعة كي نذهب معاً إلى الملجأ!لم أفهم ما قاله جارنا مما جعلني أتسائل مع نفسي في الحال:أي ملجأ هذا؟فأنا لم أسمع بهذه الكلمة من قبل على الرغم  أنني لم أفاجأ بالحرب لأنني كنت أسمع  الناس من حولي يتوقعونها في أية لحظة فالحرب كانت متوقعة من قبل الجميع. 

2l6ZQ
ما خف وغلا ثمنه

صحت أمي من نومها وكذلك أبي ومضت تجمع أوراقنا الثبوتية والمهم من الأوراق الرسمية وما تملكه من ذهب وما نملكه من فلوس ووضعت كل ذلك في قطعة قماش طويلة وقامت بطيها إلى أن أخفت كل ما فيها وقامت بربطها على وسطها تحت ملابسها وبقي هذا الثقل مُعلقاً على وسطها ليلاً نهاراً إلى أن وضعت الحرب أوزارها أما أبي فقد سأل جارنا:أين سنذهب يا جار؟أيوجد مكان آخر في هذا العالم أكثر أمناً للإنسان من بيته؟فقال جارنا:إن ما تقوله يا جار يكون صحيحاً في زمن السلم أما في زمن الحرب فيصبح كل شيء مستهدف وعليك أن تبحث عن مكان آمن لا يتوقعه العدو فهناك سرداب في المدرسة  الخاصة المجاورة لنا أعتقد أنه أكثر أمناً من بنايتنا لم يقتنع والدي بما قاله جارنا لكنه رضخ تحت إصرار أمي وجارنا معاً. 

images (1)
 سرداب المدرسة القريبة من بيتنا 

ذهبتُ بمعيّة أهلي والجيران إلى سرداب المدرسة القريبة من بيتنا فوجدناه مليئاً بألواح الخشب وبدأنا نخرج هذه الألواح الخشبية مُجتمعين كي ننام مكانها في الليالي القادمة والتي لا يعلم عددها غير الله وفي هذه الأثناء رفعتُ لوحاً خشبياً بسرعة دون أن أنظر إليه فدخل في يدي جزء منه فجرحني وأسال الدم من يدي لكن أحداً لم يهتم بي فالجميع مشغول عني وقد تركت هذه الخشبة اللعينة أثراً في يدي حتى يومنا هذا.

Untitled
عدنا إلى بيتنا لننتظر الطريقة التي سنموت فيها

لم ننم في تلك الليلة اللعينة بل أصبحنا نتبادل الأمكنة مرة في البيت ومرة في الملجأ وانفرط عقد عائلتنا الصغيرة وأصبحت العمارة كلها عائلة واحدة وفي اليوم التالي أيقنّا أننا لسنا المُستهدفين في الحرب فعدنا إلى بيتنا ثانية وبدأت الأزمة تشتد فلا ماء ولا كهرباء ولا خضار ولا فواكه ولا غاز ولا بنزين ولا هاتف وأصبحت حياتنا ثقيلة وبدأ الوضع يتحول من سيء إلى أسوأ عندها أيقنتُ أننا سنموت لكن ليس الموت هو المُهمّ بل طريقة الموت هي الأهمّ!فهل نموت جوعاً أو عطشاً؟أو نموت بصاروخ عراقيّ يُخطئ هدفه فيصيبنا؟أم نموت بصاروخ من قوات التحالف يُطلقونه على الجيش العراقي فتصيبنا بعض أجزائه؟أم نموت حرقاً أو خنقاً لو اشتعل بترول الكويت؟.

download (2)
وإذا بهم يُشعلون آبار البترول عمداً 

وبدأنا ننتظر الطريقة التي سنموت فيها وإذا بهم يُشعلون آبار البترول عمداً ويُغرقون شواطئ الكويت أيضاً بالبترول لتلويثها حتى لا يستخدمها الحلفاء في إنزال جنودهم فيها وتلبدت سماء الكويت بالدخان الأسود وحجبت عنا الشمس تماماً وأصبحنا نعيش في ظلام دامس حتى أن السيارات تشعل أنوارها نهاراً إذا اضطرت للسير في الشوارع وانتشرت رائحة الكبريت الخانقة وتلوث الجو والهواء وأصبحنا نتنفس الدخان في كل مكان في البيت وفي الحمام وفي الشارع وفي السيارة أما إذا التقى أحدنا بالآخر فكان كل واحد منا يزيل ما علق على الآخر من آثار الدخان والحرائق واستمر هذا الوضع بشكل أو بآخر حتى غادرنا الكويت في 6/8/1991.

مذكرات طفل عربي فلسطيني عن حرب الخليج