في بلادي العربية يقولون عن النساء (كل النساء) أنهن ناقصات عقل ودين ويعتبرون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في المحاكم أي أن المرأة (أية امرأة) كانت قد درست وتعلمت وعملت وتوظفت وربما استوزرت في بعض البلدان وبهذا (النصف) اختارت وتزوجت وحملت وأنجبت وأرضعت وأنشأت وربّت فكيف لو كان عقلها كاملاً؟ أما آن لنا أن ننظر لهذا النصف بما هو أهلُ له؟.
كيد النساء، مصطلح سارت به الأمثال من جيل إلى جيل في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وقيلت حوله القصص والأشعار والحكايات لدى مختلف الشعوب والأمصار، والسر في كيد النساء يعود إلى سيطرة الرجل على المرأة منذ البدايات الأولى، وحتى يومنا هذا، وعليه فقد أصبحت النساء لا يحصلن على ما يردن إلا بالحيلة والكيد، زد على ذلك، أن الله خلق المرأة أشد غيرة من الرجل، ولكنها تخفي هذه الغيرة، حفاظاً على كرامتها، والغيرة دوماً تدفع للكيد.
في البداية أظهرت نفسها للناس بأنها من ذوات الدين ولم تكتف بذلك بل تمسكنت طويلاً حتى بدت وكأنها ملاك في صورة إنسان وتمسكن معها أهلها حتى بدوا وكأنهم من النُسّاك الزُهّاد في الدنيا قبل الآخرة وبعد أن تزوجت وتمكنت عرضت على زوجها أحد أمرين لا ثالث لهما فإما أن يختارها هي وأهلها ليبقى لها زوجاً أو أن يختار أهله ويعود إليهم أعزباً كما كان فاحتار الزوج فِي أمره وبعد أن درس الأمرين معاً من جميع جوانبهما مع أهله إختارها هي وأهلها دون أهله لهذا أنصح كل من لهم أولاد أن يحبوا أولادهم وهم صغار في السن ويشبعوا من حبهم قبل أن يتزوجوا فقد يرزقهم الله بمثل هذه الزوجة المباركة.
يقول المفكر والأديب المصري عباس محمود العقاد، عن المرأة بعد أن عايشها، وعاش معها، سنين طويلة: إن المرأة مخلوق تافه، لا تعشق من الرجال، إلا الشاب القوي منهم، ولا تستطيع أن تميز الرجل الحقيقي عن غيره من الرجال، وإذا استطاعت هذه المرأة أن تميزه، فلا تقدره حق قدره، لأنها ضيقة الأفق، فلا يتسع أفقها لأكثر من أربعة أشخاص في حياتها: أبوها، وزوجها ،وأخوها، وابنها، فتلك هي الدنيا بكاملها بالنسبة لغالبية النساء في هذا الكون.
حياة المرأة الخاصة إما إغراء أو إغواء
أما حياة المرأة الخاصة، بل والخاصة جداً، فيلخصها المفكر عباس محمود العقاد في كلمتين اثنتين، لا ثالث لهما هما: إغراء و إغواء، فهي عندما تضع الأحمر والأبيض على وجهها، وتغير من لون شعرها، وتفرده على أكتافها، وتقوم بعرض نفسها في الشارع أو من النافذة أو في المدرسة أو في الجامعة (لم يكن على زمنه فيسبوك ولا تويتر) انتظاراً للرجل، تكون في طريقها إلى الإغراء، فإن لم يكف هذا الإغراء لصيد أحد من الرجال، فسيأتي الإغواء، ويكون كل هذا الإغراء والإغواء لتنبيه الرجل إليها ليس إلا.
كلمة لا عند المرأة سابقة لأي كلمة أخرى
وإذا لم ينتبه لها هذا الرجل رغم ما قامت به من إغراء وإغواء فلم يبق أمامها غير أن توحي له بزينتها لتحريك إرادة هذا الرجل وإذا لم تفلح بذلك فسيأتي دور الإنتظار من المرأة فهي تمتلك قدرة عجيبة على الرياء والتظاهر بغير ما تخفيه لأن المرأة خلقت لتتمنع وهي راغبة، وكلمة (لا) في كلام المرأة سابقة على كل نية تمتحن بها إرادتها وصبرها فهذه الخصلة قد تسمو بها حتى تبلغ مرتبة الصبر الجميل والقدرة العجيبة على ضبط النفس والشعور.
عجائز النساء أشد حيلة ومكراً من صغارهن
ومن أهم الأسباب التي تجعل المرأة قادرة على ضبط شعورها أنها تظل زمنا طويلا على إخفاء حبها أو بغضها فهي تستطيع أن تخفي حبها مفضلة عدم المفاتحة به والسبق إليه وتستطيع المرأة كذلك أن تخفي بغضها لشخص ما لأنها محتاجة إلى المداراة احتياج كل ضعيف إلى مداراة القوي لهذا فإن عجائز النساء أشد كيداً وحيلة من صغارهن فإذا اتخذت عجوزاً منك موقفاً عدائياً ظاهراً أو باطناً فخف منها ومن دهائها.
أغبى امرأة تستطيع أن تخدع أذكى الرجال
وقد يحسب الكثير من الرجال أن المرأة حمقى ليخدعوها فإذا بها هي التي تخدعهم فهي قد تتظاهر أمام الناس بالغباء وما هي بالغبية فأغبى إمرأة تستطيع أن تخدع أذكى الرجال على الرغم بأنها تظهر نفسها أمامهم بأنها ضعيفة وقد تتظاهر المرأة بالضعف وما هي بالضعيفة لكنها وإن كانت تبدو ضعيفة أمام الرجال فهي تعرف كيف تستغل ضعفها في سبيل تحقيق إرادتها بأمرين اثنين لا ثالث لهما هما: النجاح في أن تُراد، والقدرة الهائلة على الإنتظار.
كان النبي أيوب عليه السلام، كثير المال، كثير الأولاد، كثير الأنعام، وبين ليلة وضحاها، ذهب منه كل ماله، ومات جميع أولاده، ونفقت أنعامه، وفوق ذلك كله، إبتلاه الله عز وجل، بمرض عضال، أقعده في بيته، سنين طوال، ومع كل هذا، بقي شاكراً عابداً لله تعالى في محنته الكبيرة هذه، وطال مرضه، حتى لازمه ثماني عشرة سنة، وعلى إثر ذلك، انقطع عنه الناس جميعهم، ولم يبق أحد منهم، يحن عليه ويرعاه، في مرضه هذا، غير زوجته.
باعت نصف شعرها لتصنع لها ولزوجها طعاماً
وظلت زوجته تحنو عليه، وترعى له حقه، وتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجاته اليومية، ولا تفارقه أبداً، إلا عندما كانت تقوم بخدمة الناس الأغنياء بالأجرة، كي تفي بمقومات حياتهما اليومية، فهي وحدها التي كانت تعرف قديم إحسانه عليها، وعلى غيرها، وتقدر حسن معاشرته لها، في حالة السراء التي كان قد مر بها، وعندما ضاق عليها الحال أكثر، قامت ببيع نصف شعرها، لبعض بنات الملوك، لتصنع لها ولزوجها من ثمنه طعاماً، وعندما علم نبينا أيوب بذلك، حلف على زوجته يميناً، لئن شفاه الله من مرضه، ليضربنها مائة جلدة فقط لا غير.
دعاء النبي يعقوب لربه
واستمرت هذه الحالة الصعبة، على نبي الله أيوب وزوجته، طيلة ثماني عشرة سنة، وهما صابران صبراً جميلاً، على هذا البلاء الرباني، دون شكوى أو تذمر من هذا المرض اللعين، ومحتسبان هذا المرض إلى الله تعالى، وفي أحد الأيام، دعا نبينا أيوب ربه، ليخرجه من هذه المحنة، وهذا البلاء حيث، قال: ربي مسّني الضر، وأنت أرحم الراحمين، فاستجاب الله لدعائه هذا، وشفاه من مرضه، وأعاد إليه كل ما كان قد افتقده، من صحة ومال وأنعام وحلال، وعادت الأمور إلى نصابها.
الريحان
ولم يبق على نبينا أيوب غير البر بيمينه، الذي كان قد حلفه على زوجته، عندما كانت قد باعت نصف شعرها لبنات الملوك، لتسديد فاتورة الحياة اليومية لها وله أثناء فترة مرضه الطويلة، وعندما همّ نبينا أيوب بمعاقبتها، تدخل الله سبحانه وتعالى بينه وبين زوجته في آخر لحظة، بأن أمره الله أن يأخذ حزمة من أعواد نبات الريحان عددها مائة عود، ويضرب بها زوجته ضربة واحدة، وبذلك لا يحنث في يمينه، الذي كان قد حلفه عليها.
الرجل يشتري والمرأة هي التي تدفع
إلى هنا تنتهي قصة سيدنا أيوب وزوجته مع المرض، والإبتلاء الرباني، ولولا تدخل الله سبحانه وتعالى في آخر لحظة، ووقوفه مع زوجة أيوب المظلومة، لكان قد تم جلدها من قبل زوجها، الذي كانت قد صبرت عليه ثمانية عشر سنة، وباعت من أجله، أعز ما تملكه المرأة، وهو شعرها، لتسديد الفاتورة اليومية لمعيشتهما، وسؤالي الآن للجميع: من الذي يستحق أن يذهب صبره مثلاً، يتداوله الناس من بعده فيما بينهم: صبر أيوب أم صبر زوجته؟.
صاحبنا الذي أنوي أن أحدثكم عنه هو شاب صغير في السن من احدى قرى فلسطين كان قد ترك المدرسة في مطلع الستينات من القرن الماضي وسافر إلى الكويت ليبحث له عن عمل هناك وما أن وصلها حتى قبل بأول عمل عُرض عليه وهو مساعد ممرض في احدى المستشفيات وبعد فترة قصيرة من الزمن أتقن مهنته وأحبها وأخلص لها فعينوه ممرضاً مسؤولاً فزاده هذا الترفيع تواضعاً وأصبح صديقاً لكل من يدخل المستشفى مريضاً ويغادره سليماً.
كبر هذا الشاب وحان عنده وقت الزواج لكنه غريب الدار فلا أقارب ولا أصدقاء يستطيع أن يعتمد عليهم فقرر أن يستفيد من معارفه وبدأ في استعراض قائمة بأسماء الذين يدخلون عليه العيادة ليختار منها الشخص المناسب لهذه المهمة وبينما هو كذلك دخلت عليه احدى المراجعات فرأى فيها صورة أمه واختارها على الفور من دون أن يكمل استعراض بقية أسماء القائمة وعرض عليها مشكلته وطلب منها مساعدته في زواجه.
مصاب بالجدري
لم تخيّب هذه المرأة ظنه عندما قالت له:يوجد عند جيراننا بنتاً أرضاها لك يا ولدي فقال لها:وكيف لي أن أراها وتراني؟فقالت له:الجدري بدأ ينتشر في البلد وسأقنع سكان العمارة التي أسكنها بأهمية التطعيم وسأبلغهم بأن ممرضاً من وزارة الصحة سيحضر لتطعيمهم إلى البيت ليوفر عليهم عناء رحلتهم إلى المستوصف وسأضرب لهم موعداً مناسباً أفضله أن يكون يوم الجمعة القادم عندها تحضر أنت في هذا الموعد ومعك المطاعيم اللازمة وتبدأ في تطعيم الجميع وعندما يأتي دور البنت أعطيك بيدي إشارة ومعها كلمة من لساني إذا احتاج الأمر فإذا أعجبتك البنت ما عليك إلا أن تترك الباقي عليّ يا ولدي.
وبدأ صاحبنا في تطعيم أفراد العمارة
وجاء الموعد المحدد بينهما وجهز صاحبنا حقيبته الطبيّة وارتدى ثوبه الأبيض وذهب للعمارة التي تسكن فيها عروس المستقبل لكن بصفة رسمية وبدأ في تطعيم أفراد العمارة فرداً فرداً إلى أن جاء دور العروس المُقترحة فأشارت المرأة إليها بيدها ففهم إشارتها وأخذ يتمعن فيها جيداً دون غيرها من النساء ورأى منها ما لا يمكن أن يراه العريس من عروسته في الوضع الطبيعي فأعجبته هذه العروس وما كان منه إلا أن أعطى هذه المرأة إشارة البدأ في الدخول في التفاصيل معها ومع أهلها.
تنكة زيت زيتون من فلسطين لم يفتحها بعد
وبعد أن مهدت هذه المرأة له طريقاً معبداً عند العروس وأمها وما أن طلبها من أهلها حتى وجدهم قد وافقوا على زواجه منها وبعد أن تزوجها إحتار في ما سيقدمه لهذه المرأة التي ساعدته في بناء حياته الزوجية وبقي كذلك إلى أن جاءه الحل من والدته التي تعيش في فلسطين فقبل يومين ماضيين كانت أمه قد أرسلت له تنكة زيت زيتون من فلسطين لم يفتحها بعد ولم يذق طعمها فحملها كما وصلته وأعطاها لهذه المرأة هدية ومكافئة لها.
الرجل في العادة يُحب حماته أكثر من أمه في بداية الزواج على الأقل لسبب بسيط ألا وهو أن أمه هي التي كانت قد عجنته وخبزته فهي بالتالي تعرف خيره من شره لكنها لا تُظهر لحماته إلا الوجه الحسن فيه بعكس حماته فهي لا تعرف عنه إلا ما رَشَح لها من أمه أو من ابنتها عنه في أيام الخطوبة وفي العادة تكون صورة الرجل عند حماته وردية لا سيما إذا كانت إبنتها إختارته زوجاً لها أما في حالة الزواج التقليدي فالأم تكون مضطرة لتجميل صورة ابنها أمام حماته كي تقبل به زوجاً لابنتها.
تأخذ صورة الرجل عند حماته جميع ألوان الطيف الشمسي
وتستمر صورة الرجل الوردية في مخيلة حماته حتى ينتهي العام الأول من الزواج (عام الحب وإطفاء الغرائز) بعد ذلك تبدأ ألوان صورة الرجل عند حماته تبدو أكثر وضوحاً من ذي قبل في حالة الزواج التقليدي أما إذا كانت البنت هي التي إختارت زوجها فتبدأ التقارير الواردة عن الرجل إلى حماته من ابنتها تأخذ منحى آخر يكون أقرب إلى الواقعية وتبدأ الصورة الوردية التي كانت قد رسمتها ابنتها في مخيلة أمها عن زوجها في فترة الخطوبة والعام الأول من الزواج تتغير ألوانها لتأخذ جميع ألوان الطيف الشمسي.
تتحالف حماة الزوج مع ابنتها
وحماة الزوج عموماً تحب وتأمل أن يكون زوج ابنتها أفضل من زوجها وهو الرجل الوحيد في حياتها الذي تتمنى له أن يكون أحسن حالاً من زوجها أما أم الزوج فتعتقد في قرارة نفسها أن ابنها لا يمكن له أن يجد عروساً أفضل منها أو حتى مثلها ومن هنا يبدأ التناقض بين أم الرجل وحماته وفي الحال تتحالف حماة الزوج مع إبنتها ويرسمان معاً خطة بعيدة المدى فحواها أن يبعدان الرجل عن أهله ولكن على مراحل ويبدآن بخلق مشاكل يومية متلاحقة مع الحلقة الأضعف أي إخوته وأخواته وخالاته وعماته لإبعادهم عن الطريق وبعد أن يتحقق لهما ذلك يتجهن إلى الحلقة الأقوى وهي والديه.
تستعمل الحماة وإبنتها الجزرة والعصا مع أهل زوجها
وأول أسلوب تقوم به حماة الزوج وابنتها هو استعمال الجزرة والعصا مع والدا الزوج، فمرة يمدحن أمه على حساب أبيه ومرة يمدحن أباه على حساب أمه ومع الزمن ستخف علاقة هذا الزوج مع أحد والديه أو كلاهما ثم يقمن بعد ذلك بزيادة الطين بلة وذلك بإقناع هذا الزوج أن والديه يحبان إخوته أكثر منه ويقمن بضرب الأمثلة المنتقاة جيداً من أرض الواقع فيصدق المسكين ذلك وما هي إلا سنوات معدودة حتى ينفردن به بالكامل وقد يحالفهن الحظ ويموت أحد والديه أو كلاهما عندها يخلعنه من أسرته عنوة ويدخلنه في أسرتهن إلى أن يصبح فرداً من أفراد هذه الأسرة الجديدة.
خلطة سرية
ومع مرور الزمن سيكتشف الزوج لعبة أخرى من لعب حماته عليه دون أن يدري بعد أن يجد حماته كانت قد أعدت له زوجته على نار هادئة في سنوات عديدة فهي التي استطاعت أن تجعل من ابنتها خلطة سرية لا يفهمها أحد غيرها ثم قامت بعد ذلك بتسويقها له خلال ساعات معدودة وذلك بعد أن تكون قد أوصت إبنتها بالتظاهر بالطيبة والتسامح والمسكنة والصمت الزائد إزاء كل ما تراه وتسمعه من زوجها ومن أهله في السنوات الأولى من الزواج وبالمقابل سرعان ما تكتشف الحماة أيضاً لعبة زوج إبنتها عليها بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال إبنتها عندما كان قد أوحى لها أنه يختلف كثيراً عن زوجها فتجده مثله مثل كل الرجال ولا يختلف عنهم بشيء.
العلاقة بين الرجل وحماته تصل إلى حد التنافر
ومع مرور الزمن يكتشف الرجل حماته أكثر فأكثر لا بل يكتشف ماضيها الذي كانت قد أخفته عنه طيلة هذه السنين وذلك من خلال سلوك زوجته معه وتصرفاتها مع أهله ومع الآخرين فهي سرعان ما تأخذ في تقليد أمها في ماضيها وبالمثل تكتشف حماته زوج إبنتها أكثر فأكثر بشكل مباشر أو عن طريق ما يتسرب لها من إبنتها فهي ستضع أمها في كل صغيرة وكبيرة في حياتها مع زوجها ومع أهله دون أن تُعلم زوجها بذلك وتبدأ العلاقة بين الرجل وحماته بالانحسار إلى أن تصل إلى حد التنافر مما يجعل الزوجة في حيرة من أمرها فهل تقف في صف أمها أم في صف زوجها؟.
لا تستطيع الزوجة إلا أن تقف في صف أمها
ولا تستطيع الزوجة إلا أن تقف في صف أمها لكنها توهم زوجها (خاصة في بداية الزواج) أنها لا تحب سلوك وتصرفات أمها وتعِد زوجها أنها لن تكون صورة مصغرة عن أمها ولن تشبهها في شئ فيطمئن المسكين ويصدقها ويتقبل أمها على مضض من أجلها وتمر الأيام والسنين وإذا بزوجته كانت قد امتصت شخصية أمها وطريقة تفكيرها وحتى ثقافتها وعلاقتها مع الناس وأصبحت تعامل زوجها كما كانت حماته تعامل زوجها ويكتشف بعد فوات الأوان أن زوجته ما هي إلا نسخة ملوّنة عن أمها لهذا أقول لكل من يريد أن يعرف طالعه ومستقبله الاجتماعي عندما يصل إلى خريف العمر انظر إلى حماك الآن فإنك ستكون نسخة مُحدّثة عنه شئت أم أبيت.
عندما تعرّف الرجل على المرأة لأول مرة أصبح رجلاً مختلفاً
حكاية الزمان هي أسطورة قديمة جداً تقول: عندما تعرّف الرجل على المرأة لأول مرة في حياته شعر أنه أصبح رجلاً مختلفاً عما كان عليه من قبل، ففي أقل من ساعة كان هذا الرجل قد اكتشف أن نظرة واحدة من طرف عيني هذه المرأة أو ابتسامة جميلة من شفتيها الورديتين أو كلمة معسولة من كلامها الطيب تجعله يعيش في عيشة راضية وسعادة غامرة ما بعدها سعادة إلا أنه سرعان ما اكتشف بالمقابل أن مزاج هذه المرأة في الحياة كالريشة في مهب الريح فقد يتغير ويتبدل مزاجها بين ساعة وأخرى.
وفي لحظة غضب طلب الرجل من ربه أن يستردها
واكتشف الرجل أيضاً أن مزاج هذه المرأة المتقلب يجعلها كالنحلة التي تعطيه العسل الصافي ثم تلسعه. وما لبث أن وجد أيضاً بأن المرأة لو تبعها راغباً بها تهرُب منه وتتمنع عليه وإذا تركها تبعته وتمسكت به أكثر فضاق منها ذرعاً وفي لحظة غضب طلب من الرّب أن يبعدها عن طريقه لا بل يستردها إليه في الحال فاستجاب الله إلى طلبه وعاد كما كان يعيش في حياته الأولى وحيداً.
دعى الرجل ربه أن يعيد المرأة ثانية إليه
وما أن ابتعدت عنه المرأة وعاد وحيداً حتى بدأ يستشعر مرارة الحرمان وفقدان الحنان والأمان فلم يستطع تحمل مثل هذه الحياة الجديدة الجافة بعد أن تعود على الحياة الناعمة معها بحلوها ومرها فدعا الله مستغفراً وراجياً هذه المرة أن يعيدها إليه ثانية بعد أن اكتشف أن المرأة هي نصفه الحلو الذي لا يستطيع أن يستغني عنه مهما ادعى بغير ذلك.
لم أستطيع يا رب أن أعيش بدونها
فكانت الاستجابة الربانية مشفوعة بسؤاله: ألم تقل لي أنك شقيت وتعبت معها حتى أنك طلبت مني استردادها؟فأجاب الرجل على سؤال ربه نادماً وآسفاً على ما كان قد طلبه منه في ساعة غضب وأتبع كلامه لربه:لكنني يا ربي بعد أن فارقتني هذه المرأة لم أستطع أن أعيش وحدي بدونها وكأنها الشرّ الذي لا بد منه والقيد الذي لا غنى عنه والنكد المستمر الذي لا فكاك منه.
كبر الأولاد (بسرعة البرق)، وتعلموا في الجامعات، واشتغلوا، وتزوّجوا، ورحلوا من بيت والدهم، إلا أصغرهم سناً، فقد أبى إلا أن يدخل الجنة عن طريق أمّه، أمّا زوجته فأبت إلا أن تدخل الدنيا، ولكن عن طريق أبيه، ففي أحد الأيام تحمّس هذا الولد، وقال مُخاطباً والديه معاً: لن أبرح هذا المكان، وأنتم على قيد الحياة، وسنخدمكم أنا وزوجتي بعيوننا، فهي بنت أصول، وتعرف جيداً، أن الجنة تحت أقدام الأمّهات، وأن الوالد هو أوسط أبواب الجنة.
لا شيء في هذه الدنيا بدون مُقابل
ما أن سمعت زوجته، ما قاله زوجها لوالديه، احتدّت ورغت وأزبدت، وقالت: ليسمع الجميع ما سأقول: لا شيء في هذه الدنيا دون مُقابل. إبنكم يُريد أن يدخل الجنة في الآخرة، فمبروكة عليه، أما أنا، فأريد أن أدخل جنة الدنيا قبل جنة الآخرة. ردّ عليها زوجها قائلا: لم أفهم ما تقصدين يا زوجتي العزيزة؟ فخفّفت زوجته من لهجتها، وقالت: سأفهمك يا زوجي العزيز أكثر. إذا أردت أن تعيش مع أهلك في بيتهم هذا، فعلى الرّحب والسّعة، ولكن على الوالد الكريم، أن يتنازل لنا عن كلّ شيء يملكه مُقابل ذلك.
جُن جُنون الوالد عندما سمع كلام زوجة ولده
وما أن سمع الوالد ما قالت زوجة إبنه الأصغر، حتى جُن جُنونه، فقال مُخاطباً إبنه: هذه إذن مُقايضة، وليست برّ والديْن، كما إدّعيْت يا ولدي، أتريدني أن أبيع آخرتي بدنياي؟ ماذا سأقول لربّي عند الحساب؟ إذهب أنت وزوجتك إلى الجحيم، فلم أعد بحاجة إليكما. حصل كل هذا الحوار، والأمّ حائرة بين موقف ابنها، وموقف زوجها، فقرّرت أن تُدخل بعض التعديلات عل الموقفيْن، وتجمعهما في موقف واحد، إلا أنهـا خافت، أن تُقحم نفسها في أمور، قـد يكـون لهـا تبعات، لا تُحمد عُقباها في المُستقبل، ففضلت السكوت على الكلام.
أبواب الجنة كثبرة سأغلق المُكلف منها وأفتح الباب المُربح
لم تستطع الأم المحافظة على سكوتها، عندما بدأ إبنها يُعدّ نفسه للرّحيل، فسألته على الفور: ما هي أخبار الجنة التي كنت تطلبها يا بني؟فأجابها ابنها: إن دخول الجنة له أبواب كثيرة يا والدتي العزيزة، منها ما هو مكلف، ومنها من هو مريح، فأنا سأغلق الباب المُكلف، وأفتح الباب المُربح لي في الدنيا قبل الآخرة، لهذا فأنا سأغلق باب برّ الوالدين المكلف، وأفتح باب إطلاق اللحية، وحفّ الشوارب، وتقصير الثوب، فكلا البابين يُدخل الجنة.
خدعتم الناس في الدّنيا ولن تخدعوا الله في الآخرة
فقالت له أمّه: يا ولدي لقد خدعتم الناس في الدّنيا، ولكنكم لن تخدعوا الله في الآخرة، ماذا ستقول لربّك غداً، عندما يسألك عن والديْك؟ فردّ عليها إبنها قائلا: سأزوركم في السنة الواحدة مرتيْن، كي أسقط عن نفسي وزر عُقوق الوالديْن، وأهرب من تُهمة قطع الأرحام في الدنيا والآخرة، أما أنا الآن، فسأترككم في حفظ الله ورعايته. ورحل عنها ابنها، وبقيت هي وزوجها يُعانون من قساوة الحياة في خريف العمر، وأصبح لا يزورهما إلا في العيديْن فقط، وبمفرده دون زوجته وأولاده.
لا أعرف من في أولادك يُشبه أباه: الولد أم البنت؟
وفي آخر زيارة له في يوم عيد الأضحى المبارك، تجرّأت الأم وسألته عن سبب عدم إحضار أولاده معه؟ فأجابها: اليومُ يومُ عيد، وأهلُ زوجتي يستغلون مثل هذه المُناسبات، ويغدقون عليها وعليهم العطايا والهبات، فإذا أحضرتُهم معي فسنخسر الكثير، ثم أكمل حديثه بأن قال: هكذا قالت لي زوجتي صباح هذا اليوم، عندما هممتُ بإحضار أولادي معي. فأزعجها هذا الجواب، وقالت له: وماذا عن باقي أيّام السّنة؟ فأجابها قائلا: إن من بدأ الأمور يُنهيها، فردّت عليه قائلة: هل يجوز أن أدفع ثمن فقر زوجي، وفشله في رشوة أولاده وأحفاده؟ هل من المعقول أن لا أعرف أولادك حتى الآن، من الذي يُشبه أباه، أهو الولد أم البنت؟ وقد أصبحتُ شبهُ مُتأكّدة، بأن أولادك لن يُقبلوا عليّ، بعد أن وُلدوا وعاشوا في أحضان جدّتهم لأمّهم.
واللي بحبك بيجيك على القدم ماشي
ردّ عليها ابنها وقال: كنتم قديماً يا أمي تغنون في (صحجاتكم) الليلية: واللي بحبك بيجيك على القدم ماشياً. أما أنتِ يا والدتي فكنت قد نفذتِ قرار الوالد المُجحف في حقي، ولم تحضري عندنا ولا مرّة، بعكس حماتي، أطال الله في عمرها، فما أن علمت بقرار والدي المُجحف بحقي، لم تفارقنا لا في الليل ولا في النهار، كي تعوضنا عن ما فقدناه من حنان الأم والأب، ودائماً تقول عن نفسها، أنها حصلت على ولد وأحفاد دون تعب، أما أنت يا أماه، فتنازلت عن ابنك وأولاده لزوجته وأمّها بكلّ سُهولة ويسر.
الأم تبقى أماً حتى لو عقّها ابنها بعد الزواج
سكتت الأم، ولم تجب ابنها على ما قاله لها، لكنها في النهاية تبقى أمّاً، حتى لو عقّها ولدها، ومن يدور في فلكه بعد الزواج، لكن كلامه هذا ترك أثراً في نفسها، فقد حرّك في داخلها مشاعر الأمومة، والحنين إلى الأحفاد، وتغلبت هذه المشاعر على كل هذه المخاوف والهواجس، التي كان قد سبّبها لها زوجها، عندما اتخذ قراره الصعب، بطرد ابنها من بيتها، فقرّرت أن تزور ابنها في الخفاء، ودون علم زوجها.
استأذنت الأم زوجها كي تذهب إلى السوق
وفي صباح أحد الأيام، استأذنت الأم زوجها، بعد أن قدمت له كل مستلزماته، التي قد يحتاجها في غيابها، كي تذهب إلى السوق، لشراء بعض الحاجات الضرورية، فأذن لها زوجها، لكنه إشترط عليها أن تعود بسرعة، لأنه مريض، فوافقت زوجته. وعندما وصلت الأم إلى بيت إبنها، وجدته وزوجته قد لبسوا أجمل ما عندهم من ثياب، وكأنهم ينتظرون عزيزاً عليهم، وبعد أن سلّمت على الجميع، وقبل أن تتفحّص وجهي طفليه، لترى من الذي يُشبه أباه منهم، وقبل أن يعرف ابنها شيئاً عن سبب قدومها، قال لها: انتبهي يا أمي إلى الأولاد ساعة من الزمن، كي أذهب مع زوجتي عند طبيبها، الذي له موعد مُسبق معها.
الولد يشبه أباه والبنت تشبه جدتها لأمها
فقالت له أمّه: لا أستطيع يا ولدي، أن أتغيّب عن والدك كثيراً، فهو لا يعلم أنني سأزورك في بيتك، ولو أنه علم بذلك، لما كنت قد أتيت، فأنت تعرف رأيه في هذا الموضوع يا بني، فقال لها إبنها: ليس الوقت يا أمّي وقت عتاب الآن، ويُمكنك تأجيله، أما أنا يا أمي يا حبيبتي، فلن أغيب عنك أكثر من ساعة، وما عليك إلا أن تنتبهي للولد، فهو يُشبهني وأنا صغير، أمّا البنت فهي تشبه جدتها لأمّها، إذا أخذت ما تريد سكتت، أما إذا لم تحصل على ما تريد، فهي على إستعداد أن تحرق الأخضر قبل اليابس. ولم ينتظر الولد تعليق أمه على نصائحه تلك، وغادر هو وزوجته على الفور، قبل أن تراجع أمه نفسها.
الفندق الذي تزوجا فيه
ولم تكن الأمّ تعلم أن هذا اليوم، يُصادف عيد زواجهما السادس، وهم بحاجة ماسّة إلى شخص يرعى لهما ولديْهما في غيابهما، كي يحتفلوا بهذه المناسبة العزيزة على قلبيهما، فاعتبروا قدومها في هذه اللحظة بالذات، هبة من السماء، وانطلقا بسرعة البرق إلى المدينة التي كانوا قد تزوّجوا فيها. أما الأمّ فقد كانت تعدّ الثواني قبل الدقائق لوصولهما، ومضت السّاعة التي وعدها فيها ابنها في الوصول، ولم يحضرا، وحلّ الليل ولم يحضرا. لم تذق الأم طعم النوم في تلك الليلة، فهي التي كانت قد تركت زوجها مريضاً في بيته، والأهم من ذلك أنها لم تُخبره شيئاً عن زيارتها لولدها، وبدأت تفكر في الإجابة على أسئلته المُتوقعة عندما تعود إليه.
أفاقت الأم على حفيدتها وهي تريد أن تشرب حليبها
وبينما هي كذلك، خطر على بالها أسئلة جديدة، إجاباتها أصعب من الأولى بكثير، فماذا حدث للولد وزوجته؟فهل زوجته بخير أم في خطر؟ وهل هي في المستشفى أم عند أهلها؟ وهل حدث لأحدهما مكروه لا قدًر الله؟ أفاقت من كل هذه الأسئلة والأجوبة على صوت حفيدها يبكي، ويُريد أمّه، أما حفيدتها، فتريد أن تشرب حليبها كي تنام ثانية، وأخذا يصرخان معاً، وأصبح الموقف يتطلب منها أن تعيد ذاكرتها إلى الماضي البعيد، وتتذكر كيفية العناية بالأطفال الصغار، بعد أن نسيت التعامل معهم، بعد هذه السنين الطويلة.
شكراً خالتي
أما زوجُها المريض في فراشه، فلم ينم في تلك الليلة، وهو ينتظر قدوم زوجته، وهو لا يستطيع الوقوف، كي يذهب ويبحث عنها، وفي هذه الأثناء خطر في باله سؤال كبير، كان قد راوده في فترة غياب زوجته، ألا وهو: كيف سيعيش بقية عمره من دونها، فيما لو لا قدر الله قد حدث لها مكروه؟ وفي مُنتصف اليوم التالي، حضر الإبن وزوجته فرحين شاكرين، ولم يتكلم الإبن ببنت شفة، وإنما تكلمت زوجته نيابة عنه، فقالت: شكراً خالتي، لقد جعلت من عيد زواجنا السادس يوماً مشهوداً، لن ينساه أحد منا أو منكم، بعد أن استطعت أن أجعل الجميع يحتفل بعيد زواجنا، ولكن بطريقتي الخاصة.
قد ينس الزوج أمه بعد وفاتها بسنوات معدودة، لكنها ليست قليلة، ويرجع السبب في ذلك إلى أمه شخصياً، لأنها لم تترك له شيئاً يُذكّره بها بعد رحيلها إلا أغلى الهدايا، وهم إخوته وأخواته، على رأي المطرب الكبير فريد الأطرش، وما هي إلا سنوات محدودة حتى تجدهم تزوجوا وابتعدوا عنه رويداً رويداً، وسيبقى وحيداً، يعيش مع زوجته وأهلها وأقاربها ومعارفهم، إلى أن يغادر هذه الحياة، لهذا فلن ينسَ حماته أبداً، فهي موجودة في حياته اليومية، حتى بعد وفاتها، شاء أم أبى، ممثلة في زوجته.
حماتك تعد لك زوجتك لتكون خلطة سرية
وعليك أن تعلم جيداً، أن حماة الزوج يا ولدي دائماً تكون أشطر من أمه بكثير، فهي التي كانت قد أعدت له زوجته على نار هادئة، لتكون خلطة سرية مُشفّرة، لا يفك رموزها إلا هي، وكانت في يوم من الأيام، قد نجحت في تسويقها إليه خلال ساعات معدودة، دون أن تعطيه رموز تشفيرها، وعليه بعد ذلك، أن يفك هذا الترميز مع الزمن وحده، ودون مساعدة من أحد، وسيمضي عمره كله، مشغول مشغول بفكّها، وكلما اقترب من فك أحد رموزها، رجع إليه طيف صانعها إلى مخيلته.
كلما اقتربت من فك أحد رموزها تذكرت صانعها
وبعد سنين وسنين، يبدأ الزوج بالتعرف على ما أخفته عنه حماته في حياتها الخاصة مع زوجها وأولادها وبناتها، وكلما اكتشف سلوكاً جديداً من سلوكات زوجته تجده يقول، ولو في قرارة نفسه: سبحان الله، زوجتي كأنها الخالق الناطق حماتي، وعليه، فلن تخرج حماته من ذاكرته أبداً، لأن سلوك زوجته سيذكره بحماته يومياً، حتى بعد رحيلها، بعكس المسكينة أمه، فهي لم تترك له شيئاً يذكره بها.