
شجرة البلوط الفلسطيني هي شجرة كبيرة في حجمها معمرة دائمة الخضرة أوراقها بلاستيكية الملمس كثيرة العدد وكثيفة وألوانها خضراء داكنة وأشكالها بيضاوية وهذه الأوراق شائكة الملمس عند أطرافها ولهذه الشجرة ساق واحدة وبعد أن ترتفع عن الأرض تصبح كثيرة التفرع وترتفع كثيراً إلى أعلى عن سطح الأرض وقد يصل ارتفاعها إلى عشرين متراً في بعض المناطق وتنمو هذه الشجرة في جميع أنواع الأتربة ولكنها تفضل التربة الحمراء العميقة وتنتشر في المناطق الجبلية والساحلية وتمتاز عن غيرها من الأشجار المماثلة لها بأنها تتمتع بقدرة عجيبة على مقاومة الظروف الطبيعية القاسية فهي تتحمل الجفاف والبرودة معاً.

وعند هذه الشجرة قدرة عجيبة على تجديد نفسها بنفسها بدون أن يزرعها زارع أو يتعهدها مزارع فكلما شاخت هذه الشجرة تنبت حولها أغصان جديدة تنمو في السنة القادمة وسرعان ما تصبح مثلها أشجاراً خضراء جميلة واستفاد الناس من جمال هذه الشجرة فزرعوها على جوانب الطرق في القرى والأرياف وعلى أكتاف الشوارع في المدن ولم يكتفوا بذلك بل أضافوها إلى أشجار الزينة في الحدائق العامة ويستفاد من هذه الشجرة كنباتات للزينة أولاً ولتنقية الهواء الملوث في المدن الكبيرة ثانياً وللجلوس تحت ظلالها المتماسكة ثالثاً لأنها تعتبر من الأشجار وارفة الظلال.

أما ثمار هذه الشجرة فلا أعناق لها بل هي تتصل بالأغصان مباشرة بعد أن تحتضنها كؤوس نصف كروية مغطاة بحراشف طويلة ضيقة خشنة لتحميها من أفواه الحيوانات ولتعطيها مظهراً طحلبياً جميلاً وهذه الثمار في العادة تكون صلبة عند نضوجها وطولية في شكلها مثل حبات البلح في طولها وعندما تنضج هذه الثمار يتم تجريحها بالسكين مثل ثمار الكستنا وتوضع على أكتاف المواقد أو على جوانب كوانين النار أو توضع في الطابون لمن لا يريد الانتظار ثم تؤكل هذه الثمار وهي ساخنة وتختلف ثمرة البلوط عن ثمرة الكستنا بأنها مكونة من فلقتين متطابقين تماماً.

وهناك نوع من أنواع شجر البلوط شكل ثماره كروياً عندها سيكون طعم ثماره مراً وفي هذه الحالة بعد أن يتم تجريه بالسكين يوضع في الماء ويتم غليه على النار مرة واحدة على الأقل قبل أن يشوى بالنار وذلك لإزالة المادة المرة منه ومن الناس من كان يطحن ثمار هذه الشجرة بعد تجفيفها ليصنع منها خبزاً مميزاً ومنهم من كان يقوم بتحميص هذه الثمار بعد نضجها ثم يقوم بطحنها لتكون بديلاً عن القهوة ومن طريف القول أن الثمرة الواحدة من ثمار شجرة البلوط مع قمعها تسمى 〈دغليس〉 وقد أطلق هذا الاسم فيما بعد على كل شخص كان يتعامل مع البلوط لهذا تجد كثيراً من العائلات الفلسطينية سميت بالدغليس أو دغلس اختصاراً.

والبلوط له مكانته العظيمة في ذاكرة الطفولة الفلسطينية التي لا يمكن أن تنسى فما من طفل ولد في فلسطين إلا وصنع له جده لعبة الفنانة الشهيرة المحيرة لكل الأطفال في ذلك الوقت أما كيفية صنع هذه اللعبة على أيدي الأجداد فكانوا يخلعون الثمرة من قمعها ثم يغرزون في مركزها عود ثقاب أو ما شابهه بعدها يمسكون هذا العود باصبعين الإبهام أحدهما ويرمونها على أرض ملساء فتبدأ بالدوران حول محورها فترة من الزمن وتعتمد على مهارة من يمسكها ويرميها ويجتمع حولها أطفال البيت مندهشين أما إذا كانت ثمرة البلوط طويلة فيقومون بقصها وذلك بحكها في منطقة صلبة خشنة عدة مرات إلى أن تأخذ الطول المناسب.

أما خشب شجر البلوط فهو صلب وناعم في نفس الوقت ويمتاز عن غيره من الأخشاب الأخرى بالصلابة لهذا فقد استخدمه أجدادنا الأوائل في بناء بيوتهم وفيما بعد بيوت حيواناتهم فقد كانوا يبنون الجدران بالحجر والطين ويثبتون خشبة بلوط فوق الجدران لتحمل كل ما يغطون به السقف من مواد ثم يقومون بوضع الطين مخلوطاً بالتبن والقصل فوق سطح البيت ومن طريف القول في هذا الموضوع أن هذه البيوت بعد أن ينتهي فصل الشتاء ويبدأ فصل الربيع تجد نبات القمح والشعير قد غطى أسطح المنازل وقد تنمو أيضاً على الجدران الخارجية لهذا البيت.

كذلك كان ولا يزال يستخدم خشب البلوط كحطب للمواقد والأفران والكوانين لأنه سريع الاشتعال قليل الدخان عند الاحتراق وعليه فقد أصبح مطلوباً ومرغوباً به عند الشراء والبيع لهذا أصبح له قيمة تجارية عالية مقارنة بغيره من أنواع الحطب ويستخدم خشب البلوط كذلك لصناعة الفحم وفحم البلوط من أحسن أنواع الفحم ولا تستغرب أيها القارىء إذا علمت يوماً أن في كل قرية فلسطينية هناك قطعة من الأرض تسمى المفحمة حيث كانوا يصنعون الفحم فيها ويبيعونه.

وامتازت فلسطين عن غيرها من الدول المجاورة في القرون الماضية بكثرة الأحراش فيها وكانت شجرة البلوط تغطي قمم وسفوح الجبال في فلسطين إلى أن بدأت مأساة هذه الشجرة مع مجيء الأتراك العثمانيون عندما حكموا فلسطين فقد انتبهوا إليها في نهاية حكمهم لفلسطين عندما وجدوا في خشبها مخزوناً هاماً لتحويله إلى فحم من أجل تحريك قطاراتهم في كل الدولة العثمانية وهكذا تم التعامل مع شجرة البلوط بقسوة زائدة وتمت مهاجمتها واقتلاعها من جذورها لبيعها لهم.

وما أن ذهبت تركيا وقطاراتها حتى جاءت بريطانيا العظمى واستعمرت فلسطين عندها بدأت المقاومة العربية الشعبية وانتشرت من المدن إلى القرى وانتشر الثوار في الجبال فصبت بريطانيا جام غضبها على أحراش شجرة البلوط المباركة بعد أن اتهمتها بأنها تناصر الثوار وتخفيهم عن أعينها واستطاعت بريطانيا العظمى بهذه الحجة الواهية أن يتخلصوا من كثير من غابات البلوط التي كانت منتشرة في معظم المناطق كي تمنع الثوار من الاختباء بين أشجارها وبعد بريطانيا جاء التوسع العمراني وساهم في القضاء على ما تبقى من شجر البلوط ومع ذلك فهناك الكثير من أشجار البلوط تمكنت من الصمود أمام كل هذه الهجمات المتلاحقة ومنها من اقترب عمرها ألف عام أو أكثر.

أما أشهر أشجار البلوط القديمة في فلسطين على الإطلاق تلك التي يطلق عليها اسم بلوطة إبراهيم نسبة لنبي الله وخليله عليه السلام وهي موجودة على مرتفع مطل على مدينة الخليل تم بناء كنيسة عليه يديرها الروس ويعرف المكان بأنه الذي نزلت فيه العائلة الإبراهيمية لدى وصولها مدينة الخليل وهذه البلوطة التي اعتراها القدم وتصاريف الدهر كما يظهر عليها هي أكبر مثال على قدرة شجرة البلوط على تجديد نفسها فهي متعددة الفروع وكل فرع منها يمثل شجرة بلوط لوحده.

وكان في الماضي القريب وجود شجرة بلوط في أرض ما يفرح كل جيران صاحبها قبل أن يفرح صاحبها نفسه لأنها كانت تمثل لهم نقطة احداثيات هامة وعلى ضوئها يتم ترسيم الحدود بين الجيران ويخرج من هذه الشجرة عند تجريح أغصانها سائل حلو المذاق يجمع ويباع على اعتبار أنه المن الذي ورد ذكره في القرآن الكريم ويمكن غلي هذا السائل كي يتحول إلى عصير مركز لذيذ وفي الماضي وقبل اختراع أزرار الملابس كانوا يستخدمون ثمار البلط بديلاً عن الأزرار.

ويمتاز خشب البلوط بأنه ثقيل في الميزان وصلب وقوي يتحمل الصدمات وقابل للتشكيل بأي شكل من الأشكال فكانت تصنع من خشب البلوط عجلات العربات التي تجرها الخيول والأثاث بأنواعه والبراميل الخشبية التي كانت توضع بها الأسماك عند شحنها من مكان إلى آخر والمراكب البحرية بأنواعها وأحجامها المختلفة وعوارض السكك الحديدية كي تسير عليها القطارات هذا في المدن أما في القرى فمن خشب البلوط يصنع المزارعون معظم أدواتهم الزراعية مثل الغربال والحمالة والمذراة والمحراث اليدوي القديم والعصي بمختلف أنواعها وأطوالها واستعمالاتها.

ومن الجدير بالذكر أن طائر 〈أبو النقر〉 أو نقار الخشب غذائه الأساسي والمفضل هو ثمار شجرة البلوط وهي مهمة جدا لإستمرار بقاءه وتكاثره ولا يكتفي بالأكل اليومي عن الشجرة بل هو يقوم بعد قطفه عن الشجرة بتخزينه في أماكن يقوم بحفرها في أغصان الأشجار الحية أو الميتة ويعرف هذا الطائر بنهمه الشديد وشهيته الكبيرة لثمار شجر البلوط لدرجة أنه يقوم بأي شيء في وسعه للحفاظ على مخزون دائم لا ينقطع من هذه الثمار ليستمر طوال العام فيقوم هذا الطائر بصناعة ما يشبه صوامع الغلال وذلك عن طريق حفر ثقوب للحفظ في الأشجار والجذوع الميته لحفظ مخزونه من ثمار البلوط في منظر أقل ما يقال عنه أنه عجيب وشديد الروعة وهذا العمل يجسد ما تبذله الطيور من مجهود جبار للحفاظ على حياتها وغذائها في فترات الرخاء لتجد ما تسد به جوعها في فترات الشدة.

وشجر البلوط أنواعه كثيرة وينبت في كل المناطق الجبلية والساحلية حول البحر الأبيض المتوسط لكن ما يميز شجر البلوط الفلسطيني عن غيره أنه عايش القضية الفلسطينية بطولها وعرضها وتحمل من أجلها الكثير مثل ما تحمله أهلها فبعد رحلة شجرة البلوط الطويلة في مواجهة الاقتلاع من الأتراك والانجليز جاءت المستوطنات الإسرائيلية التي بنيت على رؤوس الجبال لتتكفل بالباقي في القضاء على ما تبقى من أشجار البلوط مدمرة معها كثيراً من مظاهر البيئة الطبيعية الفلسطينية.
