
في تاريخ كل أسرة من أسرنا العربية أسرار مؤلمة، ولكن بعض هذه الأسر تستطيع الاستمرار في العلاقات بين أفرادها بشيءٍ من الحب والتفاهم وبقليل من التنازل والتسامح بين أفرادها، بينما يعجز الكثير من أفراد هذه الأسر على الاستمرار في علاقة الحب والتسامح بين أفرادها. ولمعرفة الأسباب التي تؤدي إلى تشتت أفرادها علينا أن نعلم جيداً أن العلاقة بين الإخوة والأخوات يتم تحديد معالمها الرئيسية في العمر من سنة إلى تسع سنوات، وعلى الآباء والأمهات في تلك السنوات الأولى تقع مهمة تحرير الأبناء والبنات من المشاعر السلبية في هذه الفترة الحرجة من أعمار أطفالهم.

وعلى هؤلاء الآباء والأمهات أيضاً تقع مهمة تدريب أطفالهم على اللعب مع بعضهم البعض بشيءٍ من الحب والتسامح والتنازل والإنصاف والعدل فيما بينهم، وتعليمهم منذ الصغر على كيفية إدارة صراعاتهم الطفولية الصغيرة دون أن تخلف في نفوسهم رواسب وأحقاد على إخوتهم، وعلى هؤلاء الآباء والأمهات أيضاً أن لا يتركوا أحداً من أطفالهم ينام حزيناً أو مقهوراً من أحد إخوانه أو أخواته إلى اليوم التالي.

وعلى هؤلاء الآباء والأمهات كذلك أن يعطوا كل ولد من أولادهم الفرصة الكافية والمجال الكافي للحديث والتعبير عن أسباب غضبه من أخيه أو غضب الأخت من أخيها، ومناقشة كل واحد منهم على حدة كشخص بالغ عاقل، وليس كطفل صغير لا يفهم. وعليهم أيضاً احترام عواطف الأبناء وعدم لومهم أو تقريعهم على ما كان قد صدر منهم من أخطاء، وعلى الجميع أن يعلم أن الإخوة (الأعداء) هم غالباً نتيجة لسوء إدارة الأبوين لمهماتهما في هذا العمر وبالتحديد في تعليم الأبناء كيف يختلفون ويخسرون ويكسبون من دون أن يكره أحدهما الآخر.

ومع كل هذه التوصيات للأهل فهناك حالات كثيرة لا يكون للآباء والأمهات فيها ذنب كبير. وذلك عندما تكون شخصية الإبن الأكبر (عدوانية) وشخصية أحد إخوته (لوّامة)، فقد يكون الأخ الأكبر عدائي بطبعه وغيور وحسود وعنيف وأناني، وقد يكون الأخ الأصغر يبحث عمّا يلومه عليه، فإن لم يجد شيئاً يلومه عليه الآن فسيذكره بحادثة قديمة كان قد قدم له فيها معروفاً في يوم من الأيام ولم يشكره عليها، أو قد يذكره بأنه كان في يوم من الأيام لم يسمح له باستعارة شيءٍ ما من عنده، ومثل هذه الشخصية اللوامة تجمع كل ما يؤذيها من إخوتها وأخواتها مهما كانت هذه الأشياء صغيرة أو تافهة وتجعل منها أمراً كبيراً سيلومهم عليه مهما طال الزمن.

ومع مرور الأيام والسنين يزداد هذا الأخ الأكبر عناداً ومكابرة، ويزداد كذلك لوم إخوته وأخواته له أكثر فأكثر، وقد ينضم إليهم أحد الوالدين أو كليهما. ومع مرور الأيام والسنين يقاطع الأخ الأكبر إخوته، وقد تمتد هذه المقاطعة لتصل إلى أهله دون أن يكون لديه مستمسك واضح أو حادثة معينة تسببت في عداوته لأخوته وأخواته وأهله، بل إن كل ما لديه من شعور هو عبارة عن مشاعر سلبية تراكمية مختلطة كانت قد تكونت بداخله مع الزمن.

أما كيف تتكون في داخل الولد الأكبر مثل هذه المشاعر السلبية التي قد يحتفظ فيها إلى الأبد، فقد يشعر هذا الأخ الأكبر بأنه ليس محبوباً من قبل أفراد أسرته أو من قيل والديه، وقد يشعر بالأحقية في أن يكون هو الأفضل والأول في كل شيء، وقد يشعر بفقدان والديه بعد أن امتلكهما فترة من الزمن عندما كان وحيدهم، وعليه لا بد له من السيطرة على إخوته الآخرين، وإذا لم يتحقق له ذلك فلا يشعر بالانتماء لهذه الأسرة، ومما يزيد الطين بلة أن هذه الأسرة نفسها لا تعترف بوجود مثل هذا الخلاف الدفين بين الأخوة، لا بل تتستر عليه دون أن يعلموا أن علاقة الأخوة علاقة محفوفة بالغيرة والتنافس والطمع وتعارض المصالح أحياناً (بعكس العلاقة بين الآباء وأبنائهم)، ولنا في قصة سيدنا يوسف عليه السلام مع أشقائه أفضل الأمثلة.
