الكاتب: جــمــيــل عــبــود
ثـقـافـة خـلـيـجـيّـة

قبل أن يغادر (المواطن الخليجي) بلده لزيارة إحدى الدول العربية (غير الخليجية) يُفهموه بأن الأسعار في هذه البلاد التي سيزورها ستتضاعف أمامه عشرات المرات لأنه خليجي وعليه أن يقسم السعر الذي يطلبوه منه على العدد (10) قبل أن يدفع لهم أي درهم وبالعكس عندما يسافر المواطن العربي (غير الخليجي) من بلده إلى إحدى دول الخليج العربي يُفهموه بأن الأسعار هناك ستتضاعف أمامه (عشرات) المرات وعليه أن يدفع لهم كل ما يطلبون منه وفي الحالتين ينسى هؤلاء وهؤلاء بل يتناسون قوله تعالى:ويل للمطففين الذين إذا إكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم.
مقالات
أصحاب الفيل

سيدة فاضلة تكبرني بعشرين سنة على الأقل كانت جارة لنا في فلسطين عندما كنت صغيراً في السن فكانت تلاعبني وتقبلني كأولادها تماماً وبقينا كذلك إلى أن جاءت حرب حزيران 1967 وغادرتُ البلاد صبياً ثم عدت إليها شيخاً وبعد عودتي تذكرت هذه السيدة وسألت عنها فأخبرني من سألت بأنها أصبحت أرملة منذ زمن بعيد وهي الآن تعيش في بيتها وحيدة بعد أن تزوج أولادها ورحلوا عنها فذهبت في الحال لزيارتها لأنها في مقام والدتي وما أن رأيتها حتى وددت تقبيلها لأنها تذكرني بأمي لكنني قررت أن أكتفي بمصافحتها باليد وعندما مددت يدي نحوها تراجعتْ إلى الوراء بسرعة إلى أن وجدت نفسها محصورة بيني وبين الحائط عندها صاحت بأعلى صوتها قائلة:أبعد يدك عني واكتف بالسلام من بعيد.

حيرتني هذه السيدة وتسائلت في نفسي ماذا حدث لها بعد أن ترملت؟أمسّها شيطان في آخر عمرها؟لكنني كظمت غيظي وهدأت من روعي ثم سألتها ماذا جدّ عليك يا خالة بعد وفاة زوجك؟فقالت:كنت أعيش مع زوجي في عصر الجاهلية الأولى أُصافح كل من يمد لي يده للمصافحة وكنت أصافح الجميع وبقيت كذلك حتى تعرفت على الداعية أم فلان (جزاها الله خيراً) وأفهمتني أن لا أصافح رجلاً قط لأن يد الرجل ستكون جمرة أتلقفها بين يديّ يوم القيامة وأنا الآن أعلن أمامك ندمي وأسفي الشديد على كل مصافحة كنت قد صافحتها في الماضي.

وبعد سنة عدت مرة أخرى إلى أرض الوطن فذهبت لزيارتها لكن هذه المرة أعلنت لها قبل وصولها أنني لا أريد مصافحتها فارتاحت وانفرجت أساريرها وعندما دققت النظر أكثر في ما تلبس وجدتها قد ارتدت (الحلق) في أذنيها والأساور في يديها والمعلقات في رقبتها والخواتم في أصابعها فسألتها عن السبب الذي جعلها ترتدي كل هذا الذهب مرة واحدة؟فأجابت:لقد أفهمتنا الداعية أم فلان (كثر الله من أمثالها) أن لكل عضو في أجسامنا حق علينا وسيشتكي كل عضو (عاري) أمره لله تعالى يوم القيامة إذا لم نزينه بالذهب فأصابعي ورقبتي وأذناي وذراعاي كلها ستحاسبني يوم القيامة أمام الله تعالى إذا لم تلبس الذهب فلبست كل ما عندي من ذهب كي أقطع خط الرجعة على كل أعضائي التي قد تحاسبني يوم القيامة.

كانت جارتنا (سامحها الله) سيدة فاضلة بسيطة ساذجة على باب الله تحب كل الناس وكل الناس تحبها وبقيت على هذه الحال إلى أن جاء دعاتنا الجدد (الأفاضل) فلوّثوا لها عقلها وسمموا لها تفكيرها وقضوْا على البساطة والبراءة في طبعها وكان كل ذلك التغيير تحت ذريعة وستار التديّن وليس الدين الذي هو براء مما يقوله هؤلاء الدعاة للناس وكأننا قبل ظهورهم كنا من أصحاب الفيل.
كل شيء عن المرأة
حدث في أحد أعراسنا غير المختلطة

في منتصف ثمانينات القرن الماضي كنت أقيم في الكويت وكان لي جار وصديق نسكن في عمارة واحدة. في أحد الأيام دُعي صديقي إلى أحد الأعراس غير المختلطة فأخذ معه زوجته وابنه الأصغر الذي لا يزيد عمره عن الثلاث سنوات، وعندما وصلوا إلى مكان الفرح وجدوه شقتين متقابلتين من الدور الأول في عمارة سكنية، فدخل الأب شقة الرجال ودخلت زوجته شقة النساء، وعاد الولد إلى الوراء وخرج من العمارة إلى الشارع العام وهو يبكي وينادي مرة على أبيه ومرة على أمه وما من مجيب.

بقي الولد يسير على غير هدىً إلى أن ابتعد أكثر عن العمارة التي تحوي والديه، فالتقطه أحد المارة وأودعه إلى أقرب مركز للشرطة وما أن انتهى العرس والتقى الرجل بزوجته سأل كل منهما الآخر: أين الطفل؟ فأجابت الزوجة: أنا تركته معك وأجابها الزوج: وأنا تركته معك، فأخذا يبحثان عنه حول العمارة فلم يجداه فقررا أن يُخبرا أقرب مركز للشرطة وهناك وجدوا ابنهما الضائع، وحاولا استلامه إلا أن الضابط المناوب رفض إعطائهما الولد إلا بعد أن وقّعا على تعهد بعدم التفريط في أولادهما مرة ثانية، فقرر صديقي بعد هذه الحادثة الامتناع عن حضور عرس يضعه في مكان ويضع زوجته في مكان آخر.
الدنيا حكايات
خـميس البيـض

على مدى سنتين متتاليتين تمكن الصديق العزيز (فارس دبابنة) من أن يعيد لي ذكريات هامة في مرحلة الطفولة المبكرة كادت الغربة أن تمحوها من الذاكرة. ومن أهم هذه الذكريات ما كان يسمى بـ (خميس البيض) في فلسطين وهو أول يوم خميس من شهر نيسان من كل سنة، وفي هذا اليوم كان الأهل والأقارب والأصدقاء والجيران يتفننون بسلق العشرات من بيض الدجاج وبيض الشنانير وبيض الحبش ويقومون بصبغها بقشر البصل أو بورق اللوز أو بزهرة حنون البس أو بأي ورق أخضر ثم يقومون بوضعها في (قبعة) مصنوعة من القش وتوضع في مدخل البيت في هذا اليوم.

ثم يذهبون بهذا البيض المسلوق إلى المقبرة لتوزيعها على الأطفال عن أرواح موتاهم، فكانوا يعطون كل طفل يمر عليهم في المقبرة (بيضة) يختار لونها وحجمها بنفسه، وكنا كأطفال ننتظر ذلك اليوم على أحر من الجمر، لا لنأكل البيض ونشبع منه فقط (لم يكن البيض متوفراً كما هو الآن) بل لنقوم بجمعه والتباهي به أمام الأطفال الآخرين أمثالنا من جهة، ومن جهة أخرى كي نلعب به أيضاً.

وكنا في ذلك اليوم نلعب بما كنا قد جمعناه من بيض مع بعضنا البعض بأن يمسك أحدنا بيضة بشكل رأسي ويلف كفه وأصابعه حولها ويُظهر منها الجزء الذي يعتقد أنه أقوى منطقة في البيضة، ثم يأتي الآخر ببيضة مثلها ويضرب بها هذه البيضة ومن تنكسر بيضته يخسرها، أما الأطفال (الدهاة) فكانوا يضعون في يدهم (حجراً) ويضعون فوقه قشرة من البيض مصبوغة، ليوهموا غيرهم أن ما بيدهم هي بيضة وبعد أن يكسبوا كمية لا بأس بها من البيض يكتشفهم باقي الأطفال فيقاطعونهم ولا يلعبون معهم في السنة القادمة.

ثم كبرنا وكبر الدهاة معنا أيضاً، لكنهم استبدلوا لعبة سرقة البيض من الأطفال الصغار في أول يوم خميس من شهر نيسان من كل سنة إلى سرقة طيور الدجاج من الكبار في باقي أيام السنة، لكننا للأسف بعد أن اكتشفناهم لم نقاطعهم كما كنا نقاطعهم صغاراً، لهذا فقد ازدادوا خبرة أكثر منا بكثير فأعطوا كل واحد منا بيضة من دجاجته كي يلعب بها وقالوا لنا: من يأكل بيضته منكم يخسر دجاجته، وأكل كل واحد منا بيضته وخسرنا كل ما نملكه من دجاج حتى أنهم لم يتركوا لنا شيئاً نأكله، وعندما طالبناهم ببيضة أخرى قالوا لنا:أخبروا عنا هيئة مكافحة الفساد.
مـقـالات
روسيا الإشتراكية

ادّعت روسيا في القرن الماضي أنها ستكون المحرك الأول والأخير لكل الثورات في هذا العالم وطرحت نفسها على أنها ستكون المخلص الأكبر لكل الشعوب المقهورة من قبل حكامها وجلاديها المستبدين على وجه المعمورة إلا مع الشعب السوري ومن قبله الشعب الفلسطيني بعد أن وقفت مع نظام الأسد الظالم لشعبه وبلده في مجلس الأمن ولم تكتف بذلك بل دعمته بالمال والسلاح ولم تقف عند هذا الحد وفقط بل بل أرسلت أسطولها الجوي الحربي لتدك به كل الأرض السورية وتعهدت أن لا تبقي حجراً فوق حجر في الأراضي السورية.

مقاول إسكان أنعم الله عليه فبنى لنفسه فيلا مكونة من ثلاثة طوابق، وجعل الطابق الذي تحت الأرض ملعباً لأولاده ترعاهم وتقيم معهم خادمة فلبينية، والطابق الأرضي استقبال للضيوف، والطابق العلوي للمعيشة. وأصبح الأولاد إن أرادوا من أهلهم شيئاً عليهم أن يصرخوا بصوت عالٍ كي يسمعوهم، وبالعكس، إذا أراد الأهل شيئاً من أولادهم عليهم أن يصرخوا بصوت أعلى كي يسمعوهم، وأصبح بينهما برزخ لا يبغيان. وهكذا تحول البيت من سكن إلى مكان للصراخ على الرغم من وجود الإنتركم بين هذه الطوابق. 