الغول والغولة في الذاكرة


Untitled
قـصـر الـغـولـة

كنا صغاراً ونحن نجول أرض القرية بحثاً عن باقة ورد أو باقة من نرجس عصراً لنجمع ما نحصل عليه ونقدمه إلى أساتذتنا الكرام في صباح اليوم التالي وذلك إحتراماً وتقديراً لهم على ما بذلوه ويبذلوه من جهود في سبيل تحريرنا من الجهل الذي كان يسيطر على عقولنا في ذلك الوقت لأن المعلم في الماضي كان هو المصدر الوحيد للتعلم!إلا أننا كنا لا نجرؤ على الإقتراب من مكان واحد وحيد أبداً على الرغم أنه أقرب الأمكنة وأغناها بالنرجس أما هذا المكان فكانوا قد سموه لنا قصر الغولة.

and girls
هكذا كنت أتخيل الغولة

والغولة في الماضي كانت من ضمن سكان القرية فلها قصر عظيم تقيم فيه يسمى (قصر الغولة) ولها نوع معين من الأحجار الخاصة بها يسمى (حجر الغولة) ولها نوع معين من أنواع الملح الخاص بها يسمى (ملح الغولة) ولها نوع معين من النباتات الخاصة بها يسمى (خرصان الغولة) وفوق ذلك كله كان أهل القرية يشبهون المرأة ذات الشعر المنفوش بهذه الغولة فرسموا بذلك لنا شكلا من أشكال هذه الغولة لا بل كانوا يهددون أطفالهم بها قبل النوم وبعده وكانت هذه الأسماء المرعبة لوحدها كفيلة بإثارة التساؤلات المخيفة في عقول الأبناء؟فمن هي هذه الغولة؟ولماذا تعيش هنا؟وما هو شكلها؟أكيد هي أنثى فأين زوجها الغول؟.

0أسئلة كثيرة مرعبة كانت ترعب كل من كان يفكر بها في ذلك الزمان والأهم من ذلك كله أنك لن تجد من يوضح لك ما إلتبس عليك من أسماء أو من يجيبك على هذه الأسئلة وبقيت أعيش حياة الرعب في صغري من هذه الغولة إلى أن كبرت وتوضحت لي الصورة وإذا ما سموه لنا قصر الغولة ما هو إلا صخرة كبيرة تحملها صخرتان أكبر منها أخافتهم وأخافونا منها.

ذكريات بلدنا

شجر الخروب في ذاكرة الطفولة الفلسطينية


Arcosu07
شجرة الخروب التي كانت قد أخافتهم وأخافونا منها

من عاش منكم في القرية، يعلم أن الأشجار بجميع أنواعها موجودة هناك، لكنهم لقنونا أن شجر الخروب وحده هو المسكون بالشياطين وبأرواح الموتى، ولم يقولوا لنا ما تفعله هذه الشياطين والأشباح  بنا لو مررنا من فوقهم أو بجانبهم، بل تركوا لعقولنا الصغيرة أن تتوهم وتتخيل وترسم سيناريوهات اللقاء بين الأحياء والأموات تحت هذه الشجرة، فتولدت في عقولنا الفتية أسئلة كثيرة مُحيرة، تعتمد إجابتها على خيال كل منا، وهي بالتالي تختلف من شخص إلى آخر، لكن الجميع تأثر بها بشكل أو بآخر، فمن الأسئلة التي كانت تخطر على بالي وأنا صغير في السن، هل يا ترى كل الأموات رجالاً ونساءَ ستلاحقنا؟ حتى لو كانوا من المقربين منا، إذا مررنا من فوقهم أو بجانبهم؟ وإذا أمسكوا بنا في يوم من الأيام، ماذا سيقولون لنا، أو ماذا سيفعلون بنا؟.

the_eye_5-wallpaper-1152x864
حتى هذه اللحظة أخاف من أي شجرة خروب أراها 

حتى هذه اللحظة، أخاف من أي شجرة خروب أراها، وأحاول أن لا أمرّ من تحتها أو بجانبها، وإذا أجبرتني الظروف، ومررت بها، يقف شعر رأسي خوفاً، وأقرأ ما أحفظ من سور القرآن الصغيرة لأتقي شرّ من يسكن تحتها، وأتخيل أن من مات ودفن في المقبرة، سيتواجد ليلاً تحت شجرة الخروب، والميّت الأحدث هو من سيتلقفني أولاً. واستمر هذا الوضع حتى كبرت، ووضحت لي الصورة ـ لكن بعد فوات الآوان ـ وإذ بشجرة الخروب كثيفة الأوراق، وكبيرة في الحجم، وعالية في الإرتفاع، وبالتالي تتسع رقعة ظلها أكثر من غيرها من الأشجار، لهذا فقد أخافتهم وأخافونا منها.

ذكريات في بلدنا

الـشـيـطـان


Untitled
 لماذا تضع يدك على فمك عند التثاؤب يا سيّدي؟

كان شيخ أزهريٌ يُدرسنا مبحث التربية الإسلامية وأنا في المرحلة الإعدادية في ستينات القرن الماضي وكنت أحبّ مُرافقة هذا الشيخ في رحلة الذهاب والإياب إلى المدرسة وفي إحدى هذه المرّات تثائب شيخنا ونحن نمشي سوياً في الطريق إلى المدرسة فوضع يده على فمه وغطاه بالكامل فلفت إنتباهي تصرفه هذا فبادرته بالسؤال لماذا تضع يدك على فمك عند التثاؤب يا سيّدي؟فقال الشيخ: أضع يدي على فمي كي أسدّ الطريق على الشيطان الملعون لأمنعه من الدخول في جسمي من خلال فتحة فمي وقبل أن ينتهي الشيخ من كلامه دق جرس المدرسة وتفرقنا بعد أن ذهب كل واحد منا إلى مكانه.

o0358035011656536861
عشت حقبة من الزمن وأنا مشغول بهذا الشيطان 

بعد هذه الإجابة عشت حقبة من الزمن وأنا مشغول بهذا الشيطان تُرى ما شكله؟ وما طوله؟ وما حجمه؟ وما وزنه؟ وهل هو مثلنا يأكل ويشرب وينام ويصحو؟ أكيد أنه أقوى من الإنسان لأنه يدخل في جسمه فكيف له أن يدخل من فمه الصغير؟ وهل لكل فم شيطان على مقاسه؟ وإذا فتحت فمي في أحد المرات ولم أتثائب فهل له أن يدخل في جسمي؟ وإذا دخل أو خرج هل أعلم أنا بدخوله أو بخروجه؟ أسئلة كثيرة تولدت في عقلي الصغير عن هذا الشيطان اللعين كان من المفروض على الشيخ تأجيلها لِما بعد حصة الأحياء التي سيشرح لي مدرسها ميكانيكية التثاؤب عند الإنسان ويُعلمني ما هو التثاؤب؟ولماذا أتثائب؟ ومتى أتثائب؟ أو عندما يطلع شيخنا أكثر على العلوم الإنسانية والتربوية.

ذكريات في بلدنا

سبحان من جعل الخيال حقيقة


208في الماضي الذي ليس بالبعيد لم يكن الزوج هو من يختار زوجته كما يحصل الآن، بل كان أهل الزوج هم من يختارون له زوجته دون أن يراها أو تراه. لهذا فقد يكون الزوج أكثر ذكاءً وأشد فصاحة من الزوجة وقد يكون العكس صحيحاً. كما لم يكن الطلاق شائعاً بين الناس كيومنا هذا، فكان كل من الزوج والزوجة يرضى بما كان قد قُسم له، وعلى كل منهما التعايش مع الآخر في هذا الواقع الجديد إن كان خيراً أو شراً. أما إذا وجدت المرأة نفسها تزوجت من رجل لا يجاريها في الذكاء والفطنة، عندها ستضطر إلى أخذ زمام المبادرة، لكن كيف سيكون لها ذلك؟

imgid265818

تثبت للناس كافة أن زوجها لا يُؤخذ بكلامه

كان على مثل هذه المرأة أن تجعل من زوجها (دُمية) تُحركها كما تريد وحتى يتم لها ذلك عليها أن تُثبت للناس كافة بأن زوجها لا يعي ما يقول ولا يؤخذ بكلامه، حتى ولو تكلم هذا الزوج عن أقوال وأفعال زوجته. وما أن تنتهي هذه الزوجة من مهمتها تلك حتى تصبح طليقة اللسان والأفعال تقول كل ما تريد وتفعل ما تشاء، إن كان خيراً أو شراً دون أن يحاسبها على قولها أو فعلها أحد، فزوجها جاهل أو لا يُعتد بقوله، وهي من ستتولى زمام القيادة.  

????????????????
حول كانون النار حدثتنا أمي حدوثة آخر الليل

وفي إحدى ليالي الشتاء البارد ونحن مُتحلقون حول كانون النار حدثتنا أمي (حدوثة) آخر الليل عن امرأة من هؤلاء النسوة التي تريد أن يفقد زوجها مصداقيته بين الناس فقالت:

كان يا ما كان في قديم الزمان امرأة أرادت أن تجعل من زوجها دُمية، فقامت بوضع كمية من الفلوس داخل طاقة في السور الخارجي لبيتها دون أن تُعلم زوجها بذلك، وقامت بإغلاقها وقالت له: إذا أردت يا زوجي العزيز أن تحصل على الفلوس في أيّ وقت ما عليك إلا أن تذهب إلى الطاقة الموجودة في السور الخارجي للمنزل وتأخذ منها ما تريد من الفلوس وقتما تشاء.

101110031023xsh7a9v67te599drh0d1
مد الزوج يده في الطاقة فخرجت وهي ممتلئة بالفلوس 

على الفور ذهب زوجها إلى الطاقة مسرعاً ومد يده فيها فخرجت يده وهي ممتلئة بالفلوس، فأخذ يصيح فرحاً ولم يصدق نفسه، ومن شدة فرحه بما حدث جال القرية وهو يقول: يا أهل البلد إذا أردتم الحصول على الفلوس، فمدوا بأيديكم إلى الطاقة وستجدون فيها كل ما تطلبون. وما أن سمعه أهل القرية حتى أخذوا يتهامسون فيما بينهم قائلين: لقد فقد الرجل عقله. عليكم بعد هذه الحادثة أن ترفعوا عنه القلم، ولم يعد أحد منهم يهتم أو يأخذ بكلامه حتى ولو تحدث عن زوجته وأفعالها. 

imagescagtz4t4 - Copy
A.T.M

ودارت بنا الأيام أنا وأمي، وكبرت أمي وكبرتُ أنا وذهبتُ إلى الكويت للعمل وبقيت هذه الحكاية في ذاكرتي، وتذكرتها أكثر عندما قام أحد البنوك الكويتية في ذلك الوقت بافتتاح طاقة في جدار المبنى ووضع فيها صراف آلي (A.T.M) وفي تلك الأثناء حضرت أمي لزيارتنا في الكويت، فأجلستها بجانبي في السيارة وقلت لها: أتذكرين حكاية الطاقة التي تلد الفلوس؟ قالت: بلى يا ولدي وهل تذكرها أنت بعد كل هذه السنين؟ فقلت لها: نعم أذكرها جيداً وما أن وصلتُ الطاقة حتى أدخلتُ الكرت فيها وبدأت الفلوس تخرج منها وأمي تقوم بجمعها وهي غير مصدقة لما يحدث وتقول: إن ما كنت قد حدثتكم به وأنتم صغار في السن يا ولدي ما هو إلا حكاية من الخيال فقلت لها: سبحان من جعل الخيال حقيقة. كنت قد أدهشتيني صغيراً وأنا اليوم أدهشك وأنت كبيرة في السن. واحدة بواحدة يا أماه.

عن بلدي احكيلي

العصفور علّمني


Balata_nablus1
بلاطة

تعلمون مثل ما أعلم أن لهجة الريف غيرها لهجة المدينة في جميع الدول العربية وليس في فلسطين وحدها أما أنا فمن الريف الفلسطيني ولنا لهجتنا الخاصة بنا والتي لا يفهمها من يسكن المدينة (هكذا كنت أعتقد في طفولتي من أين أتاني هذا الإعتقاد؟ لا أعلم) وفي أحد أيام عام 1961 ذهبت مع والدي وأنا طفل صغير لزيارة صديق له في قرية (بلاطة) بالقرب من مدينة نابلس وعندما وصلنا جلس والدي مع صديقه في البيت أما أنا فقد استقبلني إبنه الذي هو من جيلي فخرجنا سوياً ليطلعني على قريته مشياً على الأقدام. 

Untitled
بليدي

في الطريق رأى صديقي عصفوراً يزقزق على شجرة فسألني: ماذا تسمون هذا العصفور في بلدكم؟فاحترت في الإجابة على هذا السؤال فإذا سميته باسمه الحقيقي (بليدي) فقد لا يفهم عليّ  صديقي ما سأقول وبسرعة البرق غيّرت إسمه باسم ظننته أنه سيعرفه أكثر فقلت له: نسميه (دويري) فضحك الصبي وقال: نحن نسميه بليدي يا للهول نفس الإسم إذن فندمت على تغيير إسم ذلك العصفور وفي الحال غيرت مجرى الحديث كله خوفاً من أن يخطئ لساني ويعيد تسميته الحقيقية واتخذت بعدها قراراً في نفسي أن أكون مثل العصفور البليدي الذي لا يغير زقزقته أينما يذهب وهكذا قد كان.

ذكريات في بلدنا

سِتّي وصفّ العسكر


untitled215
ستي لأمي 

ولدت ستّي لأمي في فلسطين عام 1905 تقريباً أي أنها عايشت الخلافة التركية الإسلامية وهي تحكم بلادها فلسطين وعايشت أيضاً الحرب العالمية الأولى بين هتلر والحلفاء ورأت بأم عينها بريطانيا العظمى وهي تحتل بلادها سنين طويلة وعايشت كذلك الحرب العالمية الثانية بطولها وعرضها وأخيراً وليس آخراً عايشت الإحتلال الصهيوني البغيض لفلسطين فكانت حياتها كلها (حرب X حرب) فتلونت عيناها بلون بدلات العسكر الذين كانت قد عاصرتهم وأصبحت ترى كل شئ من حولها بلون العسكر.

2014_fabulous_mermaid_high_collar_longsleeve_black
أرادت ستي أن تخيط لها فستاناً جديداً

وفي أواخر أيام ستي عندما صفا لها الجو قليلا وأرادت أن تخيط لها فستاناً جديداً (وكنت يومها طفلاً صغيراً أردّد ما يقوله لي الناس دون أن أفهم ماذا أقول؟) فطلبت مني ستي أن أحضر لها من السوق (صف عسكر) وهو شريط من القماش ملوّن تخيطه المرأة على أطراف فستانها ليزداد جمالاً وفي الحال ذهبت إلى السوق واخترت محلاً تجارياً من المحلات التي تبيع مستلزمات الخياطة والخياطين وقلت للبائع: أعطني صفاً من العسكر لستي فضحك البائع وقال لي: صف العسكر في (المخفر) يا شاطر.

18122014-105033AM-1
آخر العساكر التي رأتهم ستي

قلت له: لكن ستي تريد تركيبه على فستانها فضحك هذا البائع مرة ثانية وقال: أنت تريد (كشكش) إذن قلت له: نعم دون أن أدري ما قاله هذا البائع وأعطاني وذهبت به إلى ستي غاضباً وقلت لها: لقد ضحك عليّ البائع يا ستّي ورويت لها ما دار بيني وبين البائع فقالت لي ستي بعد أن إبتسمت (نادراً ما كانت تبتسم): معك حق يا ستي ومعي أنا أيضاً كل الحق يا ستي فالعسكر كانوا قد خرجوا من بلادنا لكنهم لم يخرجوا من عقولنا بعد.

ذكريات في بلدنا

أنا والدبّور


Untitled
الدبور

بدأت تجربتي مع الدبابير منذ أيام الطفولة، عندما كان تتردد على مسامعي كلمتان تُلفظان معاً وهما (مَقْر الدبور). و(المَقْر) باللهجة العامية الفلسطينية هو حفرة في الصخر تملأها مياه الأمطار وتبقى المياه فيها حتى بعد أن تجف الأرض فتشرب منها الطيور والحيوانات وقد يشرب منها الإنسان عند الضرورة، وكنت عندما أسمع هاتين الكلمتين معاً يتبادر إلى ذهني (مكر الدبور) لأننا في فلسطين نخفف القاف إلى كاف، واحترت في الأمر وتساءلت في نفسي أيمكر الدبور كالإنسان؟ وإذا مكر الدبور فكيف سيكون مكره؟ أيهما أشد مكراً الإنسان أم الدبور؟

قطين
مِسطاح القطين

إلى أن جاء أحد أيام الصيف فخرجت مع أهلي لجمع القُطّين من تحت أشجار التين، وبينما كان الجميع منهمكاً في العمل عطشت وطلبت الماء فقالوا لي: اذهب إلى مَقْر الدبور فمنه تشرب وتحضر لنا معك الماء لنشرب نحن أيضاً. فأخذت الإبريق وسرت به في طريق وعر إلى أن اقتربت من مقر الدبور هذا وإذا به حفرة كبيرة في الأرض يخرج منها الماء صافياً كالزلال، وما أن اقتربت من هذه الحفرة أكثر وإذا بـ (طرد) أو مجموعة كبيرة من الدبابير يطاردني، وظل كذلك إلى أن تمكّن أحدها من لسعي في وجهي، وآخر في يدي اليمنى، فتركت الإبريق وعدت دون أن أشرب. وما أن وصلت أهلي كان وجهي قد انتفخ وأطبق على عيناي وأصبحت لا أرى إلا بصعوبة بالغة.

10012484_1485656561652922_651325665903169712_n
إنه النحل الذي سيجلب لنا العسل

بعد أيام معدودة من هذه الحادثة فوجئنا بطرد من النحل يتجمع فوق شجرة الزيتون الوحيدة التي كانت مزروعة في صحن بيتنا، وعندما رأيته خفت منه وهربت بعيداً ظناً مني بأنها دبابير كالتي طاردتني بالأمس القريب عند مقر الدبور، لكن والدي صاح عليّ قائلاً: لا تخف إنه النحل الذي سيجلب لنا العسل، وفي الحال عدت إلى البيت بعد شيء من الاطمئنان والأمان.

090502095213P9mR
لباس خاص لقطف عسل النحل

لكنني رأيت والدي قد استعد وقام بارتداء لباسٍ خاصٍ وقام بقص الغصن الذي يحمل النحل وأفرغه في برميل من الطين يسمى (جُرُن) أُعدّ خصيصاً لذلك، وكان كل من هم حولي فرحين مستبشرين خيراً إلا أنا؛ لأن لباس والدي قد أثار توجسي فقد قام بتغطية كل ما هو مكشوفٌ في جسمه. وعندما سألتهم عن السبب قالوا لي خوفاً من لسع النحل له.

large1238085084
لن يهدأ بال الدبور حتى يخرب كل بيوت النحل 

فسألت على الفور وبكل براءة الطفولة لماذا تجمعون النحل ولا تجمعون الدبابير؟ ضحك والدي على سؤالي هذا وقال: لا يجتمع الضدان يا ولدي! النحلة تعطي العسل الذي فيه شفاء للناس وتلقّح الأزهار لتعقد الثمار، وتخرج لنا على شكل فواكه وخضار. أما الدبور فيقتل النحل ويأكل ما بداخلها من عسل، ولن يهدأ له بال حتى يخرب كل بيوت النحل التي يستطيع الوصول إليها.

15038762411444253975
حرب النحل مع الدبابير

لم يكن والدي قد سمع بالإرهاب ولا الإرهابيين في ذلك الوقت؛ لأن أمريكا لم تكن تطلق عليهم هذا الوصف. فلو كانت أمريكا قد أطلقت عليهما هذين المصطلحين لكان والدي قد وصف الدبور بكلمة واحدة وأراحنا وأراح نفسه من مشقة الشرح، عندها سيقول لنا أن الدبور (إرهابي) والنحلة تدافع عن نفسها. “عليك أن تحمي خلية النحل هذه من الدبابير”. كان هذا أول تكليف لي من والدي فقد أرسلني إلى حرب النحل مع الدبابير وعليّ أن أحمي نفسي أولاً، وأحمي خلية النحل ثانياً من شر الدبابير.

121
غصناً من الورد

سألت والدي على الفور:وكيف يكون لي ذلك؟ فقال: عليك أن تقطع غصناً من شجرة أوراقها كثيفة كالخروب مثلاً أو غصناً من هذه الوردة، وأشار بيده إلى شجرة ورد كبيرة في بيتنا، وتقف بجانب خلية النحل وكلما أتى دبور تقتله، فقاطعته بقولي: لكن النحل يلسع مثله مثل الدبور، فكيف لي أن أحمي نفسي منه؟ رد علي وقال: النحلة يا ولدي لا تلسع إلا دفاعاً عن نفسها، أما الدبور فهو معتدٍ أثيم، وعليك أن تقتله قبل أن يصل إلى خلية النحل هذه.

vespa_orientalis
وانقض كل دبور على نحلة فقتلها وطار بها إلى وكره

وفي اليوم التالي صحوت من نومي مبكراً كي أراقب خلية النحل فوجدت النحل قد انتشر على الأزهار كي يمتص رحيقها، بعد ذلك يدخل إلى الخلية ويفرغ حمولته فيها، ثم يخرج ثانية من غير كلل أو ملل. وما هي إلا دقائق معدودة وإذا بالدبابير قادمة ليس من أمامي ولكن من خلفي واستقر أحدها في رقبتي فأبطل سلاحي في الحال، وانقض كل دبور على نحلة فقتلها وطار بها بعيداً إلى وكره.

thumb
طائرات سلاح الجو الصهيوني تطارد النحل والأزهار 

لم يهتم بي أحد من حولي لأنهم كانوا يراقبون دبابير أكبر من الدبابير التي لسعتني. إنهم يراقبون طائرات سلاح الجو الصهيوني وهي تطارد النحل من على أغصان الأشجار، وبعدها بستة أيام هاجمتنا دبابير بشرية واحتلت عيون الماء وقمم الجبال والسهول والوديان في بلادنا، بعد أن اقتلعوا الأشجار وأتلفوا الورود والأزهار. عندها هاجر النحل لا خوفاً منهم ولكن كي يبحث عن أزهار جديدة ليمتص منها رحيقها، ويصنع منه العسل للأطفال، فالأطفال منا لا يخافون من الدبابير كالكبار.

الدنيا حكايات

زيارة خاصة


handshake
مددت يدي لمصافحة حفيدتها فاعتذرت عن مصافحتي

في أحد أيام الصيف الماضي خطرت في بالي إحدى قريباتي المحرّمات عليّ شرعاً، والتي تكبرني سناً، فقررت زيارتها في بيتها. وما أن قرعت جرس الباب حتى وجدتها في استقبالي ومعها حفيدتها التي لم يتجاوز عمرها العشر سنوات. وبعد أن صافحت قريبتي مددت يدي لمصافحة حفيدتها، فاعتذرت هذه الطفلة عن مصافحتي واكتفت بوضع يدها على صدرها ثم بعد ذلك رحّبتا بقدومي، وأجلستاني في الصالة وبعد أن سأل كل واحد منا الآخر عن صحته، وبعد أن حمدنا الله كعادتنا في مثل هذه الزيارات، سألتها عن الأحوال فبدأت هي وحفيدتها في الكلام معاً فلم أستطع أن أميز بين قريبتي وحفيدتها التي كانت تجلس وتلبس وتتكلم مثلها.

images21
الحلال والحرام في حياتنا الفانية 

قريبتي أمعنت في الكلام عن أمراض الشيخوخة التي بدأت تزحف، وحفيدتها أمعنت في شرح آخر درس تلقته من الداعية بعنوان الحلال والحرام في حياتنا الفانية، فعلا صوتها على صوت جدّتها، واستلمت دفة الحديث وأخذت تشرح لي عن عذاب القبر وأهواله لو هي كشفت شعرها أمام غير محارمها، وعن كمية الجمر الذي سيوضع بيدها يوم القيامة فيما لو هي صافحت رجلاً من  غير محارمها. حزنت على هذه الطفلة الصغيرة التي استطاع الدعاة أن يسرقوا منها طفولتها.

 عن بلدي احكيلي

الـكـلـب الأبـيـض


images
الكلب الأبيض

كنتُ صغيراً في السن عندما أجبرتني الظروف على السير مشياً على الأقدام في منطقة سهلية بين مدينة (نابلس) وبلدة (حوارة) ليلاً في فلسطين في ربيع عام 1966 وكان بمحاذاة هذا الشارع منزل جميل يحرسه كلب أبيض، لو وقفتُ بجانبه لكان أطول مني في ذلك الوقت. كان أصحاب الكلب يُقيّدونه في النهار ويُطلقون سراحه في الليل. وعندما شعر الكلب بوجودي من على بُعد بدأ ينبح ليُذكّرني بوجوده، وليُنبّه صاحبه أيضاً أن هناك خطراً ما يجب أن يستعدّ له. بدأ صاحبه يراقب الموقف عن بعد، فكان كلما اقتربت من هذا المنزل أكثر كلما علا نباح الكلب أكثر، وزادت مراقبة صاحبه له إلى أن أصبحتُ أمام البيت تماماً فانقض عليّ ورماني أرضاً دون أن يعضّني. 

20829
الحجر من أدوات الدفاع عن النفس في مثل تلك الحالات

حاولت أن أدافع عن نفسي فلم أفلح في صد هذه الهجمة الكلبية الليلية الشرسة، لعدم توفر أي من أدوات الدفاع عن النفس في مثل تلك الحالات كالعصا أو الحجر، فالأرض سهلية تخلو من الحجارة ومن العصي، لكن صاحبه أعفاني من هذا كله وتقدّم نحوي بلمح البصر وحملني بين يديه، وأدخلني إلى فناء منزله، وأصرّ على أن يسقيني الماء من طاسة الرجفة، وذلك لطرد الخوف الذي استقر في داخلي. وبعد أن شربت الماء شكرت الرجل على حسن تصرفه معي وواصلت المسير إلى أن وصلت البيت في ساعة متأخرة من الليل. 

DSC00119
 طاسة الرجفة 

عندما وصلت البيت بدأت أروي لهم ما كان قد حصل معي، وقبل أن أنهي كلامي وبمجرد سماعها كلمة كلب أسرعت أمي وأخرجت طاسة الرجفة ـ والتي نادراً ما كانت تخرج من مخبئها ـ وملأتها بالماء وقالت لي: اشرب، فقلت لها: صاحب الكلب أسقاني، لكنها أصرّت عليّ أن أشرب أمامها لتتأكد بنفسها فشربت، وبسرعة البرق انتشر الخبر في القرية، فتجمع الناس من حولي وأخذ كل واحد منهم يلقي بدلوه في الموضوع، فمنهم من هنأ والدتي بسلامتي من هذا الحادث بقوله: الحمد لله على سلامته يا أم محمد، إن الله يُحبك ويُحبه تخيّلي لو عضّه ذالك الكلب اللعين وصار إبنك ينبح مثله ماذا كنت ستفعلين؟ وكانت هذه العبارة قد تردّدت على مسامعي بعدد الناس الذين تواجدوا في بيتنا في تلك الليلة.

imagesK8RHL52T
الشاي الذي أعدته لهم أمي على عجل

ثم ساد الصمت برهة من الزمن بعد أن انشغل الحضور بشرب الشاي الذي أعدته لهم أمي على عجل، لكن هذا الصمت لم يدم طويلاً بعد أن قطعه صوت رجل في الخمسين من عمره حين قال: عندما عضّني الكلب قبل سنتين أعطوني حوالي عشرين إبرة، واسترحت في البيت شهرين كاملين. تخيلوا لو عضه ذلك الكلب وأقعده في البيت مثلي شهرين متتاليين فسيفصلونه من المدرسة فوراً وما أن سمعت أمي حديث هذا الرجل حتى وجدتها تصيح من بعيد: مُستحيل أن يغيب ابني عن المدرسة. أرجوكم أن يبقى الموضوع بيننا سراً كي لا يعلموا في المدرسة ماذا حدث للولد.

1416224900-opticalillusions
 أوهام صنعوها لي ولأنفسهم

كان هذا الموضوع بسيطاً جداً فقد دفعني كلب في الشارع وحملني صاحبه، إلا أن الناس كانوا قد ضخّموا هذا الموضوع لي ولأنفسهم، ولم يكتفوا بذلك بل افترضوا لي ولهم أشياء من عندهم لم تحدث، وبنوا عليها نتائج واتخذوا عني قرارات وعاشوا وأعاشوني في الأوهام التي كانوا قد صنعوها لي ولأنفسهم، وخلقوا عندي عقدة الخوف الأبدية من الكلاب بعد هذه الحادثة البسيطة.

1016909_527530040688639_7945665197478907309_n
 كلب في الشارع 

أصبحتُ لا أدخل بيتاً فيه كلب إلا إذا أخذت كافة الضمانات من صاحبه، ورأيته بأم عيني يمسكه أو يربطه. أما إذا رأيت كلباً في الشارع يقف شعر رأسي، ويجف حلقي وتتوقف قدماي عن المشي، لا خوفاً من الكلب بل خوفاً من الوهم الذي عيّشني الناس به بعد هذه الحادثة. وهكذا نحن في حياتنا اليومية، نعيش بدون معلومات عن الأشياء التي من حولنا، وفي الحال يتسرب الوهم ليملأ عقولنا وبعدها نتخذ قراراتنا فتكون على الأرجح قرارات خاطئة تؤثر على مستقبلنا.

الدنيا حكايات

عظم الله أجرك يا فسيلة الليمون


lemon_tree_berkeley1
شجرة الليمون

كان يا ما كان في قديم الزمان شجرة ليمون معمرة تكاد تكون أزلية في عمرها بالنسبة لي على الأقل!وكانت هذه الشجرة الكبيرة المعمرة تقع على مفترق طرق في أرض وعرة وعلى سفح جبل عال في الإرتفاع وبالقرب من عين ماء جارية مياهها صافية باردة كالشلال! فكان كل شخص يمرّ عن هذه العين يغسل وجهه ويديه ثم يشرب من نبعها الصافي ويجلس تحت شجرة الليمون الكبيرة للراحة والإستجمام مِن عَنَاء المِشْوَار وبعد أن يستظل بظلها يأكل من ثمارها ويسقيها مقابل ذلك دَلْواً مِن المَاء!.

images1ISVJTHE
أنبتت شجرة الليمون مِن أَحَد جُذُورهَا المُمْتَدة فسيلة كي تجرب معاناة الأم حتى ولو أنها شجرة!

فجأة أنبتت هذه الشجرة مِن أحد جذورها الممتدة إلى الجنوب فسيلة كي تجرب معاناة الأم حتى ولو أنها شجرة!وبدأت هذه الفسيلة ترتفع بجانب أمها وعلى بعد أمتار قليلة منها!لكن أحداً لَم يهتم بها على الرغم أن كل من كان يجلس تحت أمها كان يعلم بأنها أحق من أمها في السقاية والرعاية!لكنهم بالمقابل يعرفون أن هذه الفسيلة حتى الآن لا تسمن ولا تغني من جوع!فلهاذا كانوا يتجاهلونها لا بل يمروا عنها مرور الكرام!فلم تجد هذه الفسيلة المسكينة من يمدها بالماء غير أمها!وأخذت الأم تسقيها من مائها الخاص حتى كونت لنفسها جذوراً أخرى غير الجذر الذي يصلها بأمها وأصبحت هذه الفسيلة تعتمد على نفسها في الحصول على مائها!وما هي إلا بضع سنوات حتى أصبحت هذه الفسيلة توازي أمها بعد أن إرتفعت واخضرّت وأيعنت وأثمرت!.

OLYMPUS DIGITAL CAMERA
نسي المنافقون الأم وثمارها بعد أن أصبحت شاهقة في الإرتفاع والحصول على ثمارها أصبح صعباً عليهم ويحتاج منهم إلى مجهود أكبر!

فتحول الناس فوراً للجلوس تحت ظل هذه الفسيلة والإستظلال بظلها والأكل من ثمارها ولم ينسوا سقايتها في كل يوم!ونسوا الأم وثمارها بعد أن أصبحت شاهقة في الإرتفاع وأصبح الحصول على ثمارها صعباً عليهم ويحتاج منهم إلى مجهود أكبر!بعكس فسيلتها فكانت صغيرة في حجمها قصيرة في طولها يسهل عليهم قطف ثمارها وأصبحوا يسقون الفسيلة بدلاً من أمها ونسوا على الفور ما كانت تقدمه لهم الأم في الماضي!.

BenQ Corporation
عاقب الله تلك الفسيلة العاقة والمنافقون معها بأن جفف لهم نبع الماء وحوّل عنهم الطريق!.

واستمر حال هذه الفسيلة وأمها إلى أن بدأت أوراق الأم تصفرّ وتذبل وتسقط على مَرْأَى من كل من كان يجلس تحتها ويستظل بظلها!وَعَلَى مَرْأَي من فَسَيلتهَا أيضاً التي كانت قد أرسلت جذورها في غير إتجاه أمها ونسيت هذه الفسيلة أن أمها هي التي كانت قد أوجدتها!وليس هؤلاء الناس الجدد!فَما كان من الله إلا أن عاقب تلك الفسيلة والناس الجدد بعد أن تركوا الأم وتحولوا إلى إبنتها بأن جفف لهم نبع الماء الذي كان يسقيهم!وحوّل عنهم الطريق من مكانها إلى مكان آخر!ولم يعد أحد يرى هؤلاء المنافقين وهم يجلسون تحت هذه الفسيلة العاقّة!.

ذكريات في بلدنا