أنا والحمار وحرب حزيران


BenQ Corporation
خربة قيس

خربة قيس، هي القرية التي كنت قد ولدت فيها، وهي قرية في الماضي كانت معزولة عن العالم، ولم يهتم بها أحد، لكنها تمتاز عن غيرها من القرى الفلسطينية الأخرى، بأن الساكن فيها يرى القادم إليها من بعيد، قبل أن يراه، فيستعد له، إن كان قدومه خيراً أو شراً، وكان بيتنا في هذه القرية آخر البيوت من جهة الشرق، قدامه عليّة، على رأي المطربة فيروز، بل يزيد على بيت فيروز درجة، فهو يقع على حافة الطريق الرئيس، الذي يصل قريتنا بالقرى المجاورة لها، ولهذا فكنا نري من يسير بهذا الطريق دون أن يرانا.

untitled202
حمار للبيع

وفي أحد الأيام، مر رجل يريد بيع حماره في القرية، وبعد أن دلل عليه، لم يجد من يشتريه، فزهق الرجل، وقرر أن يبيعه، مهما كان الثمن، وبما أن بيتنا آخر البيوت في القرية، فقد رست علينا المناقصة دون أن نعلم، فصاح بأعلى صوته وقال: يا أهل الدار، معي حمار رخيص للبيع، فهل أنتم له مشترون؟ وعندما سمعت أمي ندائه، كلمت نفسها، ولكن بصوت مسموع: من أين نطعمه يا حسرة، لا عنّا تبن ولا عنّا شعير؟. سمعها ذلك الرجل، فقال لها، وهو في الطريق، دون أن يراها: إربطيه تحت أي شجرة من أشجار اللوز، التي تحيط بيتكم، وإذا جاع سيأكل من ورقها، يكفي أنه يغنيك عن إستعارة الحمير من الناس، كلما أردت نقل حمل ثقيل، لا تسطيعين حمله.

untitled46
كانت أمي تحمل كل شئ على رأسها 

دغدغت هذه الكلمات مشاعر أمي، ووجدت لها صدى في تفكيرها، فهي التي كانت تقول لنا في كل مناسبة: إن أصعب لحظة في حياتها، هي اللحظة التي تجد نفسها فيها، مرغمة على استعارة شيء من أحد، حتى ولو كان هذا الشيء حماراً، وكانت عندما تحتاج إلى نقل حمل ثقيل، تقسمه أحمالاً صغيرة، وتحمله على رأسها، على شكل دفعات، وتنقله إلى المكان الذي تريد، خوفاً من أن تستعير من أحد حماره، والأهم من ذلك كله، أن هذا الحمار، جاءها يمشي على أربع، ولم تبحث هي عنه. 

imagesCASF61C4
الفرصة لن تأت للشخص الواحد مرتين

وفي هذه الأثناء، سمعها أخي الأصغر مني مباشرة، فقال لها محتجاً: ليس هذا الوقت، مناسباً لشراء الحمير يا أمي، فنحن الآن في حالة حرب. ردت عليه أمي قائلة له ولنا: يا بنيّ، إذا كنت جالساً في بيتك، ورُميت عليك كرة، ولم تتلقفها، فستجد غيرك سيحتضنها، وبعد فترة من الزمن ستحتاجها، لكنك لن تجدها، فتندم على ما فعلت أشد الندم، فاعلم يا ولدي، أن الفرصة لن تأت للشخص الواحد في حياته مرتين، وقديماً قيل: إذا هبت رياحك فاغتنمها في الحال وإلا فإنك ستندم.

imagesCABD6WCQ
قبض الرجل الدينار عداً ونقداً

سكت أخي، ولم ينطق بكلمة واحدة، فاعتبرته أمي موافقاً، وبدأت على الفور في مساومة الرجل على سعر حماره، إلى أن إستقر السعر على دينار واحد، قبضه الرجل عداً ونقداً، وأعطانا الحمار، وهنا ظهرت مشكلة أخرى، ليست في الحسبان، فنحن لا نفلح الأرض كغيرنا، أي لا يتوفر عندنا تبن أو شعير، ليأكل هذا الحمار، لكننا وفرنا له كمية كبيرة من العشب الجاف مقابل ذلك، وغالباً ما كنا نربطه تحت أحد أشجار اللوز، كما قال صاحبه، وننساه بدون طعام أو شراب. 

62640_376229579213827_3222034012638673118_n
سهل بير المرج

وفي أحد الأيام، مرّ شباب القرية كل يركب دابته، متجهين إلى مكان يسمى (بير المرج)، وهو عين ماء، وحولها سهل أخضر، يبعد عن قريتنا حوالي الكيلومترين من جهة الشرق، وعندما رأى حمارنا هذا الموكب، أخذ ينهق ويشهق مستغيثاً بي. هكذا كنت قد تخيلت الموقف، فاستجبت له بسرعة، وركبته ولحقت بالرفاق، وعندما وصلنا المرج، تركنا الدواب ترعى ما تشاء، وانشغلنا باللعب، وسماع قصص الحرب، وقبيل المساء، أحضر كل واحد منا دابته إلى عين الماء، كي تشرب، فكان هذا اليوم مشهوداً عند حماري، فهو أول يوم يأكل فيه العشب الأخضر، ويشرب فيه الماء الصافي، فزاد نشاطه، وتسارعت خطاه.

imagesCA96QLIT
وركبت الحمار جنابي

بعد ذلك، ركب كل منا دابته، لنعود إلى القرية، وركبت حماري، بعد أن وضعت أرجلي في جهة واحدة، كي أسمع وأرى، ما يقوله أصدقائي من خلفي، ومن أمامي، والحمار في قمة نشاطه، وما هي إلا لحظات، حتى وجدت نفسي، قد اصطدمت في صخرة عالية كبيرة بجانب الطريق، فانقلبتُ إلى الخلف، وسقطتُ على ظهري، عندها استعنت بيدي اليسرى، كي تساعدني على الهبوط، لكنها لم تتحمل وزن جسمي، فانكسرت من عند الكوع، وهو أصعب أنواع الكسور، وعلى الفور، نزل الرفاق عن دوابهم، والتقطوني عن الأرض، وأنا أصيح من الألم، فلم أقوى على ركوب الحمار ثانية، ولا حتى على قيادته، لأن يدي اليسرى، أصبحت مكسورة، ويدي اليمنى تحملها، فسحب الرفاق حماري معهم لمساعدتي، إلى أن وصلنا البيت.

scan102111
المرحومة والدتي

وعندما رأتني أمي أتألم وأبكي صامتاً، سألتني عن السبب؟ فقلت لها: لقد وقعت عن ظهر الحمار، فاقتربت مني أكثر، ودققت في يدي، وقالت: يدك مكسورة يا ولدي، وبدأت تبكي، وتولول، وتقول: يا ربي، ألا يكفينا ما نحن به من يهود، ومن مشاكل خلفها لنا الاحتلال؟ لو كان أبو لاوي ـ وكان هذا الشخص، أمهر من كان يجبر الكسور في منطقتنا، وكان هذا المجبر قد خرج مع من خرج إلى عمان ـ  موجوداً، لكان الأمر أهون، لأننا كنا سنذهب إليه، مشياً على الأقدام، أما الآن، فإلى أين أذهب بك الآن يا ولدي؟ وكيف سنذهب، والاحتلال يسد الطرق، ويقيم نقط التفتيش بين القرى والمدن؟ ثم سكتت برهة من الوقت، وهي تفكر في حل لهذه المشكلة الطارئة. 

imagesCAJFQJU1
بنّاء ومجبر في نفس الوقت

فجأة تذكرت أمي شخصاً إسمه السعدي، عندما كان يعرض نفسه على أنه مجبراً، رغم أنه كان يعمل في بناء البيوت في سلفيت، لكنه الآن موجود في نابلس، وليس في سلفيت، وقالت: غداً صباحاً، نذهب إلى السعدي في نابلس. ومر الليل، وما أطول الليل على المكسور. وفي الصباح، تفشى الدم بغير موضعه في ذراعي، وارتسمت على يدي بقع حمراء، وسوداء وزرقاء، وكان مطلوباً مني، أن أخلع قميصي لأستبدله بآخر، يليق بالسفر إلى نابلس، وكانت هذه اللحظات من أصعب ما يمكن، لأن هذه العملية ستحرك يدي إلى أعلى وإلى أسفل، وأنا لا أستطيع تحريكها.

???????????????????????????????
مدينة سلفيت

وفي الصباح الباكر، اتجهنا إلى مدينة سلفيت، مشياً على الأقدام، وهي بلدة تبعد عن قريتنا حوالي الأربعة كيلومترات، نقطع فيها وادياً، ونصعد فيها جبلا، ثم ننزل إلى جبلا آخر، إلى أن نصل سلفيت، وما أن وصلنا، بدأنا نبحث عن سيارة، تنقلنا إلى نابلس، فلم نجد، لأن الحرب قد وضعت أوزارها للتو، ولا يأمن الشخص على نفسه في بيته، فكيف له أن يذهب إلى الخطر بسيارته؟ لكننا وجدنا من يشفق علينا، ويقول: أنا أعرف بيت السعدي، وهو في أطراف مدينة نابلس، وليس في وسطها، وأنا مستعد لتوصيلكم، وإرجاعكم مقابل عشرة دنانير، وقبلنا، وأركبنا الرحل في سيارته، إلى أن وصلنا إلى هذا المُجبرّ، بعد أن اجتزنا جميع نقط التفتيش اليهودية الثابتة والمتحركة.

untitled
المجبر يتكسب ويتعلم بأمثالي

أما المُجبرّ هذا، فلم تكن صنعته التجبير، لكنه مُعلّم بناء، ويتكسب من هذه المهنة، ويتعلم بأمثالي، وما أن رآنا من بعيد، حتى أحضر معه خشبة من خشب البناء، وكسر بيضتين في صحن كبير، وخلطهما جيداً، وأمسك بيدي، ليعيدها إلى ما كانت عليه، فصحت قبل أن يمسكها من شدة الألم، لكنه لم يكترث بصياحي، وقام بوضع الخشبة مع يدي وربطهما معاً، وقام بتعليق يدي المكسورة في رقبتي. وفي هذه الأثناء، كان قد تجمع أهل الحيّ على صراخي من الألم، وضحك عليّ الصبية، وأنا أستغيث بأبي مرة، وبأمي مرة أخرى، وبعد أن ثبتت يدي في مكانها، شعرت بنشوة ما بعدها نشوة، وزال الألم من ذراعي،  وقال لنا هذا المجبر: عليكم مراجعتي بعد أسبوعين، لنرى وضعها الجديد، فإذا لم تجبر، سنكسرها ثانية، ونعيد تجبيرها.

broken-bones كسر بسيط
العظمتان 

لكن القدر كان قد أشغلنا كأسرة، بأمر أغلى من يدي بكثير، فقد شاع خبر بين الناس مفاده، استشهاد والدي، بعد أن قطع نهر الأردن، وهو في طريق عودته من الكويت إلى أرض الوطن، وانشغلنا في هذا الموضوع الأهم، ومضت المدة المعيّنة التي وعدنا بها المُجبرّ، ولم نراجعه فيها، فالتحمت عظمة من يدي، ولم تلتحم العظمة الأخرى، وبقيت على هذا الحال إلى يومنا هذا، فكلما ألمس العظمة التي لم تلتئم، أتذكر (الحمار) و (الحرب) و (السذاجة) و (الرفق بالحيوان) وفوق ذلك (القدر).

مشاهد من ذاكرة الرحيل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s