الكاتب: جــمــيــل عــبــود
أصعب موقف يمر به الإنسان

كان لي صديق مخضرم عاش “الخريف” العربي في الماضي بكل أبعاده وشاهد بأم عينيه لصوص الخشب وهم ينهالون على شجرة الصفصاف تقطيعاً ليبنوا من خشبها بيوتاً لهم ولم يكتفوا بشجرة الصفصاف وحدها فقط بل سرقوا أيضاً أوراق كل الأشجار المحيطة بها لتغطية سقوف بيوتهم وتركوا هذه الأشجار عارية لأنهم يعلمون جيداً أن الأشجار لا تعطي وهي عارية. وكان صديقي المخضرم هذا يتعامى عن كل ما فعله ويفعله هؤلاء اللصوص.

لكن صديقي هذا الذي أحدثكم عنه كان يردد دائماً على مسامعنا بأن (الأرض لمن يفلحها)، وانشغل طيلة هذه الفترة السابقة بمثل تلك الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، حتى أنه في يوم من الأيام طالبنا بأن نستبدل حميرنا وبغالنا بالدب الروسي وبقي على هذا الحال إلى أن سقط الجمل بما حمل وانهار الإتحاد السوفياتي وانهار صاحبنا معه، وسقط مغشياً عليه في المستشفى (الأمريكي) في مدينة عمّان وليس في المستشفى (الروسي).

في أحد الأيام التي كنت أزوره فيها خطر في بالي وأنا أجالسه أن أستفيد من تجربته “النضالية” الطويلة فسألته: ما هو أصعب موقف يمر به الإنسان في هذه الحياة؟ فقال: إن أصعب موقف يمر به الإنسان هو عندما يكتشف بعد أربعين سنة (مثلي الآن) أنه كان يسير في الاتجاه الخاطئ عندها لا يستطيع الاستمرار في الخطأ ولا يستطيع الاعتراف به أو التراجع عنه.

وما أن بدأ ما سُمي بـ (الربيع العربي) على الأرض العربية، وبدأ الرؤساء والحكام العرب يتساقطون واحداً تلو الآخر حتى تذكرت كلام صديقي المخضرم هذا، والذي ينمّ عن تجربة نضالية مُرّة دفع ثمنها غالياً من عمره ومن حياته، فَهُم (على رأيه) أصبحوا لا يستطيعون الاستمرار في ارتكاب الأخطاء السابقة التي ارتكبوها بحق بلادهم، ولا يستطيعون كذلك التراجع عن هذه الأخطاء والاعتراف بها أمام شعوبهم، لهذا كانوا يتساقطون واحداً تلو الآخر كما تساقط قبلهم صديقي ومعه أيضاً أعضاء حلف وارسو العظيم.
الدنيا حكايات
أسمع كلامك يُعجبني أرى أفعالك تُحيّرني

في نهاية القرن الماضي كان الثوار العرب (وما أكثرهم في ذلك الوقت) يطلقون على أنفسهم أسماء كبيرة أكبر منهم بكثير فكان منهم المحافظون واليساريون والإشتراكيون والراديكاليون والماركسيون والقوميون والتقدميون والرجعيون والاسلاميون وغيرهم الكثير الكثير لكنهم ومع كثرتهم كانوا يختلفون فيما بينهم على طريقة تحرير فلسطين من الإمبريالية العالمية لكنهم كانوا يتفقون جميعاً على شئ واحد وهو أن يرسلوا أولادهم للدراسة في هذه البلدان التي يناضلون ضدها وانضم إليهم أخيراً الشيخ أسامة بن لادن قبل أن تغتاله أمريكا في الباكستان حين أوصى أولاده على كثرتهم أن يطلبوا العلم في أمريكا وليس في الصين.
مقالات
القرد في عين أمه غزال

فتاة عادية جداً مثلها مثل سائر الفتيات من جيلها كنت قد تعرفت عليها بعد أن درّستها في البيت، واكتشفت بعد مدة من الزمن أن أمها بدلاً من أن تُفهمها أن البنات في مثل سنها أحاسيسهن مُرهفة وأحاديثهن مُحببة لا يحقدن ولا يحسدن وإن أصابهن مكروه لا يتذمّرن، كانت قد أفهمتها أن نساء هذا العصر عجزْن أن يلدن بنتاً في مثل جمالها وخفة دمها، فصدّقت الفتاة المسكينة ما قالته لها أمها مما جعلها تغادر حياة الطفولة مسرعة لتلتحق بحياة النساء قبل الأوان.
الدنيا حكايات
اللي إلك إلك

كانت في يوم من الأيام من الجيران الطيبين السابقين، وافترقنا بعدها، وكبر ابنها الأكبر، وكبر معه دلاله، إلى أن أفقده الإرادة، لا بل أفقده القدرة على التفكير، وعلى بذل الجهد في الدراسة، فتذكرتني، وحضرت مع زوجها في الحال لزيارتنا في البيت، وطلبت مني أن أقوم بتدريس ابنها في بيتها، واشترطت على نفسها أن تدفع لي كامل المبلغ المستحق في نهاية الفصل، واتفقنا، وبدأت التدريس، وبعد مرور أكثر من شهرين، وإذا بالمرأة تدفع كل المبلغ المطلوب منها دفعة واحدة، فذكّرتها بشرطها، وهو أن تدفع لي ما يستحق عليها في آخر الفصل، فقالت: الحمد لله لقد تحسن الحال، وعلي أن أدفع لك أولاً بأول.

أخذت المبلغ، وغادرت منزلهم، وفي نفس ذلك اليوم، كانت أختها قد إشترت سيارة جديدة، وجاءت بها إلى بيت أختها، بعد أن غادرته أنا، وركبت الأختان معاً بالسيارة الجديدة، ومع كل واحدة منهما زوجها، وخرجوا الأربعة معاً في مشوار صغير، كي يتنعّموا بهذه السيارة الجديدة، وبينما هم يسيرون في أحد الشوارع الرئيسة في مدينة عمان، وإذا بهم يتعرضون إلى حادث مروع، فارق أربعتهم الحياة بعده مياشرة، وعندما علمت بالحادثة، قلت في نفسي: سبحان الله، وكأنها كانت تعلم بأن هذا اليوم، سيكون آخر أيامها، وعليها أن تسدد ما عليها من التزامات، فيتوفّاها الله بلا ديون، وصدق من قال: اللي إلك إلك.
الدنيا حكايات
المحامي الحارس

استقال حارس البناية التي أسكنها دون إبداء الأسباب، وقبل أن نقبل استقالته ويترك عمله اشترطنا عليه أن يسلم مهامه إلى حارس آخر وهكذا قد كان، فقد أحضر لنا حارساً آخر من اختياره وقدّمه لنا بأنه كان يعمل محامياً قد الدنيا في بلده الأصلي قبل مجيئه إلى عندنا، لكن الدنيا جارت عليه وأجبرته على أن يعمل حارساً في بنايتنا. توجست من هذا الأمر خيفة في داخلي من هذا الوضع غير العادي، لأن المحامي في العادة يدافع عن مال موكله ليكون له منه نصيب فماذا لو كان حارساً ومحامياً في نفس الوقت؟ لا بد أن يكون في الأمر شيء لكنني لم أتمكن من معرفة هذا الشيء وحدي رغم محاولاتي المتعددة فما كان عليّ إلا الانتظار فغداً ستأتيني الأخبار من غير مزود وبدأت أنتظر هذه الأخبار في الأيام القادمة لأرى، فلن أسمح بوجود حارس في بنايتنا دون التأكد من ماضيه.

في اليوم الأول طلب مني هذا المحامي الحارس جهاز راديو كي يفك به وحدته ويسلي به نفسه، فقلت في نفسي: ارحموا عزيز قوم ذل، وأعطيته ما كان قد طلب. وفي اليوم الثاني وجدت هذا الحارس ينتظرني أمام البناية ويقول لي: هناك يا سعادة البيه من تمكن من كسر زجاج غرفتي وقام بسرقة الراديو الذي أعطيتني إياه وفي اليوم الثالث تركنا هذا الحارس المحامي مودعاً بعد أن قام بحسبة بسيطة لأتعابه عن اليومين السابقين واكتفى بالراديو الصغير من الشخص الذي قدره واحترمه.
الدنيا حكايات
المنظِّرون

عضو مجلس وطني فلسطيني كان يكتب للناس كافة في معظم الصحف والمجلات العربية عن القضية الفلسطينية، وكنت من المعجبين بكتاباته حتى أنني قمت بتجميع كل ما كتبه واحتفظت به على مر الأيام والسنين. وبقيت على هذا الحال إلى أن شاءت الأقدار ودرّستُ ابنه في المدرسة، بعدها عدت إلى البيت ومزّقت كل ما جمعته من كتاباته وتنظيراته. أتدرون لماذا؟ لأن الأوْلى لهذا الرجل أن يُربّي ابنه قبل أن يُنظّر على الناس ويسعى لحل القضية الفلسطينية.
الدنيا حكايات
أنت في الكويت ولست في الأردن
في نهاية ثمانينات القرن الماضي، كنت أعيش في دولة الكويت، وفي أحد الأيام، كنت أركب سيارتي من طراز تويوتا، وتحمل لوحة كويتية، مثلها مثل باقي السيارات، وأسير بها في أحد شوارع الكويت، توقفت السيارة التي كانت تسير أمامي، فوقفت خلفها على الفور، وأخرجت يدي اليسرى من الشباك بحركة لا إرادية، مؤشراً لقائد السيارة التي من خلفي بالتمهل، والانتباه أكثر، وإذا بها سيارة من سيارات شرطة النجدة الكويتية، فما كان من الضابط الموجود بداخلها، إلا أن أمسك بمايك سيارته، وصاح بأعلى صوته: راعي التيوتا، أنت في الكويت، ولست في الأردن، عليك أن تستخدم الفليشر، بدلاً من يدك اليسرى.
الدنيا حكايات
إيـران الإسلامية
صحت إيران من نومها أخيراً، فوجدت أن (الأهواز) أرض عراقية، و (طنب الكبرى) و(طنب الصغرى) جزيرتان لإمارة رأس الخيمة، وأن (أبو موسى) جزيرة لإمارة الشارقة، وأن فلسطين وقفاً إسلامياً، فقررت إعادة الأهواز إلى أهلها في العراق، وإعادة الجزر الثلاث إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، والمطالبة بفلسطين كاملة غير منقوصة من البحر إلى النهر، فأنشأت من أجل ذلك محطة تلفزيونية خاصة لنقل شعائر (الصحوة الإسلامية) في مملكة البحرين، معتبرة ما يحدث في (سوريا) شأناً عربياً داخلياً لا يعنيها، وهي التي لا تتدخل بشؤون الآخرين، وخاصة العرب منهم، فسبحان مُغيّر الأحوال.
مقالات
بشرى سارة للمتسولين العرب

التقيته صدفة، شاب طويل القامة أسمر اللون مفتول العضلات، بالكاد يقرأ ويكتب. كان قبل عصر الكمبيوتر يعتبر نفسه من المتعلمين وظل كذلك إلى أن تغير حديث الناس في الأفراح والأحزان واقتصر على الفيسبوك واليوتيوب وتويتر، فعادت له أُمّيَتُه، وأصبح دائم التأفف والقلق. وعندما سألته عن سبب قلقه الدائم صب جام غضبه على شركة جوجل العالمية فقلت له: ولماذا هذه الشركة دون غيرها؟ قال: لم تكتف هذه الشركة بأن أعادتني أمياً بعد أن كنت متعلماً بل تريد أن تقطع رزقي أيضاً. قلت له: وكيف يكون ذلك؟ قال: سمعت أن هذه الشركة اخترعت سيارة تقود نفسها بنفسها قلت: وما تأثير هذه السيارة عليك؟

قال: أنا أعمل سائقاً عند متسولة أقوم بتوصيلها صباحاً إلى سقف السيل وإحضارها من هناك في المساء إلى بيتها. وفيما عدا ذلك أنا حر في استخدام سيارتها وأشار بيده نحو هذه السيارة فقلت: وهل يعقل أن تكون هذه السيارة لمتسولة؟ قال: نعم، وأزيدك من الشعر بيتاً بأن هذه المتسولة التي لا تعجبك ترمي كل العملة الفضية التي تحصل عليها آخر اليوم من شباك سيارتها فهي لا تعترف بما يقدمه لها الفقراء من أمثالك.


