الكاتب: جــمــيــل عــبــود
النجاح الكاذب

أيام الدراسة الجامعية في حياة المرء لا تُنسى أبداً، فهي تُحفر في الذاكرة كالنقش في الحجر بحلوها ومرّها، وبجدّها واجتهادها، وأحلى ما فيها البراءة والسذاجة والبساطة وعدم المسؤولية واختصار الأهداف أو تأجيلها إن شئت بهدف واحد وهو إحراز علامة النجاح فقط.

ومما أذكره جيداً من أيام دراستي الجامعية في كلية العلوم بجامعة حلب عام ١٩٧٠، أنه أصبح عندنا نقص في أعضاء هيئة التدريس في مادة الميكانيك التي كان يدرسها طلاب قسم الرياضيات في كلية العلوم على مدى سنتين متتاليتين، ففي السنة الأولى تسمى مكانيك 1، وفي السنة الثانية تسمى ميكانيك 2، فاستعانت كُلّيتنا بالدكتور زيد الأمير من أعضاء هيئة التدريس في كلية الهندسة لتدريس هاتين المادتين.

رحلة إلى حمامات الشيخ عيسى بالقرب من حلب
كان الدكتور يُدرّسنا دون أن يكون هناك كتاب معتمد، بل كان مطلوباً منا أن نبحث عن هذه المادة في المراجع العربية والأجنبية التي كان الدكتور يُعينها لنا في المحاضرة الأولى، وكان بذلك يتعبُ معنا ويُتعبنا معه، حتى أن عدد الناجحين في هاتين المادتين لا يتجاوز عدد أصابع اليدين معاً. ولسد العجز في أعضاء هيئة التدريس تعاقدت الكلية مع الدكتور عبد المسيح لتدريس ميكانيك 2 فيها، وهو دكتور متقاعد من إحدى الجامعات المصرية وقد سررنا جميعاً بهذا التغيير وأنا منهم؛ لأن الدكتور عبد المسيح كان يرى أن الطريقة السورية في التعليم عقيمة ومعقدة فليس كل من دخل الجامعة هدفه تلقي العلم.

كما كان يرى أيضاً أن معظم من دخلوا الجامعة يريدون الحصول على الشهادة فقط، ومن ثم السفر إلى دول الخليج العربي للعمل وتحسين الأوضاع المادية، فلا داعي أن نثقل عليهم في العلم أو نصعّب عليهم الأسئلة، بل علينا أن نعطيهم ما تيسّر من العلوم ليشقوا طريقهم بدون عقد ومشاكل. وفعلاً طبّق الدكتور عبدالمسيح ما كان ينادي به، فكان يكتب لنا الدرس على اللوح ونحن ننسخ ما يكتبه دون أن نفهمه، ولم يزعجنا ذلك لأن أسئلة الامتحان ستكون من هذا الدفتر فقط ولا ضرورة للمراجع.

1000 ليرة مكافأة الطالب الذي يحصل على تقدير ممتاز
وفي آخر السنة كانت علامتي 80% وهذا حلم كبير في الجامعات السورية آنذاك، إذ عليّ أن أنبّه القارئ بأن الطالب الذي كان يحرز معدلاً سنوياً يزيد عن 80% يحصل على تقدير ممتاز وتُصرف له مكافأة مالية من الجامعة قيمتها ألف ليرة سورية، ومن يزيد معدله عن 70% يحصل على تقدير جيد جداً وتُصرف له مكافأة قدرها خمسمائة ليرة سورية، ومن يرسب في سنته الجامعية يُضاعف عليه القسط الجامعي ولا يحق له أن يلتحق بسكن الجامعة.

وتعاقدت الكلية كذلك مع الدكتور إبراهيم رفعت لتدريس ميكانيك1، وكان أيضاً من المتقاعدين من الجامعات المصرية وكان هذا الدكتور يعتبر التدريس نزهة، فعندما دخل المدرج لأول مرة وبعد أن رأى وسمع عن صعوبة الدراسة في جامعتنا الحبيبة قدم نفسه لنا بأنه جاء خصيصاً لإنجاحنا وإخراجنا من فم الأسد السوري (على حد تعبيره)، بأنه صاحب نظرية عالمية تُدرّسها جامعات العالم المختلفة، وتسمى النظرية الرفعتية في الميكانيك، وتعهّد لنا إذا درسناها أن تكون العلاج الشافي والكافي لنا ولأولادنا من بعدنا، وبشّرنا بأننا سنكون جميعاً من الناجحين.

فرحنا وسُررنا بما سمعنا وقلنا هذا هو التعليم الذي نريده، فقد كان يكتب عنواناً للدرس على اللوح ويكتب اليوم والتاريخ بالهجري والميلادي، ويرسم شكلاً هندسياً على اللوح ليرى القاصي والداني أنه يُعلم. أما ما يشرحه لنا فلا يمت للعنوان بأي صلة، إذ تمحورت مواضيع محاضراته عن بطولاته ونظرياته وعن بنطاله المُخمليّ (كوردروي) الذي كان يلبسه الشباب في ذلك الوقت وكيف اشتراه وكم هو سعره في سوريا، وما هو المبلغ المقابل له في العملة المصرية. وكان يشرح لنا أن له توقيعان أحدهما لا يستطيع أحد تقليده ويستخدمه في المعاملات المالية، وآخر يستخدمه في التعليم ويستطيع الجميع تقليده ويُوضح لنا الفرق بينهما وينشغل الكل في تقليد توقيعه الصعب، وهكذا كانت تمضي المحاضرة دون أن نشعر بها، المهم أننا سننجح في آخر العام.

في أحد الأيام، كان عنوان محاضرة الدكتور إبراهيم (الاحتكاك) وكان يجلس معنا في تلك المحاضرة في الصف الأول طالب أطلق لحيته ولبس الزيّ الباكستاني، وعلى رأسه طاقية يغطي بها رأسه، لهذا كنا نلقبه بـ (الشيخ) وبجانبه تجلس فتاة ترتدي الزيّ الإسلامي على الطريقة الحلبية (فهي تغطي وجهها بقطعة من القماش الأسود أما إذا أرادت أن تكشفه فترفع هذا الغطاء عن وجهها وتضعه فوق رأسها) وتجلس بجانبها فتاة أخرى لكنها ليست مُحجبة.

بعد أن كتب الدكتور ابراهيم رفعت العنوان على اللوح اقترب من الشيخ والفتاتين وقال: لو لامس الخد ده (وأشار إلى الفتاة المحجبة) الخد ده (وأشار إلى الفتاة الأخرى) لما حصل بينهما أيّ احتكاك، لكن لو لامس الخد ده (وأشار إلى الفتاة المحجبة مرة أخرى) الخد ده (وأشار إلى لحية الشيخ) فيجب أن يتولد بينهما احتكاك، فضحك كل من كان في المدرج واحمرّ وجه الفتاتين اللتين أشار إليهما الدكتور بيده وفي الحال غضب شيخنا فوقف وقال: “أرجو يا دكتور أن تتسم المحاضرة بشيءٍ من الجدية”.

وقبل أن يُنهي الشيخ كلامه هجم عليه الدكتور ليضربه، فهرب الشيخ إلى خارج المدرج مسرعاً والدكتور يلاحقه ليمسك به، وأخذا يتلاحقان في ممرات الكلية وخرج الطلاب من محاضراتهم ليشاهدوا هذا المنظر الغريب (شيخ يجري ومن ورائه دكتور عجوز يريد الإمساك به ونحن نجري وراءهما لنفصل بينهما) وبقينا على هذا الحال إلى أن تدخّل العميد وأخذ الدكتور إلى غرفته وألغى محاضرة ذلك اليوم. بعد أن فهم العميد ما حصل وما كان يحصل أثناء محاضرات الدكتور رفعت، قام بتكليف الدكتور زيد الأمير بوضع أسئلة الإمتحان وكانت الفاجعة الكبرى! فقد رسبت في هذه المادة إلى سنة التخرج، وأخيراً نجحت فيها بمعدل %50. فيا أبنائي الطلبة لا تفرحوا للنجاح الكاذب الذي يُعطيه لكم من لا يريد أن يُعلّمكم.
الدنيا حكايات
العـشاء الذي لم يتمّ

كبر الأولاد وتعلموا واشتغلوا وتزوجوا ورحلوا من بيت والدهم واحداً واحداً، وعاد الوالدان كما بدآ وحيدان في بيتهما. وفي يوم من الأيام، حضر أحد هؤلاء الأولاد إلى بيت والديه لزيارتهما والاطمئنان عليهما. وبعد أن قامت الأم بواجبها تجاهه تذكّر أن والده لم يدخل بيته قط بعد أن تزوج واستقل في بيته، فأصرّ ذلك الولد على أن يقوم والده بزيارته في بيته ويتناول معه طعام العشاء ثم ينام عنده لكن الأب اعتذر لولده عن هذه الزيارة بطريقة مؤدبة وقال له: يا بنيّ إذا كبر الشخص في السن فلا يتسع له بيت كبيته.

لكن الولد أصرّ على زيارة أبيه له في بيته وأكمل قائلا: كما تعلم يا والدي أن اليوم الخميس وغداً الجمعة وما عليك إلا أن تُحضر ما يلزمك من أغراضك الشخصية لتنام عندنا، وبعد صلاة الجمعة أعيدك إلى بيتك سالماً غانماً إن شاء الله، وقال مُمازحاً أمه: تعال يا والدي عندنا كي تشعر أمي بأهميتك في حياتها بعد أن انشغلت عنك في أولادها وبناتها وأحفادها كما تُحب دائماً أن تقول عنها.

اقتنع الأب بما قاله له ولده وأُعجب أكثر بولده لما قاله على سماع أمه وقال في نفسه: سأجعل من هذا اليوم أولّ درس لزوجتي، ولو أنه جاء مُتأخراً كي تعرف بأهميتي في حياتها، ورفع من صوته قليلاً ليسمعه الآخرون ثم تابع كلامه قائلاً: في البداية يُعلّم الآباء أولادهم وفي النهاية عندما يكبر الأولاد ويكبر الآباء تنعكس الآية فالأولاد هم من يُعلّمون آبائهم وأمهاتهم، وأنا سأتعلم منك يا ولدي وسأذهب معك إلى بيتك.

وعندما وصلا إلى البيت فتح الولد الباب وأجلس والده في غرفة الاستقبال وفتح له التلفاز وقال له: أهلاً وسهلاً ودخل ليُخبر زوجته وأولاده بأن والده سيقضي الليل عندهم، فاحتجت زوجته في الحال وقالت له: كيف تقوم بهذا العمل وحدك دون أن تشاورني في ذلك؟ لكنه لم يكترث بما قالت له زوجته ولم يجبها على سؤالها. وفي الحال ذهبت زوجة ابنه إلى غرفة الاستقبال فسلمت على والد زوجها، وخرجت بسرعة وأرسلت أولادها تباعاً ليسلموا على جدّهم، وجلسوا حوله فرحين مبسوطين بقدومه لكنها بعد دقائق معدودة استدعتهم إلى النوم؛ لأن موعد النوم قد حان. ثم حضر ابنه وجلس بجانب والده وأخذ يتابع مباراة رياضية فهو من مشجعي ريال مدريد دون أن يهتم بوالده.

وبعد أن أشرفت زوجة الإبن بنفسها على نوم أولادها وتأكدت من نومهم وقفت بالباب دون أن تدخل الغرفة التي كان يجلس فيها زوجها ووالده وقالت لهما: عمّاه أتريد أن تتناول طعام العشاء أم أنك تحب أن تنام خفيفاً كوالدي؟ ولم يسمع الابن ما قالته زوجته بعد أن أحرز فريقه هدفاً ثانياً في المباراة التي يتابعها، فازداد حماساً وتشجيعاً، فقال لها والد زوجها: أنا الآن شبعان يا بنيتي ولا أريد أن أتناول طعام العشاء هذه الليلة.

سمع الولد جواب أبيه ولم يسمع سؤال زوجته فتدخل ولده في الحال وقال: ما بصير لازم تتعشى يا والدي، وقبل أن ينهي الزوج كلامه وقبل أن يسمع جواب أبيه كانت زوجته قد أحضرت لوالده فراشه الذي سينام عليه، وقالت: أنا أعرف أن كبار السّن يُحبون النوم مُبكّراً واستدعت زوجها في الحال قائلة: دع والدك يرتاح في فراشه بعد أن تعب من الجلوس على الكنبة، وقام الزوج وزوجته بعد أن قالا له معاً: تصبح على خير فرد عليهما: وأنتما من أهله.

بقي الوالد وحيداً في غرفة الضيوف فأقفل التلفاز وأطفأ الأنوار ورفع الستارة وبدأ ينظر إلى السماء ينتظر بزوغ الفجر، كي يعود إلى بيته في الصباح، وهيهات أن يطلع فجر على فلاح نام دون عشاء، وأمضى الليل كله ينتظر بزوغ الفجر. وأخيراً سمع المُؤذن وهو يرفع الأذان فاستبشر خيراً وفتح الباب بخفة كي لا يصحو عليه أحد وخرج من بيت ولده فكان أوّل الرّكاب في سرفيس المنطقة التي يسكنها.

عندما وصل بيته ذهب إلى المطبخ وقام بتجهيز طعام الفطور وأيقظ زوجته كي تشاركه طعامه، فاندهشت زوجته وقالت: هذه أوّل مرّة تجهز فيها طعاماً، يظهر لي أنك لم تعد فلاحاً أصيلاً بعد زيارتك لولدك، خيراً إن شاء الله؟ قالتها بتهكّم شديد، وكانت بخبرتها الواسعة عن جيل هذه الأيام قد فهمت ما حصل مع زوجها في رحلته التي ما قام بها إلا نكاية بها، فقال بصوت لا يسمعه أحد سواه: لا يسع المرء إلا بيته.

في المساء حضر الولد كعادته إلى بيت والده، وبدأ يشكو لأمه ما فعله زوجها بالأمس فهو لم يُعطه الفرصة الكافية لاحترامه وفي نفس الوقت كسف زوجته مرتين: الأولى عندما رفض أن تقدم له طعام العشاء، والثانية عندما قامت في الصباح الباكر وجهزت طعام الفطور فلم تجده في البيت، وبهذا لم يُعطها الفرصة هي أيضاً كي تكرمه فقالت الأم: الحمد لله الذي عرفتم والدكم على حقيقته كنتم لا تصدقونني عندما أتكلم لكم عنه. حدث كل هذا والأب صامت لا يتكلم لكنه بعد أن سمع ما سمع توجّه إلى ابنه بسؤال يُريد له إجابة منه فسأل الوالد ابنه إذا كان قد مرّ عليه يوم وهو في بيت أبيه دون عشاء؟ فأجابه الولد: لقد تغيرت الدنيا يا والدي وتغير الناس معها أيضاً، وتغيرت معهم عاداتهم وتقاليدهم. والأكثر من ذلك فقد اختلط عليّ الأمر فأهل زوجتي لا يتناولون طعام العشاء.
الدنيا حكايات
حـكـم الـعـسـكـر

في عام 1970 استولى حافظ الأسد على الحكم في سوريا وقام بترسيخ الديكتاتورية والحافظية، وكان من أهم مميزات هذا النظام المستبد مصادرة الحريات وتكميم الأفواه وإحكام القبضة على الشعب بالقوة والقهر وتجريده من قوميته المتوارثة أباً عن جد والظلم لحساب الفرد الواحد. كما أحيا شعار حافظ الأسد قائدنا إلى الأبد للقضاء على شخصية الشعب السوري، وبالفعل استطاع هذا النظام أن يعيق تطور وابداعات الشعب السوري لأن الذهنية العسكرية دائماً قتالية تصلح للتعامل مع العسكريين ولا تصلح للتعامل مع المدنيين، والفرق بين حكم العسكر والحكم المدني كالفرق بين العبودية والحرية.

في عام 1971 عين حافظ الأسد اللواء عبدالرحمن خليفاوي رئيساً لمجلس وزراء سوريا، وكانت قد انتشرت موضة الشعر الطويل للشباب فكانوا يطلقون على كل من يطيل شعره بالخنافس. لم تعجب هذه الصرعة رئيس الوزراء، فأعطى أوامره للشرطة بقص شعر كل من يجدوه في الشارع وشعره طويل، وكان المرحوم الدكتور خالد الماغوط عميد كلية العلوم في جامعة حلب آنذاك قد حضر لتوه من فرنسا بعد حصوله على دكتوراة دولة في الرياضيات وكان شعره طويلاً أملساً ناعماً ومتناسباً مع شخصيته، وعندما نزل إلى الشارع قبضت عليه الشرطة وقصوا له شعره ولم يعفيه منصبه ولا ظروفه فاعتصم في بيته حتى نبت شعره ثانية وعاد إلى كُلّيته ثانية.
الدنيا حكايات
الـكـلـب الأبـيـض

كنتُ صغيراً في السن عندما أجبرتني الظروف على السير مشياً على الأقدام في منطقة سهلية بين مدينة (نابلس) وبلدة (حوارة) ليلاً في فلسطين في ربيع عام 1966 وكان بمحاذاة هذا الشارع منزل جميل يحرسه كلب أبيض، لو وقفتُ بجانبه لكان أطول مني في ذلك الوقت. كان أصحاب الكلب يُقيّدونه في النهار ويُطلقون سراحه في الليل. وعندما شعر الكلب بوجودي من على بُعد بدأ ينبح ليُذكّرني بوجوده، وليُنبّه صاحبه أيضاً أن هناك خطراً ما يجب أن يستعدّ له. بدأ صاحبه يراقب الموقف عن بعد، فكان كلما اقتربت من هذا المنزل أكثر كلما علا نباح الكلب أكثر، وزادت مراقبة صاحبه له إلى أن أصبحتُ أمام البيت تماماً فانقض عليّ ورماني أرضاً دون أن يعضّني.

حاولت أن أدافع عن نفسي فلم أفلح في صد هذه الهجمة الكلبية الليلية الشرسة، لعدم توفر أي من أدوات الدفاع عن النفس في مثل تلك الحالات كالعصا أو الحجر، فالأرض سهلية تخلو من الحجارة ومن العصي، لكن صاحبه أعفاني من هذا كله وتقدّم نحوي بلمح البصر وحملني بين يديه، وأدخلني إلى فناء منزله، وأصرّ على أن يسقيني الماء من طاسة الرجفة، وذلك لطرد الخوف الذي استقر في داخلي. وبعد أن شربت الماء شكرت الرجل على حسن تصرفه معي وواصلت المسير إلى أن وصلت البيت في ساعة متأخرة من الليل.

عندما وصلت البيت بدأت أروي لهم ما كان قد حصل معي، وقبل أن أنهي كلامي وبمجرد سماعها كلمة كلب أسرعت أمي وأخرجت طاسة الرجفة ـ والتي نادراً ما كانت تخرج من مخبئها ـ وملأتها بالماء وقالت لي: اشرب، فقلت لها: صاحب الكلب أسقاني، لكنها أصرّت عليّ أن أشرب أمامها لتتأكد بنفسها فشربت، وبسرعة البرق انتشر الخبر في القرية، فتجمع الناس من حولي وأخذ كل واحد منهم يلقي بدلوه في الموضوع، فمنهم من هنأ والدتي بسلامتي من هذا الحادث بقوله: الحمد لله على سلامته يا أم محمد، إن الله يُحبك ويُحبه تخيّلي لو عضّه ذالك الكلب اللعين وصار إبنك ينبح مثله ماذا كنت ستفعلين؟ وكانت هذه العبارة قد تردّدت على مسامعي بعدد الناس الذين تواجدوا في بيتنا في تلك الليلة.

ثم ساد الصمت برهة من الزمن بعد أن انشغل الحضور بشرب الشاي الذي أعدته لهم أمي على عجل، لكن هذا الصمت لم يدم طويلاً بعد أن قطعه صوت رجل في الخمسين من عمره حين قال: عندما عضّني الكلب قبل سنتين أعطوني حوالي عشرين إبرة، واسترحت في البيت شهرين كاملين. تخيلوا لو عضه ذلك الكلب وأقعده في البيت مثلي شهرين متتاليين فسيفصلونه من المدرسة فوراً وما أن سمعت أمي حديث هذا الرجل حتى وجدتها تصيح من بعيد: مُستحيل أن يغيب ابني عن المدرسة. أرجوكم أن يبقى الموضوع بيننا سراً كي لا يعلموا في المدرسة ماذا حدث للولد.

كان هذا الموضوع بسيطاً جداً فقد دفعني كلب في الشارع وحملني صاحبه، إلا أن الناس كانوا قد ضخّموا هذا الموضوع لي ولأنفسهم، ولم يكتفوا بذلك بل افترضوا لي ولهم أشياء من عندهم لم تحدث، وبنوا عليها نتائج واتخذوا عني قرارات وعاشوا وأعاشوني في الأوهام التي كانوا قد صنعوها لي ولأنفسهم، وخلقوا عندي عقدة الخوف الأبدية من الكلاب بعد هذه الحادثة البسيطة.

أصبحتُ لا أدخل بيتاً فيه كلب إلا إذا أخذت كافة الضمانات من صاحبه، ورأيته بأم عيني يمسكه أو يربطه. أما إذا رأيت كلباً في الشارع يقف شعر رأسي، ويجف حلقي وتتوقف قدماي عن المشي، لا خوفاً من الكلب بل خوفاً من الوهم الذي عيّشني الناس به بعد هذه الحادثة. وهكذا نحن في حياتنا اليومية، نعيش بدون معلومات عن الأشياء التي من حولنا، وفي الحال يتسرب الوهم ليملأ عقولنا وبعدها نتخذ قراراتنا فتكون على الأرجح قرارات خاطئة تؤثر على مستقبلنا.
الدنيا حكايات
الـظــلــمــة

لو زُرعتْ نبتة في أرض مالحة فتكون بذلك قد ظـُلمت فإذا إستطاعت هذه النبتة في المستقبل أن تتغلب على ملوحة الأرض وتمكنت من النموّ سوف لن تعلم بأنها كانت قد ظلمت ولن تعلم من هو الذي كان قد ظلمها؟ أهو من زرعها أم هي الأرض المالحة التي كانت قد زرعت فيها؟ وعندما تكبر هذه النبتة أكثر وتقارن نفسها مع من هم في مثل سنها من النباتات تكتشف في الحال أنها كانت قد ظلمت وتبدأ تشعر بالظلم الذي كان قد وقع عليها وما أن تكتشف هذه النبتة أنها كانت قد ظلمت حتى تبدأ بالتعبير عن هذا الظلم الذي كان قد وقع عليها بطرق شتى وسترد على هذا الظلم بظلم مثله أو أشدّ دون أن تعلم.

ويختلف ردّ الظلم هذا من نبتة إلى أخرى فقد يكون رد هذه النبتة داخلياً بأن تجعل من بعض أوراقها أو كلها شوكاً تلسع به كل من يقترب منها وقد تجعل من ثمارها علقماً في فم من يأكله وقد تجعل ساقها نحيفة كي لا تستطيع مقاومة الريح نكاية في من ظلمها وقد يكون رد فعل هذه النبتة خارجياً فتتسلق على نبتة أخرى بجانبها وتزاحمها على كل شيء وقد تميتها تماماً كما في نبتة الهالوك وفي الحالتين لا يعلم من زرعها أنه كان ظالماً لها وبأنها تكيل له الصاع صاعين دون أن يدري.

هذا ما يحصل عند النبات أما ما يحصل عند الإنسان فشبيه به تماماً فعندما يكون الشخص في بطن أمه فقد يكون أبوه ظالماً له عندما إختار له أمه وقد تكون أمه هي التي ظلمته وهو في بطنها إذا عاشت فترة حمله قلقة متوترة أو عندما لا يتوفر لها الغذاء الكافي لسبب أو لآخر وتعجز أن تمده بالغذاء اللازم وقد يُظلم الإنسان عند ولادته أو في فترة طفولته وهذا أشد أنواع الظلم فداحة وتأثيراً عليه لأن هذا الظلم يخزن بذاكرة صاحبه إلى أن يكبر ويشتد عوده فيجد نفسه مظلوماً ولا يدري من هو الذي كان قد ظلمه؟ عندها يبدأ في التنفيس عن ظلمه المخفي بظلم أشدّ وأقوى وقد يتخذ هذا الظلم أشكالاً وألواناً مختلفة فقد يظلم الظالم علناً دون حياء أو خجل إذا وجد نفسه في موقع اتخاذ القرار كي ينتقم من الجميع لأنه يجهل من الذي كان قد ظلمه.

أما إذا لم يكن في موضع إتحاذ القرار فإنه سيسعى جاهداً للوصول إليه بشتى الطرق حتى ولو كان زحفاً على بطنه لا بل سيجعل من نفسه مطية ليركبها صاحب القرار في إنتظار الفرصة السانحة له كي يرمي بمن هو فوق ظهره أرضاً بعدها يقف على رجليه منتصبأً وعندها سيجد الكثير من عبيد الظلمة الذين سيأتونه زحفاً على بطونهم كما كان قد فعل.

يقولون: إن الخوف لن يأتي من السلطان بقدر ما يأتي من بطانته وهؤلاء كالذباب يُسمّمون العسل عندما لا يستطيعون لعقه ليأكله الناس مُرّاً إن بقي منه شئ لغيرهم وهم صيّادون مهرة في كل الأزمنة والعصور شعارهم الوحيد من يتزوج أمّي مستعد أن أقول له يا عمي يُحيطون بالمسؤول من جميع الجوانب ولا يجعلونه يرى الأشياء إلا من خلالهم ويُلوّنون له الواقع دائماً باللون الوردي ويُوهموه بأن وجوده مرهون بوجودهم وما عليه إلا تقويتهم كي تستقر لهم الأمور وعندما يستقرون يستقوون أكثر من ذي قبل فيُبعدون المسؤول عن الجمهور ويُصبح لا يعلم شيئاً عن مؤسسته غير توقيع الأوامر التي يُصدّرونها له ويبقون على هذا الحال إلى أن تأتي العاصفة فيتخلوْن عنه ويبحثون عن المسؤول الجديد.

إن من أشد الناس ظلماً في مجتمعنا الحاضر هو المدير الذي لا يعرف الحقيقة ولا يُريد أن يعرفها بل يُسّلم أمره لمستشاريه الذين يعرفونها جيداً لكنهم غير مُستعدين أن يجهروا بها لغايات في أنفسهم وتحقيقاً لمصالحهم الشخصية وقد لا يأت الظلم فقط بالهجوم المُتعمّد على الآخر بدافع المرض النفسي أو الحقد الشخصي وإنما قد يأت على صورة تجاهل منجزات الآخرين أو التعتيم المقصود لأعمالهم الكبيرة وتاريخنا الماضي يشهد لنا بذلك فكم من رجل عظيم همشناه وكم من رجل كبير ألغيناه وكم من رجل تافه رفعناه إلى مرتبة العظماء.

قد يُميت الظالم شخصاً وهو حيّ وهذا أشد من القتل وذلك عندما يستطيع هذا الظالم أن يُقنع غيره من أهل القرار بأن هذا الشخص ينتمي بفكره إلى مدرسة غير مدرستهم وبأنه لا يُغرد مع سربهم فيحيلونه على التقاعد بعد أن يمدحوه أمام الناس كذباً وبهتاناً فقد يمدحوه بأنه باني هذه الأمة وصانع إنتصاراتها لكنهم يخافون عليه من الغرور ويخافون على الناس أن تؤلهه فيضل ويضل الناس معه لهذا فهم بعملهم هذا أراحوه وأراحوا الناس منه إلى أن يموت في بيته كما يموت البعير وقد يقولون عنه أنه أصبح من مدرسة ذهب زمانها ولم يعد يصلح لزمانهم هذا وبأن ذات الشخص قد توقف عن الإبداع ومن الأفضل له وللناس أن يستريح في بيته ليرى إبداعاتهم.

وقد يجعل هذا الظالم مهنة هذا الشخص غير المرغوب به مهنة لا قيمة لها وقد يجعل مهنته طاردة لمن هم بها كما هو حال المعلم في هذه الأيام وقد يشطب وزارته أو مؤسسته في يوم وليلة بعد أن كانت في غاية الأهمية وهو راض عنه فما أكثر المؤسسات التي كانت قد شطبت من أجل شخص لا يعجب هؤلاء الظلمة وأخيراً أقول لكم: إننا نعيش في زمن الصمت الذي تخرس فيه البلابل وتنعق فيه الغربان ولن يطول هذا الزمان لأن الوعي عند الناس قد يغفو وقد ينام لكنه لا بدّ له من أن يستيقظ وينهض من جديد.
مـقـالات
خبران عربيان عاجلان

خبران عاجلان من أخبار أمتنا العربية تناقلتهما وكالات الأنباء العالمية مؤخراً في نفس اليوم وما أن سمعتهما حتى ازددت إيماناً بإمكانية تحقيق الوحدة العربية دون خارطة طريق من أحد، ولم أعد أستغرب إذا صحوت من نومي يوماً من الأيام وإذا بنا أمة عربية واحدة لكن بدون رسالة خالدة الخبر، أما الخبر الأول فأوردته إذاعة الـ B.B.C من العاصمة السورية دمشق يفيد بصدور قانون منع التدخين في الأماكن العامة في سوريا ويفرض غرامة على المدخن قد تصل إلى ٨٠٠ دولار في بعض الأحيان.

أما الخبر الثاني فأوردته إذاعة مونت كارلو الدولية يفيد بمنع التدخين في الأماكن العامة في الأردن لكنه يفرض غرامة أشد على تدخين السيجارة قد تصل إلى 500 دينار أردني لا غير، حتى الآن الخبران عاديان وجميلان أحيّي استصدارهما ولكن الغريب في مثل هذه القوانين أنها ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة فقد سبقتها قوانين كثيرة لم تفلح حتى في خفض أعداد المدخنين لا بل على العكس تماماً فقد ازدادت أعدادهم أكثر من ذي قبل.

والغريب في مثل هذين القانونين أنها تغلظ الغرامة التي سيدفعها المدخن، وهذه الغرامة تضاعف إذا لم تدفع خلال شهر، وعند عدم الدفع يرسل صاحبها إلى المحكمة، والأغرب في هذين القانونين أن قيمة المخالفة متغيرة وليست ثابتة لكل زمان ومكان، فمخالفة تدخين السيجارة نفسها تختلف من فندق إلى آخر حسب تصنيفه وما يحمله من نجوم، ولا أدري كيف سيتم ضبط المدخن؟ فهل يكفي شاهد واحد لإثبات الواقعة؟ وهل يحتاج تسجيل الواقعة إلى شهود فقط أم شهود عيان؟ وما عددهم في هذه الحالة؟ وهل يضبط الشخص بالجرم المشهود؟

وإذا دخل الشرطي إلى مكان، ورأى سيجارة مشتعلة رماها صاحبها عند رؤيته، فكيف سيعلم هذا الشرطي من هو صاحبها إذا أنكر الجميع؟ وهل يكفي شم رائحة الدخان في مكان لمخالفته؟وإذا خالف شخص عدة مرات فستنشغل الشرطة والمؤسسة التي يعمل بها فالشرطة ستسجنه والدولة ستطعمه ومؤسسته ستقيله من عمله، عندها هل يستطيع المواطن أن يدفع مثل هذه المخالفة؟ وإذا لم يدفع مثل هذا المبلغ فسيحول إلى النائب العام عندها قد يحجز النائب العام على ممتلكاته؟ فما ذنب أهله أو أولاده؟ وما هي حالته النفسية عند الدخول والخروج من السجن؟

هل قدّر صانعوا هذين القرارين عدد الموظفين الذين سيعملون معهم في تطبيق وتنفيذ هذين القانونين؟ وهل محاكمنا أنجزت كل القضايا التي بحوزتها وجاهزة لاستقبال هؤلاء المخالفين؟ وهل سجوننا ستتسع لمساجين السيجارة أم أنهم سيفتحون لهم سجوناً جديدة؟ وإذا جاء الشرطي أو منفذ القرار وعقد صفقة مع هذا المدخن وقال له: ادفع لي 2% من المخالفة كي أسكت عنها فهل ستتم هذه الصفقة؟ وإذا دخل الزائر ديارنا فهل سيدفع مثل هذا المبلغ؟ وإذا دفع هل سيعود إليها ثانية؟

ثبت لي قطعاً أننا نحن الذين نخلق المشكلة لأنفسنا كي ننشغل في حلها، فالتبغ موجود منذ القدم ولم يكن مشكلة في يوم من الأيام السابقة، فمن يريد أن يدخن يزرع تبغه في أرضه ويدخن دون تكلفة مادية، وبقينا على هذا الحال إلى أن جاءت حكوماتنا الرشيدة ومنعت زراعة التبغ وأنشأت الشركات المحلية لاستثماره وبدأت هذه الشركات ترفع من سعره إلى أن أصبح عبئاً على المدخن ولم تكتف بذلك بل استوردته من الخارج وفتحت حدودها له وبذلك استطاع أن يتغلب على الإنتاج المحلي فبدأت شركاتنا المحلية تخسر فجاؤوا بالشركات الأجنبية لتفتح فروعاً لها في بلادنا وتأخذ ما في جيوب المواطنين ثم أخذت هذه الحكومات تتباكى على هذا المواطن المسكين دون استشارته أو الأخذ برأيه، فإذا كنتم يا حكوماتنا تريدون أن تمنعوا التدخين حقاً فقولوا لي بالله عليكم من الذي أعطى شركات الدخان تراخيص إذن؟ ومن الذي أعطى التراخيص لهذا الكم الهائل من الكافشوبات التي أصبح عددها أكثر من عدد المطاعم.

وإذا ما ترك الناس التدخين فأين ستذهبون بالدخان الذي تصنعونه في بلادكم؟ وما هي الوظائف التي تنتظر موظفي هذه الشركات التي ستغلق؟أنصحكم أن تتركوه للناس ولا تمنعوه لأنكم بعد ذلك لن تجدوا سلعة ترفعوا سعرها دون أن يحتج عليكم أحد. فقوانينا تأتي من شخص معين وجد نفسه صاحب قرار فجأة وعندما يرحل هذا الرجل ترحل معه قوانينه ونصبح في انتظار قوانين جديدة لا نعلمها كشعوب، لا يا سادة فالقوانين تخرج من الشعب وليس من الرئيس وهي خلاصة ثقافة الشعوب على مدى أجيال يقرها الصغير قبل الكبير وتخزن في ذاكرة الناس ويصبح من يخالفها منبوذاً.
مقالات
تكريم المعلمين الفلسطينين الرّواد في الكويت
مـاذا فـعـلـتـم بـأبـنـائـهـم يـا حـكـومـة الـكـويـت؟

أثلجت صدري مقالتك يا دكتور جلال محمد عن المعلمين الفلسطينيين الرّواد في الكويت لكنني شعرت من كلامك أنك تريد أن تكتب للناس أكثر مما كنت قد كتبت لكنك اكتفيت بما تيسر ومع هذا فشكراً لك يا دكتور على معرفتك للحقيقة أولاً وشكراً لك على جهرك بها ثانياً لأن غيرك الكثير من المثقفين العرب يعلم الحقيقة كاملة ولا يريدون أن ينطقوا بها لسبب أو لآخر وهذه هي المشكلة الأزلية عند العرب والمسلمين كافة فمعظمهم يعلم الحقيقة لكن لا أحد يبوح بها على الرغم من كثرة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تدعوهم إلى معرفة الحقيقة والبوح بها عند معرفتها لا بل هددت هذه الآيات والأحاديث كل من يعلم الحقيقة ويكتمها بعذاب أليم بعد أن نعتته بالشيطان الأخرس.

الذي لا يعرفه الكثير من شعبك يا دكتور أننا نحن الفلسطينيون عندما كنا نعيش في بلدكم الكويت لم نكن نشرب اللبن والعسل ونكيّس الفلوس كي نرسلها للخارج كما كان يفعل غيرنا فلم يخطر في بال فلسطيني واحد أنه يعيش غريباً على أرض الكويت بل كنا نعتبر أنفسنا أهل بلد فما كنا نقبضه منكم في اليد اليمنى نصرفه في بلدكم في اليد اليسرى بعد أن علمونا وإياكم ثقافة الإستهلاك وأصبحنا نشتري كل ما يعرض علينا في الأسواق من كماليات لا يشتريها إلا المواطن أو المقيم الدائم وكنا بهذا نحرك لكم الأسواق التجارية المختلفة وأهمها السوق العقاري وساهمنا بذلك بنهضة الكويت بطريق مباشر أو غير مباشر ولا أذيع لك سراً إذا قلت لك أنه لو تحررت فلسطين في تلك الأيام لكان 95% من الفلسطينيين المقيمين على أرض الكويت لا يملكون أجرة الطريق إلى فلسطين.

ومع هذا فإن مقالك يا دكتور في الوقت نفسه كان قد أثار في نفسي شجوناً حاولت نسيانها مرات عديدة وعندما فشلت في نسيانها تناسيتها لكنك يا دكتور في مقالك هذا تصر على إخراجها من الذاكرة بعد أن بدأت تتلاشى!فقل لي بربك يا دكتور كيف لي أن أنسى ثلث عمري وجلّ شبابي ـ بعد أن أفهمونا أن بلاد العُرب أوطاني من الشام لبغدان ـ الذي قضيته وأنا أعمل معكم في التعليم في بلاد العَرب سابقاً والكويت حالياً؟وما كنت أعلم أن هذه الرحلة الطويلة الممتدة ستنتهي بأفظع الشتائم وبتفلة كادت أن تصيب وجهي وبدعاء غير مستجاب لا سهل الله أمرك من أناس كانوا قد تكوّتوا وما هم بكويتيين بحجة أنني من بلاد الضد أو قل إذا شئت بلاد الضاد لا فرق قبل أن أصعد سلم الطائرة مغادراً بلدكم للمرة الأخيرة.

فكان هذا جزائي الذي أستحقه بعد أن إنتظرت تحرير الكويت وعددت الساعات التي أستغرقت في تحريرها فوجدتها مائة ساعة كنت فيها كالولد الذي غابت عنه أمه وينتظر قدومها كي يشكو لها ما حلّ به في فترة غيابها من غمّ وهمّ وجوع وعطش وخوف ورعب وينتظر منها أن تعيد له مفاهيمها وقيمها التي ربته عليها بعد أن كُسرت هذه القيم والمفاهيم في غيابها لكنني فوجئت بعد عودتها فقد أنساها من كانت بعهدتهم أمومتها وماضيها وألبسوها ثوباً غير ثوبها العربي واحتضنت الأغراب ونسبتهم لقبائلها بدلاً من أبنائها الفلسطينيين فأصبح الرئيس الأمريكي بوش الكندري ظناً منها أنه سينقل لها الماء على ظهره وتستغني بذلك عن الكندريين من الفلسطينيين والعرب.

لا أعلم من أين أتى سوء الطالع لهذا الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره رغم علمي الأكيد أنها حكمة ربانية لكنني لا أعلم شيئاً عن هذه الحكمة الربانية التي كانت قد جعلت من هذا الشعب كرة يتلقفها اللاعبون العرب تارة بأرجلهم وتارة بأحضانهم وتارة بأيديهم وبعد أن ينتهوا من لعبتهم هذه تجدهم يُخيرونها بأيّ قدم عربية تريد أن تُركل؟فهناك أقدام عربية مختلفة الأنواع والأحجام والمقاسات جاهزة لركلها في أي وقت وعندما يقررون ركلها يختارون لها أسوأ هذه الأقدام ثم يقولون لها:أنت من إخترت هذه القدم.

والآن عودة يا دكتور إلى وزارة التربية التي تصر على تعيين المستشارين منذ القدم وهؤلاء المستشارون لا يهمهم التعليم بقدر ما يهمهم البقاء في مناصبهم ولتحقيق ذلك عليهم أن يوفروا على الوزارة رواتبهم بأي طريقة كانت ليقولوا لصاحب القرار:لقد شغلنا لك وزارتك ووفرنا عليك المبلغ الفلاني فينشغل في عد المبلغ دون أن يسألهم ماذا خربتم بالمقابل يا مستشارينا الأفاضل؟فأنا أذكر في آخر سبعينيات القرن الماضي أنه كان للمدرسين عطلة شتوية حوالي نصف شهر فجاء المستشار وعرض على صاحب القرار أن لا حق للمدرس بعلاوة المواصلات فهو لم يستخدم سيارته لأنه في عطلة وحسب له المبلغ المتحصل فسال لعابه وأصدر قراراً بخصم نصف علاوة المواصلات على المدرسين في هذا الشهر لأنهم في عطلة فكان وقعها سيئاً على المدرسين في ذلك الوقت حتى أنني أذكرها أنا وغيري حتى هذه اللحظة.

وتدخل المستشار في تكريم المعلمين الفلسطينيين هذه المرة فاقترح على وزارة التربية أن يكون التكريم فقط للمعلمين الرواد ومن هم هؤلاء الرواد يا سعادة المستشار؟فيقول لهم:هم من عملوا ما بين 1936 – 1956 فقط بحجة أنهم قدموا إلى الكويت للتعليم أما من قدم بعدهم فقد حضروا من أجل الفلوس وعندما علمتُ بذلك سألت الرواد في قبورهم عن هذا التكريم فأجابوني بما قالته الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي:إن وطناً أذل أبنائنا من بعدنا لا يعنينا تكريمه لنا ونحن أموات فأنت ترى يا سعادة المستشار أن المعلمين الذين قدموا إلى الكويت بعد عام ١٩٥٦ هم تجار شنطة أتوا إليها ليتكسبوا بالعلم وبذلك لا يستحقون شيئاً ولو يسيراً من التكريم؟!.

كنت يوماً في مكتبة الأندلس في حولي لشراء بعض الكتب وهناك التقيت بمواطن كويتي وبعد أن تعارفنا قال لي أنه للتو قادم من مبنى وزارة التربية وعندما سألته عن السبب قال:لقد درسني مدرس فلسطيني تعاقدتْ معه الوزارة من مدينة القدس قبل احتلالها وعندما بلغ الستين من عمره طلبت منه الوزارة مغادرة الكويت وهذا لا يجوز شرعاً ولا قانوناً وأنا أعتبر هذا المدرس أمانة في أعناقنا فإما أن يعيدوا الأمانة إلى أهلها ومن ثم يعيدوه إلى مدينة القدس أو يتركوه عندهم في أمن وسلام وكان لي ذلك وعدلت الوزارة عن قرارها فهؤلاء يا دكتور آباؤكم الذين كنا قد علمناهم فقد استنصروا لمعلميهم عند حكومتهم وأجبروها على إعادة النظر في قرارها الظالم آنذاك.

وفي المقابل يا دكتور كنت قد شاهدت حلقة تلفزيونية للداعية محمد العوضي وهو في طريقه للنجومية وقبل أن يصبح الدكتور الكبير محمد العوضي وهو يرد على رسائل المشاهدين آنذاك وكان قد درسه أستاذ من الأردن وهو صغير وعندما رأى هذا الأستاذ صورة تلميذه تملأ الشاشة طار فرحاً وتحمس وكتب له رسالة يذكره فيها بالذي مضى وعندما جاء دور هذه الرسالة ليقرأها ويعلق عليها قال الداعية الكبير:هذه رسالة وصلتني من الأردن أرسلها لي معلم كان قد علمني وأنا صغير في السن طيّب تشرفنا شو يعني؟.
مـقـالات
الشعر والشعراء

ولد الشاعر العراقي الكبير أحمد الصافي النجفي سنة ١٨٩٧م في مدينة النجف الأشرف بالعراق لأب من أسرة حجازية الأصل وأم لبنانية من مدينة صور في الجنوب اللبناني وما هي إلا بضع سنوات كانت قد خلت حتى توفيت والدته بعدها كان قد فقد الإستقرار في حياته فعاش متنقلاً بين العراق وسوريا ولبنان وإيران ومكث في طهران ثماني سنوات ترجم خلالها إلى اللغة العربية رياعيات الشاعر الفارسي الكبير عمر الخيام.

وفي أحد الأيام بينما كان يسير هذا الشاعر الكبير أحمد الصافي النجفي مع مرافق له في أحد شوارع بيروت إلتقى مع إمرأة (أرمنية) ودار بينها وبين هذا الشاعر حديث لم يفهمه مرافقه فسأله مرافقه هذا عن فحوى ما دار بينهما من حديث فرد عليه الشاعر الكبير ببيت من الشعر يقول فيه:
كلمتني ولم أفهم عليها فكان كلامها كالشعر الحديث

من هنا سأبدأ مقالي هذا فشاعرنا العظيم الذي أتقن عدة لغات وتعرف على عدة ثقافات يعترف بأصغريه أن الشعر الحديث غير مفهوم لديه فكيف لي أن أفهمه أنا وغيري من عامة الناس؟وإذا كان هذا حال شاعرنا العظيم فلمن يكتب هؤلاء الشعراء الجدد يا ترى؟لا أكاد أفتح صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية أو حتى موقعاً اليكترونياً إلا وأجد من يُتحفنا بكلمات مرصوصة على شكل مصفوفة هي أقرب إلى الحجب أو الحزازير يسمونها قصائد شعرية حديثة وإذا سألتهم عن السبب في ذلك تجدهم يتذرعون بحجج واهية أهمها التخفي عن أعين وآذان السلطة.

عندما كنت صغيراً في السن أيام المدرسة ملؤوا ذاكرتي بالشعراء السابقين والمعاصرين فقررت أن أجاري هؤلاء الشعراء وأكتب الشعر وبعد أن كتبت قمت بعرضه على المرحوم أستاذ اللغة العربية في مدرسة سلفيت الثانوية الأستاذ عبدالحليم زهد وعندما قرأ ما كتبت مزق الورقة بالشعر المكتوب عليها ورماها في سلة المهملات وقال لي:الشاعر يا بني يولد ولا يصنع ولا يستنسخ قم وابحث لك عن مجال آخر تستفيد منه وتفيد غيرك فلو أن كل شاعر من هؤلاء وجد من يمزق له ما يكتبه لما أصبح عندنا من مشكلة لكن رؤساء التحرير في صحفنا المحلية لا يجدون ما يملؤون به صحفهم ومجلاتهم غير هذه الأحاجي الشعرية فيوهمونهم بأنهم شعراء فينشغلون ويشغلوننا بكلماتهم المصفوفة ويصدقون أنفسهم بأنهم شعراء.

في الماضي عندما كنا قبائل متناحرة كان الشاعر في القبيلة يعد من أهم أركانها وكان لكل شيخ قبيلة أو خليفة شاعره المقرب منه الذي يتلقى الهجوم قبل أن يصل إلى شيخه ويحلله هذا الشاعر ويفهمه إن كان هجوماً سياسياً أو إجتماعياً أو دينياً ويرد في الحال بمثله أو أكثر منه فلم يكن هناك راديو أو تلفزيون أو مجلة أو جريدة أو إنترنت ولم يكن هناك سماعة أو مكبراً للصوت فعلى من يريد أن يوصل فكرة أو كلمة للناس عليه أن يقتني شاعراً أو يستورده زد على ذلك أنه أصبح لكل دولة وزيراً للإعلام يدافع عنها ويرد على أعدائها ويوضح مواقفها ولا داعي لمثل هؤلاء الشعراء الأفاضل.

أما نحن اليوم فلا زلنا نعيش في زمن الشعر والشعراء عندما كان الشاعر يمدح الخليفة فيعطيه من بيت مال المسلمين ألف درهم ولا زلنا ندرس الشعر في المدارس والجامعات وكأننا في زمن الكوفيين والبصريين والأصمعي والفراهيدي بحجة الحفاظ على التراث فأصبح المستشعرون ينتشرون في كل بلد من بلداننا وفي مخيلة كل منهم أن يكون المتنبي أو البحتري أو محمود درويش ولم يعد هذا الشعر يثير حماسنا ولا يلفت إنتباهنا بعد أن أصبحنا لا نفهم شيئاً مما يكتبون فأنا مع الشعراء الشعراء الذين يولدون شعراء وهم في العادة يعدون على أصابع اليد الواحدة في أي زمان ومكان أما أن توصف دولة عربية ذات ثلاثة ملايين نسمة ببلد المليون شاعر فهذا إفتراء على الشعر والشعراء.
مـقـالات
الخلاف والاختلاف والتسامح الذي بينهما
الخلاف

ما بين الخلاف والاختلاف فرق شاسع كما هو الفرق بين الموت والحياة فالخلاف يكون عادة بين طرفين متخاصمين كل طرف منهما يريد الحاق الهزيمة والضرر بالطرف الآخر بغض النظر عن الطريقة أو الأسلوب الذي سيتبعه وقد لا يكتفي الطرف الغالب بالحاق الهزيمة فقط بالطرف المغلوب بل يحاول أن يتخلص منه إلى الأبد إن استطاع ذلك وعادة ما ينتهي الخلاف بالقتل أو بالهزيمة والخلاف محرم وممنوع بين الناس شرعاً وديناً.
الاختلاف

أما الاختلاف فيكون بين طرفين مختلفين في وجهات النظر وكل طرف منهما يعترف بوجود وشرعية الطرف الآخر ولكن عليه أن يهزمه بالحجة والبرهان وبالتي هي أحسن والاختلاف مشروع بين الناس وقد أقره لنا الله عندما خلقنا مختلفين في كل شئ في أشكالنا وألواننا وعقولنا وأصولنا وعاداتنا وتقاليدنا ولم يكتف الله بأن جعلنا مختلفين فقط بل دعانا إلى التعارف أي الاعتراف بالآخر ومن ثم احترامه ومحاورته ثم حضّنا على التسامح الذي هو محمود عند الله وعند الناس.
خلاف يُؤدي إلى القتل في مدينة المفرق الأردنية

توفي شاب يوم الجمعة الموافق ٣/٩/٢٠١٠ متأثراً بجروح أصيب بها في مُشاجرة وقعت في مدينة المفرق الأردنية يوم الاربعاء الماضي وفي تفاصيل هذه المشاجرة كما رواها شهود عيان لـموقع السوسنة الألكتروني فإن خلافاً حاداً وقع بين القتيل والقاتل وهو سائق تكسي وراكبه على الاجرة البالغة نصف دينار زيادة على الاجرة الاصلية.

فتطور الأمر بينهما وقام سائق التكسي بضرب الراكب بيد الجك الحديدي الموجود في سيارته مُحدثاً له جروحاً خطيرة في جسمه فارق الحياة على إثرها بعد يومين من الإصابة وما أن تناهى خبر وفاة الشاب إلى سمع ذويه حتى قاموا بأعمال فورة الدم وذلك بحرق منازل وتكسير محال تجارية تعود لذوي وأقارب القاتل وفرضت قوات الدّرك طوقاً أمنياً على المنطقة منعاً لأية تداعيات أخرى.
اختلاف يُؤدي إلى اتفاق وتسامح في مدينة حلب السورية

وعدني صديقي وهو سوري الجنسية بزيارتي في المدينة الجامعية حيث كنت أسكن في بداية سبعينات القرن الماضي ومن أجل ذلك استقل سيارة أجرة من مركز المدينة في مدينة حلب إلى المدينة الجامعية وكانت أجرة التكسي في ذلك الوقت ليرتين سوريتين وعندما وصلت السيارة التي تقل صديقي إلى باب البناية طال زمن وقوفها فخرجت كي أستقبل ضيفي وأستطلع الأمر.
