ملابس الأفكار
إن الألفاظ التي نتلفظ بها مع الناس، هي الملابس التي ترتديها أفكارنا، لهذا عليك أن تكون حذراً عند اختيار ملابس أفكارك.
من أجمل ما قرأت
التملق آفة هذا العصر

حيثما يوجد مدير يوجد منافق وحيثما يوجد رئيس يوجد متملق ومتسلق. هكذا أصبح واقع الحال عندنا في هذه الأيام، والغريب في الموضوع أن مثل هؤلاء المنافقين والمتملقين باتوا يُصنفون من قبل مدراء المؤسسات والدوائر أنهم هم الوحيدون المتعاونون فى العمل داخل مؤسساتهم ودوائرهم، وهم الوحيدون الحريصون على مصلحة شركاتهم أو مؤسساتهم، بينما في الحقيقة أبعد ما يكونون عن ذلك وهذه النوعية المريضة من الأشخاص باتت لا تكترث إلا بالوصول الى ما تصبو إليه أنفسهم مهما كان الثمن الذي سيدفعونه مقابل ذلك.

وهذا المنافق أو المتملق عادة ما يحب أن يتولى كل الأعمال الإدارية التى يكون فيها احتكاك مباشر مع المدير، ولا يمكن لهذا المنافق أن يتركها لغيره مهما كان الثمن. كما تجده دائماً متربصاً بزملائه الموظفين من أمثاله لاصطياد ما يتيسر له من أخطائهم المقصودة أو غير المقصودة، وهو في الغالب يكون شخصاً شديد الذكاء خفيف الحركة حاد البصر ولماحاً بشكل مذهل، ودائماً ما تجده يقف على أطراف أصابعه في انتظار ظهور يد سيده لتقبيلها ثلاث مرات فور ظهورها.

وصفة التملق عادة ما تكون امتداداً طبيعياً لصفة الغدر والخيانة، فالشخص الذى يتواجد معك بالساعات في مكان العمل ويظهر لك المحبة والمودة وفى نفس الوقت يحاول أن ينتهز أول فرصة تسنح له ليطعنك فى ظهرك أمام مديره لا شك أنه بهذا يجمع بين كل الصفات المنحطة، وهذا المتملق عادة ما يكون عنده استعداد غير طبيعي فى أن يتلقى المهانة والشتائم من رؤسائه فى العمل، دون أن يشعره هذا بالامتهان، بل تجده يبتسم أثناء تلقيه أقسى العبارات الجارحة على مشهد من الناس، ولا يحرك ساكناً فى سبيل ألا يغضب عليه سيده. وقد تمتد به هذه التنازلات لخدمة مديره خارج العمل فى أمور خاصة.
إن وجود مثل هذه الفئات داخل المؤسسات أصبح يهدد الاستقرار والأمن الوظيفي لكثير من الموظفين والعمال الشرفاء الذين يضعون العمل نصب أعينهم دون إرضاءات رخيصة لشخص المدير بعينه. وفى نفس الوقت نجد أن هذه المجهودات المضنية التي يبذلونها فى العمل قد تُنسب الى غيرهم وتُسرق منهم دون أن يشعروا بذلك، لأن هذه الفئة من المتملقين لها مهارات منقطعة النظير فى تضخيم أعمالها والاستعراض أمام رؤسائهم بجهودهم الزائفة.

بمعنى أن هؤلاء لديهم المقدرة على تسويق أنفسهم بشكل قد يدهشك وقد يجعلك فى حيرة من هذه التمثليات المحبوكة بمهارة عالية، وليس بالغريب عليهم أن يصلوا الى قلوب الرؤساء بأن يتخذوا من الآخرين معبراً لهم حتى لو كلفهم الأمر العبور على أنقاض زملائهم في العمل، بعد أن يمزقوهم بالوشايات والأحاديث الملفقة وحياكة المؤامرات فى وضح النهار من أجل أن يقصوهم أو يبعدوهم عن المدير، فما يهمهم فقط هو الوصول، والعمل بمبدأ أنا ومن بعدي الطوفان.
وأخيراً لا بد من توجيه السؤال إلى كل رئيس أو قائم على أمور الناس فى الشركات والمؤسسات والدوائر التى تضم بداخلها مثل هذه الفئة من الناس: أين أنتم من كل هؤلاء المتملقين الذين أصبحوا يسيطرون على الوظائف؟ويُقْصون الأبرياء والشرفاء تحت ستار الحرص على العمل؟ويحظون بالترقيات وزيادة الرواتب دون غيرهم؟فهل أصبحتم لا تميزون بين أولئك الأنقياء أصحاب المبدأ والعطاء والإخلاص فى العمل وبين أصحاب الابتسامات الصفراء الذين تسربت سموم التملق إلى دمائهم وجرت في عروقهم؟ وهذا مردّه لأنكم أصبحتم تهتمون فقط بالقالب الذى يقدم فيه العمل دون التقصي والاهتمام بجوهر العمل نفسه ولا تعنيكم التفاصيل لا بل أصبحتم تستمعون باهتمام شديد الى كل ما يأتى اليكم من وشايات فى مكاتبهم المكيفة المفروشة دون أن تكلفوا أنفسكم سماع الطرف الآخر وأصبحتم كذلك تدعمون المتملقون وأنتم تعلمون علم اليقين أن مثل هؤلاء لا يصلحون للعمل حتى أصبح الموظف الذى لا يبتسم بمجرد رؤيته للمدير يدخل فى زمرة المغضوب عليهم ويوضع ضمن القائمة السوداء.

والسؤال الذي يجب علي أن أوجهه إلى كل موظف: هل أنت صاحب مبدأ في هذه الحياة؟ إذا كان الجواب بنعم فعليك أن تتحمل النتائج والعواقب المترتبة على ذلك، فأنت بالتأكيد ستكون محاطاً بكثير من المؤامرات والدسائس وربما تخسر الكثير في سبيل الحفاظ على هذه المبادئ، ولا سبيل لك غير المقاومة والصمود وأهون عليك ألف مرة أن تخسر كل شيء لكنك تموت بعزتك، ولا تحيا وأنت ذليل. واعلم بأن الرزق لا يتسع لك بتقديم التنازلات غير المشروعة، وحتماً ستجد بانتظارك أبواباً أخرى مفتوحة للرزق كلما أغلقت فى وجهك أبواب. أما إذا أردت أن تكون من زمرة المتملقين المنافقين فستصل الى أعلى المراتب وستتخلص من كل الذين جعلتهم خصوماً لك ببراعة تحسد عليها، وستنجح فيما تصبو إليه من مخططاتك الانتهازية، وستحصد كثيراً من الأموال وتجلس على ذلك الكرسى الذى طالما حلمت به لكنك ستجد بانتظارك دعوة مظلوم وانتقام جبار ولو بعد حين والأمر متروك لك كي تختار.
مقالات
الشيخ كاصد والواوي

عندما دخل الإنجليز العراق عام 1918 بعد أن إنسحب الأتراك من منطقة الفرات الأوسط قاموا بإنشاء معسكراً لهم في هذه المنطقة وكان مكان هذا المعسكر يقع ضمن مناطق نفوذ أحد مشايخ الفرات الأوسط آنذاك وهو الشيخ (كاصد) ولم يكن لهذا المعسكر من مبرر يذكر فكل شيء في هذا المكان هادئ جداً ولم يكن لدى الضباط والجنود الإنجليز أي واجبات تُذكر فكان لديهم الكثير من وقت الفراغ ملؤوه في صيد الثعالب البرية وهذه هواية محببة لدى فئة كبار العسكريين البريطانيين.

وفي أحد الأيام قامت مجموعة من ضباط هذا المعسكر البريطاني بِمطاردة واوي داخل عمق مناطق بساتين الشيخ كاصد وبعد أن تمت محاصرته وجدوه جميل الشكل والمنظر فقرروا أسره وشحنه إلى بريطانيا وتشاء الصدف أن يشهد حادثة الأسر هذه أحد رعيان المنطقة فامتعض مما رأى إمتعاضاً شديداً وبعد مغادرة البريطانيين البستان جمع أغنامه على عجل وأوصلها إلى مقرها ثم توجه فوراً إلى مضافة الشيخ كاصد.

دخل هذا الراعي المضافة على الشيخ كاصد فوجده جالساً مع رجاله فقام برمي عقاله على الحصيرة وأخذ يقول: واوينا يا كاصد شنهو سبب أسره؟ تراجية ذهب والطوق من فضة جم صوجر بصوجر بالسدر عضة مأسور إلى لندن يودونة؟ عندئذ ساد الهرج والمرج في المضافة من شدة وقع هذا الكلام على الحضور وقالوا بصوت واحد: شلون الواوي يروح أسير إلى لندن؟ وعلى الفور جمع الشيخ گاصد مجموعة كبيرة من المسلحين وتوجه بهم إلى المعسكر البريطاني فدخلوه على غفلة وفتكوا بكل الجنود البريطانيين الموجودين فيه وبحثوا مطولاً عن الواوي دون جدوى ولم يجدوا له أثراً فعاد الشيخ گاصد مع رجاله إلى ديارهم وهو يرتعد من الغضب بعد أن تم شحن الواوي إلى لندن.

فوجئ العسكر البريطانيون بما حدث لهم في معسكرهم واعتبروه إهانة لملكتهم المعظمة وللتاج البريطاني وقرروا فيما بينهم قطع رأس الشيخ گاصد مقابل ذلك لكنهم إحتاروا في كيفية تنفيذ هذا القرار الصعب فلجأوا إلى الحيلة كعادتهم حيث طلبوا من الشيخ گاصد أن يتوجه لمقر المندوب السامي البريطاني في بغداد للتفاوض معه على ما حصل لهم في المعسكر هذا في الظاهر أما في الباطن فكان الغرض الحقيقي هو الإنفراد بالشيخ كاصد وأسره ومن ثم تنفيذ حكم إعدامه وعلى الفور إكتشف الشيخ كاصد لعبتهم الدنيئة ورفض طلبهم هذا وقال لهم: من يحتاجني فأنا موجود في مضافتي.

رفض المندوب السامي طلبه واقترح عليه أن يكون اللقاء في القطار الذي سيتوقف في أقرب محطة من مقر الشيخ گاصد وفي ضميره أن يأسره في القطار ويتوجه به إلى بغداد ويعدمه هناك فأدرك الشيخ كاصد ما ينوون فعله لكنه وافق وتوجه إلى المحطة المتفق عليها بعد أن جمع رجال أشداء من جميع عشائر الفرات الأوسط وصعد إلى القطار ليفاوضهم وحاول بحلاوة المنطق أن يعيد الواوي إلى موطنه.

وعلى الرغم من ذلك فقد طلب المندوب السامي مبلغاً كبيراً من المال مقابل الجنود الذين قتلوا في المعسكر البريطاني وحاول هذا المندوب أن يكون حاداً مع الشيخ وخاطبه بكل عنجهية واستعلاء عندها أدرك الشيخ گاصد أن لا جدوى من الكلام مع المندوب السامي البريطاني فقال له: إنني لست أنا بصاحب قرار في هذا الموضوع ولكني سأنقل رغبتك بكل أمانة لإخوتي وأنا سأطيعهم في ما يقررون وخرج الشيخ من القطار ولم يجرأ أحد على إيقافه.

عندها أشار على المندوب السامي أحد مرافقيه بأن يغض الطرف عن موضوع الجزية وأن يعد الشيخ بإطلاق سراح الواوي بأسرع وقت ممكن فقال له المندوب السامي: ومن أين لي بالواوي؟ فقال له: عليك يا مولاي أن تحضر لهم أي واوي من أي مكان وتعيده لهم فاقتنع المندوب السامي بما قاله مستشاره وأبرق إلى بغداد وأمرهم أن يرسلوا له أي واوي وبأسرع ما يمكن وكان له ما أراد.







