عينوا للمدرسة مديراً للعلاقات العامة


cksu13171442092
العمل الصحيح يُعلن عن نفسه بنفسه ولا يحتاج دعاية

أذكر وأتذكر الآن بعد هذه السنين الطويلة أن الأستاذ أنور الحناوي رحمه الله عندما كان مديراً للكلية العلمية الإسلامية في نهاية القرن الماضي كان يرفض أن يضع صورة لطالب من الطلاب الذين حصلوا على معدلات عالية جعلتهم من أوائل الثانوية العامة على طلاب المملكة في صحيفة يومية عندما كان يُطالب بذلك وكان يقول: العمل الصحيح يُعلن عن نفسه بنفسه ولا يحتاج إلى دعاية أما عندما يكون العمل خاطئاً عندها يحتاج إلى دعاية كي تجعله صحيحاً إن المبالغ التي تدفعها المدارس الخاصّة على الدّعاية عن نفسها وعن مدرائها ومُدرسيها وموظفيها في كل سنة هي أكثر بكثير من أموال الزكاة التي تدفع للفقراء والمساكين يا أولي الألباب.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

 

غيروا إسم المفتش إلى موجه


images
لحل أي مشكلة يكفي تلوينها فيتغير إسمها 

لا زلنا (كمجتمع) نؤمن بالحلول (السحرية) للمشكلات!لا سيما بعد أن إبتكر لنا قادتنا (الميدانيين) طريقة جديدة من طرق حل المُشكلات والتي تقول: يكفي لحل أيّ مشكلة تلوينها فيتغيير إسمها وتختفي من الوجود فمثلا لحل مُشكلة (الأعمى) قاموا بتغيير إسمه وأطلقوا عليه (البصير) وأقنعونا بأنهم قد حلوا مُشكلته ولحل مشكلة (سنّ اليأس) عند المرأة قاموا بتغيير إسمه وسموه (سنّ الأمل) وأقنعونا بأنهم حلوا مشكلة المرأة ولحل مُشكلة (الموت) قاموا بتغيير إسمه إلى (عُرس) وأقنعونا بأن الموت لم يعد مشكلة ولحل مشكلة التعليم قاموا بتغيير إسم (المُفتش) إلى (مُوجه) وأقنعونا بأنهم حلوا مشكلة التعليم إلى الأبد.

www_abod-1_com (9)
الموجه ما هو إلا مُدرس استطاع أن يُقنع مُديره بشخصه 

بعد هذه السنين الطويلة التي قضيتها في سلك التعليم والتعلم وجدت أنّ ما يُسمونه (مُوجهاً) ما هو إلا (مُدرس) إستطاع أن يُقنع مُديره بشخصه بعد أن فشل في إقناع طلابه بشخصيته وبأن هذا الموجه يُجيد فن العلاقات العامة ويميل إلى الكسل والوجاهة أكثر من أن يُجيد فن التدريس وبعد أن يصبح موجهاً يقوم بتوزيع عُيوبه على كل المُدرسّين المسؤول عنهم فكلما قلّ عددهم زادت عُيوبهم وكلما زاد عددهم قلت عيوبهم والعجيب في الأمر أنه يعرف نفسه أكثر مما يعرفه الآخرون لكنه بعد أن يُصبح مُوجهاً يكتشف عبقريته (لوحده) بعد غياب طويل.

16614791-orange-cartoon-characters-sit-in-on-a-lecture
أقترح أن يكون في المدرسة صفّ يُدرّسه هؤلاء المُوجّهون 

وإذا به صاحب صولات وجولات وتجارب وإختراعات في حقل التربية والتعليم يجهلها كل من كان يتعامل معه من زملائه المدرسين المسؤول عنهم فيجعلها مُقرراً إجبارياً عليهم لينهلوا من علمه (الغزير) حتى ولو كان طالباً عند أحدهم وبرأيي الشخصي أنّ هذه الوظيفة (زائدة) على الجسم التربوي فهي تربك التعليم ولا تقدمه وإذا أصرّ البعض على وجودها أقترح عليهم أن يكون في كل مدرسة صفّ يُدرّسه هؤلاء المُوجّهون (الفطاحل) وحدهم ليُخرّجوا لنا (عباقرة) للأيّام القادمة.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

كسروا هيبة المعلم


_00_0__0
كل إدارة تجبر المعلم أن يغير لونه ويتلون بلونها

كسروا هيبة المُعلم وأصبح هذا المعلم المسكين مُطارداً من قبل الجميع مطارد من قبل  الإدارات المدرسية المُتعاقبة فكلّ إدارة تأتي تنسف ما بنته الإدارة التي سبقتها وتلوّن المُعلم بلونها الجديد وعندما تذهب هذه الإدارة وتأت إدارة جديدة غيرها يضطر هذا المُعلم أن يُزيل لونه القديم بنفسه ويلوّن نفسه بلون الإدارة الجديدة ولك أن تتخيّل كم مرة تتغيّر هذه الإدارات في المدرسة الواحدة؟وكم مرة يقوم المُعلم بتغيير لونه أمام طلابه مما أفقده مصداقيته أمامهم؟.

images_bmjx
يُريد الطالب أن ينجح وبأي طريقة كانت

وأصبح المُدرس مُطارداً أيضاً من الطالب نفسه فهو لا يُريد أن يسمع ما يقوله المُدرس في المدرسة ولا يُريد أن يدرس في البيت لكنه يُريد أن ينجح وبأي طريقة كانت أما وليّ أمر الطالب فيُقنع نفسه بأنه يدفع على ابنه مبالغ طائلة في المدرسة ويُوفر له كل شيء من مُستلزمات تعليم هذه الأيام فهو يُرسله إلى المراكز المُختلفة ويُحضر له العباقرة من المدرسين الخصوصيين ويدفع لهم المبالغ الطائلة وبالتالي له الحق في أن يرى أولاده من المتفوقين أما إذا حصل العكس فسببه يكون مُعلم المدرسة فقط لا غير.

12728783_1307985722561125_8588923053983644609_n

وأصبح المُعلم فوق ذلك هو الحلقة الأضعف بين موظفي المدرسة فيُكلفونه بأعمال السكرتارية فعليه أن يجمع الصور والرسوم وطلبات دفاتر تأجيل خدمة العلم وطلبات وشراء الكتب للطلبة ويقوم بأعمال كل المهن المساعدة الأخرى ممّا قد يُعرضه للمُسائلة فيما لو حصل خطأ ما وأحياناً يدفع من جيبه الخاص ثمن هذا الخطأ وأصبح المُعلم يقف أمام الطالب في مراكز الشرطة وقد يكون رئيس المركز أحد طلاب هذا المعلم وقد التقيت مرة مُوجهاً كبيراً في وزارة التربية يمدح نفسه ويشكر الله على أنه لم يدخل مركزاً للشرطة قط عندما كان مُعلماً لكن زملائه جميعاً دخلوها مراراً وكان هو الذي يتكفلهم.

36169

وأصبح المُعلم مُطارداً من الصحف اليومية ونادراً أن يخلو عدد من صفيحة يومية من مُشكلة صنعها معلم لطالب غلبان وإذا لم يجدوا مُشكلة عندنا يستعيروها من الأخبار العالمية وقد تمكن التلفاز أيضاً من منافسة هذه الصحف اليومية لا بل تفوق عليها بعد أن أصبح يقف مع الضحية الطالب بالصوت والصورة حتى أن المُعلم لم يسلم من الفن والفنانين فها هي مدرسة المشاغبين وأبطالها قد أصبحت مثلا يحتذى به لطلابنا من المحيط إلى الخليج فنكون بذلك قد وحّدنا أمتنا العربية على الاستهزاء بالمعلمين كمقدمة للوحدة العربية الكبرى وكلما نسيها جيل تقوم هذه المحطات بتذكيره بها في الأعياد والمناسبات الرسمية وما أكثرها.

Lets-have-conversation
أصبحت محطات البث الإذاعية تدلنا على المدارس الجيّدة والمُدرسون الجيّدون الذين يدفعون لهم ثمن الإعلان

وأخيراً ساهمت محطات البث الإذاعية الجديدة وألقت بدلوها هي الأخرى في حقل التعليم ولكن بطريقة مُختلفة وأصبحت تدلنا على المدارس الجيّدة والمُدرسون الجيّدون الذين يدفعون لهم ثمن الإعلان من خلال عرضهم لبرنامج اسمه أستاذ على الهوى يمدحون فيه كل من يدفع لهم أكثر بعد أن يُجهز هذا الأستاذ جوقة من أولاده وزوجاته وجيرانه وأقاربه ليكيلوا له المديح على الهواء مباشرة وتساعدهم المُذيعة بعد أن تتحمس فتطلق على من يدفع ألقاباً ما أنزل الله بها من سلطان مثل أصغر مدير في العالم العربي وملك الرياضيات في الشرق الأوسط الجديد وقاهر الكوفيين والبصريين في النحو والصرف وغير ذلك من الألقاب التي لو استمعت إليها لعشت سوق عكاظ جديد.

403044964_352660880

وقد تفنن المسؤولون من خارج الميدان وجعلوا المُعلم حقلا لتجاربهم واخترعوا له أعمالا كتابية أثقلوا عليه بها ليقال عنهم أنهم يُطوّرون في مهنة التعليم لكن الخلل يأتي من المُعلم نفسه الذي لا يستخدم استراتيجياتهم التي يضعونها له ولكي يظهروا أنفسهم أمام مسؤوليهم بأنهم مُطوّرين ونسوا أو تناسوا أن من يُطور هو الميدان نفسه وقد سمعت أخيراً وليس آخراً عن الخط الساخن الذي تنوي الوزارة تركيبه في المدارس كي يتصل منه الطالب إذا تحرّش به أستاذه وأنا بدوري أقول للوزارة ما عليها إلا أن تنتظر سنوات معدودة وستركب خطاً ساخناً آخر ولكن هذه المرّة للمعلم إذا تحرّش به الطالب.

c3b8c2aac3b9e2809ac3b8c2afc3b9c5a1c3b8c2b1-c3b8c2b7c3b8c2a7c3b9e2809ec3b8c2a81
كتب شكر وهمية تعطى للطلاب 

وأصبح همّ الإدارات المدرسية التعرّف على وليّ أمر الطالب بدلا من الطالب نفسه فاذا كان والده في مركز مرموق يجلسوه بينهم ويشركوه في قراراتهم ويخترعون له مجالات التفوق الكاذبة ويشبعوه من شهادات الشكر والتقدير والجوائز والمكافأت لأسباب عدة منها اتقاءاً لشره أولاً وللحصول على خدماته بشكل أو بآخر ثانياً أو قد يُحتمى به في يوم من الأيام عندما تهب عليهم رياح التغيير ثالثاً ويحدث كل هذا وأساتذتهم مركونون على الرف.

dsc03769
ألغوا القيام والجلوس بفتوى دينية 

كان في الماضي القريب يُقام للمعلم ويُقعد والقيام للمُعلم لا يعني استعباد للطالب كما فهم أو كما يدّعي البعض لكنه يعني أن يترك هذا الطالب كل شيء بيده ويُغلق على ما يدور في رأسه من أفكار لا تعني المعلم القادم ليستمع للحصة وأما القعود فيعني أن الطالب أصبح مُستعداً لتلقي الحصة فألغوا القيام والجلوس للمُعلم بفتوى دينية لا تنطبق إلا على هذا المعلم فقط بدليل أنهم ما زالوا يقومون ويقعدون لجميع المسؤولين الآخرين.

img_1394328115_146
المدير يقرر موعد الإمتحان ويلغيه إذا إحتج الطلاب 

أذكر وأنا في المرحلة الابتدائية عندما كان الأستاذ يسأل طالباً في جدول الضرب مثلاً ولا يعرف الجواب كان يقول له اجمع كتبك ويُنزله صفاً أو صفين إلى أسفل ولم أسمع من كان يجرأ على الاحتجاج أما اليوم فقد سلبوا من المُعلم صلاحياته فالمُدير يُقرّر موعد الامتحان ويُلغيه إذا احتج أحد الطلاب على موعده وهو الذي يُقرّر إعادة الإمتحان ويتدخل في نتيجة هذا الإمتحان لصالح الطالب حتى أنه يُملي على المُعلم علامة السلوك للطلبة وليس مُربي الصف.

3038_6_29_82
أجبروا المعلم على حملها إما بين يديه أو في صندوق 

أما أداة التعليم الأبدية وهي مسّاحة اللوح فيقوم أحد الطلبة بإخفائها مُتعمداً فيستعير المعلم مسّاحة من صف مُجاور فيخفيها الطالب هي الأخرى وتتكرر هذه العملية إلى أن يصبح في الطابق الواحد مسّاحة واحدة ومثل هذا الموقف لا يعني الإدارة بشئ لأن ضبط طلابهم سيُخفف من شعبيتهم فتفتقت قريحتهم بإصدار فرمان يُلزم كل مُعلم بحمل مسّاحته وطباشيره معه فيقوم المُعلم بكتابة اسمه على مسّاحته خوفاً من استعمالها من قبل زميل له وهم بذلك استطاعوا أن ينقلوا المشكلة من الطالب إلى المعلم ويجبروه على حملها إما بين يديه أو في صندوق أو علبة ولك أن تتخيل المنظر.

d8add985d8a7d985d8a9
حارس البستان 

ولا ننس صورة المُعلم في الأفلام المصرية القديمة فقد جرت العادة على أن تكون صورة هذا المعلم مُشوشة ومُحبطة ومُتخلفة ولا تعيش في هذا العالم بل تعيش في عالم آخر وصاحب شخصية تُقاد ولا تقود فكان لكل هذه الأسباب وغيرها الكثير أن جعلوا من شخصية معلم المدرسة أقل شأناً من حارس البستان فحارس البستان يا سادة على الأقل تهابه الطيور الضعيفة أما المعلم في هذه الأيام فلا يهابه أحد لا بل أصبحت الصقور تحط فوق رأسه وتسخر منه.

 

 لماذا تركت مهنة التعليم؟

كسروا هيبة الإمتحان


images2
كسروا هيبة الإمتحان 

لم يكتف هؤلاء الطارئين على مهنة التعليم بكسر هيبة الطابور الصباحي فقط بل كسروا أيضاً هيبة الإمتحان عندما جعلوا للطالب الحق في أن يسأل أو أن يتكلم أو أن يقرأ سؤالا أو أن يُجيب زميله على سؤال يسأله أثناء الامتحان أو أن يطلب أستاذه في أي وقت يشاء كي يستوضح منه ما التبس عليه فهمه من أسئلة الإمتحان والأهم من ذلك كله أنهم رفعوا شرط حضور الطالب بداية الامتحان وأصبح الطالب يحضر إلى قاعة الإمتحان وقتما يشاء!وعليه فلم يعد هناك من زمن محدد على الطالب أن يسلم في نهايته ورقة الإجابة بل أصبح كل ما هو مطلوباً منه هو فقط حضور الإمتحان!.

tawjihi2001
تصحيح أوراق الإمتحان 

أما بعد تصحيح أوراق الإمتحان فحدّث ولا حرج فقد أصبح الطالب إذا لم تُعجبه علامته يعترض ويذهب ويشكو أمره للمدير أو من ينوب عنه وهو مُتأكد من أنه لن يخرج خائباً من عنده فيقترح المدير على المعلم إعادة إمتحان هذا الطالب إما بالأمر أو بالمُخاجلة وقد يلتقطها المعلم الوصولي ويقوم بتنجيح هذا الطالب في ذلك الإمتحان دون إمتحان ليرضي مديره وتنتهي المشكلة بفوز هذا الطالب على معلمه!.

24-4-asd
معلم غير متعاون

أما إذا كان هذا المعلم مخلصاً في عمله ولا يهمه إرضاء مديره فسيُتهم بأنه يحمل السلم بالعرض وعليه أن يدخل في معركة أبطالها المُدير والطالب ووليّ أمره وقد يُستعان بالمُوجه إذا لزم الأمر ويفوز بها الطالب ويخسر بها المُعلم خسارة مادية عند كتابة التقرير آخر السنة وخسارة معنوية بعد أن أصبح غير مرغوب فيه في هذه المدرسة لأنه غير متعاون مع زملائه  ومع حضرة المدير فالتهمة جاهزة وعليه أن يبحث له عن مدرسة تقبله إذا أراد أن يبقى في سلك التعليم!.

صوره_صور_ساخرة_تعكس_p
طالب اليوم

وهم بذلك نجحوا في إضعاف شخصية المعلم أمام طلابه حتى وصل به الأمر أنه لا يجرؤ أن يُوزع أوراق امتحانه في حصته خوفاً من مواجهة طلابه فيضطرّ إلى توزيعها في غير حصته!ومثله يفعل المدير فعندما يُريد المدير أن يوزع الشهادات على طلابه يختار آخر حصة من يوم الخميس ليذهب كل طالب بعدها إلى بيته ويأتي يوم الأحد وقد نسي ما كان قد حصل معه في المدرسة!وأُنهي كلامي لكم بالمرور على قانون الغش في الإمتحان الذي يقول:إذا ضُبط الطالب يغش من برشامة في امتحان ما فلا يجوز للمراقب أن يكلمه بل يتركه يغش منها وبعد أن ينتهي الطالب من امتحانه يقوم المراقب بكبس هذه البرشامة في دفتره وعند تصحيح هذا الدفتر تخصم العلامة التي نقلها الطالب من البرشامة فقط!.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

كسروا هيبة الطابور المدرسي


109779191
طابور الصباح مرآة تعكس سير العمل في المدرسة 

طابور الصباح في المدرسة عادة ما يكون مؤشراً على مسار اليوم المدرسي للطالب إن كان سلباً أو إيجاباً وفي الوقت نفسه يعتبر مرآة تعكس سير العمل في المدرسة بشكل عام ويعطي انطباعاً فورياً عن العلاقة القائمة بين المدير والمعلمين والطلاب لكنهم كسروا هيبته بالتغاضي عن الطلاب الذين لا يحضروه بينما جعلوه شرطاً على المعلمين فإذا تأخر المعلم حاسبوه أَما إِذا تأخر الطالب فلا يسألوه لهذا فقد أصبح الطالب ينتظر في الخارج حتى ينتهي الطابور ثم يدخل غرفة الصف دون أَن يحاسبه  أَحد.

images
 يُحْضِر الطالب ما معه إِلى الطابور 

أَما إِذا أجبر الطالب على حضور الطابور الصباحي (وهذا نادراً ما يجدث) فيقف فيه لا مبالياً بما يرى أو يسمع ولا يستجيب للتعليمات التي تطلب منه ولا ينفذها دون أَن يجد من يحاسبه أو يعاقبه أما إِذَا قُرِع جرس الطابور وكان هذا الطالب موجوداً في المقصف مثلا فَقَد يُحْضِر ما معه من شاي أَو عصِير أَو ساندويش إِلى الطابور وفي الطابور يُكمل مَا كَان يأكل أو يشرب دون حساب أو عقاب لهذا فقد الطالب أهمية البداية لليوم المدرسي الفعّال.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

حوّل المرتزقة المدرسة إلى مزرعة


m1
أصبح عليك كمعلم أن تكون بوقاً لأحد هؤلاء الديكة 

بعد أن جاء (المرتزقة) إلى حقل التربية والتعليم استطاعوا بكل سهولة أن يحوّلوا المدرسة إلى (مزرعة) فيها بضع دُيوك مُتصارعة على إرضاء صاحب القرار بأي طريقة كانت حتى لو إضطروا إلى تزوير حقائق أو السكوت على باطل كي تبقى صورتهم في ذهن صاحب القرار دائماً (وردية) وليُظهِروا له أنه من دونهم ستقف الحياة وبهذا أصبح عليك كمعلم أن تكون (بوقاً) لأحد هؤلاء الديكة كي يحميك من شرور زملائه الديكة الآخرين في المدرسة ويُعفيك أو يُخفف عنك (إن شئت) العمل الصعب أو ليغضوا الطرف عنك في العمل بشكل عام وليغدقوا عليك العطايا المُباشرة أو غير المُباشرة والتقارير المُمتازة!.

morgannews_2013-04-25_11-45-06_khsoof
خسوف 

وإذا ركبت رأسك ولم تنضم إلى أحد الديكة فستبقى تراوح مكانك (قف)في أحسن الأحوال وستكون أنت السبب في كل خسوف أو كسوف يحدث داخل المدرسة أو خارجها لهذا لم تعد المدرسة كما كانت في الماضي قادرة على توفير البيئة الصحيحة لإنتاج المتعلمين بكل ما يستلزمه ذلك من تغيير في السلوك والذهنية ومنظومة القيم وتحملهم لمسؤولياتهم الكبيرة الملقاة على كاهلهم بل تحولت المدرسة إلى مزرعة لهؤلاء المرتزقة الذين استطاعوا أن يُفشلوا دور المدرسة والمدرس في التأكيد على أهمية العلم والمعرفة كقيمة من قيم المجتمع!.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

وبقي المعلم محترماً إلى أن جاء المرتزقة


2725358
أصبح التعليم في زماننا هذا مهنة من لا مهنة له 

أصبح التعليم في زماننا هذا مهنة من لا مهنة له فأيّ جامعيّ عاطل عن العمل يستطيع أن يعمل مُدرساً إن لم يكن في مدارس وزارة التربية ففي مدرسة خاصة ويبقى في هذه المهنة المؤقتة إلى أن يتوب الله عليه ويجد عملا آخر بمهنته الأصلية فيترك التدريس لأهله ويذهب إلى مهنته الحقيقية وفي الماضي الذي ليس هو بالبعيد كان التعليم طريق يسلكه كل من (يُفكر) بالقيادة والزعامة وما أن يحصل على الخبرة التي يُريدها يترك التعليم وأهله لا بل يحقد عليهم لأنهم يُذكروه بماض كان قد تولى ولا يريد تذكره من خلالهم بدليل أن معظم قياداتنا كانوا قد جربوا التدريس وعاشوا ظروف المهنة لكنهم لم يُغيروا فيها شيئاً عندما أصبحوا في مراكز القيادة.

23211048
 اربط الحمار أينما وحيثما يُريد لك صاحبه

والأغرب من هذا كله أن غالبية المُدرسين الذين رأيتهم يكرهون مهنتهم لكنهم مُستمرون فيها تحت شعار (إربط الحمار أينما وحيثما يُريد لك صاحبه) فتحت هذا الشعار دخل وأُدخِل على هذه المهنة مفاهيم جديدة لا تمت إلى التعليم بصلة فهناك من درس زراعة أو هندسة أو تجارة وأصبح يقود ويُنظر في التعليم وطرق التدريس ولم يكتف هؤلاء الناس بذلك بل أغرقوا وزارة التربية والمديريات والمدارس بجيش من العاطلين عن العمل وخلقوا لهم وظائف سموها (مهن مساعدة) كي تساعد المدرس في العملية التعليمية.

images-1-22
المهن المساعدة أصبحت سلطة أخرى على المعلم 

فأصبحت هذه المهن سلطة أخرى على هذا المعلم ولكنها هذه المرة سلطة (غير متعلمة) أضيفت إلى ما عليه من سلطات وهذه الفئة لا تفهم شيئاً عن كرامة المعلم وبشكل عام لا يهم المرتزقة الذين كانوا قد دخلوا في سلك التعليم تعلّم أولاد (يعبد) أم لم يتعلموا بل تهمهم مصالحهم الشخصية فهم كالخلايا السرطانية عندما تدخل في جسم الإنسان فهي تعيش لنفسها فقط ولا يهمها الجسم الذي تعيش في داخله.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

ومع كل هذا كان المُعلم مفخرة


d8acd8a7d8a6d8b2d8a9-164x300
جوائز للمعلمين

رغم ظهور المفاجئة وما تلاها من صدمة إلا أنه كان للمدرس قيمة معنوية ومادية لدى جميع طبقات المجتمع في ذلك الوقت فكانت المدارس جميعها تقبل أبناء المدرس مجاناً مهما كان عددهم!وتوفر لهم الزي المدرسي صيفاً وشتاءاً بالمجان مع وجبة إفطار يومية وكان المدرس يختار مدرسة أولاده وعلى الصعيد الشخصي لن أنس في يوم من الأيام أن أخي الأصغر كان قد قُبل في جامعة الكويت لكوني مدرساً في وزارة التربية وفوق ذلك كله كان يُقبل إبن المدرس في الصف الأول الإبتدائي أقل عمراً من الطالب العادي بثلاثة شهور وكانت تُعطى للمدرس رخصة لقبادة السيارة دون إمتحان وإذا وجد هذا الإمتحان فيكون شكلياً فلن أنسى ذلك الشرطي عندما سألني عن مهنتي وعلم أنني مدرساً عندها قال لي يالحرف الواحد: يا أستاذ أنت تمتحن الناس ولا تُمْتَحْن أنت ناجح لا بل أكثر من ذلك فكانوا إذا إرتكب المدرس مخالفة مرورية أو غيرها من المخالفات البسيطة يسامحونه.

untitled
كان الحلاق يتفنن في قص شعر المدرس

وكانت شركات القطاع الخاص الكبيرة تعطي المدرس (خصماً) على جميع مشترياته وتقبل كفالته لنفسه عند الشراء بالأقساط بينما غيره من الموظفين كان يحتاج إلى كفيل لهذا كان يفتخر كل من له قريب أو صديق مدرس لأنه سيساعده على شراء حاجياته حتى الحلاق كان يتفنن في قص شعر المدرس إذا علم ذلك الحلاق أن من يحلق له مدرساً هذا عدا عن أن الوزارة توفر لهذا المدرس وأسرته السكن المفروش الملائم وتعمل على صيانة مرافق هذا السكن على مدار السنة وكانت الوزارة تُوفر لمن يريد من المدرسين وجبة إفطار يومية في المدرسة هذا عدا عن التكريم الذي كان يلقاه من إدارة المدرسة والوزارة وأولياء الأمور المقتدرين مادياً وكان وجوده ضرورياً في كل جاهة أو حفلة أو إجتماع.

news_222272
الكُلِّيَّة العِلْمِيَّة الإِسْلَامِيَّةِ في جبل عمان

ودارت الأيام على المدرسين حتى تولاهم من لا يخاف الله فبعد أن كانت المدارس تسعى خلفهم وتمنحهم مختلف أشكال التكريم المعنوي والمادي أصبحت تتهرب حتى من أبسط إلتزاماتها نحوهم وليس أدل على ذلك مما ترون من كتب الشكر التي إمتلأ بها ملفي الشخصي فيما مضى مما يدلل على عطاء عال في بدايات طريقي المهني إلا أنني لأم أتلق حتى ورقة واحدة أو حتى كلمة شكراً من آخر مدرسة عملت بها خمسة عشر سنة متتالية وهي الكلية العلمية الإسلامية في جبل عمان كنت في قمة عطائي بها بعد أن تراكمت لدي خبرات مختلفة في التعليم حيث حصدت هذه المدرسة كل خبراتي وَشَهِد لِي الجَمِيع بها بالأمانة والإخلاص وَالأَدَاء المُتْقَن والخبرة العالية.

image
المدرس موظف مطلوب منه إرضاء الزبائن (الطلاب) 

مع أنني ألوم إدارات هذه المدرسة المتعاقبة تحديداً لكنهم جزء من نظام عام كان قد  أفقد المدرس هَيْبَتَه وكينونته التي كان يتمتع بها في ما مضى وأصبح المدرس في نطرهم موظف مطلوب منه إرضاء الزبائن (الطُّلَّابُ) في كل ما يريدون دون أي إعتبار للرسالة التي يؤديها وإذا ما بقي حال من يمسك بزمام أمور التعليم في بلادنا العربية على ما هو عليه الآن سوف لن تجدوا من يعلم لكم أبنائكم في الغد القريب.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

أول صفعة لي بعد أن أصبحت معلماً


Scan11344
في ثانوية عيدالله السالم 

عندما تخرجت من جامعة حلب سنة ١٩٧٣عملت مدرساً في الكويت وعندما دخلت الحصة الأولى على صف توجيهي خطر في بالي أن أسألهم قبل أن أدرسهم: مَنْ منكم يُرِيد أن يصبح طبيباً؟ فرفع يده عدد لا بأس به من الطلاب ثم سألتهم: من منكم يُرِيد أن يصبح مهندساً؟ فرفع عدد أقل من العدد الذي رفع يده في المرة الأولى وأكملت بقية أسئلتي للطلاب إلى أن وصلت إلى المدرس فسألتهم: من منكم يُرِيد أن يصبح مدرساً؟ فضحك كل طلاب الصف معاً ولم يرفع يده أحداً منهم فكانت إجابة الطلبة على أسئلتي أول صفعة تلقيتها بعد أن أصبحت مدرساً.

لماذا تركت مهنة التعليم؟

أول مفاجئة لي قبل أن أصبح مدرساً


tips-for-job-interview
قبل المقابلة

بعد أن تخرجت من جامعة حلب سنة ١٩٧٣ ذهبت إلى دولة الكويت مباشرة للعمل في مدارسها وما أن وصلتها قمت بتقديم طلب للتدريس في وزارة التربية وطلبوني للمقابلة في مبنى الوزارة وهناك جلست على مقعد ومعي مجموعة من المدرسين ننتظر دورنا في المقابلة واحتاج من يُقابلنا كرسياً إضافياً في مكتبه فطلب من الآذن أن يأتي له بكرسي فما كان من هذا الآذن المحترم إلا أن تقدم نحونا وقال لنا بلهجة أعرابية: قم قم أنت وإيّاه (وهو يعلم بأننا مُدرسون أو في طريقنا لنصبح مُدرسين) فقمنا عن المقعد الذي نجلس عليه وحمله وأدخله الى غرفة المدير وبقينا واقفين إلى أن بدأت المقابلة فكانت هذه أول مفاجئة لي قبل أن أصبح مدرساً فأنا لم أكن أعلم أن الآذن قد يأمر مُدرساً بالوقوف ويسحب من تحته المقعد بل كل ما أعرفه أن الآذن إن رأى مُدرساً واقفاً يُحضر له مقعداً ويُجلسه.

لماذا تركت مهنة التعليم؟