الحدود بين الجزائر والمغرب والحدود بين هولندا وبلجيكا
وفي أثناء تلك الرحلة وقبل أن تحط الطائرة على أرض مطار الكويت عادت الأم بذاكرتها إلى الوراء سنين ليست كثيرة عندما كانت فلسطينية الوثيقة وتخيلت نفسها وهي تمسك بوثيقتها المباركة وتطلب من حراس الحدود العربية الدخول إلى أراضيهم لزيارة الأقارب والأصدقاء وبسرعة طردت لا بل طاردت هذه الأفكار من مخيلتها وهي تخاطب نفسها وتقول: جزى الله أستراليا والأستراليين خيراً على ما فعلوه معي ومع غيري من المظلومين فقد أرجعوا لي هويتي الفلسطينية بعد أن سحبها مني العرب وأعطوني بدلاً منها وثيقة لا يعترف بها أحد حتى من أصدرها.
وبعد أن إنتهت حرب الخليج وتحررت الكويت على يد قوات التحالف أصبح وجودنا كفلسطينيين غير مرغوب به في الكويت فغادرنا إلى عمان وتركناهم في الكويت وتودعنا من غير أمل في لقاء لكنهم بعد أن حصلوا على الجواز الأسترالي وتخلصوا من وثيقتهم المقدسة امتلكوا حريتهم وإنسانيتهم وفتحت لهم كل الحدود العربية التي كانت مغلقة في وجوههم بما في ذلك الكويت وفلسطين وعندما توفي جد هبة لأمها المقيم في الكويت قررت الأم أن تذهب إلى هناك كي تشارك في تشييع جنازة والدها وعلى الفور ركبت الطائرة وأخذت هبة معها إلى أن حطت بها في مطار الكويت وهناك أعطيت الفيزا مباشرة دون سؤال وجواب لأن جواز سفرها غير عربي.
وسافرت هبة مع أهلها إلى أستراليا مهاجرة دون أن تعي سبباً لهجرتها تلك وعندما كبرت هبة في بلاد الغربة سألت من هم حولها: ماذا نحن هنا في آخر أرجاء هذه المعمورة مع أننا عرب أقحاح ومن بلد الإمام الشافعي أحد أئمة المسلمين الأربعة؟ فأجابها والدها: لسنا أول من ضاقت بهم بلادهم يا بنيتي ولن نكون آخرهم فالله طالب المظلومين والمضطهدين بالهجرة بل عاتبهم إذا استكانوا للظلم ولم يهاجروا حين قال في كتابه العزيز: ألم تكن أرض الله واسعة؟ هذا أولاً أما ثانياً ألم يهاجر صحابة الرسول العربي إلى الحبشة حيث وجدوا الدعم والمساندة كما وجدنا نحن من أستراليا المال والسكن بعد أن علمونا لغتهم وثقافتهم والأفضل من ذلك كله فقد أعطونا الجنسية الأسترالية وحررونا من وثيقتنا الغرّاء ولم يحشرونا في مخيمات كما فعل إخواننا العرب معنا.
وما أن سمعت حكومة أستراليا صراخهم رغم بعدها الجغرافي والتاريخي والديني عنهم حتى أسرعت لاستغاثتهم!وعلى الفور أوعزت لسفيرها في اليونان بالتدخل لإنقاذ أهل الوثيقة الفلسطينية (المحاصرين) في الكويت وقام هذا السفير من اليونان بتوجيه دعوة رسمية إلى إلى كل من يستطيع منهم الحضور لمقابلته لكن حكومة الكويت لم تسمح لأحد منهم بالمغادرة لتلبية دعوة السفير فجاء بنفسه إليهم وأخذ طلباتهم ووعدهم خيراً وبعد بضعة أيام وصلت الموافقة على إستضافتهم في أستراليا لضرورات إنسانية وهنا لا يسعني إلا أن أقول: ما أعظم هذه الكلمات عندما تخرج من أفواه الكفار وتغيب عن أفواه الذين يحاولون أن يقنعونا ليل نهار بأنهم خير أمة أخرجت للناس وبأنهم أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.
وعندما تأكدت حكومة الكويت في ذلك الوقت من أن أهل الوثيقة الفلسطينية باقون على أرضها أخذوا يتفننون في عذابهم والتنكيل بهم فمنعوهم من حق العمل وأهانوهم على الحواجز التي انتشرت على أرض الكويت وجعلوا حياتهم جحيماً لا تطاق وحملوهم وزر ما حصل لهم ولكويتهم من احتلال ولم ينفعهم حبهم ودفاعهم عن الكويت ولو نظرياً ولم تشفع لهم خدمتهم الطويلة في مهنة الرسل والأنبياء فأصبحوا يفضلون الجلوس في بيوتهم على الخروج منها لقضاء ما تبقى لهم من أهداف بعد أن اختصروها لهم بهدف واحد وهو حب البقاء على قيد الحياة لا أكثر ولا أقل حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا وأصبح البيت بالنسبة لهم هو المكان الوحيد الذي يحفظ عليهم كرامتهم وحياتهم وإنسانيتهم وبدؤوا يستغيثون ويصيحون عسى أن يسمعهم معتصم عربي لكن المعتصم العربي كان قد أغلق أذنيه كي لا يسمع استغاثتهم.
وفي سبعينات القرن الماضي كنت قد تزاملت مع والدها في إحدى المدارس الثانوية في الكويت فأصبحنا أصدقاء لكن ما كان يحيرني في ذلك الوقت هو حب أمها للكويت فهي لا تحب الكويت فقط بل تتعصب لها حتى أننا كنا نلحق إسمها بآل الصباح عندما كنا نريد مخاطبتها وكانت تدافع عن نفسها وتقول: أعذروني إن كنت قد تعصبت للكويت فأنا ولدت وعشت وتعلمت وعملت وتزوجت وأنجبت البنات والبنين في الكويت ولم أغادرها إلى أي بلد آخر.
منعوا حملة الوثائق من المغادرة لعدم وجود بلد يستضيفهم
أما ابنتها هبة فقد كانت قد ولدت في الكويت أيضاً قبل حرب الخليج بسنة واحدة وبعد حرب الخليج مباشرة خرج غير الكويتيين من الكويت إلى بلادهم طوعاً أو قسراً إلا من يحمل الوثيقة الفلسطينية فمنعوا من مغادرتها لا لسواد أعينهم ولا كرماً من الكويتيين وإنما لعدم وجود بلد عربي يقيمون فيه أو حتى يستضيفهم بشكل مؤقت حتى وصل بهم الأمر أن البلد الذي كان قد أصدر لهم وثيقتهم الغراء أقفل حدوده في وجوههم وهكذا وجدت هبة نفسها تحمل الوثيقة الفلسطينية المباركة ومسجونة بها في الكويت.
هـبـة طالبة جامعية فلسطينية الأصل تدرس العلوم السياسية في إحدى جامعات أستراليا وكانت قد ورثت الوثيقة الفلسطينية عن والدها الذي كان قد ورثها هو الآخر عن والده الذي وجد نفسه بين عشية وضحاها يعيش في قطاع غزة بدلاً من أن يعيش في بلده (بربرة) وهي لا تجيد اللغة العربية لكنها تحاول فتبدو كفراشة إنعكس عليها ضوء القمر في ليلة صيف أو كنحلة تبحث عن رحيق الأزهار لتصنع منه العسل فهي لا تكتفي بسماع من يتكلم معها بل تجدها مشغولة في مراقبة شفاه المتكلمين وحركاتهم بعيون سوداء واسعة تتسع لكل ما حولها.
هذه كانت هي الكذبة الصغرى للحكام العرب في ذلك الوقت ولم يكتف هؤلاء الحكام بذلك بل أتبعوها بكذبة أكبر منها كانت قد إنطلت على الكثير من الفلسطينيين كما كانت قد إنطلت عليهم الكذبة الصغرى أما هذه الكذبة الكبرى هذه المرة فكانت حرمانهم من جنسيات البلدان التي كانت قد إستضافتهم ما عدا الأردن تحت ذريعة أنهم لو أعطوا الفلسطينيين هذه الجنسيات لكانوا قد ذابوا في مجتمعاتهم الجديدة ولكانوا قد نسوا بلدهم الأصلي فلسطين.
الشركس في الأردن لم ينسوا بلدهم ولا زيهم الوطني
ومما يحز في النفس أكثر أن ما فعله الحكام العرب يالفلسطينيين لم يفعلوه مع الأقليات الأخرى غير العربية التي كانت قد هاجرت من موطنها الأصلي واستقرت في بلدانهم كالأرمن والشيشان والشركس والأكراد وغيرهم فقد أعطوهم جنسيات البلدان التي أقاموا فيها وأصبحوا مواطنين من الدرجة الأولى في هذه البلدان التي سكنوها ومع هذا لم يذوبوا في مجتمعاتهم الجديدة بل بقيت لهم عاداتهم وتقاليدهم ولغاتهم ومدارسهم ولم ينسوا بلدانهم التي كانوا قد قدموا منها رغم مرور عشرات السنين.
كانت قريتنا في الماضي غير البعيد حصناً منيعاً لمن يدخلها من الثوار والمجاهدين خاصة في العهد البريطاني لأن من يكون بداخلها يرى القادم إليه قبل أن يراه هذا القادم لأنها محاطة بالجبال من جميع الجهات والسبب الأهم من ذلك كله أن هذه القرية كانت معزولة لا تصلها السيارة وبالتالي لا تستطيع سيارات العدو من الوصول إليها فكان على المحتلين في جميع العصور أن يأتوها إن أرادوا مشياً على الأقدام والمشي على الأقدام في حد ذاته كان يعتبر مغامرة كبرى للمحتلين فكانوا بدلاً من ذلك يبعثون عيونهم من العملاء لمراقبة الوضع في قريتنا عن كثب وإبلاغهم بما كان يحدث أولاً بأول.
الجيش البريطاني في فلسطين
وفي أحد الأيام حضر أحد القادة المهمين في الثورة الفلسطينية آنذاك ليقيم في قريتنا بضعة أيام دون أن يكون ملاحقاً ومطارداً من المحتلين الإنجليز إلا أن أحد العملاء كان قد أخبر العدو بوجوده في القرية فأرسلوا على الفور كتيبة مشاة وأنزلوها في أرض اللبن الشرقية واتجهت هذه الكتيبة غرباً نحو القرية دون أن تمر بالطرق المألوفة عند الناس خوفاً من أن ينكشف أمرها بل وصلوها عن طريق الجبال من جهة جبل راس مقحار.
لف السجائر
وكان المرحوم (عمر مصطفى الزغلول) أحد أبناء هذه القرية يعمل بأرضه التي تسمى (الزردات) في جبل راس مقحار في تلك الأثناء وأراد أن يرتاح قليلا فجلس في مكان نظيف كان قد إختاره وفتح علبة (التتن) وأخرج منها دفتر السيجارة (الأتومان) ونزع منه ورقة وملأها بالتتن وقام بالضغط عليها بين أصابعه لموازنتها ثم قام بوضع شيء من ريقه على أحد أطرافها ثم جعل هذا الطرف كالمنشار بواسطة أسنانه وقام بلصقه بالطرف الآخر فأصبحت بذلك سيجارة ثم قام بضم كل طرف منها على نفسه ليمنع سقوط التتن من أطرافها واختار طرفاً منها وقام بوضعها في فمه.
الزنادة وحجر الصوان والقديح
وإذا بالكتيبة الإنجليزية تمشط رأس مقحار كله باتجاه القرية وما أن رفع رأسه حتى وجد جنديان يراقبونه فلم يخف منهما وبقي يمارس طقوسه وهم واقفون أمامه ويراقبونه عن بعد بإعجاب شديد وبعد أن وضع السيجارة في فمه تناول شيئاً من نبات القديح المُصنّع سلفاً التي كان يضعها في جيبه ومعها حجر من الصوان فوضع جزءاً صغيراً من نبات القديح على طرف حجر الصوان وأمسك بهما بيده اليسرى ومد يده اليمنى إلى جيبه وأخرج منها (الزنادة) وضرب بها حجر الصوان فخرجت شرارة حطت على نبات القديح فأشعلته ومد يده اليسرى إلى فمه وأشعل منها سيجارته والجنديان البريطانيان يراقبانه باندهاش شديد وبعد أن انتهت هذه العملية طلبا منه أن يعطيهم الزنادة وحجر الصوان والقديح كهدية فأعطاهم ما طلبوه منه وبهذا تكون قد دخلت صناعة خربة قيس بريطانيا العظمى.