وبعد أن أصبحت فلسطين (أرضاً للشنانير) أصبحت تعاني من أزمة تمثيل فإرادتهم غالباً ما كانت مرتهنة للخارج بعد أن سيطرت عليهم طبقة من الوجهاء والأعيان ذات سمات شبه إقطاعية بعد أن وقعت تحت تأثير عوامل عديدة لعمليات تغير سريعة مما حال دون التواصل والإتصال بينهم كجماعة موحدة تحكمها علاقات التعاون بين أجزائها المختلفة مما أورثها العديد من الإشكاليات وكانت هذه الأحداث قد وقعت وطيور الشنانير مشغولة في مشاكلها الداخلية صحيح أن الله حوّلهم الى طيور شنانير لكنهم فهموا الرسالة خطأ فهو حوّل أشكالهم فقط وليس عقولهم وما لبثت هذه الشنانير أن اجتمعت من كافة الأصول والمنابت ولم يتفقوا على إختيار رئيس لهم بل اتفقوا على أن يسمع كل منهم رأي الآخر.
لم يتحمل طائر الشنار البلدي ما سمعه ممن سبقه من طيور الشنانير فقال بشئ من الغضب والعصبية: أنا لن أنتظر قدوم الجمل العربي حتى وإن كان هذا الجمل قد وعدنا بالمساعدة على قتال الصقور التي بدأت تحتل جزءاً من أرضنا يا هذا فليشحذ كل شنار منكم منقاره ويدافع به عن نفسه أولاً ثم يدافع عن غيره ثانياً ولتعلموا أيها الشنانير جيداً (إن كنتم لا تعلموا) بأن جلودكم لن تُحكها إلا أظافركم.
الشاعر العراقي معروف الرصافي
وقبل أن يُنهي طائر الشنار البلدي كلامه إلى طيور الشنانير وإذ بجموعة من (الصقور) تهاجمهم في عقر دارهم بقوة غير عادية فصاح أحد هذه الشنانير البلدية قائلاً: لا يخدعنك هتاف القوم بالوطن … فالقوم في السرّ غير القوم في العلن ثم أكمل كلامه (بعد أن هدّأ من غضبه قليلاً) إلى بقية الشنانير وقال: قولوا لي بالله عليكم كيف عرفت هذه الصقور باجتماعنا هذا؟.
كل شيء نقبل به إلا العرض والشرف!نحن مُستعدون للذهاب إلى أقاصي الأرض للحفاظ على عوراتنا مستورة!
هرب من هرب من الشنانير المتواجدة في المكان ولم يبق غير الشنانير البلدية تقاتل الصقور وحدها إلى أن تمكنت من دحرها وعندما هُزمت هذه الصقور في القتال لجأوا إلى قتال الشنانير البلدية بالحرب النفسية بعد أن أخذوا منهم شناراً ميتاً وقامت هذه الصقور بنتف ريشه عن جسمه أمام أعين الشنانير البلدية المتبقية فبانت (عورته) فجُنّ جنون هذه الشنانير البلدية وقالوا بصوت واحد:كل شيء نقبل به إلا العرض والشرف!نحن مُستعدون للذهاب إلى أقاصي الأرض للحفاظ على عوراتنا مستورة!وبهذه الطريقة تمكنت هذه الصقور من تفريغ الأرض من الشنانير البلدية بعد أن أقنعوهم بأن يحافظوا على عرضهم ويتركوا الأرض لهم!.
وحضرت بقية الشنانير تستطلع الخبر وما أن رأت عورة الشنار الميت حتى قال أحدهم:إن هذا الشنار لم نره يوماً ساجداً لله تعالى وقد نال ما يستحق فسخر الله له الصقور كي تفضحه في الدنيا قبل أن يحاسبه الله في الآخرة رد عليه آخر:لا تجوز الشماتة في الحي فكيف بالميت يا هذا ألا تعلم بأن الميت لا تجوز عليه إلا الرحمة؟وقال آخر:إنه خالف شرع الله ورمى بنفسه إلى التهلكة ولا تزول نعمة إلا عقابا حرام عليكم ان تنظروا على عورة اخيكم وما هي إلا لحظات حتى بدأت بعض الشنانير تصرخ وتولول وتُحضر نفسها لمغادرة الأرض حفاظاً على العرض!.
لا فضل لعضو على آخر إلا بإتقان الدور الذي خلق من أجله
وعندما حضر الشنار الغاضب، ورأى أرففاً من الشنانير تستعد للرحيل، حفاظاً على عوراتهم، جُنّ جُنونه، وقال لهم: إلى أين أنتم ذاهبون أيتها الشنانير؟ألم تسمعوا بقول الله تعالى: ليس على المريض حرج، إذا كان الشنار المريض ليس عليه حرج، فما بالكم بالشنار الميت؟ وما تسمونه عورة ما هو إلا عضو كسائر أعضاء الجسم، مثله مثل العين، واليد، والرجل، وجميع أعضاء الجسم مُهمة، فلا فضل لعضو على آخر، إلا بإتقان الدور الذي خلق من أجله.
الحجر في مكانه قنطار وفي غير مكانه أوقية؟
ألم تسمعوا أيتها الشنانير المهاجرة بالمثل الشعبي الذي يقول: من يترك داره سوف يقلّ مقداره، وبالمثل الشعبي الآخر الذي يقول: الحجر في مكانه قنطار، وفي غير مكانه أوقية؟ من الذي سيحترمكم أو سيقدركم في بلاد الله الواسعة التي سترحلون إليها من دون أن يكون لكم وطن؟ إذا غادرتم بلادكم فلسطين وتركتموها للصقور خالية من السكان، فسيأتون بالغربان من بعدكم، وطيور البوم، والأفاعي، والعقارب، من كافة أرجاء المعمورة، ليحلّوا محلكم، فتصبحون على ما فعلتم نادمين، عندما لا ينفع الندم.
وتابع الشنار الغاضب مُحذراً طيور الشنانير البلدية التي تنوي على الرحيل عن أرضها:أنسيتم وعدكم لله بأن لا ترحلوا عن وطنكم؟أنسيتم أن الأرض هي العرض؟إذا خرجتم من وطنكم أيتها الشنانير البلدية سيجمعون بيضكم وسيضعونه تحت دجاجة ويستنسخون منها غيركم والجيل المُستنسخ هذا سوف لن يعرف نفسه في المستقبل هل هو إبن الشنارة التي كانت قد حملته في بطنها وهو في داخل البيضة أو إبن الدجاجة التي عاش وتربّى تحتها؟.
الجيل المستنسخ
وهذا الجيل المستنسخ من الشنانير بعد أن يكتشف غلطتكم في حقه لن يسامحكم لا في الدنيا ولا في الآخرة لأنه لن ير الخير في حياته قط فهو سيكون من غير وطن وسيقضي حياته كلها في المنافي يبحث له عن وطن بديل يأويه هو وأولاده وأخيراً أرى من واجبي أن أذكركم أيها الشنانير المهاجرة بما قاله الشاعر:ﺍﻟﻠﻲ ﻣﻀﻴﻊ ﺫﻫﺐ ﻓﻲ ﺳﻮﻕ ﺍﻟﺬﻫﺐ ﻳﻠﻘﺎﻩ ﻭﺍﻟﻠﻲ ﻣﻔﺎﺭﻕ ﻣﺤﺐ ﻳﻤﻜﻦ ﺳﻨة ﻭﻳﻨﺴﺎﻩ ﺑﺲ ﺍﻟﻠﻲ ﻣﻀﻴﻊ ﻭﻃﻦ ﻭووووووووﻳﻦ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﻳﻠﻘﺎﻩ واللي فيكم مش مصدق يدخل على هذا الرابط وتصبحون على وطن.
قطع منادي الصلاة حديث صاحبنا مع هذا الرجل المسن وعلى الفور دعى الرجل المسن صاحبنا إلى أداء فريضة الصلاة في وقتها فعرض عليه صاحبنا أن يوصله إلى المسجد بسيارته إلا أن الرجل المسن رفض عرضه هذا وأصرّ على أن يذهبا معاً مشياً على الأقدام لأن المسجد أقرب مما يتصور صاحبنا وعندما إنتهوا المصلون من تأدية صلاتهم خرج الأحياء منهم وبقي الأموات الأحياء بعد أن تجمعوا حول صاحبنا صامتين مندهشين فهم يرونه لأول مرة مع رفيقهم الرجل المسن.
وعدهم صاحبنا أن يكون له لقاء يومي معهم
وعلى الفور قطع الرجل المسن صمت المكان وقال لهم: صاحبنا هذا مُتقاعد جديد يمكن لكم أن تستفيدوا منه وتعلموا منه ما إنقطع عنكم من أخبار دنياكم طيلة هذه السنين وما إن سمعوا بذلك حتى تحلقوا حول صاحبنا وطالبوه أن يحكي لهم حكايات من دنياهم التي كانوا قد غادروها مُجبرين أو مُخيرين فوجدها صاحبنا فرصة ثمينة له (بعد أن رفض سماعه الأحياء) بأن يأخذ ما كتبه من حكايات ومقالات ويرويها على مسامعهم لعلهم يسمعونها فيطمئنوا أو يقلقوا على ما كانوا قد قدموه في دنياهم ووعدهم أن يكون له لقاء يومي معهم بعد صلاة العصر من كل يوم يُحدثهم فيه عن أشياء لا زالت عالقة في أذهانهم ويريدون لها جواباً لها.
لن أكون الحكواتي الذي تعرفون
وفي عصر اليوم التالي ذهب صاحبنا ليفي بوعده وإذا بالمسجد مكتظ بمن فيه بعد أن أبلغ كل واحد منهم أصدقائه الذين لم يحضروا لقاء الأمس وما أن إنتهى صاحبنا من صلاته حتى تحلق الأموات الأحياء من حوله قائلين: خبرنا يا رجل عن أحوال دنياكم التي كنت فيها؟ ردّ عليهم صاحبنا: عن أي شيء تريدون أن أحدثكم؟ قالوا: عن كل شئ فنحن مشتاقون لسماع أحوالكم في الدنيا بعد هذا الغياب الطويل عنها فقال لهم صاحبنا: إن الحكواتي الذي كنتم تعرفونه في دنياكم قد إنتهى دوره وأنا لن أكون الحكواتي الذي كنتم تعرفون!من له سؤال مُحدّد فليسأله؟ وأنا سأجيبه عنه في الحال.
وكان أول المتكلمين مدرساً في ستينات القرن الماضي
صاح أحد الأموات الأحياء الجالسين حول صاحبنا فقال: لا تزعجوا صاحبكم أكثر ولا يقاطعه في كلامه أحد واحد منكم يسأل والباقي يستمع فقالوا مجتمعين: له منا السمع والطاعة وكان أول المتكلمين رجل عرّف على نفسه بأنه كان يعمل مدرساً في ستينيات القرن الماضي فقال: كنت والأخ فايز علي الغول نعمل في سلك التعليم في مدينة نابلس وكان قد وعد أن يُصدر كتاباً في ذلك الوقت لكن الموت الأصغر أخذني قبل أن ترى عيني هذا الكتاب فهل سمعت بهذا الكتاب أو قرأته يا ضيفنا العزيز؟.
صاحبُناهذا الذي أنوي أن أحدثكم عنه يدّعي بأنه صاحب خبرة وتجربةعميقة في هذه الحياة إكتسبها أثناء تنقله بين خمس مدارس مختلفة في فلسطين بدأت بمدرسة القرية ثم بمدرسة البلدة ثم بمدرسة المدينة وبهذا يكون صاحبنا قد إكتسب من الثقافات الثلاث: ثقافة القرية وثقافة البلدة وثقافة المدينة وجاءت حرب حزيران فنقلته من فلسطين إلى الأردنِ وهناك أكمل تعليمه الثانوي واكتسب من الثقافة الأردنية ما استطاع ثم انتقل إلى سوريا وهناك أكمل تعليمه الجامعي فيها ونهل من الثقافة السورية الشئ الكثير ثم انتقل إلى دولة الكويت وهناك عمل مدرساً للرياضيات في مدارسها الثانوية فتعرّف على الثقافة الخليجية بشكل خاص وعلى الثقافة العربية بشكل عام لأن الكويت في ذلك الوقت كانت تسمى نفسها ويسميها الناس (بلاد العرب) وبقي فيها إلى أن جاءت حرب الخليج فأعادته إلى عمان ثانية.
استبدل صاحبنا الماوس بدلاً من الطبشورة
وفي عمان عمل صاحبنا مدرساً للرياضيات في مدارسها الخاصة إلى أن بلغ الستين من عمره ولم يقيلوه من عمله بل هو الذي أقال نفسه بنفسه كي يتحرر من قيد الوظيفة وينعم بمزيد من الحرية في مواصلة آداء رسالته لكن بطريقة أخرى فاستبدل صاحبنا الماوس بدلاً من الطبشورة وشاشة الكمبيوتر بدلاً من السبورة وبدأ يكتب للناس كافة عن تجربته في هذه الحياة التي لم تبخل عليه بالنكبات والنكسات والهزائم فهو لم يعرف النصر في حياته قط إلا من خلال ما قرأه في كتبه المدرسية وكان صاحبنا يظن قبل التقاعد أنه سيطل على عالم أوسع وأرحب من عالم الطلبة الذي كان يعيش فيه فالحياة برأيه تصبح ذكريات مع الزمن ودروسها أعمق بكثير من دروس المدرسة فهي بالتالي ستكون صعبة المنال على من يطلبها وعالية التكلفة لمن يريد أن يتعلمها لكنها على الرغم من ذلك ستكون ممتعة لمن يستطيع ويقدر على الإستماع لدروسها كي يفهمها ويستمتع بها.
أخبرني كم مرة أوقعك الأقارب والأصدقاء في الحفرة؟
وصاحبنا هذا لا يقيس عقل الشخص بعمره الزمني فقط بل يقيسه بالخبرة التي حصل عليها وبعدد التجارب المريرة التي خاضها مع الأهل والأقارب والمعارف والأصدقاء والجيران. وهو يقول دائماً: لا تخبرني كم هو عمرك الزمني؟ ولكن أخبرني كم مرة تعرقلت ووقعت على الأرض مِمّنْ يدّعون محبتك؟ وكم مرة استطعت أن تقف منتصباً بعد أن تنفض الغبار عن ثوبك الذي لحق به منهم أو بسببهم؟ فأنت عندما تتذوّق الصعوبات في حياتك، سيصبح عقلك أكبر من عمرك بكثير، لأن كل صعوبة تتخطاها هي مستوى جديد من النضج في شخصيتك فمن لا يتألم لا يتعلم.
ومنهم من اعتبره من الجيل الماضي الذي عفى عليه الزمن
لكن صاحبنا هذا لم يجد للأسف الشديد من أقارب الدرجة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة ولا حتى من الناس المقربين ولا حتى من الأصدقاء أو من المعارف من يريد أن يستمع له أو على الأقل أن يقرأ ما كان قد كتبه فمنهم من اختار مواقع التواصل الإجتماعي ليملأ بها فراغه ويستقي منها معلوماته ومنهم من اعتبره من الجيل الماضي الذي عفى عليه الزمن ولم يعد لديه شيئاً يضيفه فاحتار صاحبنا على من يقرأ ما كان قد كتبه بالأمس وما يكتبه اليوم وما سيكتبه غداً فتذكر صَاحِبُنَا الأموات وقرر اللجوء إليهم في قبورهم فماذا حصل معه بعد ذلك؟ إذا أردت أن تعرف أكثر فأقرأ المزيد.
عندما لم يجد صاحبنا (للأسف الشديد) من يستمع له من الأحياء فجأة تذكر نفسه طفلاً صغيراً عندما كانوا يُكلفونه بقراءة القرآن على قبور الموتى في أيام الأعياد والمواسم في مسقط رأسه وتذكر في الحال أيضاً كيف كان يتنقل من قبر إلى آخر في المقبرة وبيده اليمنى القرآن الكريم وبيده اليسرى (امْخَمّرة) وجيوبه منتفخة بالملبس والقضامة وبيض الحمام الذي كان يوزع من الأحياء عن أرواح أمواتهم؟ فقرر أن يعيد نفس التجربة وهو كبير في السن هذه المرة ويقوم بقراءة ما كتب على الأموات ظناً منه أن من يسمع قراءة القرآن وهو ميت سيسمع غيرها من القراءات الأخرى.
مقابر اليوم مسيجة لا يدخلها الميت إلا بتصريح
لكنه عندما قارن صاحبنا بين مقابر الأمس ومقابر اليوم وجد الفرق شاسعاً بينهما فمقابر الأمس كانت مفتوحة للجميع يدخلها كل من يريد وقتما يشاء لكن مقابر اليوم مُسيجة يحرسها حارس ولا يدخلها الميت إلا بتصريح فكيف له أن يدخلها دون أن يكون ميتاً أو مصاحباً لميّت؟ إذن فهناك مشكلة عليه حلها قبل أن يبدأ تجربته تلك وبينما كان يحاول حل هذه المشكلة وإذ بمشكلة أخرى أصعب منها تخرج له على السطح لكنها لن تظهر له الآن بل بعد دخوله للمقبرة ولقاء الأموات فيها.
مفردات الأمس ليست كمفردات اليوم!
أما هذه المشكلة الجديدة فهي أن الأموات كانوا يسمعون القرآن والقرآن لم يتغير ولن يتغير لكن كلام الناس مع بعضهم البعض كان قد تغير فلغة الأمس ليست كلغة هذه الأيام وأصبح خائفاً على نفسه من أن لا يفهم عليه الأموات ما سيقرأه عليهم فالكثير من هذه الكلمات التي كانت سائدة في زمانهم بادت في هذه الأيام وظهرت مكانها كلمات وجمل ومصطلحات جديدة قد لا يفهمها الأموات فكيف له أن يفسرها لهم؟.
التقى صاحبنا بصديق قديم له ودار بينهما حوار شيق
بعدها بدأت تنهال عليه أسئلة كثيرة كانت قد راودته قبل أن يقوم بزيارته المرتقبة للمقبرة وكان عليه أن يجيب على هذه الأسئلة كلها قبل أن يقوم بهذه الزيارة الميمونة لكنه لم ينتظر الإجابة على ما جال في نفسه من أسئله وأصرّ على خوض هذه التجربة مهما كانت النتائج والمُعوّقات فواصل مشواره إلى المقبرة وفي الطريق إلتقى بصديق قديم له ودار بينهما حوار شيق إذا أردت أن تعرف ما دار بينهما من حوار فعليك أن تكمل القراءة وتقرأ المزيد.
الفرق بين كلمة (سنة) وكلمة (عام) لغة هو أنك تكتب كلمة سنة إذا أردت أن تُحدّد سنة بعينها وتكتب كلمة عام إذا أردت أن تصِف سنة بعينها فمثلاً تقول ولدت سنة 1948 ولا تقول ولدت عام 1948 أما الفرق بين سنة وعام في المعنى فكلمة سنة وكلمة عام كل منهما تعني (حول) أما السنة فتعني (حول سئ) أما العام فيعني (حول حسن) فمثلاً نقول (سنة الثلجة) أي السنة التي داهمتنا فيها الثلوج و (سنة الجراد) أي السنة التي داهمنا فيها الجراد و (سنة المحل) أي السنة التي لم نحصد فيها ولم نقطف فيها ثمار الأشجار و (سنة الحرب) أي السنة التي كانت قد نشبت فيها الحرب و (سنة النكبة) أي السنة التي تم فيها اغتصاب فلسطين وهكذا ولا نستخدم كلمة عام لمثل هذه السنين.
خطأ شائع والصح عام حلو يا جميل
أما كلمة عام فتستخدم للدلالة على الرخاء والسعادة والهناء فمثلاً نقول لبعضنا البعض في أيام الأعياد والمناسبات العامة (كل عام وأنتم بخير) ولا نقول كما تعود البعض منا (كل سنة وأنتم طيبون) لأننا نتمنى الخير للناس أجمعين ولا نتمنى لهم الشر وهذا خطأ شاع استخدامه بيننا بعد أن ابتعدنا عن فهم لغتنا العربية الجميلة ومن الأخطاء اللغوية الشائعة أيضاً والتي أصبحنا نتداولها في حياتنا اليومية في هذه الأيام هو ما أصبح يردده العامة في حفلات أعياد الميلاد للصغار والكبار عندما يقولون (سنة حلوة يا جميل) والصحيح أن يقال (عام حلو يا جميل) لكن نطق العبارة الأولى أسهل بكثير على لسان من ينطق بها وأيسر على من يغنيها أو يلحنها لهذا فقد تغلبت العبارة الأولى على العبارة الثانية في حياتنا اليومية.
سنة شلتونة
ولن يكتمل وضوح هذا الفرق بين هاتين الكلمتين سنة وعام دون المرور على قوله تعالى في سورة العنكبوت:ﻭﻟﻘﺪ ﺃﺭﺳﻠﻨﺎ ﻧﻮﺣﺎً ﺇﻟﻰ ﻗﻮﻣﻪ ﻓﻠﺒﺚ ﻓﻴﻬﻢ ﺃﻟﻒ ﺳﻨﺔ ﺇﻻ ﺧﻤﺴﻴﻦ ﻋﺎﻣﺎً فإذا كانت السنة مثل العام فستكون المدة التي قضاها نوحاً عليه السلام 950 سنة لكن المقصود من هذه الآية أن الله كان قد أرسل نوحاً عليه السلام إلى قومه ألف سنة وكانت هذه السنوات كلها صعبة عليه بعد أن شقي فيها مع قومه إلا أنه كان قد تخللها خمسين عاماً من الأعوام السهلة عليه أي عندما تكون دعوته لقومه مستجابة.
ماسية أي عام خير
ولعلك أيها القارئ تلاحظ معي أن الفرق بين هاتين الكلمتين سنة وعام في المعنى أكثر وضوحاً في سورة يوسف عندما قال تعالى (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ) وقال أيضاً في آية لاحقة من نفس السورة (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) وبقراءة متأنية لهذه الآيات الكريمة أعلاه فإنك تلاحظ أن السنة استُخْدِمَت للتدليل على أيام القحط وكلمة عام استُخْدِمَت للتدليل على أيام الرخاء.