
لم نكن في قريتنا نعلم بأن الملابس يجب أن تُكوى ليزداد جمالها ولم نكن نعلم كذلك عن شيء إسمه (المكوى) قبل نكبة سنة 1948 لأسباب كثيرة: منها أن ما كنا نلبسه من ملابس في ذلك الوقت لا تحتاج إلى كوي فكل الناس كانت في تلك الفترة تلبس اللباس العربي (الديماية) أو (القمباز) أو لباس العمل وكل هذه الملابس لا تحتاج إلى كوي (أو هكذا كنا نظن) وبقينا على هذا الحال إلى أن بدأت المدارس في فتح أبوابها وظهر جيل (المُقْرِيّة) أي طلاب المدارس.

وكان على كل من يريد منهم أن يكوي قطعة من ملابسه عليه أن يشعل النار في الحطب أولاً ثم يضع فوق هذه النار الخشب المناسب وينتظر حتى يصبح هذا الخشب جمراً وبعدها يقوم بفتح المكوى وينقل هذا الجمر من داخل النار إلى داخل المكوى بواسطة ملقط النار وبعد أن يملأ هذا المكوى جمراً يقوم بإغلاقه جيداً فيسخن هذا المكوى وعلى الفور يقوم بتمريره مرة أو مرات فوق القطعة المراد كيها بعد أن يكون قد قام برش هذه القطعة بالماء لهذا فإن إستخدام مثل هذا المكوى كان يتطلب من مستخدمه مهارة عالية وخبرة ودون ذلك فقد يحرق القطعة التي يريد أن يكويها.

أذكر مما أذكر أنه في سنة 1953 ظهرت أول مدرسة صناعية متخصصة في المملكة الأردنية الهاشمية ومقرها مدينة عمان لتدريس الطلاب الصنائع والفنون وكانت هذه المدرسة تختار طلبتها من الطلبة المتفوقين في نهاية المرحلة الإعدادية على مستوى المملكة وكان أخي الأكبر محمد قد قُبل فيها سنة 1959 فبدأ يجهز نفسه للذهاب إلى مدينة عمان للدراسة في هذه المدرسة فاستعار مكوى من دار خضر أبو خضر الذي كان يعمل ويسكن في مدينة يافا وأحضره معه من جملة ما أحضر وأشعلت أمي النار للحصول على الجمر المطلوب وانشغلت الأسرة كلها من أجل كوي قميص وبنطلون أخي الأكبر وبعد إنتهاء هذه الحفلة أعدنا المكوى لأصحابه وسافر بعدها أخي إلى مدينة عمان بملابس مكوية.

وبعد أن ذهب أخي إلى مدينة عمان جاء دوري أنا فطلبت من أمي أن أستعير ذلك المكوى كي أكوي به ملابسي فرفضت رفضاً قاطعاً فما هو الحل إذن؟ فهداني الله إلى طريقة بديلة عن المكوى لا بل هي أسهل بكثير من إشعال النار واستحضار الجمر وكانت هذه الطريقة أن أضع القطعة التي أريد كيها بعد تصفيطها جيداً تحت فرشتي وفي الصباح أخرجها من تحت الفرشة مكوية وألبسها وبعد ساعة أو أقل تعود القطعة إلى ما كانت عليه ومع هذا كنت أصر على هذه الطريقة.
