أوعية نقل وتخزين الماء في بلدنا


BenQ Corporation
نبع عبن عادي 

كان الحصول على ماء للشرب، هو مشكلة المشاكل لسكان هذه القرية، (وأنا منهم)، قبل سنة 1957، أي قبل أن تقوم (النقطة الرابعة) بجرّ مياه نبع عين عادي، إلى منتصف هذه القرية، بواسطة مواسير معدنية، تحت تأثير الانسياب الطبيعي، وكان أهل هذه القرية قبل ذلك، يحصلون على ما يحتاجونه من الماء من نبع بير الدرج، بعد أن يقوموا بنقله، وتخزينه في بيوتهم في أوعية خاصة به، كانت قد انقرضت، أو في طريقها للإنقراض في هذه الأيام.

1386186046_0
جيل الأحفاد

لهذا، فقد رأيت أن أكتب إلى جيل  الآباء والأحفاد منكم، عن هذه الأوعية، التي كان الآباء والأجداد يستخدمونها في حياتهم اليومية لحفظ الماء، أكتبها لكم كي يرى هؤلاء الأحفاد بأم أعينهم، جانباً من جوانب المعاناة الكبيرة، التي كان الأجداد قد عايشوها في الماضي، الذي هو ليس ببعيد، ويحمدوا الله على النعم التي يعيشون بها في هذه الأيام، فكان من أهم هذه الأوعية التي عاشت معهم، وتعايشوا معها هي: 

الـزيـر

16020_1448022515511008_1181950903395683908_n
الزير 

وهو وعاء من الفخار، كمثري الشكل، كانوا يشترونه من بائع الفخار، الذي كان يحمل أوعيته الفخارية في (ﺳﺣﺎرتين)،  ويبيعها للناس ﺑﺎﻟﻣﻘﺎﻳﺿﺔ، ﺣﻳﺙ يُبدّل ﻛﻝ زير من الفخار ﺑﻣﻠﺋه  ﻗﻣﺣﺎً في الغالب، ﻭإذا تعذر وجود القمح فزيتوناً أو ﻋﺩﺳﺎً وقد يبيعه ﺑﺎﻟﻧﻘﻭﺩ لمن يستطيع ويقدر، وكانوا قلة من أهل هذه القرية، ويوضع هذا الزير عادة في ركن من أركان البيت الداخلية، بعد أن يُثبت جيداً على حامل من الحديد، ويوضع تحته وعاء لجمع المياه الراشحة منه، أو يوضع هذا الزير على الأرض مباشرة بعد عمل قناة خاصة لإخراج الماء الراشح منه، ويغطى بغطاء خشبي أو غطاء معدني أو بغطاء يصنع من القش.

koldair-7584-139601-1-zoom
كان هذا الزير بمثابة كولر الماء في هذه الأيام

وفي جميع الحالات يجب أن يكون لهذا الغطاء مقبض كي يحمل منه وفوق هذا المقبض أو بجانبه توضع كأس اسطوانية الشكل مصنوعة من التنك أو من التوتيا كي لا تنكسر من كثرة الاستعمال الشخصي تسمى الكيلة، ومنها يشرب جميع أفراد الأسرة، ويجب أن لا يفرغ هذا الزير من الماء، لا ليلاً ولا نهاراً، وملؤه بالماء منوط بعمل المرأة، وكان هذا الزير بمثابة كولر الماء في هذه الأيام، نظراً لما تحويه جدرانه من مسامات تسمح له بتبخير الماء، وبهذا يحافظ على الماء الذي يكون بداخله بارداً وخاصة في فصل الصيف.    

803439607
الهشة

الهِـشـّة: وهي وعاء تصنعه النسوة من تراب الحِوّر، الموجود في أماكن معينة من أرض القرية، يقمن بإحضاره، ثم عجنه وتشكيله، على شكل حبة الكمثرى، فهي تضيق من الأعلى، ومن الأسفل، وتتسع من الوسط، كي تحوي أكبر مخزون ممكن من الماء يحتاجه سكان البيت، ويقمن بعمل عروتين لها على جانبيها وباب واسع من أعلى أوسع من باب الزير لماذا؟ وبعد أن تجف قليلا يشوينها في النار ثم يقمن بتزيينها من الخارج برسومات وأشكال مختلفة، وتحاول كل امرأة أن تظهر ما بداخلها من ابداع في صنع هشتها، وتجميلها وبعد أن تملأ بالماء، تغطى بغطاء خشبي أو معدني يكون أوسع من باب الهشة كي يمسك بطرفه، عند الاستعمال.

فهرس
تنكة الهشة

ويستخرج الماء من داخلها بواسطة وعاء معدني أكبر بكثير من الكيلة، وفي العادة يكون تنكة، سمنة فارغة أو أي تنكة أخرى تشبهها وتوضع الهشة عادة في مكان خارج البيت يختار بعناية، بحيث تكون بعيدة عن الكسر، ولا يستخدم ماؤها للشرب، بل للأعمال المنزلية الأخرى، كالغسيل والاستحمام وتنظيف الأوعية المنزلية، وريّ المزروعات المهمة وغير ذلك.

407603277
في الطرق إلى العين لملأ جرارهن

الجرّة: وهي وعاء من الفخار، تضيق من الأعلى كثيراً، وتتسع من الأسفل كثيراً، ولها عروتان في الجزء العلوي منها، كي تحمل منها ويشترونها من بائع الفخار مقابل ملئها قمحاً أو زيتوناً، وتستخدمها النساء في نقل الماء من العين إلى البيت وتحملها المرأة فوق رأسها دون أن تمسك بها لأن يديها ستكون مشغولتان بعبائتها لتغطي بها وجهها عن الرجال في القرية.

images
العسلية

لهذا فحمل المرأة للجرة يحتاج إلى مهارة وقوة واتزان ومن غير ذلك ستكسرها ومن تكسر جرتها سوف لن يكفيها حزنها عليها بل تحزن أيضاً لتندر نساء القرية منها والجرة كانت قد دخلت في التراث الفلسطيني منذ القدم ومنها خرج المثل طُب الجرّة على ثمّها بتطلع البنت على أمها ومش كل مرة بتسلم الجرة وهناك أغنية من التراث الفلسطيني تقول بعض أبياتها:كانك غريبة وهيلي من الدمع جرة … من العيد للعيد تايطلو عليكي مرة!ولم تغب الجرة عن المطرب توفيق النمري عندما غنى للبنت الريفية التي تحمل الجرة وبنت الجرة تسمى عسلية وهي جرة صغيرة تحملها الفتيات على رؤوسهن لمساعدة أمهاتهن وتدريبهن منذ الصغر على حمل الجرة في المستقبل عندما يكبرن ويتزوجن!.

tunga
الشرب من الإبريق زغللة

الإبريق:وهو وعاء من الفخار يضيق من الأعلى ومن الأسفل كثيراً لكنه يتسع من الوسط وله فتحتان من الأعلى واحدة منهن صغيرة للشرب تسمى بعبوزة والأخرى أوسع منها تسمى بابه لملئه بالماء ومن شروط استخدام هذا الإبريق أن لا يضع الشخص شفتيه على بابه أو بعبوزته عند الشرب منه بل عليه أن  يرفعه إلى أعلى بعيداً عن فمه ثم يشرب وتسمى هذه الطريقة في الشرب زغللة وعادة يستخدم هذا الابريق كل من يتقن عملية الزغللة  ويمنع عادة على الأطفال الشرب منه!.

الكراز

وعلينا هنا أن نذكر بشئ من التراث الطريف عن المرأة فعليها أن تختار مكاناً مناسباً لوضع الإبريق في بيتها ليكون بعيداً عن الكسر فالمرأة المعدلة تقوم بحفر جورة له في أرض الغرفة تختار هي مكانها بحيث تكون بعيدة عن متناول الأطفال وكانت في الماضي تُعيّر المرأة التي لا يكون في بيتها جورة لإبريقها فكانوا إذا أرادوا أن يقللوا من شأن امرأة ما يقولون عنها:إبريقها بلا جورة!وهذه العبارة وحدها تكفي لوصف تلك المرأة بالإهمال والتبذير أما إذا كبر الإبريق في الحجم فيتغير اسمه ليصبح الكُراز وهو إبريق كبير الحجم مصنوع من الفخار يأخذه المزارعون معهم عندما يذهبون للعمل الزراعي مجتمعين كقطف الزيتون أو عند الحصاد أو غيره من الأعمال الزراعية الأخرى ليشربوا منه الماء البارد.

images2
الكعكوز

وعادة ما يُغطى باب هذا الكراز بـ كريشة صنوبر كبيرة لتمنع الدبابير والصمل وباقي الحشرات من الدخول فيه بعد أن تربط هذه الكريشة بطرف خيط وطرفه الآخر بباب الإبريق خوفاً من ضياعها وهناك من النساء المْعَدّلات من تقوم بصنع غطاء لإبريقها أو كرازها بيديها باستخدام السنارة وخيط الصوف الملون أما إذا صغر حجم هذا الإبريق فيسمى (الكعكوز) وهو إبريق صغبر مصنوع من الفخار كان الأطفال الصغار يستخدمونه للشرب أو لنقل الماء من النبع إلى البيت وبه كانوا يتدربون أيضاً على طريقة الشرب من الإبريق مستقبلا!.

folklor-P3
إبريق التنك

وقد يصنع الإبريق من التنك ويتغير شكله لكنه في هذه الحالة لن يستخدم للشرب وإنما لغسل الوجه واليدين وأريد هنا أن أذكر أنه لم تكن في بيوتنا مغاسل وحنفيات بل كانوا يأتون بطشت كبير ويضعونه أمام الضيف بعد أن يجلس القرفصاء ويمد يديه ورأسه فوق هذا الطشت ويقوم أحد الصبية باحضار قطعة من الصابون غير مستعملة قبل ذلك وفوق كتفه بشكير فيتناول الضيف الصابونة ويضعها بين يديه ويمدهما في داخل الطشت ويصب الصبي عليهما الماء وبعد أن يغسل الضيف يديه وفمه يتناول البشكير من الصبي وينشف الضيف يداه ووجهه بعدها يعيد للصبي البشكير ويقول له:في عرسك ويجيبه الصبي:في حجك!. 

-69-638 - Copy
الشربة

الشربة:وهي وعاء من الفخار تضيق من الأعلى وتتسع من الأسفل كالإبريق تماماً لكن ما يميزها عن الإبريق هو وجود رقبة طويلة لها ولا عروة لها ولها فتحة واحدة من الأعلى لملئها بالماء ومنها أيضاً تتم عملية الشرب ويسمح لمن يشرب منها أن يضع شفتيه على بابها وتتفنن النساء في صنع غطاء لهذه الشربة لأنها عادة ما توضع في غرفة الضيوف لهذا فيحكن هذا الغطاء بالسنارة بأيديهن ثم يضفن إليه بعضاً من الخرز الملون ويجعلن له ممسك من أعلاه كي يحمل بهذا الممسك ولا يتسخ من كثرة الاستعمال ولها مكان في البيت بعد أن توضع تحتها مدورة من نبات الفقوع أو من القماش لمنعها من الوقوع والكسر!.

images
السعن

السِّعِنْ:وهو وعاء من الجلد له فتحتان واحدة لدخول الماء والأخرى للشرب منه أما الفتحة الأولى فلها غطاء متحرك مربوط بها لا يفتح إلا عندما يريدون ملأها بالماء والفتحة الثانية أقل حجماً من الأولى ويغلقها عود من الخشب مربوط بها ويدخل بإحكام وعند عملية الشرب يُسحب هذا العود وبعد أن يشرب الشخص يُعيده إلى مكانه أما كيف يصنعون هذا السعن؟فعندما يذبحون سخلا أو خروفاً يقومون بتنظيف جلده من الشعر ويقومون بدبغه فيصبح ناعماً كالحرير ويستخدمونه في نقل وحفظ الماء للشرب ويمتاز بسهولة حمله ومرونته فهو غير قابل للكسر مثل غيره من الأوعية الأخرى السابق ذكرها.

imageszf1y6j92
المطارة

المطّارة:وهو وعاء مصنوع من قماش الخيش أو القنب يخيطونه على شكل مستطيل ويدخلون فيه ماسورة صغيرة لها غطاء مربوط فيها لتكون مخرجاً للماء وكانوا يملؤنها بالماء فيرشح منه جزء قليل وينتشر على سطحها وبعد أن يتبخر يجعل الماء الذي بداخلها بارداً وتمتاز هذه المطارة عن غيرها من أوعية حفظ الماء بسهولة حملها وهي غير قابلة للكسر أيضاً وقد تعلق على الكتف مثلاً أو على ظهر الدابة.

10410603_1569019883316589_4511011994938081311_n1
المقر

المُقُر:وهو حفرة في الصخر إما أن تكون محفورة أصلاً أو هم  يقومون بحفرها بطرقهم الخاصة ويجب أن يكون المقر موجوداً في كل منطقة من المناطق التي يعملون بها أعمالا زراعية وقبل أن يأتي فصل الشتاء كانوا يقومون بتنظيف هذه المقور كي تملأها مياه الأمطار وبهذا يرتاحون من حمل الماء إلى أماكن عملهم في المناطق المحيطة بقريتهم والتي يذهبون إليها وقد يكون هذا المقر صغير الحجم فينتهي ماؤه في فصل الربيع أو أن يكون كبير الحجم فيشرب منه الناس في فصل الصيف أيضاً والأهم من ذلك كله أنهم كانوا يملؤنه بالماء لتشرب منه دوابهم.

DSCN0577
الجهير

الجهير:هو عبارة عن أرض منخفضة يتجمع فيها ماء المطر في فصل الشتاء وقد يتسع الجهير ويكبر وقد يضيق ويصغر وذلك حسب ميلان الأرض في تلك المنطقة التي يوجد بها ويبقى فيه الماء أكثر من المقر لأن كمية الماء الموجودة به أكثر والجهير لا يصنعه صانع بل تضاريس الأرض هي التي تصنعه وغالباً ما يكون بجانب صخرة أو جدار استنادي يمنع جريان الماء منه وأكثر ما يكون في الشعاب والوديان.

images
البركة

البركة:هي حفرة يقوم الناس بحفرها أمام نبع جار أو شعب أو واد أو قناة ليجمعوا فيها الماء لاستخدامه في الشرب أو لأعمال البناء وقد تكون هذه البركة على شكل متوازي مستطيلات أو تكون على شكل حبة الإجاص عندها لا بد من وجود دلو لسحب الماء ومن هذه الأماكن الثلاث:المقر والجهير والبركة كان الناس يشربون ويسقون منها دوابهم وتشرب الطيور والحيوانات البرية التي كانت تعيش معهم. 

untitled5
الغلن

الغلن: وهو وعاء مصنوع من المعدن، وله فتحة واحدة تغلق بإحكام عند ملئه بالماء وهذا الوعاء كان معداً في الأصل لحمل المشتقات البترولية المختلفة فاستغله الناس لنقل الماء من وإلى المناطق البعيدة فكانوا يأتون بأربعة من هذه الغالونات بعد أن يضعوا «المشتيل» على الحمار ثم يقومون بوضع هذه الغالونات الأربعة في أماكنها فوق المشتيل الذي هو فوق ظهر الحمار ويذهبون به إلى مصدر المياه ويعودون بعد ملئها بالماء والتنزيل والتحميل لا يقدر عليه إلا الرجال أما النساء والأطفال فلا يستطيعون القيام بهذه المهمة وقد كان البعض يفضله عن الأوعية الأخرى نظراً لسعته الكبيرة من جهة وعدم قابليته للكسر من جهة أخرى.  

تراث بلدنا

مشكلة المشاكل في خربة قيس


images7WHS88RF
الزراعة البعلية التي لا تسمن ولا تغني من جوع

لا تقتصر أهمية الماء للإنسان على مساعدته في أداء عملياته الحيوية في داخل جسمه فحسب وإنما يحتاجه أيضاً للنظافة والإستحمام وفي إعداد الطعام والطبخ وفي التخلص من الفضلات والأوساخ ويعتبر الماء عنصر أساسي في الزراعة أيضاً ولا يمكن للإنسان أن بستغني عنه في حياته اليومية لهذا كان الحصول على الماء في الماضي عند سكان هذه القرية هو شغلهم الشاغل ومشكلة المشاكل لأن من يحصل على الماء يحصل على كل شئ حيّ وبدون الماء سيكون محروماً من الزراعة المائية وسيعتمد بالتالي على الزراعة البعلية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

10014696_625956540792261_683162073_n
نبع بير الدرج 

وكان سكان هذه القرية وأنا منهم يحصلون على ماء الشرب من بير روماني قديم جداً يسمى بير الدرج وتأتي أهمية هذا البير من أنه منحوتاً في الصخر البازلتي الصلب وللحصول على الماء عليك أن تنزل له عشر درجات للأسفل لهذا سمي بير الدرج لتجد بعدها غرفة مظلمة وفي منتصفها حفرة تتجمع فيها المياه التي تنز من تحت الصخر المُكوّن لهذه الغرفة وهذا البير يبعد عن القرية حوالي كيلو متر واحد لكن هذا الكيلو المتر الواحد طريق صخري وَعِر ضيّق ملتوي حاد النزول لا يمر منه إثنان لو التقيا معاً إلا بصعوبة بالغة وكان على المرأة أن تنزل هذا الطريق بعد أن تلف جسمها بعبائتها وخاصة وجهها فلا يجوز أن يرى وجهها الرجال.

imagestr6ik2xg1
الجرة وهي فارغة 

وفوق رأسها جرتها الفخارية وهي فارغة وبيدها سراجها المملوء بالكاز ومعه كبريتة لإشعاله عندما تدخل غرفة النبع ومعها كيلة من التنك كي تملأ بها جرتها من الحفرة التي بداخل هذا البير وعندما تصل المرأة هذا البير عليها أن تنزل الدرجات العشر وتبسمل وتقرأ ما تحفظه من القرآن الكريم لطرد الشياطين من أمامها ثم تنير سراجها لتبدد الظلام من حولها ثم تضع جرتها بالقرب من الحفرة وتمسكها باليد اليسرى وباليد اليمنى تغرف بكيلتها وتصب في الجرة إلى أن يتوب عليها الله وتملأها ثم تحملها بين يديها وتصعد بها العشر درجات التي كانت قد نزلتها وهناك تضعها على حافة البئر.

442216790190
السراج الذي كان يرافق المرأة 

ثم تعود ثانية إلى الحفرة كي تحضر سراجها وكيلتها وكبريتتها وتعود إلى جرتها ثانية وتدخل رأسها تحت قاعدة الجرة وترفعها بين يديها عالياً ثم تنزل بها إلى أسفل وتثبتها فوق رأسها وتمسك بها بيد واليد الأخرى تحمل يها سراجها وكيلتها بعد أن كانت قد وضعت كبريتتها في عبّها وتبدأ بالصعود إلى أن تصل إلى منطقة صخرية تسمى عراق الوِلِي وهناك تستريح قليلاً ثم تواصل المسير حاملة جرتها إلى أن تصل إلى أطراف القرية وهناك عليها أن تترك جرتها محمولة فوق رأسها دون أن تثبتها بيديها وتمسك بعبائتها وتغطي بها وجهها عن رجال أهل القرية إلى أن تصل إلى بيتها ثم تقوم بإفراغها في الزير وتعاود الكرة مرة ثانية وثالثة إلى أن تملأ زيرها بالماء.

Scan11287
خربة قيس سنة 1976

وقد اتفق أهل القرية فيما بينهم وهم نادراً ما كانوا يتفقون على تقسيم اليوم إلى ثلاث ورديات صباحية ومسائية وليلية وقاموا بتوزيع السكان على هذه الورديات الثلاث وعلى الجميع الإلتزام والتقيد بهذا الدور!ومن لم يملأ جراره في ورديته سيبقى بدون ماء إلى أن يأت دوره في الوردية القادمة وعليه أن يدير نفسه ويحضر مائه من أي مكان آخر وفي نهاية كل أسبوع يقومون بتغيير الورديات الثلاثة فيما بينهم لتحقيق أكبر قدر من العدالة.

imagesIWW13BUB
على الرجل أن يرافق زوجته في رحلة الذهاب والإياب 

وعندما تكون وردية الأسرة في الليل فعلى الرجل أن يرافق زوجته في رحلة الذهاب والإياب إلى بير الدرج هذا وعليهما أن يسهرا معاً معظم أطراف الليل في سبيل الحصول على ما يلزمهم من ماء لهذا كان الماء عزيزاً في ذلك الوقت فهم يعانون في الحصول عليه ويذهبون إليه ويحضرونه إلى بيوتهم لهذا كان عليهم تخزينه في بيوتهم من خلال أوعية قاموا بصنعها من الحِوّر الموجود منه في منطقة الهدايف وهذه الأوعية كانت مختلفة الأنواع والأشكال والأحجام ولكل منها إستخدامه مثل الهشة والعسلية والكراز وغيرها.

16020_1448022515511008_1181950903395683908_n
الزير وفوقه الكيلة 

وكان مما عانته أمهاتنا وجداتنا في الماضي القريب (جزاهن الله خيراً) من تعب وجهد في النهار وسهر في الليل في سبيل الحصول على الماء سواء كان للشرب أو الغسيل أو الحمام جعل الماء في حياتهن أغلى من الذهب!حتى وصل بهن الأمر إلى أنه لو شرب شخص من الكيلة الموضوعة فوق الزير ولم يُكملها وجاء شخص آخر يريد أن يشرب من بعده فكان عليه أن لا يسكب الماء المتبقي في هذه الكيلة بل عليه أن يشرب الباقي أولاً ثم يزيد عليها من الزير إذا بقي هذا الشخص عطشاناً لهذا كان لو مرض أحد أفراد الأسرة فسيلحق به الآخرون من وراء هذه الكيلة.

untitled
يقوم بغسل الوجه والرأس واليدين لتوفير ماء البيت

وكان عدم توفر الماء والجهد المبذول في الحصول عليه قد إنعكس أيضاً على نظافتنا الشخصية فكان لزاماً علينا أن نقتصد في إستعمال هذا الماء ولو على حساب نظافتنا الشخصية فكان لنا أن نغسل وجوهنا وأيدينا مرة واحدة في اليوم!وفي هذه المرة علينا أن لا نزيد عن عدد المرات التي أقرها الله تعالى في الوضوء لهذا كان الناس إن وردوا الماء أول شيء يقومون به هو غسل الوجه والرأس واليدين عدة مرات ومنهم من كان يستحم في هذا النبع كي يوفر على أمه أو زوجته نقلة ماء.

11227867_783688391764751_2900772055147784412_n
يوم الإستحمام 

أما يوم إستحمام أفراد الأسرة فحدث  عنه ولا حرج فعلى الأم أن تحضر من (بير الدرج) جراراً من الماء بعدد أفراد الأسرة وعليها أن تشعل نار الحطب لتسخين هذه المياه وقبل ذلك كله عليها أن تقنع أولادها وبناتها بضرورة الإستحمام فهم غير معتادين عليه ولا يطلبونه وكثير منهم كان لا يقتنع بضرورته لهذا كان على أمه أن تسحبه بالقوة وتخلع عنه ملابسه وهو يبكي فتقوم بضربه وهو عارياً ليسكت وبعد أن يقتنع بضرورة الحمام تدخل رغوة الصابون النابلسي في عينيه فيزيد  من بكائه أكثر فتضربه أمه أكثر.

untitled10
الأم تقول لمن يستحم أولاً أنه رمى وسخه على أخيه 

وكانت تجري هذه الملحمة أمام إخوته وحتى تقنعه أمه بفائدة الحمام وتشجع أخوه الآخر كانت تقول لمن إستحم أنه رمى وسخه على أخيه فيفرح من كان قد إستحم ويتشجع الآخر كي يتخلص من وسخه ومن وسخ أخيه ويرميه على الآخر وبهذا كانوا يخلقون بين أولادهم التنافس والتنافر وحب الذات دون أن يعلموا وبعد ذلك يأتي دور الرجل وقبل أن ينتهي من تنظيف جسمه ينادي على زوجته كي تدعك له ظهره وبعد ذلك تستحم المرأة ولا تطلب مساعدة من أحد.

untitled
كانت النساء ينقلن غسيلهن إلى مكان وجود الماء أسهل

أما يوم الغسيل فلا يختلف كثيراً عن يوم الإستحمام عند نساء هذه القرية لكنهن بدلاً من أن ينقلن المياه على رؤوسهن رأين أن ينقلن غسيلهن إلى الماء أسهل فكن يخترن يوماً مشمساً ويذهبن فيه مجتمعات صباحاً إلى نبع عين موسى أو إلى نبع بير المرج أو إلى الشعابي وهذه الأماكن الثلاثة تبعد عن القرية أكثر من ثلاث كيلومترات ومعهن غسيلهن المتسخ وهناك يقمن بجمع الحطب ويشعلن النار لتسخين المياه ويقمن بعملية الغسيل وينشرن ما يغسلن على الأشجار ليجف ويقمن بعد ذلك باختيار مكان مناسب للإستحمام واحدة بعد الأخرى بعد أن يقمن بحراسة المكان جيداً ثم تلم كل واحدة غسيلها ويعدن إلى القرية في المساء. 

images9
كل الإحترام والتقدير لهؤلاء الأمهات والجدات 

أكتب لكم هذه التفاصيل الصغيرة عن معاناة أهلكم وخاصة النساء منهم كي يتعرف عليها الأبناء والبنات والأحفاد والزوجات في هذه الأيام ويعيشوا ولو لحظات من حياة آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم على أمل أن بُعطى هذا الجيل المكافح الصابر وخاصة الأمهات كل الإحترام والتقدير الكافي بعد أن رأيت بأم عيني عقوق بعض الأبناء لهن وسمعت بأذني جحود بعض الأحفاد والزوجات لهن والأهم من ذلك كله كي يعرفن ويقدرن زوجات هذه الأيام النعم الكثيرة التي يتمتعن بها دون أن أسمع منهن لا حمداً ولا شكورا. 

ذكريات في بلدنا

خربة قيس قبيل وأثناء النكبة


خـربـة قـيـس قـبـيـل وأثـنـاء الـنـكـبـة

imagesA5H2GM70
راديو القهوة في سلفيت

لم يكن في قريتنا جهاز راديو أو جريدة أو حتى سيارة لتنقل لأهل القرية الأخبار من مصادرها أولاً بأول!بل كانوا إذا أرادوا متابعة الأخبار يكلفون شخصاً معيناً من أبناء هذه القرية بين فترة وأخرى كي يذهب إلى بلدة سلفيت المجاورة ليسمع  لهم الأخبار التي كانت تذاع هناك من جهاز راديو موجود في القهوة الذي كان يملكها المرحوم مصباح عواد وبعد أن يسمعها يأتي إلى القرية ويعلمهم بما كان سمعه من أخبار!.

avatar (1)
وبرغم الصعوبات اليومية التي كانت تواجه سكان هذه القرية وقلة الإمكانيات المتاحة لديهم إلا أنهم كانوا قد ساهموا كغيرهم من أبناء شعبهم بكل الثورات المختلفة التي كانت قد إندلعت بشكل أو بآخر!

وعلى الرغم من بُعد هذه القرية الصغيرة المعزولة عن ساحة الصراع الذي كان محتدماً في الساحل الفلسطيني!وبرغم الصعوبات اليومية التي كانت تواجه سكانها!وعلى الرغم من قلة الإمكانيات المتاحة لديهم في ذلك الوقت!إلا أنهم كانوا قد ساهموا كغيرهم من أبناء شعبهم بكل الثورات المختلفة التي كانت قد إندلعت في فلسطين بشكل أو بآخر!معتمدين مبدأ الفزعة في طريقة مقاومتهم!فإذا أعلن عن وجود معركة ما في إحدى القرى المجاورة كانوا يتوجهون إليها بما كان يتوفر لديهم من سلاح!ومن منهم لم يجد سلاحاً يكتفي بعصاه!.

images1OMJLCR3
والدي باع قطعة أرض عزيزة على قلبه واشترى بثمنها بارودة والتحق بالثوار!

فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما رفض الحكام العرب تزويد الثوار الفلسطينيين بالسلاح وقلّت عليهم الإمكانيات طلبوا من كل من يريد أن يلتحق بالثورة أن يُدبر سلاحه بنفسه!فما كان من المقتدرين مالياً من سكان هذه القرية إلا أن لبوا النداء واشتروا أسلحتهم من مالهم الخاص والتحقوا بالثورة أما والدي فقد باع قطعة أرض عزيزة على قلبه واشترى بثمنها بارودة والتحق بالثوار!. 

1936-1938 - Palestinian fighters parading in front of villagers 01
وكان الثوار يجدون في قريتنا مكاناً آمناً لهم!

وعندما كانت القوات البريطانية تطارد الثوار وقادتهم في القرى المجاورة لقريتنا كان هؤلاء الثوار يجدون في قريتنا مكاناً آمناً لهم!وكان لهذه القرية شرف إحتضان هؤلاء الثوار أكثر من مرة في أراضيها ولم يكتف أهل هذه القرية بذلك بل كانوا يقيمون لهؤلاء الثوار الولائم تحت خروبة أم الزنايد التي كانت تقع في الهِرم تحت دار إملاوي محمد خضر مباشرة!.

untitled
القائد الكبير عبد القادر الحسيني

وقد روت لي جدتي  لأمي أنها في أحد الأيام وبينما كانت في طريقها إلى أرض القرنة مروراً بالرويس خرج لها المسلحون من هناك كالجراد على حد تعبيرها!فخافت منهم ظناً منها أنهم من الجيش البريطاني وبقيت على هذا الحال إلى أن رأت بعينها القائد الكبير عبدالقادر الحسيني فاطمئنت بعد أن أيقنت أنهم من الثوار!وانتقلت إلى رحمة الله تعالى وهي معجبة بشخصية هذا القائد العظيم وهو بزيه العسكري!.  

Mazari__al_Nubani-67902
محمد العمر من بلدة مزارع النوباني المجاورة لقريتنا الذي كان مساعداً لقائد فصيل كان يقيم إقامة شبه دائمة في قريتنا!

وكان المناضل محمد عمر النوباني الملقب بمحمد العمر من بلدة مزارع النوباني المجاورة لقريتنا مساعداً لقائد فصيل في هذه الثورة وكان يقيم إقامة شبه دائمة في قريتنا!وعندما علم الجيش الإنجليزي بذلك من أحد عملائه قرر الإمساك به حياً !فجهز كتيبة  مشاة وأنزلها في قرية اللبن الشرقية واتجهت هذه الكتيبة غرباً إلى أن وصلت  إلى قريتنا وهناك أحكموا عليه وعليها الطوق!وعندما علم القائد محمد العمر بذلك حاول مغادرة القرية كما كان يفعل في المرات السابقة لكن هذا الطوق كان محكماً هذه المرة وعليه أن يفلت منهم بأي طريقة كانت!.

11129760_10204068378529249_243277984_n
نظر محمد العمر فرأى بالقرب منه حراثاً فطلب منه أن يعطيه لباسه وبغلته فأعطاه وأكمل هو حراثة الأرض مكانه ومر عنه الجنود ولم يشكّوا بأنه هو المطلوب لديهم!

نظر من حوله فرأى بالقرب منه حراثاً يحرث في أرضه فطلب منه أن يعطيه لباسه وبغلته بسرعة فأعطاه وأكمل محمد العمر حراثة الأرض مكانه!ومر عنه الجنود ولم يشكّوا أنه هو المطلوب لديهم!لكنهم خلال هذه الحملة تعرفوا على فرسه من أحد العملاء المرافقين لهم فاقتادوها معهم واقتادوا معها كل رجال القرية صغيرهم قبل كبيرهم إلى مدرسة مزارع النوباني وعارورة الثانوية وهناك وجدوا العميل يقف داخل كيس من الخيش كي يرى دون أن يراه أحد!وقام هذا العميل بفرز الأشخاص المطلوبين وبعد أن إعتقلوا الثوار منهم قاموا بإطلاق النار على فرس القائد الكبير محمد العمر فأردوها قتيلة أمام أعين الحاضرين!. 

فهرس
تمكن عدد من العائلات المهاجرة من الوصول إلى قريتنا مشياً على الأقدام رغم وعورة الطريق وقساوتها عليهم فاستقبلهم أهل القرية على الرحب والسعة!

هذا ما كان قبيل الهجرة اما أثناء هذه الهجرة فقد تمكن عدد من العائلات المهاجرة من الوصول إلى قريتنا مشياً على الأقدام رغم وعورة الطريق وقساوتها عليهم!فاستقبلهم أهل القرية على الرحب والسعة ومنهم والدي فقد أسكن في بيتنا المكون من غرفتين منفصلتين لا ثالث لهما عائلة منهم ومكثوا في ضيافتنا حوالي الشهرين!لكنهم عندما وجدوا قريتنا تخلو من فرص العمل وأيقنوا بأنهم لن يجدوا مثل هذه الفرص مستقبلاً!غادروها إلى المدن الفلسطينية الأخرى حيث فرص العمل فيها متوفرة أكثر بكثير من قريتنا.

Std
مدرسة قولية قبل الهجرة

وكان من هذه العائلات عائلة المدعو إسماعيل وإخوانه ذيب وأحمد وأختهم درّة من بلدة قولية وعائلة إسماعيل من بلدة بيت نبالا وعائلة عبداللطيف من بلدة قولية أيضاً وعائلة أبو أحمد الهبط من بلدة سلمة وقد تزوج أحد شباب القرية من إبنة هذه العائلة الأخيرة وعلى الرغم من ذلك فقد غادرت هذه العائلة مثلها مثل بقية العائلات المهاجرة الأخرى قريتنا لنفس الأسباب السابقة!.

تاريخ بلدنا

خربة قيس في العهد الأردني


 خـربـة قـيـس فـي الـعـهـد الأردنـي

raising-hands-400x240
وأصبح كل من في إيده إله!

بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية سنة1945ووقوع فلسطين تحت الإنتداب البريطاني البغيض إفتقدت هذه القرية كغيرها من المدن والقرى الفلسطينية الأمن والأمان والإستقرار ودبّت فيها الفوضى واختلف الناس بين بعضهم البعض وأصبح كل من في إيده إله فلا قانون يحكمها ولا شرطة تحفظ الأمن فيها فتطاول القويّ فيها على الضعيف!فرحل منهم من رحل طواعية وهُجّر منهم من هُجّر قصراً!.

imagesUKL9B6AR
كانت أول هدية قدمها النظام الأردني لأهالي هذه القرية هو الأمن والأمان!

وبقيت هذه القرية على حالها تعاني الأمرّين إلى أن جاء العهد الأردني سنة 1950 ونشر فيها الأمن والأمان وعلى ما تبقى من أرض فلسطين بعد قيام دولة الكيان الصهيوني وعادت الناس التي كانت قد هُجّرت من بيوتها والتمّ شمل بعض الأسر ثانية وبدأ فيها الإعمار بدلاً من الخراب فكانت أول هدية قدمها النظام الأردني لأهالي هذه القرية هو الأمن والأمان!.

BenQ Corporation
نبع عين عادي

وكان أول إعمار في هذه القرية في العهد الأردني عندما قامت جمعية خيرية أمريكية تسمى النقطة الرابعة بسحب مياه نبع عين عادي من على بعد 3 كم تحت تأثير الانسياب الطبيعي وتجميعها في خزان بني خصيصاً لهذا الغرض يقع في منتصف القرية عام 1957 وكان منفذ هذا المشروع هو الحاج فايز فرحة من سكان بلدة سلفيت!.

11406896_10206909212033887_6067927134208349325_n
خزان الماء الذي بني في منتصف البلد

وبهذا تكون هذه الجمعية قد سهّلت على سكان هذه القرية حياتهم بالحصول على مياه الشرب النظيفة دون تعب أو سهر ولكن كان هذا الحل على حساب نبع بير الدرج الذي كان قد أهمله الناس بعد ذلك ولم تعد مياهه تصلح للشرب بعد أن إمتلأت غرفته بالأتربة والحشائش والصخور!.

10712836_342854785884640_2268278368163964661_n
المدرسة الإبتدائية التي تأسست سنة 1959 في مبنى المضافة بعد ترميمه!

وقامت وزارة التربية وافتتحت في هذه القرية مدرسة إبتدائية سنة 1959 في مبنى المضافة بعد أن كان الناس قد هجروها في المرحلة السابقة وعادت إلى هذه المضافة الحياة مرة ثانية لكن لغير الغرض التي كانت أسست لأجله!وكنت أنا من الفوج الأول من طلابها ودخلتها وأنا في الصف الرابع الإبتدائي وكم سررت بها لأنها أراحتني وزملائي من المشوار اليومي إلى قرية عارورة من أجل الدراسة في مدرستها!لكن هذه المدرسة قد أضرت بنا كما كانت قد نفعتنا فلا رياضة ولا ملاعب ولا مختبرات فيها فأول مرة أمسك فيها كرة حقيقية وأنا في الصف السادس عندما إنتقلت من هذه المدرسة إلى مدرسة سلفيت!.

تنزيل (1)
لا يسعني إلا أن أترحم على أرواح من مات من هؤلاء المدرسين وأدعوا الله أن يطيل في أعمار من بقي منهم حياً فهم الذين كانوا قد أناروا لنا طريق العلم وحببوه لنا تحت ظروف صعبة لا يطيقها أحد من مدرسي هذه الأيام!

وكان أول مدرس يدخل هذه القرية هو الأستاذ سليمان من قضاء الخليل ثم تلاه الأستاذ ماجد الجيعان من بلاطة ثم الأستاذ يونس عبدالقادر من قرية حجة ثم تلاه الأستاذ محمد صايل من ياصيد ثم تلاه الأستاذ نويران النهار النايف من سحاب الأردنية وعندما بدأت هذه المدرسة بدأت بأربعة صفوف في غرفة واحدة والآن لا يسعني إلا أن أترحم على أرواح من مات من هؤلاء المدرسين وأدعوا الله أن يطيل في أعمار من بقي منهم حياً فهم الذين كانوا قد أناروا لنا طريق العلم وحببوه لنا تحت ظروف صعبة لا يطيقها أحد من مدرسي هذه الأيام!. 

????????????????
قامت وزارة الأشغال الأردنية بشق طريق غير معبد يصل القرية بمدينة سلفيت عام 1966

وبعد ذلك قامت وزارة الأشغال الأردنية بشق طريق غير معبد يصل القرية بمدينة سلفيت عام 1966 وبهذا تكون قد وصلت أول سيارة إلى خربة قيس في هذا العام ولكن الفرحة لم تكتمل فبعد عدة شهور جرت المياه في وادي الشاعر وسحبت معها الجسر المقام عليه وبهذا إنقطعت خربة قيس ثانية عن العالم!وبقيت كذلك إلى أن جاءت نكسة 1967 فأوقفت نموها ثانية بعد أن رحل منها معظم سكانها إلى خارج البلاد ومن فيهم لم يرحل تركها وسكن في مدينة سلفيت لأن الحياة بها كانت أسهل!.

untitled
في سنة 1952 إستطاع أحد شباب هذه القرية أن ينجح في الوصول إلى إمارة الكويت!

وبعد نكبة سنة 1948 إنتشرت البطالة على مستوى الوطن الفلسطيني كله وكان من ضمنها هذه القرية وفي سنة 1952 إستطاع أحد شباب هذه القرية المرحوم محمد ماجد خضر أن ينجح في الوصول إلى إمارة الكويت!وما أن علم به بقية شباب القرية حتى وجدتهم قد هرعوا جميعاً إليها فتحسنت أحوال البعض منهم وغيروا بيوتهم الطينية ببيوت إسمنتية!أما البعض الآخر منهم فلم تعجبهم حياة الغربة ولم يستطيعوا تحملها فعادوا ثانية إلى هذه القرية مفضلين البطالة على الغربة!وساهمت الكويت بطريق غير مباشر في تعليم معظم أبنائها!.

images
وأكثر ما كانوا يزرعون القمح!

معظم أراضي هذه القرية هي أراض جبلية تنقصها المياه الجارية لهذا فكانوا يعتمدون على الزراعة البعلية فقط ولم يعرفوا شيئاً عن الزراعة المروية ومثل هذه الزراعة لا تسمن ولا تغني من جوع فكانوا يزرعون القمح والشعير والبيكا والكرسنة والبقوليات بأنواعها على مستوى ضيق ولم تكن هذه القرية في يوم من الأيام تكتفي ذاتيا بمحاصيلها الزراعية!.

تنزيل
شجرة الزيتون المباركة!

أما الأشجار التي كانت تزرع بهذه القرية فأهمها شجرة الزيتون ومعظم سكان هذه القرية قد عاشوا من خير هذه الشجرة المباركة ويليها في الأهمية شجرة اللوز وهذه الشجرة تنضج ثمارها في بداية العام الدراسي فمنها كنا ندفع الرسوم المدرسية ونشتري ملابس جديدة والكتب المدرسية ويليها في الأهمية شجرة التين فمنها كانوا يصنعوا القطين ليبيعوه أو يبادلوه بأشباء وأدوات يحتاجون لها في حياتهم اليومية ويليها في الأهمية شجر العنب الذي كانوا يبيعونه أو يبادلونه بالبندورة والخيار وكان يزرع بها على مستوى ضيق المشمش والخوخ والتفاح والكراسيا والليمون والإجاص!.

Kds_13725979462942
الدجاج البلدي كان موجوداً في كل بيت!

أما الثروة الحيوانية فكان الناس يعتمدون على تربية الدجاج البلدي وكانوا يستفيدون من لحمه في حياتهم اليومية ومن روثه في تسميد الأرض ومن بيضه الذي كان يباع كل أربع بيضات بشلن وكان هذا الشلن يستخدم في شراء المواد الترفيهية في ذلك الوقت والبعض منهم كان يقتني الأغنام البياض والسمار للإسهلاك الشخصي فقط ولكن على مستوى ضيق أما الأبقار فكان شخص واحد يقتي بقرتين فقط ومنهم من كان يربي الأرانب لتكون بديلا عن اللحمة. 

10987457_390476667789118_5766779632208314836_n
طيور الشنار

لكن الله لن ينسى بفضله أحد فقد إكتست جبال هذه القرية بكل النباتات والأعشاب والحشائش البرية فكانت تسد جوع الجائع وعاشت معنا طيور برية نأكل من لحمها بعد صيدها من أهمها طيور الشنار فكنا نستفيد من لحومها ومن بيضها وأرانب برية وحيوان الغريري وحيوان النيص والغزال على مستوى ضيق جداً وطيور غيرها كانت تحط رحالها في بداية الرحلة أو نهايتها كطيور السمن والخضر والسود.

Photo0612
النعش الي كان ينقل به المرضى!

أما من بقي من أهالي هذه القرية صامداً فيها ولم يغادرها فقد ذاق الأمرين كما يقال فكان إذا مرض أحدهم يحملونه في النعش إلى بلدة سلفيت أو قرية اللبن أو قرية المزارع لعدم توفر سيارة تنقله إلى المدينة وبعد أن يعالجوه يعود إلى قريته ثانية محمولاً على النعش أيضاً وهنا لا يسعني إلا أن أحيي هؤلاء الصابرين الصامدين على أرضهم ليكونوا شوكة في حلق العدو الصهيوني وبمثل هؤلاء كان الزعيم الخالد ياسر عرفات يفتخر وسماهم شعب الجبارين!. 

bread-taboon
كل ما كانوا يطلبونه في ذلك الوقت هو الخبز فقط!

على العموم كانت حياة الناس قبل 67 حياة بسيطة وغير مكلفة فلا مدارس ولا جامعات ولا موبايلات ولا فاتورة كهرباء ولا فاتورة مياه ولا سيارة بحاجة إلى بنزين كل ما كانوا يطلبونه في ذلك الوقت هو الخبز فقط فإذا توفر الخبز فسيأكلونه مع ما كان يتوفر عندهم!.

images
وبعد أن يأكلوا الخبز والزيت والبصل يحمدون الله ويدعونه أن يحفظ لهم هذه النعمة من الزوال!

فعندهم الزيت والزعتر والبصل والبيض وبعد أن يأكلوا كانوا يحمدون الله ويدعونه أن يحفظ لهم هذه النعمة من الزوال!وكانوا يعتمدون على ما يزرعون من قمح وشعير وعدس وفول ولا يشترون الخضروات والفواكه بل كانوا ينتظرونها من موسم إلى موسم!وكانوا يعتمدون على محصول الزيتون فقط وينتظروه سنة كاملة كي يسددوا ما عليهم من ديون وما يزيد يبيعونه ويشترون بثمنه الملابس والأشياء الضرورية الأخرى عند اللزوم!.

تاريخ بلدنا

خربة قيس في العهد البريطاني


images37ST4YIA
أصابت قذيفة أحد البيوت فيها وهو بيت المرحوم عبدالحليم سرور دون أن تُعرف هوية هذه القذيفة إن كانت تركية أو إنجليزية ولا زالت هذه القذيفة موجودة في جدار هذا البيت حتى يومنا هذا!

كان قدر هذه القرية في الحرب العالمية الأولى أن تكون محصورة بين الحلفاء من جهة وبين دول المحور من جهة أخرى فالجيش التركي كان يعسكر في جبال سلفيت والجيش البريطاني يعسكر في جبال عارورة وكثيراً ما أخطأت قذيفة تركية أو انجليزية هدفها لتسقط على أرض هذه القرية أو فوق رؤوس سكانها وفي أحد المرات أصابت قذيفة أحد البيوت فيها وهو بيت عبدالحليم سرور دون أن تُعرف هوية هذه القذيفة إن كانت تركية أو إنجليزية ولا زالت هذه القذيفة موجودة في جدار هذا البيت حتى يومنا هذا!.

untitled215
جدتي لأمي كانت قد رافقت أهل القرية في هذه الرحلة!

وقام الجيش البريطاني بترحيل أهالي هذه القرية إلى منطقة آمنة بالقرب من مدينة القدس بعد أن أظهروا لهم حرصهم الشديد على المدنيين منهم ولم يقولوا لهم بأنهم أصبحوا بحاجة إلى قريتهم لتكون معسكراً متقدماً لقواتهم وكانت جدتي لأمي قد رافقت أهل هذه القرية في هذه الرحلة عندما كانت طفلة صغيرة في السن وهاجرت مع من هاجر منهم وفي هذه الرحلة كانت قد تعلمت حروف الهجاء العربية على شكل قصيدة كانت تنشدها دون أن تعي ما تقول!لأن المدة التي قضتها في هذه الرحلة كانت قصيرة ولم يسعفها الحظ في تعلم المزيد من القراءة والكتابة لأن الحرب كانت قد إنتهت!.

imagesCMU60AZS
وفي هذه الرحلة رأت جدتي خبز الفينو الإنجليزي لأول مرة في حياتها فأدهشها فهي لم تكن تعلم بأنه يوجد في هذا العالم خبزاً آخراً غير خبز الطابون!

وعادت جدتي مع من عاد من أهلها إلى قريتها ثانية بعد أن رأت خبز الفينو الإنجليزي لأول مرة في حياتها فأدهشها ما كانت قد رأت فهي لم تكن تعلم بأنه يوجد في هذا العالم خبزاً آخراً غير خبز الطابون!وما أدهشها أكثر أن الجندي البريطاني كان يقطع لكل واحد منهم قطعة من هذا الخبز بالسكين وهي لم تكن تعلم بأن الخبز يمكن قطعه بالسكين وليس باليد فقط!وما أن عاد أهل القرية إلى قريتهم ثانية حتى وجدوها قد تحولت إلى معسكر كبير للقوات البريطانية!.

888785dcaf-1
واستعملوا أهل القرية الرصاص في إتقاء شر الحاسد إذا حسد! 

واستفاد أهل القرية من القنابل الفارغة التي كانت قد تركتها الجيوش المتحاربة فوضعوها في جدران بيوتهم الداخلية مع ما يبنونه من أحجار كمخابئ سرية لحفظ الأشياء الثمينة!واستفادوا كذلك من الرصاص الذي كان منتشراً على سطح الأرض واستعملوه في اتقاء شر الحاسد إذا حسد!فكانوا يضعون عدداً من الرصاصات في وعاء حديدي ويقومون بوضع هذا الوعاء على النار إلى أن يذوب الرصاص ثم يضعون وعائاً آخر فيه ماء فوق رأس المحسود أو المسحور ويدلقون الرصاص السائل في وعاء الماء فيبرد الرصاص ويتشكل بأشكال مختلفة!ومن شكل هذا الرصاص الناتج في الماء كانوا يتعرفون على الحاسد إن كان ذكراً أم أنثى!.

imagesEZHYA106
وكنا نحن الأطفال نخلع ما تبقى من هذه الأسلاك ونصنع منها فخاخاً لصيد العصافير!

وما كان يزيد عن حاجتهم من هذه الذخيرة يقومون ببيعها للباعة المتجولين الباحثين عنها في كل القرى الفلسطينية لإعادة تصنيعها من جديد!وبقيت معظم هذه الذخيرة مدفونة بالأرض حتى يومنا هذا!وكنا نحن الأطفال نخلع ما تبقى من هذه الأسلاك التي كانت مدفونة في الجدار الإستنادي الذي يفصل مارس الشيخ خميس عن الطريق مباشرة ونصنع من هذه الأسلاك فخاخاً لصيد العصافير وسيارات سلكية كنا نصنعها من هذه الأسلاك وأقفاصاً حديدية لوضع العصافير الحية التي كنا نصيدها لنبقيها حية!. 

imagesIB7V4JZ7
كنا نلعب البنانير ومن يخسر يدفع ثمناً لخسارته من الرصاص!

وأصبح الأطفال أمثالي ينتظرون موسم الشتاء في كل عام فبعد نزول المطر تجري القنوات والشعاب والوديان فتكشف لنا المستور من هذا الرصاص والنحاس والحديد ونقوم بجمعه وبيعه كل ثماني رصاصات بقرش واحد!أما الحديد والنحاس فكنا نبيعه بالرطل أو نبادله بحلويات كانت تسمى العنبر أو بالقضامة!ولم نكتف كأطفال بجمع هذا الرصاص من الأرض فقط بل جعلنا منه لعبتنا المفضلة لأنها كانت اللعبة الوحيدة التي فيها نلعب ونربح فكنا نلعب البنانير ومن يخسر يدفع ثمناً لخسارته من الرصاص!.

untitled
كنا نمد أيدينا في جيوبنا ثم نقفلها على عدد من الرصاصات ويقول أحدنا للآخر جوز ولا فرد ثم نعدها فمن كان يعرف الإجابة يأخذها ومن لا يعرف يدفع مثلها!

وكان الكبار يكافئون صغارهم بالرصاص عندما كانوا يطلبون منهم أن يقدموا لهم خدمة معينة فكان الرصاص متوفراً معنا على الدوام فكنا نمد أيدينا في جيوبنا ثم نقفلها على عدد من الرصاصات ويقول أحدنا للآخر جوز ولا فرد ثم نعدها فمن كان يعرف الإجابة يأخذها ومن لا يعرف يدفع مثلها!وكثيراً ما كنا نجد قلة لم تنفجر فنأخذها إلى إحدى المغر أوالكهوف وندفنها بالحطب ونشعل النار فيها ونهرب فتنفجر هذه القلة موقعة بعض الأضرار في المكان الذي تنفجر به كي نستفيد من حديدها ونحاسها ورصاصها بعد أن تنفجر!.

images
وكم كنت أندهش وأنا أشاهد والدي وهو يخرج الفشك من الإستقامات التركية الموجودة في جبل راس زيد! 

ولن أنس في يوم من الأيام عندما كنت طفلاً صغيراً في السن وأراد والدي في نهاية خمسينات القرن الماضي أن يزرع أرضه في جبل راس زيد عنباً وتيناً فكان لا بد من تسييجها من جهة الغرب  بجدار إستنادي من الحجارة فكان يحضر هذه الحجارة من الإستقامات التركية بعد أن يقوم بهدمها وكم كنت أندهش وأنا أشاهد والدي وهو يخرج الفشك وهو في أمشاطه والسلحلك الذي كان يحمل هذه الأمشاط مجتمعة!.

imagescadgfnje
تمحور السكان في قريتنا إلى مجموعتين الأولى تحت مسمى دار حماد والثانية تحت مسمى الدار الفوقا واشتعل الصراع بينهما!

ذهبت تركيا وتركتنا في هذه القرية نغوص في الجهل والفقر والمرض وجاءت بريطانيا العظمى بدهائها وخبثها فأهلكت الحرث والنسل ولكن بطريقتها الخاصة فقامت بشق الصف العربي على مستوى الوطن كله رأسياً وأفقياً وعليه فقد قسمت كل قرية ومدينة إلى صفين وما عليك إلا أن تكون إما مع الثورة أو مع العملاء وبهذا تكون قد أوجدت لهم ما يختلفون عليه كي ينسوا المحتل والصهاينة وكان لها ما أرادت وعليه فقد تمحور السكان في قريتنا إلى مجموعتين الأولى تحت مسمى  دار حماد والثانية تحت مسمى الدار الفوقا واشتعل الصراع بينهما وأصبح لكل مجموعة من هاتين المجموعتين أنصارها ومؤيديها حتى في القرى المجاورة!.

images74BT34MG
أمام هذا الواقع المؤلم غادر معظم سكان هذه القرية إلى أماكن أفضل لهم وأكثر أمناً!

أمام هذا الواقع المؤلم والمرير غادر معظم سكان هذه القرية إلى أماكن قريبة من القرية لكنها أكثر أمناً ومنهم من غادرها إلى أماكن بعيدة من غير رجعة!فمنهم من غادرها ليعيش في مدينة القدس مثل (نصر رزق والأخوين عثمان وفارس رزق وأحمد عبدالمجيد حماد) ومنهم من رحل عنها إلى قرية عبوين مثل (محمد أحمد عبدالدايم) ومنهم من رحل إلى قرية مزارع النوباني مثل (أحمد حمدان) ومنهم من رحل إلى قرية دير السودان مثل (فارس إملاوي)!.

4HsbR
ستمضي الأيام وستجلس على رصيف الذكرى ولن تصدق أنك تعيش من دونها!

ومنهم من رحل إلى مدينة الزرقاء في الأردن مثل (الأخوة نمر وسعيد ونوار عبدالمجيد حماد) ثم تبعهما (باير حماد) و(أحمد علي أحمد) ومنهم من رحل إلى مدينة عمان مثل (محمد إملاوي) ومنهم من رحل ليعيش في بلدة سلفيت مثل (عبداللطيف سرور والأخوين مفلح وعبدالدايم أحمد عبدالدايم والأخوة خضر وحسن محمد خضر ويوسف أبو خضر وصالح عبدالقادر وسعيد محمد حمد وأسعد إبراهيم وسعيد خضر) ومنهم من رحل إلى قرية زيتا جماعين مثل (سليم خضر) ومنهم من غادرها إلى لبنان مثل (عائلة السوطري)!.

تاريخ بلدنا

خربة قيس في العهد التركي


imagesH2XEPSZP
تحصيلدار

على الرغم من صعوبة وصول السلطات التركية إلى هذه القرية إلا أنها إستطاعت أن تأخذ منها بعضاً من شبابها كي يحاربوا معها في بلاد اليمن وكان منهم الرومي أحمد حسن الذي مات ودفن هناك!لكنهم بالمقابل عندما كان يأتي التحصيلدار أي جامع الضرائب في الزمن التركي قادماً على فرسه من بلدة سلفيت كان رجال القرية يرونه قبل أن يراهم فيفرون منه إلى الجبال المجاورة وعندما يصل هذا التحصيلدار إلى القرية لن يجد فيها غير الأطفال والنساء فيعود من رحلته هذه كما عاد الأعرابي بخفي حنين!.

untitled203
والدي رحمه الله

ولا بد من التنويه هنا إلى أن تركيا كانت تفرض على كل قرية ومدينة في فلسطين ضريبة معينة على سكانها وتطرحها في المزاد العلني على المقاولين والسماسرة!ومن ترسو عليه هذه المناقصة يضيف لها عمولته ثم يعطى كافة الصلاحيات في إختيار طريقة جمعها وتحصيلها ومن أجل التهرب من دفع هذه الضريبة التي كانت تقصم ظهور أهل القرية كانوا يسجلون كل أراضي العائلة باسم طفل صغير فيها كي لا يطوله القانون!وبعد أن رحلت تركيا تولدت مشاكل كثيرة من جراء ذلك فمثلاً كانت كل أراضي عائلتنا إلى عهد قريب مسجلة باسم والدي وباقي أفراد العائلة لا يملكون شيئاً أمام القانون!. 

figdetail
شجر التين في بير المرج

وكان في أرض القرية نبع ماء يسمى بير المرج يقع شرق القرية ويبعد عنها حوالي 3 كم وكان هذا النبع يسقي سهلاً مترامي الأطراف بواسطة شبكة من قنوات الري الموزعة على أرضه المزروعة بأشجار التين فكان هذا المرج يبدو من بعيد وكأنه غابة من الأشجار المتشابكة حتى أنه كان بمقدور من يريد الوصول من أهل هذه القرية إلى هذا النبع أن يتنقل من شجرة إلى أخرى دون أن تطأ قدماه الأرض فيصل هذا البير وعندما فشل الأتراك العثمانيون في تحصيل ضرائبهم المترتبة على أهل هذه القرية قاموا بتخريب بير المرج وتكسير قنواته عقاباً لهم ونكاية بهم!.

dsc02469
المضافة

لكن مع كل سلبيات العهد التركي من فقر وجهل ومرض إلا أن تركيا لم تتدخل في البنية التحتية للسكان بل تركتهم يعيشون حياتهم كما هي دون زيادة أو نقصان فقد كان الناس يحبون بعضهم بعضاً وكان التكافل الإجتماعي هو السائد بينهم في تلك الفترة وعلى إثرها قاموا ببناء المضافة لتكون المكان الذي كان يجمعهم في الليل وأثناء النهار وفوق ذلك كله كانوا يستقبلون فيها ضيوفهم وكان ضيف أحدهم يعتبر ضيفاً على أهل القرية كلها!.

130410_2011_05_27_16_44_20.image2
وكانوا يساعدون بعضهم البعض في موسم حصاد القمح ويسمونها عونة!

وفي غياب الضيوف كانوا يأكلون ويشربون معاً في داخلها كأنهم عائلة واحدة!وكان القوي فيهم يساعد الضعيف!ومن يملك كان يعطي من لا يملك!وكانوا يساعدون بعضهم البعض في موسم الزيتون وفي نهايته يوزعون الجاروعة على من يستحقها من أهل القرية!وفي موسم حصاد القمح والشعير والفول والعدس كانوا يوزعون عرام البيدر لمن يحضر ولا يملك!.  

images
وكانت هذه القرية تقع على أهم طريق رئيسي يربط قرى ومدن الجنوب الفلسطيني بقرى ومدن الشمال الفلسطيني!

واكتسبت هذه القرية أهميتها في ذلك الوقت من أنها تقع على أهم طريق رئيسي يربط قرى ومدن الجنوب الفلسطيني بقرى ومدن الشمال الفلسطيني حيث كانت تنطلق قوافل الحمير والبغال والجمال وهي تحمل على ظهورها القُطّين والعنب والصّبر من الجنوب والوسط ليتم مبادلتها من الشمال بالبندورة والخيار والبرتقال وكانت هذه القوافل تتخذ من هذه القرية نقطة إستراحة لها نظراً لوقوع هذه القرية في منتصف هذا الطريق تقريباً عند نبع بير الدرج ليشربوا ويسقوا دوابهم من هذا النبع!.

تاريخ بلدنا

خربة قيس جغرافيا وتاريخ


nablussouthwesternvillages-jama3iyyat-villages-page-463تقع قرية خربة قيس إلى الجنوب من مدينة سلفيت وتبعد عنها حوالي أربعة كيلومترات وتحيط بها تجمعات سكانية عدة هي:مدينة سلفيت من الشمال وقرية فرخة من غرب الشمال وقرية عمورية من الشرق وقرية قراوة بني زيد من الغرب وقرية مزارع النوباني من جنوب الغرب وقرية عارورة من غرب الجنوب وقرية عبوين من شرق الجنوب وتقدر مساحتها بـ (100) دونم تقريباً.

983803_825298117490791_3726230969639137510_n
منظر عام للقرية من الشمال

وهي تقع على تلة مرتفعة قليلاً تحيط بها الجبال من كل جانب:فمن الشرق جبل راس مقحار ومن الشمال جبل راس القرينعة ومن شرق الشمال جبل راس زيد ومن غرب الشمال جبال قرية فرخة ومن الغرب جبال قرية قراواة بني زيد ومن جنوب الغرب جبال قرية مزارع النوباني ومن غرب الجنوب جبال قرية عارورة ومن شرق الجنوب جبال قرية عبوين.

????????????????
منظر عام للقرية من غرب الشمال

وتحيط بها الوديان من ثلاث جهات فيفصلها عن مدينة سلفيت وقرية فرخة (وادي الشاعر) ويفصلها عن قرية عارورة وقرية مزارع النوباني وقرية عبوين (وادي الكوب) ويلتقيان هذين الواديين في منطقة (الطبيل) وبهذا تصبح هذه القرية في فصل الشتاء منطقة شبه مغلقة إلا من جهة واحدة وهي جهة الشرق باتجاه قرية عمورية فقط.

1545707_329806770522775_5781598326693321410_n
منظر من مناظرها الخلابة

وهذا الموقع الجغرافي الفريد كان قد أكسبها ميزة هامة في الماضي البعيد وهي أن المُقيم فيها يستطيع أن يرى القادم إليها قبل أن يراه وبهذا يفقد القادم إليها عنصر المفاجئة لأن المقيم يستطيع أن يراه من بعيد ويستطيع على ضوء ذلك أن يميز قدومه إن كان خيراً فيُرحب به وإن كان شراَ فيقوم بالاحتياطات اللازمة ويساعده في ذلك عنصر الوقت فالوقت المستغرق للوصول إليها بعد رؤية القادم طويل جداً مما يعطيه فرصة أكبر للهرب أو التخفي.

untitled1
المناضل الكبير عبدالقادر الحسيني

واستفاد سكان هذه القرية من هذه الميّزة في العصر التركي فكانوا يهربون من القرية عند رؤيتهم لـجامع الضرائب تحصيلدار ويتركون له النساء والأطفال واستفاد الثوار في العصر البريطاني من هذه الميزة الفريدة فكانوا يتخذونها دار إقامة لهم خاصة في ثورة سنة 1936وما قبلها وما بعدها فمثلاً كان قد إتخذها المناضل محمد عمر النوباني من قرية مزارع النوباني وفصيله مقراً له فكان يقيم فيها إقامة شبه دائمة وكان يزورهم بين الحين والآخر المناضل الكبير عبدالقادر الحسيني وقد روت لي جدتي لأمي أنها رأت هذا القائد بالعين المجردة مراراً وتكراراً في جبل (القُرنة) الواقع شرق هذه القرية.

9998362419
رئيس بلدية سلفيت يشرف بنفسه على توسعة الطريق

أما في عصر الإحتلال الصهيوني لفلسطين فكان قد اتخذها المقاومون مقراً لهم بعد أن إحتضنهم أهل القرية وخاصة في الإنتفاضتين الأولى والثانية لكن هذه القرية ليس لها حظاً منذ القدم لأن الناس لا يتذكروها إلا في الأزمات وبعد زوال هذه الأزمات ينسوها تماماً لكن هذا الكلام لم ينطبق في عصر السلطة الفلسطينية فقد إتخذتها قيادة الأمن الوطني لتكون أحد مقراتهم الرئيسة ولا يسعني هنا إلا أن أوجه لهم أكبر التحيات والإحترامات لما قدموه ولا زالوا يقدمون لسكان هذه القرية من خدمات وخاصة في موضوع المواصلات. 

images5
كان وادي الشاعر هو الطريق الرئيس الذي يربط جنوب فلسطين بشمالها 

أما لماذا سميت هذه القرية بهذا الإسم؟فلأنها كانت في عهد الخلافة التركية مزدهرة وعامرة لكنها خربت بعد رحيل الأتراك عن فلسطين فقد كانت هذه القرية في الماضي تقع على الطريق الرئيس الذي كان يربط جنوب فلسطين بشمالها وهو طريق وادي الشاعر وكان هذا الطريق طريقاً عسكرياً عامراً في الليل وفي النهار بالقوافل العسكرية التركية التي كانت تشغله على مدار الساعة زد على ذلك أنه كان طريقاً تجارياً لنقل البضائع والمحاصيل الزراعية بين قرى جنوب فلسطين وشمالها.

BenQ Corporation
كان نبع بير الدرج المصدر الأول لمياه الشرب في هذه القرية حتى سنة 1957

وكانت هذه القوافل التركية قد اتخذت من هذه القرية نقطة استراحة لها نظراً لوجود نبع بير الدرج في منتصف هذا الطريق ومن ثم نقطة نقاهة للمرضى الأترك وهناك شجرة زيتون معمرة كان الأتراك العثمانيون يضعون مرضاهم تحتها وسموها زيتونة الكرنتينا أي غرفة العناية المركزة في هذه الأيام ولا زالت هذه الزيتونة موجودة حتى الآن وبنفس الإسم التركي ثم اتخذوا من هذا المكان نقطة تدريب لمرضاهم على إصابة الهدف في المنطقة التي تقع شمال بير الدرج ولا زال اسمها حتى الآن (مِقْيَم العَلام).

download (1)
البيادر مركز القرية

أما المقطع الثاني من إسم هذه القرية وهو قيس فيوجد مقام لأحد الأولياء الصالحين يدعى قيس الأنصاري في الطرف الشمالي من هذه القرية كان إلى عهد قريب تقصده النساء اللواتي لهن طلبات خاصة ويردن تحقيقها بسرعة أكبر فكانت كل امرأة تطلب طلباً من الله وتريد تحقيقه كانت تنظف هذا المكان وتشعل السراج الدائم الموجود في مدخله وتطلب من هذا الولي ما تريد تحقيقه وقد حاول البعض تسميتها قرية قيس بدلاً من خربة قيس لكن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح.

images
نبع عين عادي

أما سكان هذه القرية في هذه الأيام فيبلغ عددهم حوالي 220 نسمة في حين يقدر عدد سكانها الذين يعيشون خارجها بـ (1000) نسمة أو يزيد وفي هذه القرية ثلاث عيون ماء طبيعية هي عين عادي في الشمال وتبعد حوالي 3 كم وبير الدرج في الشمال أيضاً ويبعد 1 كم وبير المرج في الشرق ويبعد 3 كم إلا أن السكان في هذه الأيام يعتمدون على شركة المياه القطرية كمصدر أساسي للمياه وبالنسبة للكهرباء فقد كان السكان يعتمدون في الأنارة على مولد كهرباء عام لللقرية يعمل على الوقود وفي عام 2004 تم ربط هذه القرية بشبكة الكهرباء القطرية من قبل مدينة سلفيت.

20140322_171444
مدرسة خربة قيس الأساسية المختلطة

وحاليا تتبع هذه القرية اداريا لبلدية سلفيت حيث تقوم البلدية بتوفير الخدمات العامة للقريه من ماء وكهرباء ونفايات أما عن التعليم فيوجد في هذه القرية مدرسة أساسية مختلطة وروضة أطفال خاصة ولكنها تفتقر إلى المؤسسات الحيوية المهمة الأخرى وترتبط هذه القرية بمدينة سلفيت وقرية مزارع النوباني وقرية عارورة وقرية عمورية بطرق معبدة.

تنزيل
حقول الزيتون في القرية

أما عن الوضع الاقتصادي فكان سكان هذه القرية في السابق يعتمدون على الزراعة كعنصر أساسي للمعيشة وتوفير الغذاء وعلى ما يرسله المغتربين منهم من أموال أما بالنسبة للزراعة فأخذت تقل وتنحصر بالمواسم الزراعية كموسم الزيتون ومن أبرز المحاصيل الزراعية في القرية بعد شجر الزيتون هو شجر اللوز أما في وقتنا الحالي فيعتمد السكان بالدرجة الأولى على العمل كحرفيين وعمال في ورشات البناء داخل الضفة الغربية وداخل فلسطين المحتلة عام 1948 يليها الوظائف الحكومية المتوفرة من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية. 

10301591_959022214118380_7897384342918503195_n
مسجد القرية

وفي هذه القرية أماكن دينية مختلفة منها مقام الولي (قيس الأنصار)  ويقع في الطرف الشمالي للقرية بالقرب من بير العصفور ومقام الولي (علاء الدين) ويقع في الطرف الشرقي للقرية غرب بيت الحاج عبدالله وجنوب بيت سليمان أبو احمد ومقام (الشيخ أحمد) ويقع في الطرف الغربي للقرية وهو على هيئة مسجد قديم مكون من غرفة واحدة وقيل أنه بُني في العهد العمري وكانت بيوت هذه القرية في الماضي تنتشر حول هذا المسجد وبعد أن تهدمت هذه البيوت بفعل الزمن بدأت القرية تزحف إلى الشرق وبقي هذا المسجد مكانه وفي هذه الأيام بني مسجد حديث على البيادر بدلاً منه.

1781942_261015247401928_962381928_n
زيتونة الواوي وهي أكبر شجرة زيتون معمرة في القرية

أما عن المواقع الأثرية ففيها الكثير من هذه الأمكنة فهناك معصرة زيت قديمة تسمى (البد) لا زالت ماثلة حتى يومنا هذا ومعصرة زيت قديمة أخرى في الحارة الفوقا لكنها استغلت كبيت للسكن وفيها مغارة قديمة كانت تستخدم لوضع الأموات فيها لكنها أصبحت مكاناً لتخزين التبن لهذا سميت (مغارة التبن) وهناك شجرة زيتون كبيرة الحجم من العهد الروماني قديمة جداً وضخمة ساقها مجوفة تتسع لجلسة عائلية تسمى (زيتونة الواوي).

10712836_342854785884640_2268278368163964661_n
المضافة بعد ترميمها

وهناك مبنى قديم جداً بني في عهد الأتراك العثمانيين يقع في الطرف الشمالي من القرية يدعى (المضافة) وكانت هذه المضافة تستعمل فيما مضى لاستقبال الضيوف الرسميين والمدنيين على حد سواء فيها ثم تحولت فيما بعد وأصبحت مدرسة ابتدائية لأطفال القرية وتقع أمام هذه المضافة شجرة فلفل برّية قديمة جداً تسمى (الفلفلة) كان الناس يجلسون تحتها في فصل الصيف لأنها وارفة الظلال من جهة وتصلح أن تكون نقطة مراقبة من جهة أخرى لكل الذاهبين والقادمين إلى مدينة سلفيت.

941693_10200441392496012_1145588607_nمنظر لخربة قيس من جهة مزارع النوباني

عن بلدي احكيلي

لا تخبروا عنا الدواعش


untitled
العلم التركي

في منتصف القرن الماضي كانت حياة الناس في معظم القرى الفلسطينية بسيطة جداً ومتطلباتهم كانت أبسط وخاصة في قريتنا ومرد ذلك يعود إلى سيطرة تركيا على هذه القرى لفترة طويلة من الزمن دون أن تطورها أو تغير من حياة سكانها قيد أنملة بل على العكس تماماً كانت تفرض على أهلها الضرائب الكبيرة التي كانت تقصم ظهورهم دون أن تقدم لهم أي خدمات تذكر في البنية التحتية لهذه القرى وخاصة في التعليم والصحة.

images4K0NJG4G
العلم البريطاني

وما أن خرج الناس في هذه القرى من سيطرة الخلافة التركية حتى جاءت بريطانيا العظمى وجعلت من نفسها وصية عليها فوضعت يدها على كل هذه القرى وبدل أن تطورها إلى الأحسن في كل المجالات وتأخذ بيدها إلى الأمام أهدتها حركة صهيونية عنصرية حاقدة أهلكت الحرث والنسل وعلى الفور قامت هذه الحركة الفاشية بمصادرة الأرض من أصحابها وأقامت عليها مستوطناتها وطردت سكانها الأصليين واستبدلتهم من حثالات الأمم الأخرى.

IMG_4614
مبنى المضافة

أمام هذا الواقع المرير كان لا بد أن يسود التكافل والتلاحم بين سكان هذه القرى  مع بعضهم البعض شاؤوا أو أبوا فظهرت في حياتهم (المضافة) لتكون رد فعل طبيعي على كل هذه الأحداث مجتمعة والمضافة عادة ما تكون في مكان محايد يخصصه أهل القرية لاستقبال ضيوفهم وأهم هؤلاء الضيوف في ذلك الوقت هم ممثلوا هذه الحكومات المتعاقبة على فلسطين وفي غياب هؤلاء الضيوف يلتقي الناس فيها مع بعضهم البعض بعد أن ينتهوا من أعمالهم الزراعية ويستقبلون فيها كذلك كل مار أو زائر لقريتهم وخاصة من القرى المجاورة وكان الجميع يساهم في التكاليف المترتبة على ذلك.

5578_234565873354998_1894313422_n1
مقام الشيخ أحمد

أما قريتنا في أربعينات القرن الماضي فلم يكن فيها ساعة لمعرفة الوقت بل كانوا يعتمدون في حياتهم على قياس ظل حائط أو ظل شجرة أو ظل أي معلم آخر كي يتعرفوا على أوقات الصلوات ومن ثم أوقات العمل وكان في قريتنا مقام قديم لأحد الأولياء الصالحين قيل لنا أنه جامع وكان هذا الجامع مُهمل لا أثاث فيه سوى (نعش) خشبي لحمل الأموات إلى المقبرة و(مغتسل) خشبي لغسل الأموات فوقه قبل دفنهم ولا يوجد لهذا المسجد إمام ولا حتى خادم له ولا يُصلى به.

imagesVQN4Q9Y2
سماع آذان المغرب في فصل الشتاء كان مشكلة

في الأيام العادية ليست هناك من مشكلة ولكن المشكلة كانت تظهر لهم في شهر رمضان المبارك من كل عام فلا بد لهم من سماع الآذان كي يفطروا أو يمسكوا فكانوا يستمعون إلى آذان القرى المجاورة خاصة قرية (مزارع النوباني) أو (بلدة سلفيت) وعليه يفطرون أو يمسكون هذا لو جاء  شهر رمضان في فصل الصيف أما إذا جاء شهر رمضان في فصل الشتاء فلن يُسمع الآذان من هاتين البلدتين نظراً لوجود المطر والرعد والبرق وصوت جريان الشعاب والوديان فكانوا يحتارون في موعد الفطور أو الإمساك إلى أن يُقرروه بالإجماع وبشكل تقريبي.

images6P1PU9S2
الغيم الأسود

وفي أحد أيام الشتاء الباردة إنتشر الغيم الأسود في كل مكان من السماء واختفت بذلك الشمس من السماء تماماً وبدأ هطول الأمطار بغزارة شديدة وفاضت الشعاب والوديان واستمر هذا الحال عدة ساعات متصلة جعلت الناس يظنون أن آذان المغرب قد حان وقته فأحضر كل واحد منهم فطوره إلى المضافة وأفطروا هناك وشربوا الشاي والقهوة وبعدها بدأت عندهم السهرة وخلال سهرتهم تلك وإذا بالشمس لا تزال ساطعة في منتصف السماء وإذا به لم يحن موعد الإفطار بعد.

images5GZSVLQF
لا تخبروا عنا الدواعش

أرجو ممن يقرأ هذا المقال أن لا يخبر الدواعش عنا فلو علمت داعش بما كان قد حدث في قريتنا في تلك الأيام الماضية حتى ولو كان ذلك في القرن الماضي فسيتركوا الرقة ودير الزور والحسكة والموصل ويحتلوا قريتنا وعندها لن يكتفوا بقطع رؤوس الأحفاد بل سيحفروا على قبور الأجداد وينفذوا فيهم الحكم الجاهز عندهم في مثل هذه الحالات ولن تقف الأمور عند هذا الحد بل ستلاحقهم أمريكا وحلفائها العرب ويقومون بقصف قريتنا ونصبح في خبر كان. 

ذكريات في بلدنا

ثقافة جنسية


imagesFGNDYF4F
من أين لكم هذا الحليب يا أمي؟

مذْ كنت طفلاً صغيراً في السن، وأنا أحب أن أفكر وأدقق وأبحث في كل ما أسمع أو أرى أو أتكلم، فكنت إذا سمعت قولاً لأحد الأشخاص، أعرضه أولاً على عقلي، فإذا قبله عقلي أخذت به، وإذا رفضه عقلي أرفضه، مهما كان قائله. وفي أحد أيام الطفولة، وبعد أن شربت كأساً من الحليب الطازج، وأعجبني طعمه، سألت أمي على الفور: من أين لكم هذا الحليب يا أمي؟فقالت: الحليب يا ولدي، يأتينا من الأغنام، واكتفت بهذا الجواب فقط، فصار لزاماً عليّ أن أبحث عن هذه الأغنام، لأرى بنفسي، كيف تعطينا مثل هذا الحليب الرائع؟.

137682_2012_01_09_19_35_14_image2
غنمة مكشوفة العورة

في اليوم التالي، شاهدت قريباً لي من بعيد، قادماً من المرعى، ومعه أغنامه، فاقتربت منه أكثر، كي أرى وأتفحص الأغنام عن قرب، وكان أول ما لفت إنتباهي في أغنام هذا الرجل، هو إختلاف ألوانها، فكان منها الأبيض، ومنها الأحمر، ومنها الأسود، وعندما دققت النظر أكثر، وجدت إختلافاً كبيراً في مؤخرة كل نوع من هذه الأنواع: فالأغنام البيضاء «النعاج»، كانت مستورة العورة، أما الأغنام الحمراء «الماعز»، فكانت عوراتها مكشوفة للعيان، عندها نسيت الحليب، وانشغلت في شئ آخر، فسألت قريبي عن سر هذا الإختلاف البيّن بينهما فقال: أثناء مطاردة الكفار لرسول الله محمد، كان قد إختبأ بين الماعز، فتفرقن عنه، وكشفنه لأعدائه، فغضب الله عليهن، وعاقبهن عقاباً أبدياً، بأن كشف عوراتهن للملأ.

images1DBZ8KTC
نعجة مستورة العورة

بعكس الأغنام البيضاء، فعندما علمن بوجود رسول الله بينهن، تجمعن حوله، وأخفينه عن عيون الكفار، فكافئهن الله تعالى، بأن ستر عوراتهن للأبد، فحيّرني جواب قريبي هذا أكثر، فكان كالطباشير الملونة التي تنمحي، لكنها تترك أثراً في الذاكرة لا ينمحي، وعندما كبرت أكثر، وجدت الكثير من الناس، الذين يشبهون قريبي هذا، ممن يتمتعون بخيال واسع، ويسقطون الدين على كل منحى من مناحي الحياة، ولم يكتفوا بذلك، بل تطوعوا وأصبحوا يطلقون الفتاوي للناس، دون أن يسألهم أحد، لا بل أخرجوا لنا فتاوي في كل الميادين، ما أنزل الله بها من سلطان.

ذكريات في بلدنا

لن تفهموا ما سأقوله لكم


1334534_normal
كانت نساؤنا أكثر أنوثة وجمالاً

كانت أسماؤنا وأسماء أولادنا وبناتنا أحلى فمنا الكريم ومنا العفيف ومنا النبيل وكانت نساؤنا أكثر أنوثة وجمالاً وكان رجالنا أكثر شهامة ومروءة وكانت ساعة الجوفيال في يد الأب أغلى ما في البيت وأكثرها حداثة وكانت حبات المطر أكثر اكتنازاً بالماء فبعد المطر تجري الوديان والشعاب وتتفجر الينابيع وكانت المزاريب تخزن ماء الشتاء في البراميل الموجودة تحتها وكانت أخبار الساعة السادسة مساءاً أخف دماً من هذه الأيام وكانت الطرقات أقل إزدحاماً  من طرقات هذه الأيام وكانت بنات المدارس يخبئن أنوثتهن بين صفحات دفاترهن المدرسية وكانت أجرة الباص بضعة قروش وكانت حلويات الأعراس توزع في كؤوس زجاجية هشة تسمى مطبقنيات.

7940895_1424176831
غمزة سميرة توفيق

وكانت غمزة عين سميرة توفيق لا نراها إلا في الصورة الموضوعة داخل العلكة وكانت القضامة المبرشمة توصف علاجاً للمغص عند الأطفال وكانت عمان هي آخر الدنيا بالنسبة لنا وكان الأولاد يُقبلون يد الجار صباح العيد وكانت مضافة أبو محمود أهم برامج الراديو على الإطلاق ولم نكن نعرف أن ثمة فاكهة تتطابق بالإسم مع منظف الأحذية الكيوي ولم نكن نحلم يوماً من الأيام أننا سنحمل تلفوناً في جيوبنا ليرافقنا في الحل والترحال.

is
المطربة صباح

وكان الحصول على الحذاء في مقدمة أحلام الطلبة المتفوقين في المدارس وكانت الجهاد أهم الصحف اليومية وأجرأها على الإطلاق ثم تأتي بعدها صحيفة الدفاع وكانت أمريكا وألمانيا والكويت بلاد الأحلام للشباب وكانت صورة المطربة صباح مرسومة على ظهر المرآة اليدوية المعلقة على الحائط وكان جهاز الراديو يغلق محطاته في موعد محدد مثله مثل أي محل تجاري أو مطعم وكانت المحرمة هي الهدية الوحيدة للحب بين العشاق والمحبين وكانت المكتبات تبيع دفاتر خاصة لرسائل الحب أوراقها مزوقة بالورود.

1zo917r
كانت البيوت تكاد لا تخلو من الطابون 

وكانت جوازات السفر تكتب بخط اليد وكان السفر إلى مدينة نابلس مشياً على الأقدام وكانت قمصان النص كم للرجال تعتبرها العائلات المحافظة عيباً يخدش الحياء وكانت البيوت تكاد لا تخلو من الطابون وكانت الأمهات يعجن الطحين في المساء ليخبزنه في الصباح وكانت الأغنام تدق بأجراسها وهي في طريقها للمرعى صباح مساء وكانت الناس تهنئ أو تعزي بعضها بعضاً بكيس من السكر أو كيس من الأرز فيه خط أحمر وزنه مئة كيلو غرام وكانت الأمهات يحممن أولادهن بالطشت وكانت القرشلة يحملها الناس لزيارة المرضى وكان البرد يجعل أصابع التلاميذ ترتجف فلا تستطيع الكتابة.

imagescax54rl7
كنا نشرب من الماء الجاري ولا نشتريه من الدكاكين

وكانت لهجات الناس أبسط وأحلى وكانت قلوبهم أكبر وأنظف وأحن وكانت طموحاتهم أبسط وأكبر وكان الموظفون ينامون قبل الساعة العاشرة مساءاً وكان الحزبيون والسياسيون منا يلتقون سراً في المخابئ محاطين بهالة من السحر والبطولة والرجولة وكانت الشمس أكثر صرامة في التعامل مع الصائمين في شهر رمضان المبارك وكان الثلج لا يخلف موعده  السنوي وكنا نشرب من الماء الجاري ولم نكن نحلم في يوم من الأيام أن يباع الماء في الدكاكين وكانت الحياة أكثر فقراً وبرداً وجوعاً ومع كل هذا كنا نراها خضراء يانعة دافئة.

تراث بلدنا