طلبت من طلابي في أحد الأيام القيام بواجب مدرسيّ، فردّ عليّ أكسلهم بقوله: إن شاء الله فقلت له: لا تقل لي إن شاء الله، بل قل لي سأفعل. فأنا وأنت نعلم جيداً أن كل شيءٍ في هذا الكون حدث ويحدث بمشيئة الله تعالى، لكنني أريد منك التأكيد على الفعل الذي تريد القيام به، فاستغرب بقية الطلبة من جوابي لهذا الطالب واستهجنه البعض، فقلت لهم: زميلكم هذا يقول ولا يفعل، ويستخدم هذه العبارة ليظهر أمام الناس بأنه مطيع وما هو كذلك، فاعلموا أن الاستخدام الخاطئ للعبارة يفقدها معناها وقدسيتها، فلقد وصل الإسراف في هذه الجملة حده الأعلى حتى أنه عندما يُسأل شخص عن اسمه في أحد المقابلات يقول: اسمي فلان الفلاني إن شاء الله.
في سنة ١٩٦٩ كنت طالباً في جامعة حلب وأسكن في سكن المدينة الجامعية وكان المسؤول عن نظافة الغرفة التي كنت أقيم فيها شاب حلبي أو لنقل أنه من منطقة حلب اسمه صلاح الدين شوشان وكان هذا الشاب ممن ظلمتهم الحياة عندما كانت قد وضعته في موقعه ذاك بينما كنت أرى غيره الكثير من الناس ممن لا يستحقون مواقعهم التي وجدوا أنفسهم بها وهذه حال الدنيا منذ أن عمر الإنسان هذه الأرض واستقر على سطحها.
أفضل قصص الناس الذين ظلمتهم الحياة على غيرها
كنت ولا أزال مغرماً بهؤلاء الناس ممن ظلمتهم الحياة أصادقهم وأدخل في حياتهم الشخصية قبل أن أجامل المدراء لأن هؤلاء الناس حتماً سيكون وراء كل واحد منهم قصة لا يحب الناس سماعها لأن مثل هؤلاء لا يقدمون ولا يؤخرون بالنسبة لهم بينما يسمعون مُكرهين قصص وبطولات مدرائهم الممجوجة لهذا فقد صادقته كي أعرف ما بداخله وإذا به مفعم بالأحاسيس مثقل بالثقافة مكتنز بالأخلاق لو كانت أمور الحل والربط بيدي لجعلته هو مدير سكن المدينة الجامعية وعندما سألته: لماذا أنت في آخر درجات السلم وعندك ما عندك من هذه الإمكانات؟.
الواقع أجمل من الخيال لأني أجعل الواقع خيالاً
لم يجبني على سؤالي هذا بل مدّ يده إلى محفظته وأخرج منها هذه اللوحة وأهداني إياها لتكون جواباً على سؤالي الذي سألته له ومنذ أن تركت ذلك المكان إلى يومنا هذا وأنا أحتفظ بهذه الهدية أقلبها بين الحين والآخر وأتذكر ذلك الشاب الوسيم دون أن أعلم عنه شيئاً وبقيت لوحته هذه معي لتذكرني به فأخذتها منه وقرأتها في حينه وفسرتها ضمن الواقع الذي كنت أعيش فيه في تلك الأيام واحتفظت بها وبين الحين والآخر وفي مختلف مراحل عمري كلما رأيتها أجد لها تفسيراً مغايراً عن السنة التي قبلها إلى أن تعبت فارتأيت إطلاعكم عليها وكلي أمل في أن أجد من يساعدني على تفسيرها في هذه الأيام.
إذا استمعت إلى أحد البراجين أو البصارين أو العرّافين أو قارئي الفنجان والودع فإنه سيحدد لك خط سير حياتك المادية والصحية والعاطفية في يوم إذا أردت وفي أسبوع إذا رغبت وفي سنة إذا طلبت!
إذا استمعت إلى أحد البراجين أو البصّارين أو العرّافين أو قارئي الفنجان أو رماة الودع أو المطبلين لهم فإنه سيحدد لك خط سير حياتك المادية والصحية والعاطفية في يوم إذا أردت وفي أسبوع إذا رغبت وفي سنة إذا طلبت!وبهذا يضع نفسه مكان خالقه وهو ونحن نعلم أن مثل هؤلاء لكاذبون لأن الغيب لا يعلمه إلا الله!وعلى الرغم من ذلك نقصدهم في أماكنهم أو نقرأ لهم ما كتاباتهم في الصحف والمجلات أو نسمعهم على موجات الأثير أو نشاهدهم على شاشات التلفاز والنت وعندما ينتهون من أقوالهم يتبعونها بـكلمة والله أعلم ليحفظوا ماء وجههم أمام الناس فيما لو لم يتحقق ما توقعوه!وليضفوا على عملهم هذا صبغة دينية ليصبح عملهم هذا مشروعاً وقد كان!.
يُتبع قارئ نشرة الأحوال الجوية قوله بـالقول:والله أعلى وأعلم مع العلم أن الجميع يُقرّ ويعترف بأن الله أعلى وأعلم!
إذا قُدّر لأحدكم أن يستمع أو يشاهد أحد قُرّاء أو قارئات النشرات الجوية في المحطات الإذاعية أو محطات التلفزة العربية المختلفة كل يوم وهو يقرأ عليكم ما عنده من أرقام وحقائق علمية عن المناخ ليستنتج بعدها ما ستكون عليه الحالة الجوية في الأيام القادمة وقد لا يُتقن محلل هذه البيانات عمله بطريقة أو بأخرى فيخاف من الوقوع في الخطأ!عندها يُتبع قوله بـالقول:والله أعلى وأعلم!مع العلم أن الجميع يُقرّ ويعترف بأن الله أعلى وأعلم!ولكنه يقولها ليحمي نفسه ويظهر أمام الناس بأنه من المتقين!وبأنه غير مقتنع بما يقوله لنا ولهم علم الفلك والأرصاد الجوية!.
عندما تفتحون جهاز التلفاز المنزلي (جهاز الراديو) في أي مكان في هذا الوطن العربي الكبير فإنكم تشاهدون (تسمعون) المذيعون أو المذيعات وهم يرحبون بكم على الهواء مباشرة ويجعلونكم من الأعزاء الأكرمين عليهم وعلى محطات تلفازاتهم (إذاعاتهم) عندما يقولون لكم أو يقلن لكم: أعزائي المشاهدين الكرام (المستمعين) وهم يعلمون علم اليقين أن كل المشاهدين (المستمعين) الذين يوجهون كلامهم لهم ليسوا بأعزاء عليهم بل قد يكونوا كلهم من الأعداء ومع هذا يجعلونهم من الأعزاء.
أعـزائـي المستمعين الـكـرام
وهؤلاء المذيعون أو المذيعات يعلمون علم اليقين أن ليس كل من يشاهدهم أو يسمعهم هم من الكرام وليس كل من يشاهدهم أو يسمعهم قد يستمعون لهم ومع هذا ينهون نشراتهم الإخبارية أو برامجهم بعبارة مملة عندما يقولون: شكراً لاستماعكم ولا أدري من قال له أننا سمعناهم أو شاهدناهم؟فكيف لهم أن يشكرونا على فعل لم نقم به أصلاً؟ إنها كلمات وجمل محفوظة نشتم منها رائحة النفاق ولكن على الهواء مباشرة.
جيلنا (جيل النكسة والهزيمة) لم يع نكبة عام(1948) وما خلفته للعرب عامة وللفلسطينيين خاصة من مآسي وأحزان لأننا كنا أطفالاً صغاراً أو في بطون أمهاتنا ومن كان منا في بطن أمه رضع نتائج هذه النكبة مع حليب أمه فحليب الأمهات في تلك الفترة كان ممزوجاً بالهمّ والغمّ والحزن والنكد أما من كان طفلاً منا فلم يعش طفولته مثل سائر أطفال العالم بعد أن خرجنا لهذه الحياة غصباً لم يفرح أحد بمولدنا وقدومنا لأن ما كان عند أهلنا وعند الناس يكفيهم من نزق الحياة وشظف العيش.
جيل النكسة
أما نكسة عام 1967 فعشناها شباباً جعلتنا نبدو أكبر من أعمارنا بكثير بعد أن حرّمنا على أنفسنا زينة الشباب وأصبحنا كباراً في غير الأوان وعندما شخّصنا أمراض الأمة العربية فوجدناها مُثلثاً مختلف الأضلاع أضلاعه الفقر والجهل والمرض فعقدنا العزم على إزالة هذا المثلث الكريه من الوجود وقلنا إذا لم نستطع إزالته بالكامل فسنحوله إلى زاوية أو إلى مستقيم على الأقل وانطلقنا وانتشرنا في كل بقعة من بقاع الوطن العربي الكبير نحملُ شعارنا الأبدي بلاد العرب أوطانيمن الشام لبغدان ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان ولم نكن نسعى وراء المال أو الجاه كما اعتقد البعض منكم أو أراد الاعتقاد.
كانت الفلاحة قبل النكبة عيباً في شرع بعض العرب يُعاقب صاحبها بعدم مُصاهرته
فلو أنك أمعنت النظر جيداً لرأيت الشباب الفلسطينين في ذاك الوقت قد تحوّل في مُعظمه إلى مُدرسين ومهندسين وأطباء وفنيين في جميع المجالات والتخصصات ولم يتحول إلى مُقاولين أو سماسرة أو قطاع طرق فلوّنوا الأرض العربية بالأخضر بعد أن كانت جرداء قاحلة واستصلحوا أراض أخرى كانت فيما مضى صحراء وعززوا الإنتماء للأرض وللوطن وفتحوا المدارس والجامعات والمستشفيات وأسسوا الشركات والمصانع والبنوك وأناروا شوارع كانت معتمة بالكهرباء والأهم من ذلك كله أنهم غيّروا قيماً سلبية كانت سائدة في ذلك الوقت فلم يكن الإنسان العربي لا يحبّ العمل في الأرض فحسب وإنما كان يستعيبُه أيضاً فالفلاحة مثلاً كانت عيب في شرع بعض العرب يُعاقب صاحبها بعدم مُصاهرته.
وأصبح بعض العرب يطلب من حكومته أن يستحدثوا لهم مُخيماً فلسطينياً في أيّ مكان يرغبون في تطويره
أما المدرسون منهم فقد طاردوا الجهلوالسحر والخرافة والعصبية والتعصب والإقليمية والطائفية ونشروا الوعي والفكر والأخلاق والمساواة والعدل والعدالة والأنفة والقدوة الحسنة والأهم من ذلك كله أنهم علموا الناس التمرد على واقعهم السئ وأصبح لهم أتباع ومُريدون ونادراً ما كنت تجد قرية في الوطن العربي لم يدخلها مُدرّس فلسطيني وانقسم إخوانهم العرب حولهم إلى قسمين:قسم يُطالبُ حكوماته باستحداث مُخيم للفلسطينيين في أيّ مكان يرغبون في تطويره أما القسم الآخر فكان يطالب حكوماته بإبعاد الفلسطينيين من بلادهم لأنهم ساعدوا في تطوير الشعوب أكثر مما ينبغي.
دبابة عراقية في طريقها لاحتلال الكويت
وكانت النكبة قد اقتطعت جُزءاً عزيزاً من الأرض العربية ثم جاءت النكسة وقضمت جزءاً آخر ولكنهما لم يكسرا قيم المُجتمع بل على العكس تماماً أوجدتا مُهاجرين وأنصار وجعلتا للأمة العربية أهدافاً نبيلة مُشتركة وجاءت حرب الخليج وابتلعت كلّ هذه الأهداف التي كانت قد تحققت أو في طريقها للتحقيق وشتت شمل هذه الأمة وأعادت عصر الجاهلية الأولى وأيقظت المناذرة والغساسنة والأوس والخزرج وداحس والغبراء وبنو قريظة وبنو النضير والأعز والأذل من قبورهم وجرفت كل ما كنا قد زرعناه وحلمنا به واستبدلته كسراً للقيم ونحراً للأخلاق واغتصاباً للتربية وتكذيباً للقدوة.
أكتب لكم ما رأيته بأمّ عيني من مشاهد تسكن في ذاكرتي حتى الآن لكنها عندما سمعت بقانون الإيجارات الجديد خافت وخرجت لوحدها بدون أن تطلب خلوّاً من أحد.
بالأمس القريب كان الناس يحسدون كل من يملك أرضاً أو بيتاً على الطريق العام لأنه سيكون الأقرب إلى خدمة المارة وبالتالي سيكون الأقرب إلى الله تعالى، فمن كانت أرضه تتصل بالشارع كان يضع أمام بيته زيراً ويملأه بالماء ليشرب منه المارة صدقة جارية عنه، ومن كان يمتلك كرماً من الأشجار المثمرة كالعنب والتين يجعل نصفه للمارة، ومن كان ذو سعة يخصص غرفة خاصة في منزله يقدم فيها الطعام والشراب والمنام لمن يحتاجها ليلاً أو نهاراً لأنه يعتبر نفسه مسؤولاً عن كل محتاج يقترب من بيته أو أرضه.
قام بتقليم شجرة التين كمدفع
أما في هذه الأيام فالبعض منا أصبح يحسد الطريق على اتساعها ويستكثر على الناس هذا الرصيف المقتطع من أرضه كي يسير عليه المارة ولا يزاحمون السيارات في الشوارع فيقوم بزراعة الأشجار المثمرة كبيرة الحجم كالتين والزيتون أمام بيوتهم ومنهم من يطلق لها العنان كي تكبر وتتفرع وتسد على الناس طريقهم. حتى وصل بهم الأمر إلى أن أحدهم وصل به الأمر أن يفتخر أمامي بأنه عصر عشر تنكات زيت من الزيتون الذي كان قد زرعه على رصيف الشارع، ومنهم من عز عليه أن يمر أحد المارة ويلتقط حبة تين ليأكلها وهو في طريقه إلى عمله فقام بتقليم شجرة التين هذه لتصبح كمدفع قاعدته منصوبة في رصيف الشارع ورأسه مُصوّب على داخل منزله ليستفيد هو فقط من الشارع ولا يفيد غيره.
في أحد أيام الصيف كنت وحيداً في البيت فوجدتها فرصة مناسبة للجلوس في الشرفة المطلة في بيتي، وممارسة هوايتي المفضّلة وهي مراقبة كل شيء تقع عليه عيناي أو تسمعه أذناي. فجأة رأيت منظراً أوقفني بعد أن كنت جالساً، أوقفني كي أدقق النظر فيما أرى، فلقد رأيت طفلاً لم يتجاوز العاشرة من عمره يحمل فوق كتفيه حملاً ثقيلاً حتى أنني رأيت وسمعت طقطقة عظامه الطرية وهي تتقوس وتنحني أمام هذا الحمل الثقيل أمعنت النظر بما يحمله هذا الطفل على كتفيه فوجدته يحمل أخاه الأكبر المُقعد ويسير به إلى المكان الذي يلتقي فيه مع أصدقائه.
ساحة شبه مستوية صنعوا منها ملعباً
وهذا المكان هو ساحة شبه مستوية صنع منها هو وزملاؤه ملعباً لهم يلتقون فيه يومياً كي يمارسوا هوايتهم المفضلة لديهم وهي لعبة كرة القدم. وصل هذا الطفل المسكين إلى الملعب متأخراً عن موعد بدء المباراة، فجلس القرفصاء ثم سجد على الأرض فزحف أخوه بمؤخرته من على كتفيه ماراً من فوق رأسه حتى وصل إلى الأرض بعدها نهض الطفل مسرعاً والتحق بفريقه، بعد أن عاتبه بعضهم على التأخير. راقبت الولد المُقْعَد فوجدته يُقسم إلى قسمين: القسم العلوي مُضاعف الحجم، أما القسم السفلي فهو ضامر. وعندما وجد نفسه وحيداً بدأ يزحف إلى أن وصل إلى الملعب، وتمركز في مكان حارس المرمى وطالبهم بأن يكملوا لعبتهم بعد أن كانوا قد أوقفوها بمجرد دخوله الملعب، لكنهم رفضوا نداءه هذا وأوقفوا اللعب خوفاً عليه من إحدى الركلات التي قد تنهي حياته، وطالبوا أخيه بإبعاده فوراً من الملعب وإلا فقد مكانه في اللعبة.
سجد الأخ الأصغر وركع وانبطح أرضاً كي يحمل أخيه
هجم عليه أخوه هجوم الغاضب وانبطح أمامه أرضاً وطلب منه أن يتسلق على رأسه أولاً، ثم يزحف قليلا ليتمركز فوق كتفيه ويثبت يديه برأسه، وعندما شعر الأخ الأصغر بأن رأسه أصبح مضغوطاً عليه بيدين قويتين كالكماشة علم أن أخاه أصبح جاهزاً فنهض وسار به إلى المكان الذي أجلسه فيه أول مرة وهدّده بقوله: إذا حضرت مرة ثانية إلى الملعب سأعيدك إلى البيت وعاد ثانية يلعب مع أصحابه وما أن انتهت لعبتهم حتى بدأ كل واحد منهم يتجه لبيته خفيفاً سريعاً إلا صاحبنا فعليه أن يحمل أخاه ليعيده إلى البيت، من أجل هذا سجد وركع وانبطح على الأرض كعادته كي يحمله، لكنه هذه المرة نام على الأرض وتمنى أن يتأخر أخاه في الصعود على كتفيه كي يأخذ قسطاً ولو صغيراً من الراحة، لكن أخاه لم يعطه الفرصة وزحف فوق رأسه واستقر على كتفيه وأمسك برأسه بقوة أكبر هذه المرة، لأن طريقهم ستكون صعوداً وليس هبوطاً كما بدأت فبيتهم يقع على سفح الجبل المقابل.
مسكن الأخوين
لم أتمالك نفسي ونزلت من مكاني وسرت بعكس الاتجاه الذي يسيرون به كي ألتقي بهما، وعندما التقيتهما بادرتهما بالسلام فردّوا الاثنان معاً وسألتهم: ما قصتكم أيها الأبطال؟ أراد الأخ الأصغر أن يُنزل أخاه من على كتفيه كي يُحدثني فقد تخيل أن لهاثه وحشرجة صدره صادرة عن تأثير الحمل الذي ينوء به، وظن أن صوته لن يصل إلى مسمعي فقلت له: لا تنزله من على ظهرك فأنا أسمعك جيداً لا بل سأرافقكم كي أتعرف على مسكنكم.
لم يذق طعم الراحة لا في البداية ولا في النهاية
قال: أنا أرى يا سيدي أن الناس في هذه الدنيا يشبهون تماماً ركاب الباص، فمن هؤلاء من يصعد إلى الباص فيجد مقعداً خالياً فيجلس عليه إلى نهاية الرحلة، أي أن رحلته ستكون مريحة في بدايتها ونهايتها، ومنهم من يجد كرسياً خالياً فيجلس عليه لكنه أثناء هذه الرحلة يهب كرسيه لعجوز ويكمل رحلته واقفاً، وبهذا تكون رحلته مريحة في بدايتها فقط، ومنهم من لم يجد كرسياً خالياً فيضطر أن يبقى واقفاً إلى أن ينزل أحد الركاب فيجلس مكانه، وبهذا يكون قد استراح في النهاية، ومنهم من لم يجد كرسياً خالياً ليجلس عليه فيبدأ رحلته واقفاً وينهيها واقفاً، فيكون بذلك لم يذق طعم الراحة لا في البداية ولا في النهاية.
أنا خلقت في هذه الدنيا كبيراً رغم أنني الأصغر
سرّني هذا الفهم للحياة من طفل لم يجرّبها بعد، فسألته على الفور: من أي نوع تُصنّف نفسك؟ فقال: أنا من النوع الأخير طبعاً، فأنا خُلقت في هذه الدنيا كبيراً رغم أنني الأصغر. سألته: وكيف يكون ذلك يا بني؟ فأجابني على الفور: إن أطفال العالم كلهم أحرار فيما يأكلون ويلبسون ويلعبون إلا أنا، فإذا رغبت في الأكل قالوا لي: أطعم أخاك معك، وإذا أردت أن ألبس طلبوا مني أن أُلبس أخي، وإذا أردت أن ألعب قالوا لي: لاعب أخاك معك، فسألته عن هؤلاء الذين يطلبون منه كل ذلك؟ فقال: أمي وأبي. وقبل أن تسألني عن دورهم تجاه أخي هذا أقول لك ما يقوله والدي لأمي: أنت التي خلفت هذا الولد وعليك أن تتحملي وحدك النتائج فترد عليه أمي في الحال: لا بل أنت من زرعت وعليك أن تحصد ما زرعت فالأرض لا تُسأل عن ما أنبتت.
رأيت الطفل المقعد يجلس على الكرسي ويجره أخاه
وتابع كلامه: إنهم يريدون له الحياة لكن من غير تعب، فوجدوا فيّ ضالّتهم، وهم الآن يُحمّلونني مسؤوليته وحدي، فأنا من يدفع الثمن قال هذه الكلمات بسرعة وبصوت منخفض ففهمت أننا نقترب من بيتهم وأشار بيده إلى البيت فودعته وعدت إلى بيتي، وفي الطريق تساءلت مع نفسي إلى أي مدى يمكن أن يظلم الأهل أولادهم؟ وهل طاعتهم واجبة في هذه الحالة؟
في اليوم التالي توفي والد أحد أصدقائي فذهبت للعزاء وإذا بصديقي يطلب مني أن أحمل معي ذلك الكرسي المتحرك الذي كان يجلس عليه والده، لأن والدته ستتذكر والده من خلال هذا الكرسي كلما تراه. أخذت الكرسي وذهبت به إلى بيت الطفل ووضعته أمام بيتهم وبعد أن طرقت الباب عدت مسرعاً دون أن يروني. وفي اليوم التالي رأيت الطفل المُقْعد يجلس عليه ويجره أخاه وهم في طريقهم إلى الملعب.
أيام الدراسة الجامعية في حياة المرء لا تُنسى أبداً، فهي تُحفر في الذاكرة كالنقش في الحجر بحلوها ومرّها، وبجدّها واجتهادها، وأحلى ما فيها البراءة والسذاجة والبساطة وعدم المسؤولية واختصار الأهداف أو تأجيلها إن شئت بهدف واحد وهو إحراز علامة النجاح فقط.
اللعب بالثلج
ومما أذكره جيداً من أيام دراستي الجامعية في كلية العلوم بجامعة حلب عام ١٩٧٠، أنه أصبح عندنا نقص في أعضاء هيئة التدريس في مادة الميكانيك التي كان يدرسها طلاب قسم الرياضيات في كلية العلوم على مدى سنتين متتاليتين، ففي السنة الأولى تسمى مكانيك 1، وفي السنة الثانية تسمى ميكانيك 2، فاستعانت كُلّيتنا بالدكتور زيد الأمير من أعضاء هيئة التدريس في كلية الهندسة لتدريس هاتين المادتين.
رحلة إلى حمامات الشيخ عيسى بالقرب من حلب
كان الدكتور يُدرّسنا دون أن يكون هناك كتاب معتمد، بل كان مطلوباً منا أن نبحث عن هذه المادة في المراجع العربية والأجنبية التي كان الدكتور يُعينها لنا في المحاضرة الأولى، وكان بذلك يتعبُ معنا ويُتعبنا معه، حتى أن عدد الناجحين في هاتين المادتين لا يتجاوز عدد أصابع اليدين معاً. ولسد العجز في أعضاء هيئة التدريس تعاقدت الكلية مع الدكتور عبد المسيح لتدريس ميكانيك 2 فيها، وهو دكتور متقاعد من إحدى الجامعات المصرية وقد سررنا جميعاً بهذا التغيير وأنا منهم؛ لأن الدكتور عبد المسيح كان يرى أن الطريقة السورية في التعليم عقيمة ومعقدة فليس كل من دخل الجامعة هدفه تلقي العلم.
ليس كل من دخل الجامعة هدفه تلقي العلم
كما كان يرى أيضاً أن معظم من دخلوا الجامعة يريدون الحصول على الشهادة فقط، ومن ثم السفر إلى دول الخليج العربي للعمل وتحسين الأوضاع المادية، فلا داعي أن نثقل عليهم في العلم أو نصعّب عليهم الأسئلة، بل علينا أن نعطيهم ما تيسّر من العلوم ليشقوا طريقهم بدون عقد ومشاكل. وفعلاً طبّق الدكتور عبدالمسيح ما كان ينادي به، فكان يكتب لنا الدرس على اللوح ونحن ننسخ ما يكتبه دون أن نفهمه، ولم يزعجنا ذلك لأن أسئلة الامتحان ستكون من هذا الدفتر فقط ولا ضرورة للمراجع.
1000 ليرة مكافأة الطالب الذي يحصل على تقدير ممتاز
وفي آخر السنة كانت علامتي 80% وهذا حلم كبير في الجامعات السورية آنذاك، إذ عليّ أن أنبّه القارئ بأن الطالب الذي كان يحرز معدلاً سنوياً يزيد عن 80% يحصل على تقدير ممتاز وتُصرف له مكافأة مالية من الجامعة قيمتها ألف ليرة سورية، ومن يزيد معدله عن 70% يحصل على تقدير جيد جداً وتُصرف له مكافأة قدرها خمسمائة ليرة سورية، ومن يرسب في سنته الجامعية يُضاعف عليه القسط الجامعي ولا يحق له أن يلتحق بسكن الجامعة.
جاء خصيصاً لإنجاحنا وإخراجنا من فم الأسد السوري
وتعاقدت الكلية كذلك مع الدكتور إبراهيم رفعت لتدريس ميكانيك1، وكان أيضاً من المتقاعدين من الجامعات المصرية وكان هذا الدكتور يعتبر التدريس نزهة، فعندما دخل المدرج لأول مرة وبعد أن رأى وسمع عن صعوبة الدراسة في جامعتنا الحبيبة قدم نفسه لنا بأنه جاء خصيصاً لإنجاحنا وإخراجنا من فم الأسد السوري (على حد تعبيره)، بأنه صاحب نظرية عالمية تُدرّسها جامعات العالم المختلفة، وتسمى النظرية الرفعتية في الميكانيك، وتعهّد لنا إذا درسناها أن تكون العلاج الشافي والكافي لنا ولأولادنا من بعدنا، وبشّرنا بأننا سنكون جميعاً من الناجحين.
ما يشرحه لنا عن بطولاته ونظرياته لا يمت للعنوان بصلة
فرحنا وسُررنا بما سمعنا وقلنا هذا هو التعليم الذي نريده، فقد كان يكتب عنواناً للدرس على اللوح ويكتب اليوم والتاريخ بالهجري والميلادي، ويرسم شكلاً هندسياً على اللوح ليرى القاصي والداني أنه يُعلم. أما ما يشرحه لنا فلا يمت للعنوان بأي صلة، إذ تمحورت مواضيع محاضراته عن بطولاته ونظرياته وعن بنطاله المُخمليّ (كوردروي) الذي كان يلبسه الشباب في ذلك الوقت وكيف اشتراه وكم هو سعره في سوريا، وما هو المبلغ المقابل له في العملة المصرية. وكان يشرح لنا أن له توقيعان أحدهما لا يستطيع أحد تقليده ويستخدمه في المعاملات المالية، وآخر يستخدمه في التعليم ويستطيع الجميع تقليده ويُوضح لنا الفرق بينهما وينشغل الكل في تقليد توقيعه الصعب، وهكذا كانت تمضي المحاضرة دون أن نشعر بها، المهم أننا سننجح في آخر العام.
الشيخ
في أحد الأيام، كان عنوان محاضرة الدكتور إبراهيم (الاحتكاك) وكان يجلس معنا في تلك المحاضرة في الصف الأول طالب أطلق لحيته ولبس الزيّ الباكستاني، وعلى رأسه طاقية يغطي بها رأسه، لهذا كنا نلقبه بـ (الشيخ) وبجانبه تجلس فتاة ترتدي الزيّ الإسلامي على الطريقة الحلبية (فهي تغطي وجهها بقطعة من القماش الأسود أما إذا أرادت أن تكشفه فترفع هذا الغطاء عن وجهها وتضعه فوق رأسها) وتجلس بجانبها فتاة أخرى لكنها ليست مُحجبة.
فتاة غير محجبة
بعد أن كتب الدكتور ابراهيم رفعت العنوان على اللوح اقترب من الشيخ والفتاتين وقال: لو لامس الخد ده (وأشار إلى الفتاة المحجبة) الخد ده (وأشار إلى الفتاة الأخرى) لما حصل بينهما أيّ احتكاك، لكن لو لامس الخد ده (وأشار إلى الفتاة المحجبة مرة أخرى) الخد ده (وأشار إلى لحية الشيخ) فيجب أن يتولد بينهما احتكاك، فضحك كل من كان في المدرج واحمرّ وجه الفتاتين اللتين أشار إليهما الدكتور بيده وفي الحال غضب شيخنا فوقف وقال: “أرجو يا دكتور أن تتسم المحاضرة بشيءٍ من الجدية”.
شيخ يجري ومن ورائه دكتور عجوز يريد الإمساك به
وقبل أن يُنهي الشيخ كلامه هجم عليه الدكتور ليضربه، فهرب الشيخ إلى خارج المدرج مسرعاً والدكتور يلاحقه ليمسك به، وأخذا يتلاحقان في ممرات الكلية وخرج الطلاب من محاضراتهم ليشاهدوا هذا المنظر الغريب (شيخ يجري ومن ورائه دكتور عجوز يريد الإمساك به ونحن نجري وراءهما لنفصل بينهما) وبقينا على هذا الحال إلى أن تدخّل العميد وأخذ الدكتور إلى غرفته وألغى محاضرة ذلك اليوم. بعد أن فهم العميد ما حصل وما كان يحصل أثناء محاضرات الدكتور رفعت، قام بتكليف الدكتور زيد الأمير بوضع أسئلة الإمتحان وكانت الفاجعة الكبرى! فقد رسبت في هذه المادة إلى سنة التخرج، وأخيراً نجحت فيها بمعدل %50. فيا أبنائي الطلبة لا تفرحوا للنجاح الكاذب الذي يُعطيه لكم من لا يريد أن يُعلّمكم.