وعادت ذاكرة الأم إلى الوراء


1335086292
الحدود بين الجزائر والمغرب والحدود بين هولندا وبلجيكا

وفي أثناء تلك الرحلة وقبل أن تحط الطائرة على أرض مطار الكويت عادت الأم بذاكرتها إلى الوراء سنين ليست كثيرة عندما كانت فلسطينية الوثيقة وتخيلت نفسها وهي تمسك بوثيقتها المباركة وتطلب من حراس الحدود العربية الدخول إلى أراضيهم لزيارة الأقارب والأصدقاء وبسرعة طردت لا بل طاردت هذه الأفكار من مخيلتها وهي تخاطب نفسها وتقول: جزى الله أستراليا والأستراليين خيراً على ما فعلوه معي ومع غيري من المظلومين فقد أرجعوا لي هويتي الفلسطينية بعد أن سحبها مني العرب وأعطوني بدلاً منها وثيقة لا يعترف بها أحد حتى من أصدرها.

الكذبة الكبرى

وفتحت كل الحدود التي كانت مغلقة


img_2122
فتحت لها الحدود المغلقة بما في ذلك الكويت وفلسطين

وبعد أن إنتهت حرب الخليج وتحررت الكويت على يد قوات التحالف أصبح وجودنا كفلسطينيين غير مرغوب به في الكويت فغادرنا إلى عمان وتركناهم في الكويت وتودعنا من غير أمل في لقاء لكنهم بعد أن حصلوا على الجواز الأسترالي وتخلصوا من وثيقتهم المقدسة امتلكوا حريتهم وإنسانيتهم وفتحت لهم كل الحدود العربية التي كانت مغلقة في وجوههم بما في ذلك الكويت وفلسطين وعندما توفي جد هبة لأمها المقيم في الكويت قررت الأم أن تذهب إلى هناك كي تشارك في تشييع جنازة والدها وعلى الفور ركبت الطائرة وأخذت هبة معها إلى أن حطت بها في مطار الكويت وهناك أعطيت الفيزا مباشرة دون سؤال وجواب لأن جواز سفرها غير عربي. 

الكذبة الكبرى

وهاجرت هبة مع أهلها إلى أستراليا


untitled20
جواز سفر أسترالي 

وسافرت هبة مع أهلها إلى أستراليا مهاجرة دون أن تعي سبباً لهجرتها تلك وعندما كبرت هبة في بلاد الغربة سألت من هم حولها: ماذا نحن هنا في آخر أرجاء هذه المعمورة مع أننا عرب أقحاح ومن بلد الإمام الشافعي أحد أئمة المسلمين الأربعة؟ فأجابها والدها: لسنا أول من ضاقت بهم بلادهم يا بنيتي ولن نكون آخرهم فالله طالب المظلومين والمضطهدين بالهجرة بل عاتبهم إذا استكانوا للظلم ولم يهاجروا حين قال في كتابه العزيز: ألم تكن أرض الله واسعة؟ هذا أولاً أما ثانياً ألم يهاجر صحابة الرسول العربي إلى الحبشة حيث وجدوا الدعم والمساندة كما وجدنا نحن من أستراليا المال والسكن بعد أن علمونا لغتهم وثقافتهم والأفضل من ذلك كله فقد أعطونا الجنسية الأسترالية وحررونا من وثيقتنا الغرّاء ولم يحشرونا في مخيمات كما فعل إخواننا العرب معنا. 

الكذبة الكبرى

لكن المعتصم الأسترالي سمع صراخهم


1327903741
لكن المعتصم الأسترالي سمع صراخهم

وما أن سمعت حكومة أستراليا صراخهم رغم بعدها الجغرافي والتاريخي والديني عنهم حتى أسرعت لاستغاثتهم!وعلى الفور أوعزت لسفيرها في اليونان بالتدخل لإنقاذ أهل الوثيقة الفلسطينية (المحاصرين) في الكويت وقام هذا السفير من اليونان بتوجيه دعوة رسمية إلى إلى كل من يستطيع منهم الحضور لمقابلته لكن حكومة الكويت لم تسمح لأحد منهم بالمغادرة لتلبية دعوة السفير فجاء بنفسه إليهم وأخذ طلباتهم ووعدهم خيراً وبعد بضعة أيام وصلت الموافقة على إستضافتهم في أستراليا لضرورات إنسانية وهنا لا يسعني إلا أن أقول: ما أعظم هذه الكلمات عندما تخرج من أفواه الكفار وتغيب عن أفواه الذين يحاولون أن يقنعونا ليل نهار بأنهم خير أمة أخرجت للناس وبأنهم أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.

الكذبة الكبرى

ولم يسمع المعتصم العربي صراخهم


imagesca2lzrur
ولم يسمع المعتصم العربي صراخهم

وعندما تأكدت حكومة الكويت في ذلك الوقت من أن أهل الوثيقة الفلسطينية باقون على أرضها أخذوا يتفننون في عذابهم والتنكيل بهم فمنعوهم من حق العمل وأهانوهم على الحواجز التي انتشرت على أرض الكويت وجعلوا حياتهم جحيماً لا تطاق وحملوهم وزر ما حصل لهم ولكويتهم من احتلال ولم ينفعهم حبهم ودفاعهم عن الكويت ولو نظرياً ولم تشفع لهم خدمتهم الطويلة في مهنة الرسل والأنبياء فأصبحوا يفضلون الجلوس في بيوتهم على الخروج منها لقضاء ما تبقى لهم من أهداف بعد أن اختصروها لهم بهدف واحد وهو حب البقاء على قيد الحياة لا أكثر ولا أقل حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا وأصبح البيت بالنسبة لهم هو المكان الوحيد الذي يحفظ عليهم كرامتهم وحياتهم وإنسانيتهم وبدؤوا يستغيثون ويصيحون عسى أن يسمعهم معتصم عربي لكن المعتصم العربي كان قد أغلق أذنيه كي لا يسمع استغاثتهم.

الكذبة الكبرى

وجدت هبة نفسها تحمل الوثيقة الفلسطينية


imagesca2qtsps
وكانت أم هبة لا تحب الكويت فحسب بل تتعصب لها 

وفي سبعينات القرن الماضي كنت قد تزاملت مع والدها في إحدى المدارس الثانوية في الكويت فأصبحنا أصدقاء لكن ما كان يحيرني في ذلك الوقت هو حب أمها للكويت فهي لا تحب الكويت فقط بل تتعصب لها حتى أننا كنا نلحق إسمها بآل الصباح عندما كنا نريد مخاطبتها وكانت تدافع عن نفسها وتقول: أعذروني إن كنت قد تعصبت للكويت فأنا ولدت وعشت وتعلمت وعملت وتزوجت وأنجبت البنات والبنين في الكويت ولم أغادرها إلى أي بلد آخر.

gallery_1238183406
منعوا حملة الوثائق من المغادرة لعدم وجود بلد يستضيفهم

أما ابنتها هبة فقد كانت قد ولدت في الكويت أيضاً قبل حرب الخليج بسنة واحدة وبعد حرب الخليج مباشرة خرج غير الكويتيين من الكويت إلى بلادهم طوعاً أو قسراً إلا من يحمل الوثيقة الفلسطينية فمنعوا من مغادرتها لا لسواد أعينهم ولا كرماً من الكويتيين وإنما لعدم وجود بلد عربي يقيمون فيه أو حتى يستضيفهم بشكل مؤقت حتى وصل بهم الأمر أن البلد الذي كان قد أصدر لهم وثيقتهم الغراء أقفل حدوده في وجوههم وهكذا وجدت هبة نفسها تحمل الوثيقة الفلسطينية المباركة ومسجونة بها في الكويت.

الكذبة الكبرى

هــبـة


www_4photos_net_1142867563
فراشة إنعكس عليها ضوء القمر في ليلة صيف

هـبـة طالبة جامعية فلسطينية الأصل تدرس العلوم السياسية في إحدى جامعات أستراليا وكانت قد ورثت الوثيقة الفلسطينية عن والدها الذي كان قد ورثها هو الآخر عن والده الذي وجد نفسه بين عشية وضحاها يعيش في قطاع غزة بدلاً من أن يعيش في بلده (بربرة) وهي لا تجيد اللغة العربية لكنها تحاول فتبدو كفراشة إنعكس عليها ضوء القمر في ليلة صيف أو كنحلة تبحث عن رحيق الأزهار لتصنع منه العسل فهي لا تكتفي بسماع من يتكلم معها بل تجدها مشغولة في مراقبة شفاه المتكلمين وحركاتهم بعيون سوداء واسعة تتسع لكل ما حولها. 

الكذبة الكبرى

الكذبة الكبرى


1365021620
لو أعطوهم الجنسيات لكانوا قد نسوا بلدهم فلسطين

هذه كانت هي الكذبة الصغرى للحكام العرب في ذلك الوقت ولم يكتف هؤلاء الحكام بذلك بل أتبعوها بكذبة أكبر منها كانت قد إنطلت على الكثير من الفلسطينيين كما كانت قد إنطلت عليهم الكذبة الصغرى أما هذه الكذبة الكبرى هذه المرة فكانت حرمانهم من جنسيات البلدان التي كانت قد إستضافتهم ما عدا الأردن تحت ذريعة أنهم لو أعطوا الفلسطينيين هذه الجنسيات لكانوا قد ذابوا في مجتمعاتهم الجديدة ولكانوا قد نسوا بلدهم الأصلي فلسطين.

32763_11254141762
الشركس في الأردن لم ينسوا بلدهم ولا زيهم الوطني

ومما يحز في النفس أكثر أن ما فعله الحكام العرب يالفلسطينيين لم يفعلوه مع الأقليات الأخرى غير العربية التي كانت قد هاجرت من موطنها الأصلي واستقرت في بلدانهم كالأرمن والشيشان والشركس والأكراد وغيرهم فقد أعطوهم جنسيات البلدان التي أقاموا فيها وأصبحوا مواطنين من الدرجة الأولى في هذه البلدان التي سكنوها ومع هذا لم يذوبوا في مجتمعاتهم الجديدة بل بقيت لهم عاداتهم وتقاليدهم ولغاتهم ومدارسهم ولم ينسوا بلدانهم التي كانوا قد قدموا منها رغم مرور عشرات السنين.

الكذبة الكبرى

سؤال رقم 9


969434_457729020987097_22986802_n1
أوجد قيمة العدد المجهول

إختبر نفسك بالرياضيات

هدية بلدنا لبريطانيا العظمى


3909774337
ثوار ومجاهدون في العهد البريطاني

كانت قريتنا في الماضي غير البعيد حصناً منيعاً لمن يدخلها من الثوار والمجاهدين خاصة في العهد البريطاني لأن من يكون بداخلها يرى القادم إليه قبل أن يراه هذا القادم لأنها محاطة بالجبال من جميع الجهات والسبب الأهم من ذلك كله أن هذه القرية كانت معزولة لا تصلها السيارة وبالتالي لا تستطيع سيارات العدو من الوصول إليها فكان على المحتلين في جميع العصور أن يأتوها إن أرادوا مشياً على الأقدام والمشي على الأقدام في حد ذاته كان يعتبر مغامرة كبرى للمحتلين فكانوا بدلاً من ذلك يبعثون عيونهم من العملاء لمراقبة الوضع في قريتنا عن كثب وإبلاغهم بما كان يحدث أولاً بأول.

350387922
الجيش البريطاني في فلسطين

وفي أحد الأيام حضر أحد القادة المهمين في الثورة الفلسطينية آنذاك ليقيم في  قريتنا بضعة أيام دون أن يكون ملاحقاً ومطارداً من المحتلين الإنجليز إلا أن أحد العملاء كان قد أخبر العدو بوجوده في القرية فأرسلوا على الفور كتيبة مشاة وأنزلوها في أرض اللبن الشرقية واتجهت هذه الكتيبة غرباً نحو القرية دون أن تمر بالطرق المألوفة عند الناس خوفاً من أن ينكشف أمرها بل وصلوها عن طريق الجبال من جهة جبل راس مقحار.

images9f9l627o
لف السجائر

وكان المرحوم (عمر مصطفى الزغلول) أحد أبناء هذه القرية يعمل بأرضه التي تسمى (الزردات) في جبل راس مقحار في تلك الأثناء وأراد أن يرتاح قليلا فجلس في مكان نظيف كان قد إختاره وفتح علبة (التتن) وأخرج منها دفتر السيجارة (الأتومان) ونزع منه ورقة وملأها بالتتن وقام بالضغط عليها بين أصابعه لموازنتها ثم قام بوضع شيء من ريقه على أحد أطرافها ثم جعل هذا الطرف كالمنشار بواسطة أسنانه وقام بلصقه بالطرف الآخر فأصبحت بذلك سيجارة ثم قام بضم كل طرف منها على نفسه ليمنع سقوط التتن من أطرافها واختار طرفاً منها وقام بوضعها في فمه.

13035547_591633631011437_2025009995_o
الزنادة وحجر الصوان والقديح 

وإذا بالكتيبة الإنجليزية تمشط رأس مقحار كله باتجاه القرية وما أن رفع رأسه حتى وجد جنديان يراقبونه فلم يخف منهما وبقي يمارس طقوسه وهم واقفون أمامه ويراقبونه عن بعد بإعجاب شديد وبعد أن وضع السيجارة في فمه تناول شيئاً من نبات القديح المُصنّع سلفاً التي كان يضعها في جيبه ومعها حجر من الصوان فوضع جزءاً صغيراً من نبات القديح على طرف حجر الصوان وأمسك بهما بيده اليسرى ومد يده اليمنى إلى جيبه وأخرج منها (الزنادة) وضرب بها حجر الصوان فخرجت شرارة حطت على نبات القديح فأشعلته ومد يده اليسرى إلى فمه وأشعل منها سيجارته والجنديان البريطانيان يراقبانه باندهاش شديد وبعد أن انتهت هذه العملية طلبا منه أن يعطيهم الزنادة وحجر الصوان والقديح كهدية فأعطاهم ما طلبوه منه وبهذا تكون قد دخلت صناعة خربة قيس بريطانيا العظمى.

عن بلدي احكيلي