
مرّ الزمن بسرعة، بعد زواجه من زوجته، التي كان قد أحبها قبل أن يتزوجها أكثر مما كان يتصور، وأخذ معه شبابه، فلم يعد هذا الرجل شيئاً في نظر زوجته، رغم حبه القديم لها، فلم ترضَ زوجته بالأمر الواقع، مثلها مثل بقية الزوجات في هذا العالم، بل أخذت تشكو حالها لله مرة، وله مرات، ولم تكتف بذلك، بل أخذت تتذمر، وتندب حظها بين الحين والآخر، على اختيارها الفاشل دنيوياً لهذا الزوج، وأخذت تبتعد عنه رويداً رويداً، بينها وبين نفسها، لكنها حافظت على العلاقة معه أمام الناس فقط.

فكانت زوجته تعود إلى حالتها الأولى، التي كانت قد عُرفت بها مع وجود شخص ثالث، فهي تحرص كل الحرص، على أن تبقي صورة حبها القديم لزوجها، على حالها في أذهان كل من كانوا يعرفونها في الأيام السابقة، أما إذا إختلَت بزوجها، فلا تُكلّمه عن الحب، ولا حتى عن الماضي، بل تُكلّمه عن أزواج صديقاتها، وأزواج أخواتها، وأزواج جاراتها، وما يقدمونه لهن من هبات وهدايا، عدا عن الأماكن السياحية التي سافروا لها.

وأخذت العلاقة بينهما تبرد رويداً رويداً، إلى أن تجمدت، وعندما سألها زوجها عن سبب تجميدها لهذه العلاقة، قالت له: لقد فشلتُ عندما اخترتك زوجاً لي بالدنيا، ولن أسمح لنفسي أن أفشل مرة ثانية في اختيار زوجي بالآخرة، لهذا سأنشغل في مساعدة الفقراء والمساكين، وحتى ابن السبيل، كي أزيد في ميزان حسناتي، وبالتالي أزيد من فرصتي باختيار زوج الآخرة، ولن أختاره هذه المرة إلا زوجاً مبشراً بالجنة.

وتعلقت هذه المرأة بالآخرة، بعد أن شبعت من الدنيا، فتحجبت، واشترت ملابس صلاة، وبدأت تقوم الليل، وتصوم النهار، واستبدلت صلاة الضحى مع جاراتها بشاي الضحى، وحرّمت على نفسها وبيتها التلفاز، إلا إذا كان مفتوحاً على القرآن الكريم، أو على أحد الدعاة الأفاضل. كما أخذت تدخل في غيبوبة الدعاء إلى الله تعالى، أن يوفر لها أكلها وشربها في الدنيا، كما وعدها بذلك في الآخرة، فلم تعد تضع طنجرة على نار، بل أصبحت تشتري الأكل الجاهز، سواءً كان لبيتها، أم للفقراء والمساكين، حتى أنها علّمتهم على الأكل الجاهز.

أثناء هذه الفترة، تذكّر العائلة صديق قديم، ممن يعيشون خارج البلاد، ممن كانوا يرون في هذه الأسرة أسرة نموذجية، لما كانت تبديه الزوجة من حب واحترام لزوجها أمامه، حتى أنه كان يصرح لصديقه، أنه لا يحسده على شيء إلا على زوجته، وأراد هذا الصديق أن يستفسر عن صحة وأحوال أسرة صديقه بعد غياب طويل، فقام بالاتصال بهم من خلال الهاتف الأرضي، فردت عليه الزوجة في غياب زوجها وبعد السؤال والجواب مع صديق زوجها، ودّعها وطلب منها أن تُهدي تحياته إلى زوجها العزيز على قلبه، وحمّلها أمانة بأن تُقبّل وجنتي زوجها على حسابه الخاص.
