السبت 26/11/2016:

أصبحت أنتظر هذا اليوم على أحرّ من الجمر، فهو يوم الفكاك من جلسات العلاج الكيماوي، حيث كلّما شعرت بتحسن في صحتي العامة جاء العلاج الكيماوي ليطيح بهذا التحسن. كما أنني لن أنسى ساعة ذهابنا وساعة رجعتنا من المستشفى في أجواء باردة جداً، حيث كانت درجة الحرارة لا تبتعد عن الصفر إلا قليلاً. وعلى الرغم أن بيتنا يبعد دقائق قليلة عن المستشفى، إلا أنني كنت أشعر أن المشوار طويل جداً. كان الله في عون من يقود مسافات طويلة للوصول إلى هنا.

ومن سوء حظي أن الأخ والصديق أبمن أبو شرار مسؤول صفحة كنت في الكويت ولي فيها ذكريات كان قد أعدّ حفل تكريم لي ولاثنين من المدرسين المخضرمين ممن عملوا في الكويت في القرن الماضي. ولما كان هذا الموعد يتعارض مع جلسة العلاج الكيماوي اليوم، ناب عني ابني الأكبر علاء في الحضور. لا أظن أن هذه الكلمات أو غيرها توفي الأخ أيمن حقه من الشكر، فهو بعمله هذا يضرب أروع الأمثلة في الوفاء والعرفان.
مساءً، سافر بهاء وضياء على التوالي إلى أعمالهم بالسعودية والبحرين، عاقدين النية على العودة قريباً، إذ عاد ضياء في اليوم التالي مباشرة، بينما عاد بهاء في يوم الأربعاء.
الأحد 27/11/2016:

البارحة كانت آخر جلسة كيماوي. مع الخبرة، توقعت وكان توقعي بمحله، أن تنحدر حالتي الصحية وأشعر بالتعب والإرهاق، إذ أمضيت بقية يومي بين استفراغ، وشهية مسدودة، وشعور سريع بالتعب عند أول مجهود. إلا أن زيارة الأستاذ فرج حبوب وابنه والأخ أيمن أبو شرار لبيتنا كانت ما أحتاجه للخروج من هذا الجو الكئيب، فقد أبحرنا في ذكريات الأيام الجميلة التي قضيناها في الكويت، واستذكرنا أحداثاً عديدة مررنا بها خلال العقود الأربعة الماضية، ورغم أنني لم ألتق بالأستاذ فرج قبل اليوم، إلا أنه خُيّل إليّ أني أعرفه منذ سنين طويلة.
الثلاثاء 29/11/2016:

كان يوم أمس مملاً وطويلاً ومرهقاً، شأنه شأن اليوم. لكن الدكتور طاهر أبوحجلة، الطبيب المسؤول عن حالتي، اتصل بنا صباحاً ليبلغنا رغبته بزيارتي في البيت للاطمئنان على صحتي، إذ كان خارج البلاد لمدة قاربت الأسابيع الستة. استقبلنا الدكتور عصراً وبدا واضحاً أنه متفاجئ من وضعي الصحي مقارنة بما توقعه من خلال قراءة التقارير الطبية التي ترد له تباعاً أثناء سفره. استمتعت جداً بزيارة الدكتور طاهر، فهو مثال الطبيب الناجح، ليس علمياً فحسب حيث أنني غير مؤهل للحكم على قدراته العلمية، إنما ما يهمني هو مقدار الإنسانية التي يتعامل بها الطبيب مع مرضاه ومرافقيهم والمجتمع حوله بشكل عام، فهم مرضى وليسوا زبائن، والهدف علاجهم وليس نهب محافظهم، والتعامل اللبق معهم هو أولى اهتمامات الطبيب، وليس فقط صرف الدواء لهم.
الخميس 1/12/2016:










لعلّ أحمد شوقي، شاعرنا الكبير، قصد السيجارة بهذا البيت. فرحلة الإدمان على التدخين تبدأ من نظرة إلى سيجارة مدخن، مملوءة بالإعجاب بها وبما تخلقه من أوهام حولها. يتبع تلك النظرة رغبة في دخول هذا العالم، والذي يتعرف عليه المدخن عادة من خلال أحد أصدقائه، ليجربها في المرة الأولى، فإن عاد إليها انتهى به المطاف تحت رحمتها. أما ساعة الفراق، فهي تختلف عن ساعة فراق المحبين، إذ تدوم العشرة بين المدخن وسيجارته طوال العمر في أغلب الأحيان.
أول حالات الفراق بيني وبين السيجارة كانت في شهر رمضان، إذ ينقلب نهاري جحيماً لا يُحتمل، ومنه تعلم أفراد أسرتي أن يتجنبوني في نهار أول أيام من رمضان، كما أني لا أطيق انتظار أذان المغرب حتى أتناول فطوري وأفرغ منه قبل انتهاء الأذان لأتناول سيجارتي الأولى، أتبعها بأخواتها حتى أعوض نقص النهار كاملاً. وما أن يحين موعد الإمساك حتى أبقى متشبتاً بها إلى آخر لحظة من أذان الفجر. كما أنني لم أكن أستشعر الطعام أو الشراب الذي أتناوله انتظاراً للسيجارة، وكنت أنقض على الطبق الرئيسي دون أي مقدمات من شوربة ونحوه. في تلك الأيام، كنت مستعداً لصيام الدهر لو استثنينا التدخين من المعادلة.
أما ثاني حالات الفراق، فعندما تقرع أجراس الحرب حيث تبدأ القوانين السائدة بالزوال وتحل الأنانية بدلاً منها بين الناس، وتتغير النفوس ويصبح الشعار السائد بينهم: اللهم أسألك نفسي. والمدخنون عادة من الفئات الأكثر تأثراً في المجتمع بالحروب وما أن يستشعروا بقدومها حتى يسيحوا في الأرض بحثاً عن مزيد من السجائر لتخزينها للأيام القادمة، والتي لا يعرف أحد نهاية لها. كما يستغلّ الباعة غياب الرقابة الحكومية والحالة النفسية للمدخنين ويُغيّبون الرقابة الإلهية على أنفسهم ويقومون بإخفاء السجائر ليرفعوا سعرها لأنهم يعتقدون أنهم مهما رفعوا من سعرها فهناك من سيدفع ويشتريها. 



مساءً اتفقت مع ضياء للمرور على طوارىء مركز الحسين لأخذ استشارة من الطبيب المناوب فيما يخص حالة فقدان الشهية، وذلك بعد تبرئة آثار ترك التدخين، فنصحنا الطبيب المناوب بتناول Multi Vitamins يدعى Pharmaton، وقد أخذت منه حبة ليلاً وعلى ما يبدو قد خفف من الشعور بالجوع، إلا أن رائحته كانت منفرة جداً فتهربت من تناوله لاحقاً، وفضلت الشعور بالجوع على تناول هذه الأقراص. 


ها هو اليوم الأول دون دخان ينقضي. لا أنكر أنني لم أحنّ إلى سيجارة تملأ سمومها رئتاي المنهكتين، إلا أن شعوراً بالاشمئزاز كان يراودني، بل ويجتاحني، كلما تذكرت أن هذه السيجارة اللعينة كانت سبب ما أنا فيه الآن، ويمر بي شريط الذكريات عندما كنت أقرأ ما يُكتب على علب السجائر، وأعتبرها مجرد مبالغات عربية نستخدمها عند اللزوم، فأجدادنا كانوا من جهابذة المدخنين، ولم يٌصب أي منهم لا بسرطان ولا حتى بانفلونزا، أو هكذا كنت أقنع نفسي على الأقل. 

استيقظت في الثالثة فجراً على صوت جلبة خلف الستار، فالمريض يئن وأحد مرافقيه يسعل أكثر منه، والممرضون ذهاباً وإياباً يحاولون إقناعه البقاء على السرير، وهو مُصرٌ على النوم معلقاً، وأحد مرافقيه مستمر بإدارة أعماله عبر الهاتف بصوت مرتفع، فيأمر بتحريك هذه السيارة، ويوعز بنقل تلك البضاعة. طبعاً لم تفلح محاولاتي بالعودة إلى النوم بعد هذه الجيرة المزعجة، فأمسكت جوالي أتفحص من خلاله العالم الافتراضي وأجول في شبكات التواصل الاجتماعي إلى أن اقترب شحنه من الانتهاء فأرسلت إلى عائلتي أطلب منهم إحضار شاحن الجوال، إلا أنهم كانوا قد دخلوا المستشفى، جالبين معهم طعام الإفطار. 

في هذا اليوم صحوت من نومي مبكراً في حدود الخامسة صباحاً، فهذه أول ليلة أنام فيها نوماً هادئاً متصلاً دون انقطاع، ودون ألم، ودون جفاف، ودون لعيان، أما انتفاخ القدمين الذي أصبت به حديثاً، فقد خفّ إلى النصف تقريباً. غريبٌ أمر هذا المرض، فما أن يترك عضواً في الجسم حتى يتشبث بغيره، فهو شرسٌ غدّار، حتى أن دفاعات الجسم البشري تعجز عن مواجهته، رغم كل ما وهبها الله به من أسلحة المقاومة. لم يطل غياب اللعيان، فقد عاد بعد الفطور مباشرة، رغم محاولاتي مقاومته بالعلاج وحتى بمشروبات الأعشاب التي أعدتها زوجتي، حيث بقي يرافقني طوال النهار. 



ليلاً، ما زالت الحشرجة والصفير وضيق التنفس يلازمونني، إلا أنني تمكنت من اختطاف بضع ساعات من الغفوة، دون أن أفتقد سيجارتي المفضلة قبل النوم، والتي كنت أنتظرها بفارغ الصبر، أراجع بها ما حدث في يومي وأخطط لغدي. ما أنا فيه الآن أعظم وأكبر من تلك السيجارة. 









