
Year: 2013
حكايات الدنيا

في عام 1966 وجدتُ نفسي طالباً في الصف العاشر في مدرسة حوّارة الثانوية، وبلدة حوارة اليوم لمن لا يعرفها هي ضاحية من ضواحي مدينة نابلس، لا تبعد عنها أكثر من خمسة كيلومترات بعد أن اتصلت المباني مع بعضها البعض. كان الأستاذ فايز علي الغول مفتشاً للغة العربية في لواء نابلس في ذلك الوقت، وخطرت له فكرة احترمتها وأحترمها لحد الآن وهى تعتمد على استغلال الإنسان كل ما عنده من وسائل ليصل إلى الإبداع.

وكانت هذه الخاطرة العظيمة أن يستعين بالجيل السابق ويأخذ منهم مثل ما يعطي لأبنائهم، إذ أوعز إلى مُدرّسيه في اللواء بأن يطلبوا من طلابهم قصصاً شعبية مما ترويه لهم جدّاتهم وعماتهم وخالاتهم، ويقوم كل مُدرّس بتجميع وتنقيح قصص طلابه ثم يقوم بارسالها له في نابلس، وبعد أن جمّعها ونقّحها، طبعها في كتاب سمّاه “الدنيا حكابات”، ويكون بهذا العمل حفظ التراث الشعبي من الضياع وولّد حواراً في المجتمع بين الصغار والكبار. وليسمح لي أستاذي الكريم بأن أستعير منه اسم كتابه هذا الذي كنت قد ساهمت به بشكل أو بآخر ليكون عنواناً لسلسلة المقالات هذه.
الدنيا حكايات
حدث في إحدى مدارسنا المختلطة

في عام 1992 كنت أعمل مدرساً للرياضيات في مدرسة ثانوية خاصة (مختلطة) في مدينة عمان الغربية وكان يعمل معي في نفس هذه المدرسة معلم كبير في السن ملتزم في تنفيذ تعليمات مديرة المدرسة حرفياً دون مناقشة وعندما كنت ألومه على ذلك كان يرد عليّ بجواب جاهز مُعلب (يدّعي بأن هذا الجواب صالحاً لكل زمان ومكان) فكان يقول لي:إربط الحمار في المكان الذي يريده منك صاحبه.

وكان من جملة هذه التعليمات الإدارية للمدرسين واحدة تقول:لا تسمحوا لولد أن يختلي مع بنت في مكان غير مكشوف داخل المدرسة وفي أحد الأيام بينما كان هذا الأستاذ مناوباً في إحدى الفرص رأى بنتاً وولداً يختبؤون وراء مبنى المدرسة فنهر عليهما وطلب منهما أن يحضرا في الحال إلى الساحة فاستجاب الولد إستجابة سريعة لطلب الأستاذ واستجابت البنت لهذا الطلب ولكن كانت إستجابتها بطيئة وعلى مضض!لأنها كانت قد إعتبرت أن هذا الأستاذ قد تدخل في خصوصيتها أكثر من اللزوم.

لهذا فقد قررت هذه البنت أن تعاقب أستاذها بالمقابل وتلقنه درساً لن ينساه طوال حياته ولكن على طريقتها الخاصة وما أن انتهى الدوام المدرسي في ذلك اليوم وقبيل وصولها إلى البيت تمكنت من شحن عواطفها السلبية تجاه هذا الأستاذ وما أن وصلت إلى بيتها ورأتها أمها أخذت تبكي وتشكو لها «غلاظة» هذا الأستاذ وتدخله في خصوصيتها فما كان من هذه الأم إلا أن طيبت خاطر إبنتها ووعدتها بأن تذهب للمدرسة غداً وتقابل مديرة المدرسة وتجتمع بهذا الأستاذ (المُتخلف) وتلقنه درساً في تربية بنات هذه الأيام.

وفي اليوم التالي حضرت أم البنت إلى المدرسة والتقت بمديرة المدرسة وشكت لها أمر إبنتها وأصرّت على أن تلتقي بهذا الأستاذ المُتخلف الذي قطع خلوة إبنتها مع صديقها وبعد أن فهمت المديرة ما تريده هذه المرأة حاولت أن تمنع مثل هذا اللقاء إلا أنها لم تستطع أن تصمد أمام إصرار هذه الأم على لقاء هذا الأستاذ وفي الحال طلبت مني المديرة الحضور مع هذا الأستاذ إلى غرفتها لتخفيف حدة هذا اللقاء بينهما وماهي إلا دقائق معدودة حتى التقينا أربعتنا في غرفة المديرة.

وما أن جلسنا حتى قامت المديرة بتعريف أحدهما بالآخر فقالت الأم للأستاذ:أظنك تعلم يا أستاذ أنه يوجد بالقرب من بيتنا مدرسة بنات حكومية مجانية؟لكنني لم أسجل إبنتي فيها لأنني أريد لها الإختلاط بالآخر ومن أجل ذلك كنت قد أدخلت إبنتي في هذه المدرسة الخاصة وتحملت الوقت الضائع غليّ وعلى إبنتي في الوصول إلى هذه المدرسة ثم العودة إلى البيت وفوق ذلك أيضاً دفعت عليها المبالغ الطائلة كما تعلم.

وجاءت حضرتك وبجرة قلم فأفشلت خطتي وجرحت كبرياء إبنتي عندما تدخلت في خصوصيتها أكثر من اللزوم فردّ عليها الأستاذ قائلاُ:إبنتك هي مثل إبنتي تماماً وما أقبله لإبنتي سأقبله لإبنتك إن شاء الله فردت عليه الأم في الحال وبشئ من الغضب:أنت حر في تربية إبنتك كما تريد!كما أنني أنا حرة في تربية إبنتي أيضاً كما أريد لهذا فلن أترك إبنتي في مدرسة (متخلفة) توظف أمثالك بعد الآن!ولم تعطه الفرصة للرد بل حوّلت كلامها لمديرة المدرسة هذه المرة.

أدارت الأم بوجهها إلى مديرة المدرسة طالبة منها ملف إبنتها في الحال فحاولت المديرة أن تثنيها عن ذلك لكنها في النهاية رضخت لطلب الأم أمام إصرارها على ذلك وبعد أن أخذته غادرت الغرفة وهي تقول:مدرسين آخر زمن وبعد أن خرجت الأم ومعها ملف إبنتها قالت مديرة المدرسة للأستاذ:آخر الشهر على الأبواب فمن أين أدفع لك راتبك يا أستاذ؟إحمر وجه الأستاذ ودخل في غيبوبة فكرية أظنها في كيفية تسديد فواتيره الشهرية فيما لو نفذت المديرة ما تلوح به؟.

أما أنا شخصياً فوجدتها فرصة مناسبة لي كي أستفز زميلي الأستاذ وأقطع عليه خلوته فسألته في الحال عن نظريته المشهورة في العمل (إربط الحمار وين ما بده صاحبه) والذي كان يدعي بأن هذه النظرية تصلح لكل زمان ومكان فنظر إليّ الأستاذ بشئ من الحزن والغضب والقهر معاً وقال:نظريتي في العمل تبقى صحيحة عندما يوجد حمار وصاحبه أما عندما يكون صاحب الحمار حماراً مثله عندها فقط ستكون خاطئة.
طباشير ملونة
دعاء الركوب وحده لا يكفي

في أحد أيام صيف عام ١٩٦٨ بينما كنت واقفاً على الشارع الرئيس أنتظر سيارة أجرة تُقلني من مدينة الزرقاء إلى العاصمة عمان وإذ بسيارة ذات لوحة خليجية تقلّ رجلاً وزوجته تقف بجانبي ويقول لي صاحبها:إذا كنت تقصد عمان فتفضل واركب معنا تردّدتُ كثيراً لوجود زوجته معه لكنه فهم تردّدي هذا وألحّ عليّ بالركوب فركبتُ وجلستُ في المقعد الخلفيّ خلف زوجته مُباشرة وكان الجوّ صيفيّاً حارّاً ففتحتُ الشباك وأخرجت يدي منه بعد أن جعلتها على شكل زاوية رأسها خارج شباك السيارة وضلعاها على الشباك نفسه وانطلقت بنا السبارة مُتجهة إلى عمان.

في منتصف الطريق تقريباً وبينما كنت شارد الذهن أفكر فيما كان يشغلني في ذلك الوقت وإذا بزوجته تخرج أكبر (بصقة) من مخزون صدرها وبحركة (عفوية) لا إرادية أخرجت رأسها من الشبّاك وقذفت ما بداخل فمها للخارج فحمله الريح واستقر به على ذراعي الأيمن بعد أن رسم بقعة كبيرة صفراء اللون على قميصي لكن زوجها كان لها بالمرصاد فقد رأى بأم عينيه ما كانت قد فعلت زوجته فأخذ يمين الشارع ووقف بسرعة وأخرج من سيارته ما معه من المناديل الورقية ودار حول سيارته نصف دورة وبدأ في تنظيف ما علق بقميصي من آثار عدوان زوجته وهو يعتذر ويتأسف.

ما أن عاد الرجل إلى مكانه في السيارة حتى أخذ يُعاتب زوجته على فعلتها تلك ويُفهمها بعضاً من أخلاقيات الركوب في السيارة أذكر ممّا قاله لها:لا يكفي يا زوجتي العزيزة عند ركوب السيارة أن نقرأ (دعاء الركوب) وحده عن ظهر قلب دون أن نتقيد بآداب وأخلاقيات ركوب السيارة نفسها إن أصعب شئ على الإنسان أن يستعمل شيئاً لم يصنعه هو بنفسه لنفسه كما حدث ويحدث معنا فنحن قد إستوردنا السيارة واستخدمناها دون أن نتعلم آدابها وأخلاقياتها.
طباشير ملونة
وتـحـسـبـهـم أصـحـابـاً

زاملته سنة كاملة عندما كان مُدرساً للرياضيات في ثانوية السالمية بدولة الكويت سنة 1975 فكلانا خريج الجامعات السورية ولنا نفس الأفكار والأسلوب والنظرة إلى الحياة فأصبحنا أصدقاء!هكذا بدت لي الأمور في حينها!وكان هذا الزميل في ذلك الوقت شاب طويل القامة أبيض البشرة أحمر الشعر من أب وأم سوريين لكن والده كان قد إكتسب الجنسية الأردنية بعد أن أقام في عمان فترة من الزمن وفي أثناء هذه الفترة وُلد صاحبنا وتوفي والده فيها وهو طفل صغير إلا أن أمه تركت عمان وذهبت لتعيش به في دمشق فهو بالتالي يحمل الجنسية الأردنية عن والده على الرغم أنه عاش طفولته في دمشق ودرس في مدارسها وتخرّج من جامعتها وتزوّج من دمشقية فأصبحت لهجته وثقافته شامية.

لهذا فقد إستغل صاحبنا وضعه خير إستغلال فكان يٌغير جلده في اليوم الواحد أكثر من مرة حسب الموقف فإذا تطلب هذا الموقف أن يكون أردنياً فيصبح أردنياً ويهرب بالتالي من إلتزاماته السورية وإذا تطلب الموقف أن يكون سورياً يصبح سورياً ويهرب من التزاماته الأردنية لم تدم زمالتنا هذه بعد أن نُقلت أنا في بداية السنة الثانية إلى ثانوية عبدالله السالم وبعد سنتين أو ثلاثة إنتقل هو إلى ثانوية صباح السالم وخفت العلاقة بيننا لكنها لم تنته وأصبح لنا أصدقاء مشتركين شكلوا حلقة وصل بيننا ولكنهم كانوا يشكون مرّ الشكوى منه ويتهمونه بالنرجسية والأنانية وقد فشلتُ مراراً وتكراراً في نفي هذه التهمة عنه عند زملائي الذين هم زملاؤه أيضاً لكننا على الرغم من ذلك بقينا أصدقاء.

بعد بضع سنين إنتقل إلى المدرسة التي كنت أعمل بها ولكن رئيساً لقسم الرياضيات هذه المرة وعادت للصداقة لحمتها لا بل أصبحت بيننا زيارات عائلية ومن طريف القول أن صاحبنا هذا لا يحب التدخين ولا المدخنين (هكذا كان يظهر أمامي في المدرسة) فكان يطالبني ليلاً نهاراً بعدم التدخين في الغرفة إلى أن اكتشفت من زيارتهم العائلية لنا في البيت أن زوجته تدخن لكنه بعد هذه الزيارة كفّ عن مطالبتي بعدم التدخين لأنه كان قد عرف جوابي له لو طالبني بذلك وهكذا نحن نريد من الآخرين تطبيق القوانين ونعفي أنفسنا من تطبيقها.

وفي صيف عام 1990 سافر صاحبنا إلى سوريا وترك مفتاح شقته وسيارته معي أمانة وطلب مني أن أذهب إلى شقته وأفتحها وأسقي له ما بها من نباتات داخلية وأشغل سيارته مرة واحدة في الأسبوع ولسوء الحظ جاءت حرب الخليج فضاعفت من مسؤوليتي تجاهه وتجاه بيته فقد تُسرق شقته أو سيارته في هذه الفوضى العارمة التي أعقبت هذه الحرب لكن هذه الفترة لم تطل فقد حضر وزوجته إلى الكويت أثناء الأزمة وتصرف بشقته وأخذ ما يريده منها وباع سيارته وسافر ثانية إلى دمشق.

ودارت الأيام فبعد تحرير الكويت وعودتها إلى أصحابها لم يصبح مرغوباً بنا فيها فتركتُها وعدت إلى عمان وأقمت فيها فأصبحت دمشق قريبة جداً بالنسبة لي وفي يوم من الأيام خطر في بالي أن أتسوق من مدينة دمشق وعندما وصلتها تذكرتُ أن لي صديقاً فيها لا بد من زيارته سألت عنه فلم أفلح في العثور عليه فاستعنت بدليل الهاتف فوجدته واتصلتُ به فردّت علي زوجته ولم يُكلمني هو وعندما سألتها عنه قالت:ستراه عندما تحضر إلى عنده وأعطتني العنوان وذهبت إلى بيته.

وعندما وصلته لم يُكلمني بل سلم عليّ وهو صامت لكن زوجته إستلمت دفة الحديث عنه واستعرضت لي قصته باختصار فقالت:كان كغيره من الناس الذين رفضوا العمل والإندماج في المجتمع الجديد الذي وجدوا أنفسهم به بين يوم وليلة بحجة ضآلة المرتبات الجديدة فقد تعودوا على مرتبات الكويت العالية وتعودوا على وظائف ليس لها وجود في بلدانهم الأصلية وتعودوا كذلك على حياة الإستهلاك والرفاهية وبدؤوا ينتظرون عودتهم إلى الكويت بعد أن ظنوها قريبة.

وأخذ صاحبنا كمثله الكثير من الناس الذين كانوا ينتظرون عودة الكويت إلى أصحابها كي يعودوا معهم أو بعدهم ولما عادت الكويت لم يعد صاحبنا لا معهم ولا بعدهم لأنه أردني الجنسية وكان الكويتيون وقتها قد صنفوا الأردن من دول الضد!أي الدول التي كانت قد ساعدت الرئيس صدام حسين ووقفت معه عندما إحتل الكويت وعليه فلن يسمح لرعايا هذه الدول من الإقامة أو العمل أو حتى الدخول إلى الكويت بينما سُمح لزملائه من السوريين بالعودة والإلتحاق بأعمالهم هناك.

وكان في فترة إنتظار عودته إلى الكويت قد صرف كل ما معه من فلوس وأصبحت حماته هي التي تصرف عليه عندها مرض نفسياً وأصبح لا يُكلم أحداً وعندما ساءت حالته أكثر حاول قطع شريان يده كي ينتحر لكننا تمكنا من إنقاذه في آخر لحظة وهو كما تراه مكتئباً لا يكلم أحداً أرجوك إذا كان بالإمكان تشغيله عندكم في عمان فستكسب به وبنا أجراً عظيماً لا سيما أن أولاده بدؤوا يقتربون من الجامعات.

وعدتها خيراً وعدت إلى عمان وفي نيتي مساعدته لكن من يعرفني عن قرب يشهد لي بأنني لم أطلب واسطة أحد لأي أحد لكنني تجرأت هذه المرة وطلبت فالذي أطلب منه المساعدة من أصل شامي وقد يتعاطف معه أكثر من غيره فعرضت عليه الأمر فقال:لا مانع من حضوره فلدينا له شاغر فاتصلت به تلفونياً وحضر في الحال واستضفته في بيتي لأنه لا يملك أجرة الفندق وأحضرته معي في اليوم التالي للمدرسة وعرفته على إدارتها.

وعندما وجد صاحبنا أن الإداريين من أصل سوري قرر أن يدخل عليهم من الشباك بدلاً من الباب الذي كنت قد أدخلته منه والتقى بالمسؤولين في بيوتهم دون علمي طالباً منهم أن يحل مكاني في المدرسة وعندما رفضوا طلبه ولم يحصل على ما يريد تذرع وخرج عن تقليد الكلية التي أعمل بها وهو على كل من يريد العمل في هذه الكلية أن يتقدم إلى إمتحان تحريري في المادة التي سيدرسها ورفض صاحبنا أن يدخل هذا الإمتحان بحجة أنه مجاز من الجامعة ولا أحد يمتحنه بعد هذه الإجازة وانطلى عليّ الأمر الذي كان قد فعله من ورائي.

أما أنا فقد أخذت الموضوع بنية حسنة وقلت في نفسي إن صاحبنا لا يميز بين الغرور والثقة بالنفس واستنجدت بزميل لي كان قد ترك العمل في الكلية وعمل في مدرسة أخرى فأكرمنا هذا الرجل وعينه في مدرسته واستأجر صاحبنا شقة مفروشة أجرتها تقترب من راتبه وحضرت زوجته وإبنته لزيارته في عمان وعندما ذهبتُ لزيارتهم وجدتها تقارن وضع زوجها بوضعي من حيث الراتب والسكن وغير ذلك واقترحتْ على زوجها أن يعمل تاجر شنطة بين دمشق وعمان ليعوض فرق المرتب بيني وبينه وجعلتني منافساً لهم بدلاً من أن أكون مساعداً.

وبعد أن عادت زوجته إلى دمشق لم يسأل عني فذهبت إلى سكنه كي أسأل عنه فقالوا لي أنه ترك السكن ولا يعلمون عنه شيئاً ونسيت الموضوع بكامله وبعد فترة من الزمن حضر الموجه عندي وإذا به يسألني ضاحكاً:أتسمع بمن أحضر المكتوب لقطع رأسه؟قلت له:لا قال:هو أنت يا بطل صاحبك الذي كنت قد أحضرته معك من دمشق يريد أن يدرس التوجيهي فقط أي يريد موقعك في الكلية بعد هذه السنين التي قضيتها عندنا بحجة أنه كان رئيسك في العمل في دولة الكويت واستعيب على نفسه أن يدرس صفاً أدنى من صفك فوجئت بما قاله لي الموجه وفوجئت أكثر في إختفائه المفاجئ.

وبينما كنت جالساً في غرفة المعلمين وإذا بصاحبنا يعود بعد هذا الغياب الطويل ليس إلى بيتي الذي إستقبلته فيه وإنما إلى الكلية وعندما دخل غرفتي فوجئت بوجوده في عمان بعد هذا الغياب الطويل وقبل أن أسمع منه ما يريد فاجأته بسؤال أصريت على إجابته وكان هذا السؤال:هل أنت موجود في عمان طيلة هذه الفترة؟قال:نعم وأنا الآن مديراً لإحدى المدارس فيها!فقلت له:أحسنت وماذا تريد مني؟قال:مدرستكم سباقة في طبع الكشوف والشهادات باستخدام الكمبيوتر وأريد منك أن تتوسط لي عند الإدارة كي يعطوني البرنامج الذي يعملون عليه لأنني أريد أن أطور مدرستي بعد أن أصبحت مديراً لها.

قلت له:أسمعت بقصة الصبي والحيّة؟قال:لا فقلت له:في قديم الزمان كان طفل يأكل لبناً وإذا بحية تتقدم نحوه لكنها كانت جائعة وبردانة فأطعمها اللبن وغطاها بقميصه وعندما شبعت هذه الحية واستدفأت قامت على من أطعمها ولدغته وأنا مثل ذاك الطفل فلم أصدق ما كانوا يقولون لي عنك الزملاء في الكويت لا بل كنت أدافع عنك لكنني اليوم إكتشفت سذاجتي وخطأي وهم كانوا على صواب فيما كانوا يصفوك فقد أبلغني الموجه ما كنت تسعى إليه ما أصعب أن يكون الإنسان مغفلاً يا صاحبي كل هذه السنين وعندما فهم أن ألاعيبه لم تعد تنطلي على أحد خرج دون أن يودعني.

وفي أحد الأيام جاءني طالب من طلابي كان قد رسب في أحد الإمتحانات اليومية وقال لي:صاحبك أبو فلان يهديك السلام ويطلب منك أن تنجحني فقلت له:وما صلتك بأبي فلان هذا؟قال:يدرسني خصوصي في البيت والبارحة كان زواجه من إحدى معلمات المدرسة التي يعمل بها وقد إستأجر لها بيتاً في العمارة التي أسكن بها فقلت له:أدرس من الآن حتى نهاية الشهر القادم وستنجح لوحدك بدوني سألت هذا الطالب ان كانت زوجته وأولاده قد علموا بالخبر فقال:نعم وكان شرطهم الوحيد أن يبعث لهم فلوساً دون أن يُرِهم وجه.

وبعد يومين وإذا بالطالب يأتي إلى عندي حزيناً هذه المرة ويقول لي:عظم الله أجركم يا أستاذ جميل والبقية في حياتك فقلت له:ماذا تقصد؟قال:صاحبك توفاه الله فقلت له:وكيف كان ذلك؟قال:قُطعت عنه الماء في البيت فصعد إلى سطح البناية ليستطلع الأمر فاصطدم بأحد المواسير الممدة فوقع ومات فوراً حزنت على صاحبنا وعلى أمثاله ممن يعتقدون أنهم يخدعون غيرهم وهم بذلك ينسون أن صحائف أعمالهم ستبقى مفتوحة حتى بعد وفاتهم وأقول لمن يقرأ هذه المقالة أن لا يكتفي بجانب واحد من الصورة بل عليه أن يقلبها من جميع جوانبها فالطيب طيب مع الجميع والسيء سيء مع الجميع حتى وإن تخفى على البعض منا.
طباشير ملونة
أفيدونا أفادكم الله

كان في القرية التي ولدت فيها امرأة تبدو للناس بأنها جميلة وهي في حقيقة الحال ليست كذلك بل هي إمرأة عادية مثلها مثل بقية النساء في القرية لكنها كانت تدلل نفسها فلا تذهب للعمل في المواسم الزراعية كقطف ثمار الزيتون واللوز مثلاً أو في جمع ثمار التين وتصنيع القطين أو في موسم التعشيب والحصاد كغيرها من النساء في القرية بل كان همها الوحيد أن تبدو أنيقة ونظيفة ومن أجل ذلك كانت تغتسل يومياً رغم ندرة المياه في ذلك الوقت فأصبحت سيرتها على كل لسان في القرية وأصبحت نساء القرية يتندرن عليها بشئ من الحسد والغيرة.

وفي أحد الأيام مرضت هذه المرأة في عقلها فشخص الناس مرضها هذا بالجنون وانشغلت القرية بمن فيها في موضوعها وبدؤوا يفتشون عن سبب جنونها فاحتاروا في الأمر إلا أن نساء القرية قد وجدنها ـ كما وجدها نيوتن ـ فعزوْن سبب هذا الجنون الذي أصابها إلى النظر بالمرآة ليلا وهي تقوم بتمشيط شعرها بعد استحمامها اليومي وبعد هذه الحادثة حُرّم النظر إلى المرآة ليلاً على جميع سكان القرية بما فيهم أنا فكنت إذا نظرت في المرآة ليلا تنهرني والدتي وتمنعني من ذلك وتذكرني بما جنته تلك المرأة على نفسها وكان من عادة أمي ـ رحمها الله ـ أن تأخذ وتعطي معنا في كل الأمور إلا في هذا الموضوع فكانت كلماتها قاطعة ومن باب الكيس من اتعظ بغيره.

هذه الحادثة العابرة التي كانت قد حدثت معي في صغري جعلتني أزرع بيتي بالمرايا في كبري ومن كافة الأنواع والأحجام والألوان وأصبحتُ عندما أرى نفسي في واحدة من هذه المرايا المعلقة على جدران بيتي أتذكر أمي وأترحم عليها ثم أبتسم ولا أدري إذا كان هذا العمل الذي كنت قد قمت به من زرع جدران بيتي بالمرايا والنظر فيها ليلاً يُدخلني في باب عُقوق والدتي أم لا؟ أفيدونا أفادكم الله.
ذكريات في بلدنا
محمود عطية

محمود عطية هذا الذي أنوي أن أحدثكم عنه هو مراسل في الكلية العلمية الإسلامية جبل عمان يعرفه كل من درس أو درّس فيها حتى أنه أصبح كشجرة من أشجارها العتيقة الطلاب والمدرسون يكبرون ويغادرون وهو باق فيها كشاهد على كل العصور التي مرت عليها هذه الكلية دخلها شاب صغير في السن وتعامل مع كل الإدارات والمُدرسين والطلاب وأخذ من بعضهم حُسن التصرف فهو يسمع ويعمل بصمت أكثر مما يتكلم يرى الخطأ فيتجنبه أما الصحيح فيقتدي به يحب جميع الناس والناس تحبه فأصبح بعد أن أمضى ثلاثة عقود من العطاء المتواصل مخزناً للأمانة والإخلاص والتفاني.

فِي أَحَد أَيَّام عَام ١٩٩٤ فرغت عُلْبَة سَجَائِرِي أَثْنَاء العَمَل فَطَلَبَت مِنْه سِيجَارَة وَأَنَا لَا أَعْرِفُه بُعَد فَأَعْطَانِي سِيجَارَة وَدَخَّنَتْهَا ثُمّ دُخِلَت الحِصَّة وَبَعْد اِنْتِهَاء هَذِه الحِصَّة خَرَجَت إِلَى غُرْفَتِي وَبِحَرَكَة لَا إِرَادِيَّة فَتَحَت دَرَج مَكْتَبِي وَإِذَا فِيه عُلْبَة سَجَائِر اِحْتَرْت فِي الأَمْر وَاِتَّهَمْت نَفْسَي بِالنِّسْيَان وَقُلْت لِزَمِيلِي فِي الغُرْفَة: أَيَعْقِل أَنَّنِي أَمْلِك عُلْبَة سَجَائِرَ وَأَطْلُب مِن النَّاس سِيجَارَة فاِتَّهَمَنِي صَاحِبِي فِي عقلِي وَعَزَا ذَلِك إِلَى كِبَر السِّنّ الَّذِي كَان قَد دَخَل بِه هُو وَلَيْس أَنَا فَقَد كَان يَعْتَبِر كُلّ النَّاس كِبَار فِي السِّنّ مَثَّلَه رَاجَعْت نَفْسُي مَرَّة ثَانِيَة وَتَأَكَّدْت أَنَّنِي دَخَّنْت آخَر سِيجَارَة وَرُمِيَت العُلْبَة فِي سَلَّة المُهْمَلَات وَذَهَبْت وَتَأَكَّدْت مِن وُجُودِهَا فِي تِلْك السَّلَّة إِذَن مِن أَيْن لِي بِهَذِه العُلْبَةِ؟.

وَإِذَا بمَحْمُود عَطِيَّة قَد فَهِم أَنّ عُلْبَة سَجَائِرِي أَصْبَحَت خَالِيَة فَذَهَب وَأَحْضَر لِي عُلْبَة جَدِيدَة دُون أَن أُكَلِّفَه بِذَلِك وَلَم يُعْلِمْنِي وَلَم يَطْلُب مِنِي ثَمَنًا لَهَا مِمَا جَعَل الأَمْر يَبْدُو مُحَيِّرًا تَدَاوَلَت الأَمْر مَرَّة ثَانِيَة مَع زَمِيلِي فِي الغُرْفَة مِن أَجْل حَلّ هَذَا اللُغْز وَعَلَى مَدَار اليَوْم وَقَرَّر زَمِيلِي أَن يُشْرِكَه فِي الأَمْر وَبَعْد أَن عَرَض عَلَيْه المَوْضُوع تَبَسُّم وبعد أن ضَغَطَنَا عَلَيْه أَكْثَر اعْتَرَفَ وَبِصُعُوبَة أَكْثَر قَبْل أَن يَأْخُذ الثَّمَنَ العَجِيب فِي المَوْضُوع أَنَّنِي كُنْت مُدَرِّسًا جَدِيدًا فِي المَدْرَسَة وَلَيْس بَيْنَي وَبَيْنَه أَيَّة عَلَاقَة خَاصَّة وَلَسْت مُدِيرًا أَو مَسْؤُولًا عَنْه يُرِيد أَن يَتَمَلَّقَنِي.

وَمِضَت الأَيَّامُ وَقُرِّرَت مُكَافَأَتُه وَلَكِن بِطَرِيقَة مُؤَدَّبَة فَطَلَبَت مِنْه أَن يَدْفَع لِي فَاتُورَة كَهْرَبَاء قِيمَتُهَا تِسْعَة عَشْر دِينَارَا هَكَذَا أَنَا قَرَأْت الرَّقْم فَأَعْطِيَتُه عِشْرُون دِينَارَا كَي يَبْقَى لَه دِينَار كمكافئة لَهُ وَدَفَع الفَاتُورَة وَلَم يَتَكَلَّم بِشَيْء فِي الطَّرِيق إِلَى البَيْت بَعْد اِنْتِهَاء الدَّوَام كَان اِبْنِي يُرَافِقُنِي خَطَر فِي بَالِي أَن أَشْرَكَه مَعَي فِي حِسَاب مَا صَرَفْنَاه فِي هَذَا اليَوْم مِن مَصَارِيف وَأَعْطَيْتُه الإِيصَالَات لِيَدْقُقْهَا وَيَجْمَعُهَا فَبَدَأ بِفَاتُورَة الكَهْرَبَاء وَقَالَ: تِسْع وَعِشْرُون دِينَارَا فَقَلَّت لَهُ: لَا تُكَمِّل تَأَكَّد مِنْهَا ثَانِيَة أهي تِسْعَة عَشْر أَم تِسْع وَعِشْرُونَ؟ فَقَالَ: لَا هِي تِسْع وَعِشْرُونَ نَزَل كَلَامُه عَلَيّ كَالصَّاعِقَة وَقُلْت فِي نَفْسِي: أَنَا أَعْطَيْتُه عِشْرُون دِينَارَا كَي يَبْقَى لَه دِينَار وَإِذَا بِه يُدْفَع مِن جَيْبِه تِسْعَة دَنَانِير وَلَم يَطْلُبْهَا.



