بينما كنت أستمع إلى احدى محطاتنا الإذاعية الخاصة وهي تحل مشاكل الناس التي عجزت الحكومات عن حلها على الهواء مباشرة، وإذا بسيدة فاضلة تتصل بالمذيع وتشكو له حالها فتقول: أنا اسمي أم العبد، إني أحبك في الله يا أخي فلان الفلاني، لكن عند ابنتي مُشكلة أتمنى عليك حلها، فردّ عليها المذيع قائلاً: أقسم لك بالله يا أختي أم العبد أنني أحبُك في الله أنت وإبنتك أيضاً، وسأبذل قصارى جهدي لحل مشكلتك إن شاء الله تعالى، والآن تفضلي أنت على الهواء مُباشرة وما عليك إلا أن تعرضي مشكلتك.
وقالت أم العبد على الهواء مباشرة
قالت: ابنتي متزوجة وتقيم مع زوجها في السعودية، وعندما حضرت إلى عمّان ذهبتُ معها إلى مبنى الجوازات العامة لتجديد جواز سفرها الذي كان مُلصقاً عليه صورة شخصية لها وهي مُحجّبة، وعندما أعطيتُ المُوظف صورة مثلها رفضها بحجة أن الصورة الشخصية الجديدة لا تكشف شعرها، وطلب منها أن تحضر صورة غيرها تظهرها وهي غير مُحجبة وبعد أن أحضرت له الصورة التي أرادها جدّد لها جواز سفرها وهنا وقعنا في مُشكلة جديدة، ألا وهي أن السعودية تصرّ على أن تكون الصورة الملصقة على الجواز تظهرها مُحجبة فما العمل؟
دائرة الأحوال المدنية والجوازات
رد عليها المذيع قائلا: أختي في الله أم العبد، أرجوك أن تحضري مع ابنتك إلى جبل عمان كي تتعرفي على ذلك الموظف الذي خرج عن عاداتنا وتقاليدنا وديننا، وبعد أن تتعرفي عليه سنعرضه على مديره ليتخذ في حقه أقسى العقوبات، وسيكون إن شاء الله عبرة لمن لا يعتبر، وتابع كلامه قائلاً: الله أكبر، وصلنا لهذه الدرجة من الفسق والفجور وأصبح موظفونا يطلبون من نسائنا تعرية رؤوسهم والكشف عن شعورهن.
في مراكز الحدود يصرون على مطابقة الصورة للواقع
وذهب المُذيع إلى مُدير دائرة الأحوال المدنية قبل أن تصل أم العبد وابنتها، وطرح عليه المُشكلة فقال له المدير: فتاة كانت مُحجبة في السعودية وعندما راجعت الموظف في عمان كانت مكشوفة الرأس، وتريد منه أن يضع لها صورة مُحجبة على جواز سفرها، وهذا يُخالف الواقع ويُسبب لها مشاكل هي في غنى عنها في المطارات ومراكز الحدود، فهم يُصرّون في هذه الأماكن على مُطابقة الصورة للواقع الموجود أمام الموظف.
يجلدون الناس على السمع
سكت المذيع ولم ينطق بكلمة واحدة، لكنني لا أعلم إذا كانت أم العبد قد حضرت إلى جبل عمان أم لا، وإذا كانت قد حضرت ماذا قال لها المذيع؟ سأكون شجاعاً هذه المرة وأعترف أنني كنت قد انفعلتُ مع ما قالته أم العبد وأدنْتُ الموظف قبل أن أسمع أقواله، وأنا الذي أعتبر نفسي عقلانياً فما بالك لو سمع هذه القصة أحد المُتطرفين في الدين ممن يُدخلون الناس الجنة ويطردونهم منها على السمع؟
بعد أحداث حرب الخليج الثانية عام 1991 مباشرة، استغل بعض الصحفيين الأفاضل تسلسل الأحداث اليومية الخطيرة المتتالية وأخذوا في التلاعب بالكلمات لتسويق صحفهم وزيادة مبيعاتها. في أحد تلك الأيام بينما كنت أسير في شارع سقف السيل في مدينة عمّان، قرأت عُنواناً لصحيفة من الصحف الصفراء التي كانت تعرض على رصيف الشارع يقول بالخط العريض: “انقلاب في دولة الكويت” وتحته بالخط العادي راجع صفحة 7. وكانت الأحداث وقتها ساخنة والوضع لا يحتمل مثل هذا الحدث الكبير، وعلى الفور اشتريت الجريدة مُتلهفاً وفتحت على الصفحة رقم 7 المطلوبة وإذا بالعنوان قد تغير ليصبح انقلاب شاحنة في دولة الكويت.
كان لي مدونة الكترونية في وحدة المعرفة (Knol) التي كانت تتبع إلى (Google)، وكنت أنشر فيها مقالاتي وكتاباتي، وبعد أن أنشر مقالي بدقيقة واحدة (أو أقل) كنت أجد هناك من القراء من استطاع قراءة المقال واستيعابه وفهمه خلال هذه الدقيقة الواحدة وقام بالتعليق عليه بمثل هذه العبارات الممجوجة (موضوعك هايل أرجو من سيادتك أن تتفضل بزيارة موقعي الفلاني على الرابط العلاني). هذا تسول ثقافي لا يليق بمن يدّعي الثقافة.
التلاعب بالكلمات فن تعلمناه صغاراً منذ نعومة أظفارنا، تعلمناه في مدارسنا الابتدائية والثانوية، ولم يُعلمنا إياه الاستعمار كما نحب دائماً أن ندّعي، فقد علمونا في مدارسنا أن الخليفة المأمون كان يُعطي مؤلف الكتاب وزنه ذهباً، فكانوا بذلك يقولون لنا نصف الحقيقة وليس كلها، فلم يقولوا لنا أن هذا الكتاب يجب أن يكون في مدح الخليفة أو السلطان أو الحاكم أو الوالي، وبقينا نعيش في هذا الوهم إلى أن كبرنا وعرفنا الحقيقة كاملة فكانت مؤلمة لنا ولعقولنا.
عبدالحميد الكاتب
إني لأسأل اليوم ماذا لو صدر كتاب لرجل معارض للحاكم في أي دولة عربية؟ هل سيُعطي هذا الحاكم صاحب هذا الكتاب وزنه ذهباً؟ أم سيقطع لسانه كما حدث مع عبدالحميد الكاتب عندما انقلب العباسيون على الأمويين فاستدعوه في الحال وقالوا له:حكمنا عليك بقطع لسانك فاحتج المؤلف الكبير على هذا الحكم الجائر وقال لهم: أنا لست أموياً كي تقطعوا لساني، فقالوا له: أنت لست أموياً، لكنك لم تمدحنا في كتاباتك، فأنت بهذا تكون أمويّ الولاء وعليك ما على الأمويين من عقاب.
جورج بوش الأب
لقد استهجن الكثير من العرب من الذين لم يتعرفوا على تاريخ عروبتهم ما سمعوه من الرئيس الأمريكي بوش الأب وهو يُحضّر الجيوش الغازية ليخوض معركة عاصفة الصحراء لاسترجاع الكويت في حرب الخليج عندما قال: إن من هو ليس معي فهو ضدي، ونسي أو تناسى هؤلاء الناس أننا نحن العرب كنا قد اكتشفنا هذا المبدأ قبل بوش الأب بقرون عديدة لا بل نحن أول من استخدم هذا المبدأ في التاريخ بعد أن استخدمه العباسيون مع عبدالحميد الكاتب.
لو أنك سمعت أو استمعت أخي القارئ أو شاهدت أحداً من كلاب السلاطين (وما أكثرهم في هذه الأيام) وهو يطلب من سلطانه شيئاً (له أو لزبانيته)، لسمعت وشاهدت العجب العجاب فتجده بعد أن يُبسمل ويُحوقل يقول لسلطانه (قبل أو بعد أن يطلب منه شيئاً): أدام الله ظلك يا مولاي، أي أنه يطلب من الله أن يحجب عن سلطانه الموت، وهو وسلطانه يعلمان أن الموت حق على الجميع فلا يُمكن أن يحجب عن أحد لكنها تبقى لغة من لغات الكلاب الوفية لأصحابها الخائنة لشعبها ووطنها.
لا زلنا نحن العرب على مستوى الأفراد والجماعات، لا بل على مستوى الحكومات والشعوب نؤمن بالحلول “السحرية” للمشكلات، وهذا الاعتقاد والفكر الجديد رسخه في عقولنا حفنة من المتلاعبين بالكلمات، كانوا قد ظهروا في حياتنا اليومية في الماضي كما هو في الحاضر عندما اخترعوا لنا طريقة جديدة من طرق حل المشكلات وهذه الطريقة تقول: يكفي لحل أي مشكلة من مشاكلنا العربية (المستعصية) إعطاؤها اسم جديد. وقد استخدم العرب هذه الطريقة في حياتهم اليومية في السابق والحاضر وكانوا قد حلّوا بها الكثير من مشاكلهم، والأمثلة كثيرة على ذلك أسوق لكم منها القليل.
ميدان ومسجد رابعة العدوية في القاهرة
لنبدأ في الحاضر قبل أن نعود إلى الماضي ونغوص فيه، فها هو الكاتب السيد (أحمد رجب) يرى في مقاله المشهور (نص كلمة) الذي يكتبه في صحيفة (أخبار اليوم) المصرية أن كل مشاكل جمهورية مصر العربية ستحل إذا قاموا بتغيير إسم (ميدان ومسجد رابعة العدوية) إلى اسم آخر من أسْماء الصحابة أَو آل البيت فهو يريد بذلك أن يقنعنا بأن “تغيير” الاسم وحده كفيل بحل هذه المشكلة.
سن اليأس
وهناك من الكتّاب من تلاعب بالكلمات أيضاً، وقام بتغيير أسماء “المحرمات” شرعاً وديناً بأسماء جديدة كي يتقبلها الناس، فاستبدلوا اسم “الخمر” بِـ “المشروبات الروحية”، واستبدلوا اسم “الربا” بِـ “الفائدة”، ولم يقتصر هؤلاء الكتاب على هذين المثالين فقط، بل وصل بهم الأمر إلى أكثر من ذلك وظلوا يحرّفون في القول إلى أن وصلوا إلى “المتشبهين بالنساء” فاستبدلوا هذا الاسم بـ “الجنس الثالث” ومنهم من استطاع أن يحل مشكلة “الأعمى” عندما قاموا بتغيير اسمه إلى “البصير” واقتنعوا وأقنعوا أنفسهم بأنهم بذلك يكونون قد حلّوا مشكلة الضرير إلى الأبد. ولم يكتفوا بذلك بل عرجوا في طريقهم إلى المرأة فقاموا بتغيير “سن اليأس” عندها إلى “سن الأمل”.
ولم ينسوا مشكلة التعليم في بلادنا العربية، فقاموا بتغيير اسم “المفتش” إلى “المُوجِه”، ثم انطلقوا إلى مشاكلنا الاجتماعية، فغيّروا اسم “الحماة” إلى “خالتو” ليقنعونا بأن العلاقة بين الحماة والكنة أصبحت بذلك سمناً على عسل. لم يكتفوا بذلك بل قاموا بحل كثير من مشكلات الدنيا بتغيير أسمائها إلى أن وصلوا بنا إلى الآخرة، فقاموا بتغيير اسم الموت وسموه “عُرْساً” وأقنعوا أنفسهم بأنهم كانوا قد حلّوا مشكلة الموت بهذا التغيير.
من يرضى عنه المتلاعبون بالكلمات يجعلون منه شهيداً
ثم ذهبوا بنا إلى أكثر من ذلك، فمن يرضون عنه في الدنيا من الأموات يجعلون منه “شهيداً” أَو “مرحوماً” ويدعون الله أن يُطيّب ثراه، ويطلبون من الناس أن يذكروا محاسنه فقط. وبهذا يمنعون الناس من ذكر سيئاته، وعندما لا توجد له محاسن تذكر يضيفون له من عندهم، وهم بذلك يتناسون أنهم يضعون أنفسهم مكان خالقهم فالله وحده هو الذي يعلم من هو الشهيد، ومن هو المرحوم، وهم بذلك يدّعون على الله ورسوله وعلى الناس أجمعين دون أن يجدوا من يردعهم عن مثل هذا النفاق الإجتماعي الذي بدأ ينتشر في مجتمعنا انتشار النار في الهشيم، لأنهم يعرفون من أين تؤكل الكتف، ويعرفون كذلك من يمدحون ومن يرحمون.