قُـل تـحـيـا الـكـويــت


المكان:شارع الإستقلال – الكويت

الزمان:أيـلـول 1990

14650625_801459263290522_1921559554919486994_n
مواطن كويتي ينتظر في الشارع

بينما كنت أسير بسيارتي في شارع الاستقلال قادماً من الرّميثية ومُتجهاً إلى مدينة الكويت صباحاً في أحد الأيام بعد شهر تقريباً من بداية الغزو العراقي لدولة الكويت وإذا بمواطن كويتي في العقد الخامس من عمره يقف بجانب سيارته على يمين الطريق يستوقفني وعندما وقفت له سألني: هل أنت فلسطيني؟ فاجأني هذا المواطن الكويتي بسؤاله هذا فقلت له: نعم فقال: قلْ تحيا الكويت ففاجأني أكثر في طلبه هذا لكنني قلتها ثم سألته إن كان يريد شيئاً آخر فقال: لا أريد منك غير هذا وشكرني الرجل وودعته ومضيت في طريقي.

images2
سؤال ورائه قصة 

وبعد أن حرّكت سيارتي لمواصلة طريقي إلى المكان الذي كنت ذاهب إليه إحترت في هذا السؤال المُفاجئ ورفعته من قائمة الأسئلة السهلة ذات الجواب الأسهل ووضعته في قائمة الأسئلة التي لا بد أن يكون ورائها قصة وأصبح من واجبي أن أعرف هذه القصة التي كانت وراء هذا السؤال لهذا قرّرت أن أعود ثانية إلى مكان هذا الرجل وعلى الفور قمت بتغيير طريقي بأن خرجت من الشارع واتجهت يميناً وعدت إلى مكان وجود هذا الرجل ووقفت بجانبه وبعد مصافحته وسؤاله عن أحواله طلبت منه توضيح سبب سؤاله السابق لي.

f6b91b11-5b54-47f3-b398-69bc4013a989_smaller
اختلف الحضور أمامي على موقف الفلسطينيين 

فقال الرجل: كنت قد خرجت مع من خرج من مواطني دولة الكويت في بداية الغزو العراقي ومن منفاي هناك كنت أسمع الكثير عن الأعمال السيئة التي كان يقوم بها الفلسطينيون في الكويت وبعد أن تمكنت من العودة ثانية إلى الكويت خفية ذهبت بالأمس إلى الديوانية وهناك إختلف الحاضرون أمامي على موقف الفلسطينيين من أحداث الكويت فمنهم من قال: إن الفلسطينيين يؤيدوننا ومنهم من قال: إن الفلسطينيين يؤيدون أعدائنا.

rumors1

لذا أردت أن أتحقق بنفسي  دون الإعتماد على الشائعات أو التقوّلات وكنت أنت أول من سألت وسأستمر بعرض هذا السؤال على كل فلسطيني يمر من هذا الشارع لأخرج بنتيجة إيجابية أو سلبية أعود بها إلى الديوانية فإما أن أغيّر رأيي أو أبقى ثابتاً عليه قلت له: إعلم يا أخي إن كنت لا تعلم أنّ من ليس له أوّل فلن يكون له آخر وقد كانت الكويت بالنسبة لي ولغيري من الفلسطينيين أولاً وستبقى كذلك وستحيا الكويت إلى الأبد فلا تخف ولا تحزن وستبقى الكويت بلاد العرب لأن أعمالكم الخيّرة ستشفع لكم في الدنيا قبل الآخرة.

Untitled
أهداني علم الكويت 

اندهش الرجل مما سمع مني ولم يكتف بذلك بل إمتلأت عيناه بالدموع فشعرت بيني وبين نفسي أنه كسب الرّهان في الديوانية فقال: الحمد لله رب العالمين الآن حصحص الحق وزهق الباطل لا حاجة لي بالبقاء هنا في هذا المكان لسؤال غيرك من الفلسطينيين فالمكتوب يُقرأ من عنوانه ومد يده إلى جيبه وأخرج منها علماً لدولة الكويت وقدمه لي كتذكار فأخذت منه هديته وشكرته عليها ثم ودّعنا بعضنا بعضاً وذهب كل واحد منا في طريقه ولا زالت هدية هذا الرجل الكويتي موجودة عندي حتى يومنا هذا دون أن أعلم عنه شيئاً.

مشاهد كويتية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

يـوم تـحـريـر الـهـنـود في الكويت


المكان:الرميثية/الكويت
الزمان:3 أغسطس 1990
img144
كانت أمنية المواطن الخليجي أن تطأ قدمه أرض الهند
imagesca9rx62h
وأصبحت أمنية المواطن الهندي أن تطأ قدمه أرض الخليج 

في الماضي الذي هو ليس بالبعيد كثيراً، كانت أمنية المواطن الخليجي أن تطأ قدمه أرض بلاد الهند والسند، بلاد العجائب في يوم من الأيام، لما عُرف عن الشعب الهندي من تطور وحضارة، ودارت الأيام، وأصبحت أمنية المواطن الهندي، رجلاً كان أو إمرأة، طفلاً كان أم شيخاً، أن تطأ قدمه أرض الخليج العربي، أرض البترول والذهب الأسود، ومن أجل ذلك، كان هذا المواطن الهندي ـ ولا يزال ـ يبيع ما فوقه، وما تحته في بلده، كي يدفعه إلى شركات التوظيف، التي بدورها ستنقله إلى الجنة الموعودة، في رأيه، وكل ما يدور في خياله، أن مهمته الصعبة ستنتهي، عند الوصول إلى هذا الخليج الحلم، وبعدها سينشغل أو تنشغل في شرب العسل واللبن من منبعه، ولا يعلم هذا المسكين، ولا هذه المسكينة، أنه سيدخل إلى حياة جديدة، قد يرى غياهب الجب فيها.

01_12_01_main
لم تعلم هذه المسكينة أنها ستكون في الخليج مستعبَدة

وتأتي المرأة الهندية إلى الخليج، بعد أن تحرق ما عندها من سفن، إن وجدت، في بلدها، وتكبل نفسها بالديون للسماسرة، وقد تترك زوجها وأولادها في بلادها، يحدوها الأمل في توفير متطلبات الحياة الأفضل، لها ولأسرتها في المستقبل، ولم تعلم هذه المسكينة أنها ستكون هناك مستعبَدة، وبأنها ستقوم بدور الجارية المرسومة في الذهنية العربية، من أيام الجاهلية الأولى، بعد أن استغل أهل الخليج نظام الإقامة والكفالة، الذي قد يجبرها على فعل أشياء محرمة، بعد أن يسلبها هذا النظام إرادتها.

image%20(1).jpg
وكان اللقاء في المدرسة الهندية في الرميثية

أمام هذا الواقع المرير، استيقظت خادمات الكويت، صبيحة يوم 2 أغسطس 1990، ولم يجدن أسيادهن في البيت، وأصبحت كل خادمة في بيت، هي سيدته، فدخلت كل الأماكن، التي كان مُحرّماً عليها دخولها، لا بل أكملت نومها في سرير سيدتها، ولو على سبيل التجربة، ولبست حليّها، وتزينت بزينتها، ولبست من فساتينها، وخرجت إلى الشارع، غير مصدقة لما يحدث، وأخذت كل واحدة منهن تتسائل، ولو في قرارة نفسها: أصحيح أنها امتلكت حريتها؟ولكي تتأكد من ذلك، لا بد أن تجد من تحاوره، وكان اللقاء حول المدرسة الهندية في الرميثية، لتصبح بقدرة قادر، سوقاً لبيع ما خف حمله، وغلا ثمنه.

gis_
المدرسة الهندية 

وبما أنني من سكان الرميثية في ذلك الوقت، ركبت سيارتي ومعي زوجتي وأولادي، كي أستطلع ما حصل في الكويت، على أرض الواقع، بعد أن احتلها العراقيون، وبعد أن مللنا من أخبار التلفاز، وأصبحنا نريد أن نرى ما حصل، بأم أعيننا في مناطقها وشوارعها، واتجهت إلى السالمية، فوجدتها خالية من الناس، بعد أن كانت تعج بهم، ومن رأيته منهم هناك رأيت القلق والانتظار في عينيه، فعدت على الفور إلى البيت، وفي طريق عودتي من هذه الجولة، مررت صدفة بجانب المدرسة الهندية، فرأيت حولها سوقاً كسوق عكاظ، لكنه بصبغة هندية.

????????????????
كرنفال 

وما يميز هذا السوق عن غيره من الأسواق الطارئة، التي كانت قد استحدثت سريعاً في ذلك الوقت، أنه أقرب إلى الكرنفال منه إلى السوق التجاري، فقد كنت تجد فيه خادمة هندية، تلبس فستان سهرة سيدتها، أو معطفها المصنوع من الفرو، في عز الصيف، وأخرى كانت قد دهنت وجهها، ولوّنته بجميع أنواع الزينة التي كانت لسيدتها، وأصبح ابتداءً من اليوم تحت تصرفها، فلم يصمد هذا المكياج أمام حرارة الصيف ورطوبته، فساح على ملابسها، فلونها بجميع ألوان الطيف الشمسي، وكنت ترى غيرها، وقد ألبست أصابعها العشرة خواتم ذهب وألماس، وكنت تجد منهن من لبست حذاءً كعبه على شكل مسمار، لترى فيه نفسها، لكنها وجدت أن المشي فيه صعب، فحملته بيدها وسارت حافية، بعد أن اكتشفت أن حياتها أسهل بكثير من حياة سيدتها بعد التجربة.

imagesCAZDUHBF
وظهر الحب الهندي إلى العلن 

والأغرب من ذلك كله، هو مشاهدة لقاء الأحبة والعشاق الهنود، فقد تغلب كفّ الحب الهندي، على مخرز القمع الكويتي، وكبت الحريات، وظهر الآن إلى العلن، بعد أن كان مخفياً مُقيداً، فكسر الحب الهندي قيده، وأصبح لقاءاً مفتوحاً، غير مُحدد بزمن معين، ولا بيوم معين، فلا سيدتها، ولا سيده، موجودان لمحاسبتهم لو تأخروا، ولم يعد هناك شرطة تخيفهم، عندما يُعلن عنهم بالصحف المحلية، خرج ولم يعد، فتمنيت في تلك اللحظة، أن أكون هندياً، لا حباً في سواد عيون الهنود، ولكن كي أشعر بشعورهم في ذلك اليوم: يوم تحرير الهنود في الكويت.

17446_imgcache
أسنان المشط

وبسرعة، استدركت استحالة تحقيق هذه الأمنية، لأنني من أمة تحن لماضيها البعيد، عندما كانت تستعبد الناس، فجاء الإسلام وحررهم، وألغى مفهوم السادة والعبيد عندهم، وجعلهم متساوون في الحقوق والواجبات، كأسنان المشط، وعلمهم رسولهم صلى الله عليه وسلم بأن: صاحب الحاجة أحق بحملها، إلا أن نفراً من هؤلاء الأعراب، قاموا باستخدام الناس خدماً لهم، لقضاء حوائجهم، التي لا تتطلب منهم مهارات Donkey’swork، حتى يتفرغوا لخدمة البشرية، وإضافة اختراعات جديدة للإنسانية.

photo_1353244261789-2-0
زعماء جنوب شرق آسيا في مؤتمرهم الأخير

تُرى، ماذا سيقول أجداد هؤلاء الناس من بلاد السند والهند؟ التي كان الإسلام قد دخلها بكرم أهله، وحسن خلقهم، وطيب معاملتهم، لو عاشوا حتى رأوا ما يتعرض له أحفادهم من المهانة والذل، وسوء المعاملة في دول الخليج العربي، فتنازلت عن الأمنية الأولى، بأن أكون مواطناً هندياً، وتمنيت بدلاً من ذلك، أن أتقن لغات جنوب شرق آسيا، كي أستطيع أن أفهم ما يقولونه عن عرب ومسلمي هذه الأيام.

مشاهد كويتية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

يـوم يـفـرّ الـمـرْءُ مـن أبـيــه


المكان: السالمية ـ الكويت
الزمان: فبراير1991
imagesCASKSEBW
 الأسلحة المُتبقية من أسلحة الجيش العراقي المهزوم 

بعد أن حررت أمريكا دولة الكويت من قبضة الرئيس العراقي صدام حسين ودخل الجيش الكويتي أرض الكويت قام هذا الجيش على الفور بتجميع كل أنواع الأسلحة المُتبقية من أسلحة الجيش العراقي المهزوم وقام بتخزينها عشوائياً في مخفر السالمية وبجانب هذا المخفر تقع مرافق مُختلفة تضم جمعية تعاونية ومستوصفاً وبنوكاً ومطاعم ومكتبة وغير ذلك وكان من يعيش على أرض دولة الكويت في تلك الفترة وأنا منهم محروماً من كل شيء يمتّ إلى الحضارة بصلة فلا ماء ولا كهرباء ولا غاز ولا وقود ولا هاتف ولا خضار ولا فاكهة ولا حتى خبز.

crop,488x320,mixmedia-11012156Ua9H9
طابور من أسطوانات الغاز المتلاصقة والمتماثلة

وفي هذه الأثناء أعلنت جمعية السالمية التعاونية عن وصول شحنة من أسطوانات الغاز القادمة من الخارج فحضر كل من كان يسكن في السالمية ومعه كل الأسطوانات الفارغة المتوفرة لديه وعندما سمعتُ بهذا الخبر وضعت أسطواناتي الفارغة في سيارتي ومعها ولدي الأكبر وعمره في ذلك الوقت 13 سنة واتجهت إلى الجمعية وهناك وجدت طابوراً لكنه ليس بطابور من الناس كما هي العادة ولكنه طابور من أسطوانات الغاز المتلاصقة والمتماثلة كان قد تشكل لم أشهد مثله في حياتي فقد كان من المفروض أن يوازيه طابور آخر من الناس إلا أن ذلك لم يحصل فقد قام كل شخص بتمييز أسطواناته بطريقته الخاصة دون أن يقف بجوارها. 

untitled
انفجار رهيب 

وما أن وصلت إلى جمعية السالمية هذه حتى ميزت أسطواناتي عن غيرها وألحقتُها بمثيلاتها وأخذت أنتظر كغيري من الناس قدوم الشاحنة وانشغلنا بالحديث لقتل الوقت ليس إلا لأننا كنا قد مللنا النقاش والحوار وبينما نحن في غفلة من أمرنا وإذا بانفجار رهيب يقع في المخفر يُسكتنا عن الكلام ويفتح عيوننا باتجاهه ثم تلاه مجموعة من الانفجارات العشوائية في جميع الاتجاهات جعلت الجميع ينبطح أرضاً وبدأت مختلف أنواع الأسلحة تنفجر وتُطلق عياراتها النارية في جميع الاتجاهات وبدأت جميع ألوان الطيف الشمسي في الظهور مما جعلني أنسى ولدي وجعلت ولدي ينساني بعد أن انبطح الجميع أرضاً ومن منهم لم ينبطح أرضاً أسرع واحتمى بساتر ولم يبق غير طابور أسطوانات الغاز صامداً لا يتزحزح من مكانه.

image20211
لم أجد ولدي 

وبعد أن سكنت العاصفة بدأتُ أبحثُ عن ولدي في كل مكان فلم أجده فركبت سيارتي وقلت في نفسي:سأذهب للبيت أولاً كي أُطمئنْ زوجتي وبقية أولادي لأن خبر الإنفجار كان قد إنتشر ولا بد له من أن يصل لهم بطريقة أو بأخرى لأن الخبر السيئ ينتشر بسرعة ثم أعود ثانية لأبحث عنه مرة أخرى إذا لم أجده وما أن وصلتُ البيت وإذا بالولد وأمه وأخوته بانتظاري على البلكون فسررت كثيراً لرؤيته على الرغم أن حالته كانت لا تسرّ أباً بعد أن تغيرت ملامح وجهه وبعد أن إمتصت من الخوف والرعب حتى الإحمرار أما شعره فكان منفوشاً وملابسه عليها آثار دماء بعد أن جرّحته الأرض التي كان قد زحف فوقها بعد الإنفجار.

timthumb.php
انبطح الناس أرضاً فانبطحت مثلهم 

وبعد أن تمالكت نفسي إحتضنته ثم قبلته وحاولت أن أزيل عن شعره ما علق عليه من غبار بيدي لكنني لم أفلح فالأمر أصعب من ذلك بكثير ولن يُزيله إلا الحمّام بعدها سألته:كيف وصلت قبلي يا بني؟أيعقل أن يصل الولد قبل أبيه؟فقال:بعد أن توالت الإنفجارات واختلط الحابل بالنابل وبعد أن إنبطح الناس أرضاً إنبطحت مثلهم ولم أعد أميّزك من بين الناس المنبطحين وبعد إنتهاء هذه الإنفجارات تعرفت على جار لنا فأحضرني معه إلى البيت بعد أن بحثنا عنك ولم نجدك.

untitled35فقلت له على الفور:أتحفظ من القرآن شيئاً؟فقال:نعم فقلت له:أكمل الآية الكريمة (يوم يفر المرء من) وأكمل إلى أن قال:صدق الله العظيم ثم تابع قائلاً:إذا كان إنفجار بسيط كهذا كان قد أنساني والدي وأنسى والدي ولده فكيف ستكون الآخرة يا ترى؟فقلت له:لا تهمل همّ الآخرة يا ولدي من  الآن عليك أن تنتبه لدنياك أولاً وأن تعش حياتك مع الناس بأخلاق المُتقين فالآخرة ستكون للمتقين إذا كان الولد والوالد أتقياء في الدنيا ويُعاملون الناس بما يُرضي الله ورسوله فسيلتقون في الآخرة بعد الحساب كما التقينا أنا وأنت اليوم بعد الإنفجار.

images
العاقل من إتعظ بغيره!

قبل هذه الحادثة كنت إذا سمعت  الآية الكريمة (يوم يفرّ المرءُ من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) أمرّ عليها مرور الكرام أما بعد ذلك اليوم  المشهود فقد فهمت معناها عملياً وليس نظرياً فقط كما كنت أقرأها في الماضي وكل ما أريده ممن يقرأ هذا المقال أن يفهم عملياً معناها كما فهمتها أنا ولكن بدون أن يُعلمه معناها إنفجار مثلي لأن العاقل من إتعظ بغيره.

مشاهد كويتية بعيون فلسطينية من حرب الخليج

مقدمة للمشاهد الكويتية


imagescax5h29z
جيل النكبة

جيلنا جيل النكسة والهزيمة لم يع نكبة عام 1948 وما خلفته من مآسي وأحزان لأننا كنا أطفالاً صغاراً أو في بطون أمهاتنا!لكننا رضعنا نتائجها مع حليب أمهاتنا!فقد كان هذا الحليب ممزوجاً بالهمّ والغمّ والحزن والنكد!وبعد أن خرجنا لهذه الحياة غصباً لم يفرح أحد بمولدنا وقدومنا!لأن ما كان عند أهلنا وعند الناس يكفيهم من نزق الحياة وشظف العيش!والأهم من ذلك كله أن جيلنا هو الجيل الوحيد الذي كان عليه أن يساعد آبائه ثم يساعد نفسه ثم يساعد أولاده!.  

Untitled
استسلام الجنود في حرب الأيام الستة!

أما نكسة عام 1967 فعشناها شباباً جعلتنا نبدو أكبر من أعمارنا بكثير بعد أن حرّمنا على أنفسنا زينة الشباب!وأصبحنا كباراً في غير الأوان!عندما شخّصنا أمراض الأمة!فوجدناها مُثلثاً مختلف الأضلاع أضلاعه الفقر والجهل والمرض!فعقدنا العزم على إزالة هذا المثلث الكريه من الوجود!وقلنا إذا لم نستطع فسنحوله إلى زاوية أو إلى نقطة على الأقل!وانطلقنا وانتشرنا في كل بقعة من بقاع الوطن العربي الكبير نحملُ شعارنا الأبدي:بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان ولم نكن نسعى وراء المال كما إعتقد البعض أو أراد الاعتقاد!. 

imagesCACY2HGO
قبل النكبة كانت الفلاحة عيباً في شرع بعض العرب يُعاقب صاحبها بعدم مُصاهرته!.

لو أنك أمعنت النظر جيداً لرأيت الشعب الفلسطيني في ذاك الوقت قد تحوّل في مُعظمه إلى مُدرسين وأطباء وفنيين في جميع المجالات والتخصصات وليس إلى مُقاولين أو سماسرة أو قطاع طرق!فلوّنا الأرض العربية بالأخضر بعد أن كانت جرداء!واستصلحنا أراض كانت فيما مضى صحراء!وعززنا الإنتماء للأرض وللوطن!وفتحنا المدارس والجامعات والمستشفيات!وأسسنا الشركات والمصانع والبنوك!وأنرنا شوارع كانت معتمة بالكهرباء!والأهم من ذلك كله أننا غيّرنا قيماً سلبية كانت سائدة في ذلك الوقت!فلم يكن الإنسان العربي لا يحبّ العمل فحسب وإنما كان يستعيبُه!فالفلاحة مثلاً عيب في شرع بعض العرب يُعاقب صاحبها بعدم مُصاهرته!.

709_46142
مخيم فلسطيني

أما المُدرسون منا فقد طاردوا الجهل والسحر والخرافة والعصبية والتعصب والإقليمية والطائفية!ونشروا الوعي والتفكير والأخلاق والمساواة والعدل والعدالة والأنفة والقدوة الحسنة!والتمرد على الواقع أحياناً!إلى أن أصبح لهم أتباع ومُريدون!ونادراً ما كنت تجد قرية في الوطن العربي لم يدخلها مُدرّس فلسطيني!وانقسم إخواننا العرب حولهم إلى قسمين:قسم يُطالبُ حكوماته باستحداث مُخيم للفلسطينيين في أيّ مكان يرغبون في تطويره! والقسم الآخر كان يطالبها بإبعاد الفلسطينيين من بلادهم لأنهم ساعدوا في تطوير الشعوب أكثر مما ينبغي!. 

untitled54
دبابة عراقية في طريقها لاحتلال الكويت

كانت النكبة قد إقتطعت جُزءاً عزيزاً من الأرض العربية!ثم جاءت النكسة وقضمت جزءاً آخر!ولكنهما لم يكسرا قيم المُجتمع بل على العكس تماماً أوجدتا مُهاجرين وأنصار!وجعلتا للأمة العربية أهدافاً نبيلة مُشتركة!أما حرب الخليج فابتلعت الكلّ وليس الجزء!وشتت أهداف الأمة!وأعادت عصر الجاهلية الأولى!وأيقظت المناذرة والغساسنة!والأوس والخزرج!وداحس والغبراء!وبنو قريظة وبنو النضير!والأعز والأذل من قبورهم!وجرفت كل ما كنا قد زرعناه وحلمنا به!واستبدلته كسراً للقيم!ونحراً للأخلاق!واغتصاباً للتربية!وتكذيباً للقدوة!. 

أكتب لكم ما رأيته بأمّ عيني من مشاهد تسكن في ذاكرتي حتى الآن كي يرى الأبناء والأحفاد معاناتنا التي كنا قد عشناها ويستفيد منها من يريد منكم أن يستفيد!.

مشاهد كويتية بعيون فلسطينية من حرب الخليج