
في الماضي الذي هو ليس بالبعيد كانت الإدارات المدرسية في مدارس البنات تستعين بالمدرسين الرجال لسد العجز إن حصل في تلك المدارس خاصة الكبيرة منها في المدن الرئيسية. ومن الأمثلة على ذلك ما حصل معي في سنة 1970 عندما استعانت بي شخصياً إدارة مدرسة يافا الإعدادية في مخيم النيرب بمدينة حلب في سوريا، عندما كنت أَدْرُس في جامعتها آنذاك لتدريس مادة الرياضيات للصف التاسع فيها. لم يكن الحجاب منتشراً في ذلك الوقت كما هو في هذه الأيام، بل كانت رؤوس البنات مكشوفة وكل بنت تسرّح شعرها بطريقتها الخاصة وبما يتناسب مع شخصيتها وكيفما يحلو لها. لكن أغلب البنات في ذاك الزمان كن يجدلن شعورهن إلى جديلتين ولقلة الإمكانيات كن يجلسن كل بنتين أو أكثر على مقعد واحد في غرفة التدريس.

كان في أحد الفصول التي أُدَرِّسها بنت لا تريد أن تفهم مادة الرياضيات، إما لصعوبتها أو أنها كانت لا ترى جدوى من دراستها وتدريسها للبنات، فالكثير من بنات جنسها يعتقدن أن لف ورق العنب وحفر الكوسا وكيفية صنع الكبة أفضل لهن بكثير من فهم الهندسة والرياضيات والعلوم، فهن أولا وأخيراً سيجلسن في بيوتهن في انتظار فارس الأحلام. وعندما يأتي هذا الفارس المغوار سوف لن يسألها عن ما درسته من علوم ورياضيات بل سيسألها عن ما طبخته له في ذلك اليوم.

في أحد الأيام بينما كنت منهمكاً في شرح نظرية في الهندسة المستوية للصف التاسع وهذه البنت لا تريد أن تفهم ما أقول فلم تجد ما تنشغل به غير جدايل الطالبتين اللتين تجلسان أمامها فبدأت تلعب بهما بهدوء وتفتقت قريحتها أكثر، فقامت بربط الجديلة اليسرى للبنت الأولى بالجديلة اليمني للبنت التي تجاورها في المقعد الأمامي. والذي لم أفهمه حتى الآن هو هل أن هاتين البنتين كانت قد شعرتا بعملية الربط هذه وسكتتا أم أنهما لم يشعرا بهذه العملية مثلي؟

وحضرت المديرة لحل المشكلة
إذا رأيت رجلاً في هذه الأيام يستحي من الله ومن الناس وأميناً في أداء رسالته وعنده ذمة وضمير في أداء مهنته وصادقاً مع نفسه ومع الناس وعنده غيرة وكرامة على بلده ومقدساته وتراثه وأمته فاعلم أن هذا الرجل ليس من هذا الجيل، لأن هذا الجيل أُغرق حتى أذنيه بالصحافة الإقليمية أحياناً وبالصحافة القُطرية في غالب الأحيان، وبالصحافة العنصرية في معظم الأحيان، فجعلوا منه جيلاً سطحياً تجارياً تسويقياً لا تهمه قومية ولا دين.
































