لا ولن أنس والدتيوأنا في طفولتي المبكرة وهي تنتظر المواسم الربانية المختلقة فما أن يأت فصل الشتاء ببرده ورعده وبرقه وثلجه كانت تبدو فرحة مسرورة تنتظر ظهور الفقع والعجرم والزعمطوط والخرفيش والقريص وما أن يبدأ موسم الربيع حتى تبدأ في انتظار الزعتر والخسّ البرّي والذِبّحْ والسيسعة والصيبعة والبريدة والباقوس والخبيزة والشومر والمرار والقرصعنة وحنون العرايس والحمميصة واللوف والعكوب والبلوط وما أن يبدأ فصل الصيف حتى تبدأ في إنتظار:تفاح المجانين والإجاص البري وما أن يهل فصل الخريف حتى أجدها تبدأ في انتظار:الزعرور والخروب والقيقب … وغيره الكثير مما أعطانا الله.
شاهدتُ سماحة (الشيخ علي الطنطاوي) رحمة الله عليه في برنامجه الشهير (على مائدة الإفطار) الذي كان يُقدّمه بعد الإفطار مباشرة في كلّ يوم من أيام شهر رمضان المبارك في سنوات كانت قد خلت وإذا به يقول في إحدى حلقاته:كدت أن أغرق في البحر لكن البحر لم يُخيفني وركبت الطائرة وعلت في الجو لكن الجو لم يقلقني وضللت طريقي في الصحراء لكن الصحراء لم ترعبني والشيء الوحيد الذي كان قد أخافني وأرعبني وأقلقني هو عملية إيجاد الجذر التربيعي لعدد موجب عندما كنت طالباً صغيراً في المدرسة في حصة الرياضيات.
سماحة الشيخ علي الطنطاوي
لا أحد يُشكك في قدرات هذا الرّجل وأمثاله ممّن يعترفون صراحة وبدون لفّ أو دوران أو مُجاملة أنهم لا يستطيعون فهم هذه المادة كما لا بد من التنويه أن إعترافهم هذا لا يُقلل من شانهم أو يجرح من كبريائهم بل على العكس تماماً يُكسبهم إحترام الناس لهم أما أنا فأعترف بالمقابل أن الرياضيات كانت قد ظلمَتْ كثيراً من الطلاب من أمثال شيخنا ونغّصتْ على البعض منهم حياتهم وأخرجت البعض الآخر من مدارسهم غصباً عنهم وحوّلت مجرى حياة الكثيرين منهم إلى إتجاهات أخرى لم يكونوا يُريدوها أو يطلبوها في يوم من الأيام.
لكن هذه الرياضيات بالمقابل ظُلمَتْ من أناس كثيرين أيضاً فنحن مُجتمعٌ ساذج نصدق كل ما نسمع وما يقال دون تمحيص أو تدقيق فما من أحد يروي لنا حادثة أو حكاية معينة إلا ونقول له بعد أن ينتهي من روايتها لنا:صح لسانك لا بل نضيف على تلك الحادثة التي سمعناها ثم نرويها بشكل مُغاير كي تتناسب مع ميولنا وأهدافنا فنحن لا نبحث عن الحقيقة من أجل معرفتها ومن ثم تبليغها للآخرين كما أمرنا الله.
الراوي
والأهم من ذلك كله أننا لسنا مستعدين لبذل الجهد الكافي لمعرفة الحقيقة ومن منا يعرفها يحتفظ بها لنفسه ولا يبلغها لمن لا يعرفها من الناس فبعضنا كان قد إستصعب مادة الرياضيات فبدأ يروي قصته معها لغيره من الناس ومن يسمع قصته يُضيف عليها أشياء من عنده لم يروها صاحب القصة وهكذا أصبح كل جيل يروي للجيل الذي يأتي من بعده تجاربه مع هذه الرياضيات فتوّلد في المجتمع رأيٌ عام يُقرّ بصعوبتها.
نقوم بترحيل المشكلة أو نبحث لها عن حل سحري
وتعمّق هذا الإقرار واستفحل إلى أن أصبح مشكلة لا بد من حلها وكعادتنا في حل المشاكل نقوم بترحيلها أو نبحث لها عن حلٍ سحري وساهم الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب في تضخيم هذه المشكلة فما إن يأتِ إمتحان لمادة الرياضيات في الثانوية العامة إلا ويتلقفه هذا الإعلام (الراقص) ويجعله مادته الأولى وينسى رسالته التي وجد من أجلها ويبدأ بتصعيد الموقف حتى أنه في أحد السنوات وصلت صعوبة أسئلة الرياضيات إلى (مجلس الأمة الأردني) ونوقش سؤال النملتين في إحدى جلساته.
إنشغل المدرسون في تنجيح طلبتهم وليس في تعليمهم
وبذلك أصبح المجتمع كله بما فيهم الطلبة يُطاردون مدرسي الرياضيات ويتهمونهم بتصعيب هذه المادة لزيادة ثرواتهم مما حدا بالمعلمين للدفاع عن أنفسهم فقاموا بتسطيح هذه المادة وتلقينها للطلبة كي تزيد نسب نجاح طلابهم بعد أن أصبحت نسب النجاح هي التي تقرر صلاحية المعلم من فشله لهذا فقد إنشغل معلموا الرياضيات في كيفية تنجيح طلبتهم وليس في تعليمهم ففتحوا لهم المراكز واستبدلوا بكتبهم المدرسية مُلخصاتٍ لا تسمن ولا تغني من جوع واخترعوا لها الأسماء الجاذبة وأعدّوا لطلبتهم أسئلة مُقترحة يحفظونها قبل الإمتحان بساعة.
دخل المدرسة
وإن تجرأ أحد من أمثالي وتكلم عن هذه المشكلة الكبيرة التي يعيشها كل بيت من بيوتنا في كل سنة مرة أو مرتين سيجد أن الجميع ينفي وجودها وأوُل من ينبري له الطلاب أنفسهم فكل طالب سيدافع عن شيخه ويأتي بعده ولي أمره ليقول لولا الأستاذ (فلان) لما نجح ولدي ويتبعهم مدير المدرسة ليقول أن الأستاذ فلان رفع إسم المدرسة عالياً بهذه النتائج ويأتي من بعدهم صاحب المدرسة ليقول أن الأستاذ فلان زاد عدد طلاب المدرسة وبالتالي زاد دخلها ورضي المساهمون عني بعد أن وزع عليهم الأرباح.
جحا والحمار والسلطان
يذكرني هذا الوضع الذي نعيشه الآن بقصة جحا والحمار والسلطان عندما عرض الأخير مسابقته المشهورة على الناس فقال لهم:من منكم يستطيع تعليم الحمار في زمن أقصاه عشر سنوات له مني مليون دينار فلم يجرؤ أحد على الدخول في هذه المسابقة غير جُحا ولما سُئل جحا عن السبب الذي جعله أن يغامر ويدخل هذه المسابقة فقال:بعد عشر سنوات إما أن يموت السلطان أو يموت الحمار أو أموت أنا هذا ما قاله جحا أما أنا فأقول:من فيكم يدلني على طالب رسب في صفه خلال إثني عشرة سنة؟أيُعقل أن يكون كل طلبتنا عباقرة؟أم أننا نرحلّ المشكلة للثانوية العامة؟لنطبق عليها مقولة جحا؟.
Math is the SALT of the earth
سنعود الآن إلى الرياضيات التي تسمى ملح الأرض (Math is the SALT of the earth) فكلمة (SALT) هذه مُكوّنة من أربعة أحرف كلّ حرف منها يشير إلى بداية هامة في حياتنا فمثلا (Science) وتعني علم أختصرت بحرف الـ (S) والكلمة الثانية (Art) وتعني فن واختصرت بحرف الـ (A) والكلمة الثالثة (Language) وتعني لغة واختصرت بحرف الـ (L) والكلمة الرابعة (Tool) وتعني أداة واختصرت بحرف الـ (T) .
لافتة في أحد شوارع الكويت
وعليه فإن الرياضيات هي علم له مفرداته ومسلماته وقواعده يستخدم الرموز والأرقام والكلمات ليبني منها نظريات حققت للبشرية حياة أفضل وعلينا أن نعلم أنه كلما تطور الإنسان أكثر كلما تطورت معه الرياضيات أكثر وكلما تطورت الرياضيات أكثر تطور معها الإنسان أكثر لأنها فنٌ لمن يستطيع أن يتذوقه وعلم غزير لمن يستطيع أن يكتشفه ولغة عالمية جديدة تضاف لمن يتعلمها وأداة لفهم بقية العلوم لمن يتقن إستخدامها.
لوحة فنية
فالسؤال بحد ذاته يُعتبر لوحة فنية فهو يستخدم الرسم أحياناً ويتطلب عند وضعه الدقة والوضوح والإيجاز فقد تفهم سؤالاً من شخص ولا تفهمه من شخص آخر لأن الأول كان قد أخرجه لوحة جميلة أما الآخر فلوحته كانت مُشوشة وجواب السؤال أيضاً يعتبر لوحة أخرى مختلفة عن الأولى يُستخدم فيها الخيال والتنظيم والترتيب زيادة على ما سبق والسؤال وجوابه معاً يعتبران لوحة أخرى تتطلب القدرة على الربط بين ما هو مطلوب وما هو موجود؟.
الرياضيات لغة عالمية
وهي لغةٌ عالميةٌ لها رموزها التي يفهمها الجميع فإشارة (الجذر التربيعي) مثلاً هي نفسها بكل لغات العالم لهذا ولكونها لغة عالمية فقد أقاموا (أولمبياد) عالمي للرياضيات للتقارب بين الشعوب والأمم المختلفة وهي أيضاً أداة لتعليم وتعلم كل المواد العلمية كالطب والهندسة والصيدلة وغيرها وكل الصنائع التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية ولا ننسى أن بالرياضيات استطاع الإنسان أن يصعد إلى الكواكب وأن ينزل بها إلى المناجم.
علينا أن نكتشف هذه النخبة من طلبتنا ونميزهم
فالرياضيات إذن هي (4×1) أي أنها أربعة مواد في مادة واحدة لأنها (علم) و(فن) و(لغة) و(أداة) ومن هنا جاءتها الصعوبة وأصبحت هذه الصعوبة درجات فهي قد تكون عند البعض (0%) أو (25%) أو (50%) أو (75%) أو (100%) فالصعوبة إذن تفاوتت من شخصٍ إلى آخر فمن يتقن هذه العلوم الأربعة السابقة مجتمعة يتقن الرياضيات ومن لا يتقن واحدة منها على الأقل يَدرس الرياضياتها ولكن لا يُتقنها وعليه لا يُتقنها غير النخبة من طلبتنا؟لذا علينا أن نكتشف هذه النخبة من طلبتنا ونميزهم عن غيرهم كي يُستفاد منهم لا أن نضع كل الطلاب في سلة واحدة ونفرض عليهم تعلم الرياضيات فرضاً.
ثم ذهبنا إلى شاطىء البحر لنقوم برحلة بحرية كانت مقررة لنا قبل قيامنا بزيارة مغارة جعيتا لكننا عندما ذهبنا إلى شاطئ البحر وجدناه مغلقاً لدواع أمنية فتأجلت رحلتنا إلى وقت آخر وما أن عدنا من زيارة متحف الشمع عدنا إليه ثانية حتى وجدناه مفتوحاً فركبنا القارب وانطلق بنا هذا القارب إلى أعماق البحر وتمتعنا برؤية منظر فريد لم أره من قبل في حياتي فلقد رأينا قمم الجبال وهي مغطاة بالغيوم في عز الصيف فكانت حقاً رحلة بحرية لا تنسى.
بدأ الجوع يدق على أبوابنا
لكن الجوع بدأ يدق على أبوابنا واقترح الدليل مطعماً رفضناه فوراً وقلنا له:إذهب بمن يريد أن يذهب معك إلى حيث تريد أما نحن فسنذهب إلى مطعم مانويلا بعد أن سمعنا عنه الكثير واستطاع الدليل أن يأخذ معه أشخاصاً كانوا معنا في المعارضة لكنهم عندما حسبوها جيداً إختاروا حزب الدليل فهو برأيهم الأقوى لأنه هو الذي يملك الباص أما نحن فسنستأجر مواصلات على حسابنا الخاص.
أثناء عودتي إلى بيتي بعد زيارة خاطفة لصديق لي في منطقة (خيطان) أثناء الإحتلال العراقي للكويت وإذا بجندي عراقي يتخذ من شارع فرعي في منطقة خيطان مقرّاً له كي يبتعد عن أعين الشرطة العسكرية العراقية وعندما أصبحت على مقربة منه وإذا به يشير لي بيده للتوقف فوقفت وبادرته بالقول:خيراً إن شاء الله قال:عيني أنا من (دهوك) كنت قد أخذت إجازة وأريد السفر إلى أهلي هناك ولا أملك أجرة الطريق!فهل لك أن تساعدني في الوصول إلى بلدي؟.
الحرب قد بدأت ولا نعرف نهاية لها
فوجئت بطلب هذا الجندي الذي لا يمكن لي أن أتوقعه وأجبته على الفور:إن الحرب يا سيدي قد بدأت ولا نعرف نهاية لها وأنا لا أملك نقوداً تزيد عن حاجتي كي أعطيك لكنني أستطيع توصيلك إلى أي مكان في مدينة الكويت ترغب في الوصول إليه فوجىء هذا الجندي بكلامي هذا وكأنه لم يكن يتوقعه (والسبب في ذلك أنهم كانوا قد أفهموه قبل دخوله للكويت بأن كل من يعيش على أرض الكويت جيوبه متخمة بالفلوس) وعلى الفور تغيّرت ملامح وجهه وبشيء من الغضب قال:شكراً عيني وأدار بوجهه عني وخفض من صوته (وكأنه لا يريد أن يسمعه أحد) وقال:لقد سئمت الكويت بمن فيها.
صواريخ صدام التي كان قد أطلقها على الكيان الصهيوني
بعد هذا الموقف الذي رأيته بأم عيني وسمعته بأذني صحوت من حلمي الجميل الذي كانت قد صنعته لي (ولأمثالي) الصواريخ التي كان قد أطلقها الرئيس العراقي صدام حسين على الكيان الصهيوني أثناء حرب الخليج وإذا بهذا الحلم الجميل الذي كان قد أوصلني إلى أرض فلسطين بين ليلة وضحاها يختفي مرة واحدة كالسراب أمام ما حدث معي ومع هذا الجندي العراقي الذي تُرك على أرض الكويت (عارياً) بلا ماء ولا طعام ولا مواصلات ولا فلوس.
صواريخ عبدالناصر التي أوصلتنا إلى دول الخليج
وبعد أن تركت هذا الجندي العراقي سألت نفسي في الحال:كيف لهذا الجندي وأمثاله من الجنود العراقيين أن يُحرروا لنا بلادنا فلسطين وهم في هذا الحال؟وبعد أن أجبت نفسي بنفسي تذكرت في الحال صواريخ الرئيس المصري جمال عبد الناصر (القاهر والظافر)التي كانت السبب في إقتلاعنا من أرضنا وهجرتنا إلى بلاد الخليج.
أحد صواريخ القسام
وبعد أن أثبتنا وجودنا في دول الخليج العربي بالجهد والعرق وأصبحنا قوة سياسية وإقتصادية يحسب حسابها في المنطقة لا يستطيع كائن من كان أن يخرجنا من هذه الدول جاءت صواريخ الرئيس العراقي صدام حسين لتُخرجنا من دول الخليج مجتمعة بكل سهولة ويسر وترسلنا إلى المجهول وأصبحنا بعد ذلك ننتظر (الجنة) التي وعدتنا بها صواريخ القسّام.
كنت في أحد أيام إحتلال الجيش العراقي لدولة الكويت أبحث عن أي دكان في منطقة الشويخ يقبل أن يبيعني (سجائر) بعد أن أخفاها تجارها ليرفعوا من سعرها وذلك بعد أن إنتشر الجيش العراقي في دولة الكويت فوجدت نفسي أقف أمام (بك أب) مكشوفاً وعلى ظهره أشياء غريبة لكنها مُتماثلة فلم أتمكن من التحقق منها عن بعد فقررت أن أقترب من هذا البيك أب أكثر لأتعرّف على ما يحمله على ظهره وذلك من باب حُبّ الإستطلاع ليس إلا.
قد يكون نوعاً من أنواع الخبز وأعدتها إلى مكانها
وعندما وصلته تناولت واحدة مما يحمله على ظهره بيدي اليمنى وقمت بالضغط عليها كي أتفحصها فلم أستطع فاستعنت باليد اليسرى فوجدت ما بيدي أصلب من حجر الصوان لكنه مع ذلك خفيف الوزن فقلت في نفسي:قد يكون نوعاً من أنواع الخبز وأعدتها إلى مكانها وإذا بجندي عراقي أظنه السائق يصيح عليّ من بعيد وبأعلى صوته عندما رآني قد لمست أشيائه الموجودة في شاحنته الصغيرة حيث قال:ماذا تريد يا رجل؟وعن ماذا تبحث؟.
أكلة السردين
إلتقطتُ واحدة من على ظهر الشاحنة ورفعتها له بيدي وسألته باستهجان عن الذي أحمله بيدي فردّ عليّ قائلاً:هذا (صمّون) عراقي عيني يا للعجب هل يوجد عراقياً لا يعرف الصمّون العراقي؟أكيد أنك لست عراقياً لأن الشعب العراقي كله يعرف الصمون الذي منه إستمد ويستمد قوته على الدوام فهذا الصمون هو الذي جعلنا ننتصر على الفرس والمجوس في الماضي الذي هو ليس بالبعيد وعلى المستعربين من عرب الخليج هذه الأيام وهو الذي سيجلب لنا النصر على أعدائنا الجدد (أكلة السردين).
هذا هو تموين الحيش العراقي عندما احتل الكويت
هذا هو تموين أفراد الجيش العراقي عندما إحتلّ دولة الكويت فقط صمّون يُشبه الخبز وما هو بخبز ومن من أفراد هذا الجيش يُريد غير ذلك عليه أن يتدبره بنفسه كل كما يحلوا له نسيت أن أنبّه القارئ إلى أن الأخ السائق هذا كان يحمل معه تموين مجموعة كبيرة من أفراد الجيش العراقي الذين يرابطون على أرض الكويت في انتظار قوات التحالف يلفّ ويدور في الأسواق عله يجد ما يبحث عنه مثلي.
وجبة الجندي من قوات التحالف
وبعد أن حررّت قوات التحالف دولة الكويت من قبضة الرئيس العراقي صدام حسين إستطعت أن أحصل على وجبة الجندي من قوات التحالف التي كانت تسقط عليه من السماء وهي مكيسة بكيس من البلاستك الشفاف رُقمت عليه مُحتويات هذه الوجبة وقمت مرة وعددت هذه المحتويات فوجدتها تصل إلى سبع عشرة قطعة فقط لا غير تبدأ بكوب الماء البارد وتنتهي بمادة بيضاء قابلة للإشتعال لتسخين كوب الشوربة الموجود فيها.
مذيع صوت العرب من القاهرة أحمد سعيد
وعلى الفور عادت ذاكرتي إلى ربع قرن كان قد مضى إلى الوراء دون أن تستأذنني فتذكرت (أحمد سعيد) مذيع صوت العرب من القاهرة قبيل حرب 1967 وهو يطلب من السمك والسردين في البحار والمحيطات أن يجوع كي يُطعمه وجبة دسمة من لحوم أعدائنا الصهاينة ثم عادت بي الذاكرة إلى هذه الأيام بعد أن تمكن مذيعونا الأفاضل أن يقنعوا أفراد جيوشهم العربية بأن الجوع أفضل لهم ألف مرة من أن يأكلوا سمك السردين المعلب.
اشتعلت الحرب على أطراف مدينة الخفجي في المملكة العربية السعودية بين الجيش العراقي وقوات التحالف الدولي ضد العراق وأصبح الناس وأنا منهم ينتظرون ويراقبون الموقف على أحرّ من الجمر!وفي أحد تلك الأيام التي كنا ننتظر فيها ساعة حسم هذه المعركة كنت واقفاً على شرفة بيتي لقتل الوقت ليس إلا وإذا بـجيب عسكري عراقي قادم من بعيد باتجاهي وعندما راقبته أكثر وجدته يقترب مني رويداً رويداً فقلت في نفسي:هذه منطقة سكنية لا تحتاج لمثل هذا الجيب العسكري العظيم فلماذا هو قادم في هذا الصباح الباكر؟ربنا يُستر.
نزل من الجيب ضابط كبير وقام بفك إطارها الأمامي
وبدأت أراقبه لأرى إلى أين يُريد أن يصل؟وإذا به يقف فجأة!مما جعلني أتسائل مع نفسي:أيعقل أنه رأى جندياً أمريكياً وأراد القبض عليه؟لكنني لم أر ولم أسمع عن أيّ إنزال أمريكي في حيّنا وعندما أمعنت النظر أكثر وإذا به يقف أمام صيد سمين بالنسبة له إنها سيارة BMW وما هي إلا لحظات حتى نزل من هذا الجيب ضابط كبير يُعلق على كتفه وصدره نجوماً ونياشين لو صُهرت وأعيد تشكيلها لبيعت في سوق النحاسين وقام بفك إطارها الأمامي الأيمن وحمله بين يديه ووضعه في الجيب وتابع طريقه وكأنّ شيئاً لم يكن.
دوّار شارع عمّان في السالمية
سئمت من وقفتي على البلكون تلك وأحببت أن أغيّر المنظر ولم يكن أمامي من حل إلا أن أذهب إلى دوّار شارع عمّان في السالمية مشياً على الأقدام لأنه المكان القريب الوحيد الذي أصبح الناس يتجمعون فيه طوال النهار من أجل البيع والشراء بعد أن تحول هذا الدّوار إلى سوق كبير يعرض كلّ شخص فيه بضاعته وقد تصادف أن وصلنا الدوّار معاً أنا وحضرة الضابط الكبير بعد أن ركن سيارته العسكرية وبداخلها الإطار المسروق على جانب الشارع.
أحببت أن أمرّ عليكم لطمأنتكم عن الأوضاع
فوجئ الناس بقدوم مثل هذا الضابط الكبير إلى هذا المكان الشعبي فتوسّموا به خيراً وتحلقوا حوله وبدؤوا يمطرونه بأسئلة عن أحوال الجبهة المُلتهبة في مدينة الخفجي لعله يحمل لهم أخباراً سارّة فقال لهم هذا الضابط:لقد ذبحنا الكفرة!وسيصدر بيان لاحق من القيادة العامة للقوات المسلحة بذلك وسترونهم بأعينكم جيفاً مُقطعة أوصالها على شاشات التلفزة العالمية فأنا قادمٌ للتوّ من مدينة الخفجي لكن بمهمّة عسكرية خاصة وبعد أن أنجزتها أحببت أن أمرّ عليكم لطمأنتكم عن الأوضاع هناك ثم أعود لأواصل طريقي للشهادة فأخذ الناس يُكبّرون ويُهللون ويهتفون وتحمّس أحدهم وصاح بأعلى صوته:بالرّوح بالدّم نفديك أبو عُدي وبعد أن أنهى طالب الشهادة هذا كلمته الموجزة أخذ ما يُريد من السوق مجّاناً وذهب ليبحث له عن سوق آخر.
المطربة ليلى نظمي
أما أنا فتذكرت على الفور أغنية للمطربة ليلى نظمي كانت تذاع في نهاية القرن الماضي عندما كانت تظهر نتائج الثانوية العامة في معظم الدول العربية وفيها تصيح المُطربة بأعلى صوتها:جايين منين؟فيردّ عليها الكورَس بصوت أعلى:من الثانوية وتُتابع المطربة أغنيتها وتقول:رايحين فين؟ويجيبها الكورَس ثانية:على الكلية فتمنيت على حكوماتنا العربية اختصار هذه الأغنية لتصبح:جايين منين؟من الجبهة ورايحين فين؟على الجنة وتعميمها على قواتنا المسلحة ليحفظوها عن ظهر قلب في الحروب الداخلية القادمة.
تخيل نفسك عزيزي القارئ أنك تقود مركبتك في أي شارع من شوارع أي بلد في هذا العالم الواسع واقتربت من نقطة تفتيش فماذا تتوقع أن يطلب منك الشرطيّ المُتواجد على رأس عمله؟وإذا حصل بينك وبين هذا الشرطي حوار فهل تستطيع أن تتخيل موضوع هذا الحوار؟ لن أنتظر منك جواباً على هذين السؤالين لأنني كسائر عباد الله أعلم جوابهما سلفاً سيطلب منك ذلك الشرطي أوراقك الثبوتية وأوراق سيارتك ليقوم بتدقيقها ويُعيدها إليك مشكوراً.
قسمت نقطة التفتيش الشارع إلى قسمين
إلا في الكويت بعد إحتلالها آنذاك فقد تحوّل إسم (نقطة التفتيش) لتصبح (سيطرة) وهذه السيطرة تقسم الشارع إلى قسمين: قسم للعامّة أمثالي وقسم آخر V.I.P وتحوّل الشرطيّ إلى جندي بلباس الحرب وعندما تمر على إحدى نقاط هذه السيطرات فلن يسألك هذا الجندي عن أي شيء يخصّ الأمن ولا حتى عن الوطن نفسه لأن لباسه الحربي يفرض عليه أن يكون فوق هذه الأسئلة البسيطة فهو مُجهـز للحرب وساقته ظروفه بالغلط ليكون في هذا المكان وينوب عن الشرطي الذي غاب عن مكانه.
أبشري يا فلسطين
وفي أحد الأيام كنت قد إقتربت من أحد هذه السيطرات وعندما رأيت ما رأيت من جنود وضباط في لباسهم الحربي المُخيف تسارعت دقات قلبي وتسائلت في نفسي: إذا كان العراق قد وضع كل هذا العدد الهائل من الجنود والضباط على نقاط السيطرة في المدن فما هو عدد الجنود المحاربين يا ترى؟ أبشري يا فلسطين وانتظري فما هي إلا أيام ويدخلوك منتصرين وبدأت أنتظر حربهم القادمة مع اسرائيل وأقول في نفسي:قواكم الله ونصركم على أعدائكم كي تنصرونا على أعدائنا بعد ذلك.
ما هو مقاس إطار سيارتك عيني؟
وعندما وصلت إلى نقطة السيطرة أبرزت له أوراقي وأوراق سيارتي معاً ظناً مني أنه سيطلبها جميعاً، لكنه لم يلتفت إليها ولم يعرها أي اهتمام بل بادرني بسؤال لم أكن أتوقعه ولم أكن أعلم جوابه في ذلك الوقت عندما قال لي: ما هو مقاس إطار سيارتك عيني؟قلت له: لا أعلم ودققّ النظر في عجلات سيارتي وقال: مقاسها 15 عيني أتريد أن تشتري لها إطاراً بسعر أرخص من السوق؟ قلت له: لا أريد شكراً قال: إذن إحفظ مقاس إطار سيارتك لأنك ستُسأل عنه في السيطرة القادمة قلت له: شكراً لكم فقد علمتمونا الكثير الكثير وليس مقاس الإطارات فقط. وقبل أن أحرّك سيارتي نظر بداخلها فوجد بداخلها مسابح كثيرة مُعلقة في مرآة السائق فطلب مني واحدة فأعطيته.
شكراً عيني الله وعليّ ويّاك
أما أنا فقد كنت قد دخلت السيطرة وأنا أدعو لهم بالنصر وغادرتها وأنا مشبع بالهزيمة والإحباط مُعترف بجهلي السياسي وبدأت أحلامي تتقلص إلى أن مررت على سيطرة ثانية فلم أحضّر أوراقي هذه المرّة ولم يسألني جندي السيطرة حتى عن مقاس الإطار كما في السيطرة السابقة بل عرض عليّ على الفور إطاراً مقاس 17 لسيارتي فقلت له: أنا آسف فمقاس إطار سيارتي 15 وخذ مسبحتك التي كنت قد نسيتها في سيارتي فأنا حفظت الدرس جيداً فقال: شكراً عيني الله وعليّ ويّاك.
بيضة
وبعد أن غادرت السيطرة الثانية قررت إلغاء مشواري في الحال والتنازل عن ما كنت ذاهب من أجله واتجهت إلى البيت سالكاً أحد الشوارع الخلفية كي لا أمر على سيطرة ثالثة ولسان حالي يقول: كيف حصل هذا الجندي على هذا الكم الهائل من الإطارات وبمختلف المقاسات؟ ومتى حصل عليها؟ وأين يُخزنها؟ أرأيتم كيف خُلطت أوراق الوحدة العربية بالجريمة؟ أرأيتم كيف رُبط النصر بالقهر؟ وكيف سُرقت أحلام أمة؟ أعلمُ أنّ منْ يسرقُ بيضة ليأكلها تُقطع يده، لكنني لا أعلم عقاب من يسرق حُلم الأمة؟.
عندما تقرع أجراس الحرب تبدأ القوانين التي كانت سائدة بالزوال تدريجياً وتحل الأنانية بدلاً منها بين الناس وتتغير النفوس ويصبح الشعار السائد بينهم:اللهم أسألك نفسي والمدخنون عادة هم الفئة الأكثر تأثراً بين فئات المجتمع بالحروب وما أن يستشعروا بقدومها حتى يسيحون في الأرض بحثاً عن مزيد من السجائر لتخزينها للأيام القادمة والتي لا يعرف أحد نهاية لها ويستغلّ الباعة غياب الرقابة الحكومية والحالة النفسية للمدخنين ويُغيّبون الرقابة الإلهية على أنفسهم ويقومون بإخفاء السجائر ليرفعوا سعرها لأنهم يعتقدون أنهم مهما رفعوا من سعرها فهناك من سيدفع ويشتريها.
وصلت شحنة من السجائر الهندية
هكذا أصبحت حياتنا في الكويت بعد 2 أغسطس 1990 الناس تشتري لتخزن والباعة يُخفون البضاعة لكي يرفعوا سعرها بدون رقيب أو حسيب والباعة يرفضون بيع كل ما عندهم على أمل أن يحصلوا على سعر أعلى في المستقبل استمرت هذه الحالة على ما هي عليه إلى أن جاء وقت اختفت فيه السجائر تماماً من الكويت بقينا على هذا الحال إلى أن وصلت شحنة من السجائر الهندية وهي ليست كالسجائر في شيء إلا في اسمها إلا أنها بيعت بأسعار خيالية بعد نفاذها وصلت شحنة من السجائر القبرصية المنتهية مدة صلاحيتها فهي كالعيدان في صلابتها جافة كأنها خرجت من الفرن الآن رائحة الرطوبة تخرج منها وكأنها كانت في منجم واستغل الباعة الظروف وباعوها حتى وصل سعر العلبة منها عشرون ديناراً.
أعطيت الممرض كل ما عندي من سجائر
أما نحن الذين بقينا في الكويت ولم نخرج منها فكنا بدون عمل نجتمع ليلاً في إحدى الشقق ليروي كل واحد منا قصة صراعه اليومي مع الحياة فقد صغرت أحلامنا وأصبحنا مشغولين في تدبير لقمة العيش ليس إلا في أحد هذه الأيام روى لنا مُمرّض يعمل في مستشفى الأمراض العقلية أن مريضاً أعمى يضع إصبعه في فم مريض آخر مثله ويوهمه بأن إصبعه سيجارة ويُصدق الأعمى ذلك ويدخن إصبع صاحبه على أساس أنه سيجارة تأثرت في هذا الموقف وسألت المُمرض عن عدد المدخنين عنده فأجاب الممرض:حوالي الأربعين فأعطيته كل ما عندي من سجائر عن طيب خاطر كي يعطي كل مريض سيجارة!.
نصب الجيش العراقي نقاط تفتيش في كل مكان
وفي هذه الظروف الصعبة نصب الجيش العراقي نقاط تفتيش في كافة الطرق لدواعٍ أمنية كما كانوا يزعمون وعندما كنت أقف أمام جندي نقطة التفتيش ويرى أنني أحمل سجائر يطلب مني واحدة بدلاً من أن يطلب هويتي الشخصية فأعطيه مُكرهاً – لا كما أعطيت المرضى في مستشفى الأمراض العقلية – وأذهب للنقطة التي بعدها فيطلب هو الآخر سيجارة فأعطيه وهكذا إلى أن أصل البيت فأكون قد أنهيت كل سجائري.
أصفط على اليمين وإفتح الدبة
أما إذا حاولت إخفاء سجائري عنهم فلن أستطيع إخفاء أسناني التي تكشف أنني مدخن وعندما أقترب من نقطة التفتيش يطلب مني الجندي الواقف سيجارة فإذا قلت له:لا أدخن فينظر إلى أسناني فيعلم أني غير صادق معه عندها يقول لي:اصفط على اليمين وافتح الدّبة والجيبة أي قف على اليمين وافتح صندوق السيارة والمحفظة الأمامية ولا يُفتش سيارتي كما هي وظيفته بل يفتش عن سجائري!فإذا وجدها يطلب مني واحدة فأعطيه مُجبراً أما إذا لم يجد ما يبحث عنه فستبقى واقفاً على يمين الطريق إلى أن يُجبرك على التدخين فتدخن وعندها سيطلب منك سيجارة ويقول لك:مع السلامة عيني في أمان الله وفي حال عاندت ولم تدخن في فترة الوقوف الإجباري هذه فأنت بذلك قد وضعت نفسك مع أعداء الأمة العربية وعليك أن تتحمّل النتائج المُترتبة على ذلك!.