انهزمتُ أمام هذا الكلب فصنعتُ منه بطلاً


كيف-تختار-كلب-حراسة-لمنزلك.jpgبينما كنتُ أمارس رياضة المشي اليومي في طريق يخلو من المارة وإذا بكلب لا يبعد عني سوى عدة أمتار فقط يفاجئني، وعندما نظرتُ إليه وجدته مُتحفزاً كأسد عيونه تقدح شرراً فتخيلته وهو يقفز فوقي ويأخذ جزءاً من لحمي، وعلى الفور تذكرت ما قاله لي الناس يوماً (إذا لم تكن ذئباً فستنبح عليك الكلاب) فوجدتها فرصة سانحة لي كي أختبر صحة ما قالوه لي في الصغر، فهو واحد من عديد ما أحفظ من الأمثال الشعبية المتوارثة من جيل إلى جيل دون تمحيص أو تدقيق.

man-and-boy-stone-throwing-in-pond-GoodSalt-dmtas0334
وما أن اقتربتُ من هذا الكلب حتى رميته بحجر

وما أن اقتربتُ من هذا الكلب أكثر حتى قررت في نفسي أن أفاجئه قبل أن يفاجئني، ورميته بحجر ونَهَرتُ عليه كما كنت قد تعلمت في صغري كيف تُنهر الكلاب قائلاً له: امشي … امشي… دون أن أعلم ما تعنيه هذه الكلمات ودون أن أعلم أن الكلب يفهم ما يقال له بلغة البشر، لكنه عندما نهرت عليه جُنّ جنونه وهجم عليّ كصخرة حطها السيل من علٍ، فما كان مني إلا أن هربتُ منه لكن بصعوبة بالغة وما أن تمالكت نفسي عدتُ بسرعة إلى آدميتي وأدنتُ نفسي بنفسي لأنني كنت أنا البادئ في العدوان.

a0dd5cc0a46ff28
أنا الذي بالأمس صنعتُ من هذا الكلب بطلاً 

في اليوم التالي نسيت الحادثة تماماً ولم أتذكرها إلا بعد أن فوجئت بهذا الكلب يقف في مكانه السابق لكنه في هذه المرة يقف وقفة المُنتصر، فأنا الذي بالأمس صنعتُ منه بطلاً عندما انهزمتُ أمامه وما أن اقتربت منه أكثر حتى تعرّف عليّ بسهولة، واكتشف لوحده أنني مهزوم الأمس، عندها نظر إليّ نظرة تشفٍ وكأني به يقول: إننا حتى يوم أمس لم نكن أعداء لكنك نفذت ما لقّنك به الناس ورميت عليّ حجراً فجعلتني عدواً، ولم تكتف بذلك بل انهزمت أمامي فجعلتني بطلاً، وقد أعجبتني حياة الأبطال بعد أن جربتها معك فلن أعود إلى حياة الكلاب ثانية.

24ipj1
عرض الكلب عليّ الصلح والتفاوض 

وبعد أن تأكد هذا الكلب من فهمي لهذه النظرة المتشفية التي رمقني بها، عرض عليّ الصلح والتفاوض معه فهيأت نفسي للتفاوض بنية الصلح معه وحل المشكلة التي استجدت بيني وبينه لكنه هاجمني وحاول النيل مني قبل أن يبدأ التفاوض، فهربت منه بصعوبة أكبر هذه المرة. وبعد هذه الحادثة قررت أن لا أحكم على أحد حتى لو كان كلباً حُكماً لقنني إياه الناس وتذكرت في الحال أيضاً عدد الأبطال الذين صنعناهم بأيدينا بهذه الطريقة دون أن ندري.

imagesCA5DIN9Y
إنّك تشبه الكثير من الرجال 

وعندما مررت من نفس المكان في اليوم الذي يليه وإذا بولدٍ صغيرٍ لا يتجاوز السادسة من عمره يرمي هذا الكلب أرضاً ويضع رجله فوق رقبته وينادي على رفاقه قائلاً: هلمّوا يا أولاد ها هو الكلب تحت قدمي، والكلب مستسلم مغلوب على أمره، فنظرت إليه وهو يرزح تحت قدم الطفل وقلت له متشفياً: كلب عليّ وهرٌ عند غيري؟ إنّك تشبه الكثير من الرجال الذين يظهرون أمام الناس كلاباً تعوي في أماكن عملهم لكنهم في بيوتهم خراف لا يُحركون ساكناً.

nakba-public-domain-no-flash_0
عندما هزمتك أول مرة لم تعترف بالهزيمة 

نظر الكلب إليّ وكأني به يقول: هذا الولد الذي تراه يمتلك الإرادة والتصميم والصبر ولم يتمكن الوهم من عقله بعد ولم يُشبع بالأمثال الشعبية الوهمية مثلك، لهذا فقد تمكن مني أما أنت عندما هزمتك أول مرة لم تعترف بالهزيمة، لأنك لا تريد إعادة النظر في تلك المفاهيم البالية التي أوصلتك لها فسميتها (نكبة) أتدري لماذا سميتها نكبة؟ لتقول بعدها للناس أن هذه النكبة من عند الله تعالى ولا دخل لي بها، وتدعم قولك بالآية الكريمة: “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى” وتكون بذلك قد غسلت يديك من عار الهزيمة.

2294097084
أبدلت حرف الباء إلى سين لتحولها من نكبة إلى نكسة 

وعندما هزمتك في المرة الثانية اكتفيت بإبدال حرف السين بالباء لتحوّلها من نكبة إلى (نكسة) لتعفي نفسك من المسؤولية وتحمّلها لغيرك، أما في المرة الثالثة فقد سلبت الولد الصغير انتصاره ونسبته إلى نفسك وقمت بتغيير حرف السين في نكسة إلى تاء وسميتها (نكتة) ترويها على مسامع الناس لتغطي بها هزيمتك بانتصار الولد الصغير تماماً كما يفعل العرب والمسلمون في هذه الأيام حين يُغطون هزائمهم بانتصارات أجدادهم. 

الدنيا حكايات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s