خـربـة قـيـس فـي الـعـهـد الأردنـي

بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية سنة1945ووقوع فلسطين تحت الإنتداب البريطاني البغيض إفتقدت هذه القرية كغيرها من المدن والقرى الفلسطينية الأمن والأمان والإستقرار ودبّت فيها الفوضى واختلف الناس بين بعضهم البعض وأصبح كل من في إيده إله فلا قانون يحكمها ولا شرطة تحفظ الأمن فيها فتطاول القويّ فيها على الضعيف!فرحل منهم من رحل طواعية وهُجّر منهم من هُجّر قصراً!.

وبقيت هذه القرية على حالها تعاني الأمرّين إلى أن جاء العهد الأردني سنة 1950 ونشر فيها الأمن والأمان وعلى ما تبقى من أرض فلسطين بعد قيام دولة الكيان الصهيوني وعادت الناس التي كانت قد هُجّرت من بيوتها والتمّ شمل بعض الأسر ثانية وبدأ فيها الإعمار بدلاً من الخراب فكانت أول هدية قدمها النظام الأردني لأهالي هذه القرية هو الأمن والأمان!.

وكان أول إعمار في هذه القرية في العهد الأردني عندما قامت جمعية خيرية أمريكية تسمى النقطة الرابعة بسحب مياه نبع عين عادي من على بعد 3 كم تحت تأثير الانسياب الطبيعي وتجميعها في خزان بني خصيصاً لهذا الغرض يقع في منتصف القرية عام 1957 وكان منفذ هذا المشروع هو الحاج فايز فرحة من سكان بلدة سلفيت!.

وبهذا تكون هذه الجمعية قد سهّلت على سكان هذه القرية حياتهم بالحصول على مياه الشرب النظيفة دون تعب أو سهر ولكن كان هذا الحل على حساب نبع بير الدرج الذي كان قد أهمله الناس بعد ذلك ولم تعد مياهه تصلح للشرب بعد أن إمتلأت غرفته بالأتربة والحشائش والصخور!.

وقامت وزارة التربية وافتتحت في هذه القرية مدرسة إبتدائية سنة 1959 في مبنى المضافة بعد أن كان الناس قد هجروها في المرحلة السابقة وعادت إلى هذه المضافة الحياة مرة ثانية لكن لغير الغرض التي كانت أسست لأجله!وكنت أنا من الفوج الأول من طلابها ودخلتها وأنا في الصف الرابع الإبتدائي وكم سررت بها لأنها أراحتني وزملائي من المشوار اليومي إلى قرية عارورة من أجل الدراسة في مدرستها!لكن هذه المدرسة قد أضرت بنا كما كانت قد نفعتنا فلا رياضة ولا ملاعب ولا مختبرات فيها فأول مرة أمسك فيها كرة حقيقية وأنا في الصف السادس عندما إنتقلت من هذه المدرسة إلى مدرسة سلفيت!.

وكان أول مدرس يدخل هذه القرية هو الأستاذ سليمان من قضاء الخليل ثم تلاه الأستاذ ماجد الجيعان من بلاطة ثم الأستاذ يونس عبدالقادر من قرية حجة ثم تلاه الأستاذ محمد صايل من ياصيد ثم تلاه الأستاذ نويران النهار النايف من سحاب الأردنية وعندما بدأت هذه المدرسة بدأت بأربعة صفوف في غرفة واحدة والآن لا يسعني إلا أن أترحم على أرواح من مات من هؤلاء المدرسين وأدعوا الله أن يطيل في أعمار من بقي منهم حياً فهم الذين كانوا قد أناروا لنا طريق العلم وحببوه لنا تحت ظروف صعبة لا يطيقها أحد من مدرسي هذه الأيام!.

وبعد ذلك قامت وزارة الأشغال الأردنية بشق طريق غير معبد يصل القرية بمدينة سلفيت عام 1966 وبهذا تكون قد وصلت أول سيارة إلى خربة قيس في هذا العام ولكن الفرحة لم تكتمل فبعد عدة شهور جرت المياه في وادي الشاعر وسحبت معها الجسر المقام عليه وبهذا إنقطعت خربة قيس ثانية عن العالم!وبقيت كذلك إلى أن جاءت نكسة 1967 فأوقفت نموها ثانية بعد أن رحل منها معظم سكانها إلى خارج البلاد ومن فيهم لم يرحل تركها وسكن في مدينة سلفيت لأن الحياة بها كانت أسهل!.

وبعد نكبة سنة 1948 إنتشرت البطالة على مستوى الوطن الفلسطيني كله وكان من ضمنها هذه القرية وفي سنة 1952 إستطاع أحد شباب هذه القرية المرحوم محمد ماجد خضر أن ينجح في الوصول إلى إمارة الكويت!وما أن علم به بقية شباب القرية حتى وجدتهم قد هرعوا جميعاً إليها فتحسنت أحوال البعض منهم وغيروا بيوتهم الطينية ببيوت إسمنتية!أما البعض الآخر منهم فلم تعجبهم حياة الغربة ولم يستطيعوا تحملها فعادوا ثانية إلى هذه القرية مفضلين البطالة على الغربة!وساهمت الكويت بطريق غير مباشر في تعليم معظم أبنائها!.

معظم أراضي هذه القرية هي أراض جبلية تنقصها المياه الجارية لهذا فكانوا يعتمدون على الزراعة البعلية فقط ولم يعرفوا شيئاً عن الزراعة المروية ومثل هذه الزراعة لا تسمن ولا تغني من جوع فكانوا يزرعون القمح والشعير والبيكا والكرسنة والبقوليات بأنواعها على مستوى ضيق ولم تكن هذه القرية في يوم من الأيام تكتفي ذاتيا بمحاصيلها الزراعية!.

أما الأشجار التي كانت تزرع بهذه القرية فأهمها شجرة الزيتون ومعظم سكان هذه القرية قد عاشوا من خير هذه الشجرة المباركة ويليها في الأهمية شجرة اللوز وهذه الشجرة تنضج ثمارها في بداية العام الدراسي فمنها كنا ندفع الرسوم المدرسية ونشتري ملابس جديدة والكتب المدرسية ويليها في الأهمية شجرة التين فمنها كانوا يصنعوا القطين ليبيعوه أو يبادلوه بأشباء وأدوات يحتاجون لها في حياتهم اليومية ويليها في الأهمية شجر العنب الذي كانوا يبيعونه أو يبادلونه بالبندورة والخيار وكان يزرع بها على مستوى ضيق المشمش والخوخ والتفاح والكراسيا والليمون والإجاص!.

أما الثروة الحيوانية فكان الناس يعتمدون على تربية الدجاج البلدي وكانوا يستفيدون من لحمه في حياتهم اليومية ومن روثه في تسميد الأرض ومن بيضه الذي كان يباع كل أربع بيضات بشلن وكان هذا الشلن يستخدم في شراء المواد الترفيهية في ذلك الوقت والبعض منهم كان يقتني الأغنام البياض والسمار للإسهلاك الشخصي فقط ولكن على مستوى ضيق أما الأبقار فكان شخص واحد يقتي بقرتين فقط ومنهم من كان يربي الأرانب لتكون بديلا عن اللحمة.

لكن الله لن ينسى بفضله أحد فقد إكتست جبال هذه القرية بكل النباتات والأعشاب والحشائش البرية فكانت تسد جوع الجائع وعاشت معنا طيور برية نأكل من لحمها بعد صيدها من أهمها طيور الشنار فكنا نستفيد من لحومها ومن بيضها وأرانب برية وحيوان الغريري وحيوان النيص والغزال على مستوى ضيق جداً وطيور غيرها كانت تحط رحالها في بداية الرحلة أو نهايتها كطيور السمن والخضر والسود.

أما من بقي من أهالي هذه القرية صامداً فيها ولم يغادرها فقد ذاق الأمرين كما يقال فكان إذا مرض أحدهم يحملونه في النعش إلى بلدة سلفيت أو قرية اللبن أو قرية المزارع لعدم توفر سيارة تنقله إلى المدينة وبعد أن يعالجوه يعود إلى قريته ثانية محمولاً على النعش أيضاً وهنا لا يسعني إلا أن أحيي هؤلاء الصابرين الصامدين على أرضهم ليكونوا شوكة في حلق العدو الصهيوني وبمثل هؤلاء كان الزعيم الخالد ياسر عرفات يفتخر وسماهم شعب الجبارين!.

على العموم كانت حياة الناس قبل 67 حياة بسيطة وغير مكلفة فلا مدارس ولا جامعات ولا موبايلات ولا فاتورة كهرباء ولا فاتورة مياه ولا سيارة بحاجة إلى بنزين كل ما كانوا يطلبونه في ذلك الوقت هو الخبز فقط فإذا توفر الخبز فسيأكلونه مع ما كان يتوفر عندهم!.
