واحتار صاحب الفرس في أمر حصانها الأبيض الصغير بعد وفاتها فهو لم يعد ملكاً له يتصرف يه كما يحلو له بل أصبح ملكاً لكل سكان القرية فهو إبن شهيدة قريتهم فالكل يرغب في أن يطعمه ويحترمه ويتمنى ملكيته أو على الأقل الإقامة في بيته فاتفق أهل القرية فيما بينهم أن يتركه صاحبه يلهو ويرتع مع خيول أهل القرية فوافق صاحب الحصان بعد أن أقنع نفسه قائلاً:ما هي إلا بضع سنوات ويسد هذا الحصان الفراغ الذي تركته أمه بعد أن يشتد عُوده!.
حزن صاحب الفرس على موت فرسه بالرغم من فتور العلاقة بينهما في الفترة الأخيرة لكنه مع هذا حفر لها حفرة كبيرة تتسع لها بالقرب من بيته بعد أن ساعده أهل القرية في حفرها ودفنوها فيها وغطوها بالتراب وقاموا بتحديد قبرها بحجارة أحضروها معهم لهذا الغرض وقرر أهل القرية مجتمعين أَن يبنوا حول قبرها قبة متواضعة لتصبح مزاراً لهم ولأولادهم من بعدهم وأفتى إمام المسجد بأنها ماتت شهيدة لأنها قاومت الأعداء في حياتها وعلى أهل القرية أن يكرموا حصانها لأن الله ورسوله أوصوا بأبناء الشهداء خيراً.
بهذه الكلمات تكون الفرس قد وسعت شقة الخلاف بينها وبين صاحبها بعد أن رفضت نقل حصته من المساعدات الخارجية فابتعد عنها صاحبها وعزف عن مساعدتها بعد أن أصيبت في رجلها ويدها وذنبها فهي لم تعد قادرة على الحركة لوحدها لهذا فقد تعودت حياة الكسل والراحة فما لبث أن هاجمها الذباب والحشرات التي لم تستطع طردها عن جسمها بعد أن قص الأعداء شعر ذيلها فهاجمها أحد الأمراض الفتاكة وأخذ القراد يمتص من دمها دون أن تستطيع مقاومته ودخل العلق في حلقها وأخذ هو الآخر يتغذى على دمها وتقرح جسمها وتدهورت صحتها لكنها أنجبت لصاحبها حصاناً أبيضاً قبل أن تموت!.
وبدأت تنهال على القرية صدقات العرب والمسلمين وهبات من الشعوب الأخرى والحكومات العربية وغير العربية وفي ذات مرة اصطحب فرسه كي تحمل له حصته من هذه المساعدات لكنها رفضت وفالت له:أنا لن أحمل صدقات من المسلمين أو من هدايا الشعوب لكم لأنني أرى أكياساً من القمح مكتوباً عليها هدية من الشعب الأَمْرِيكِي وعليها مرسوم يدان متصافحتان وإذا ما قمت بحملها لكم ستأكلون ما بداخلها وتصنعون من هذه الأكياس لباساً لكم ولأولادكم وتنسون أرضكم وما بها من خيرات.
وافق صاحب الفرس على مضض بأن تكون فرسه مشاعاً لأحصنة جميع سكان القرية وما هي إلا أياماً معدودة حتى عشّرت هذه الفرس من أحد أحصنة القرية وعلى الرغم من ذلك لم يمنعها الجنين الذي بداخل بطنها من مواصلة المسير إلى الأرض المغتصبة وبينما هي راتعة في أرض صاحبها الخضراء في يوم من الأيام وإذا بالأعداء قادمون ومعهم مترجم فباركوا لها بالحصان الذي في بطنها وقالوا لها:من أجل هذا الحصان الذي بداخل بطنك سوف لن نقتلك هذه المرة ولكننا سنقص شعر ذيلك كي تموتي وحدك لأنك بعدها لن تجدي شيئاً يبعد الذباب والحشرات عن جسمك وعلى الفور قاموا بقص شعر ذيلها وعادت إلى بيت صاحبها بذيل دون شعر.
أعجب أهل القرية بشجاعة هذه الفرس وبحبها ووفائها للأرض التي كانت قد تعبت فيها وحرثتها وزرعتها قمحاً وشعيراً وبرسيماً وذاع صيت هذه الفرس بين الناس في القرى المجاورة لقريتهم وبدأوا يراجعون ما تعلموه في كتبهم عن الشجاعة فاكتشفوا أن شجاعة العرب كانت تستمد من خيولهم فلهذا يجب عليهم أن يكاثروا من هذه الفرس!فقرروا فيما بينهم أنّ من يملك حصاناً منهم عليه أن يستضيف هذه الفرس المباركة عنده كي تلد لهم أفراساً وأحصنة أصيلة مثلها قبل أن ترحل.
نريد إصابتك في يدك اليسرى لتكوني عبرة لغيرك من الخيول المتمردة أو التي قد تفكر بالتمرد!
بدأت الفرس تشعر بالجوع ولم تجد حولها ما تأكله بعد أن خفت العلاقة بينها وبين صاحبها فتحركت نحو الأرض التي كانت قد حرثتها وتعبت فيها وما أن وصلتها حتى بدأت في رعي كل شئ وبينما هي كذلك وإذ بالأعداء قادمون ومعهم مترجم وقالوا لها عن طريق المترجم:نحن قادرون على قتلك لكننا لا نريد غير إصابتك في يدك اليسرى لتكوني عبرة لغيرك من الخيول المتمردة أو التي قد تفكر بالتمرد!وأطلقوا عليها النار وأصابوا يدها اليسرى وعادت إلى بيت صاحبها تعرج مرة ثانية فربط لها صاحبها يدها اليسرى مع قطعة من الخشب وأوصاها بعدم الحركة هذه المرة وتعهد لها بأكلها وشربها ما دامت مصابة.
وبينما كانت الفرس داخلة في سجال مع صاحبها وإذا بالمختار قادم ومعه (يلاغ) يطالب صاحب الفرس بريط فرسه لأنها قد تُعلم بقية الخيول التمرّد وإذا ما تمرّدت هذه الخيول ستعكّر صفو حياة الجيران ثم تابع المختار كلامه قائلاً:وأنت تعلم أنه إذا خاصمك دهرك فعليك بمصاحبته لأن الدهر لا يخاصم!فردّ صاحب الفرس على المختار قائلاً:لن أطلب من فرسي أن تعمل ما يمليه عليّ الآخرون!واعلم إن كنت لا تعلم بأن كل شاة ستعلق بعرقوبها فِي المسلخ عند ذبحها فقال له المختار مهدداً:أنا أقول لك:إعقل فرسك ولا ترم بها إلى التهلكة.
قالت له فرسه:لكم أن تبرروا الهزيمة كما تشاؤون ولكم أن تنتقوا كلماتكم من بحر لغتكم العربية الواسع فكلماتكم التبريرية لا تنضب حتى أنكم لم تكتفوا بها فقط بل أصبحتم تدرسون أولادكم في مدارسكم لغة التبرير أيضاً وسيأتي بعدكم جيل يكون قادراً على تحويل الهزيمة إلى نصر بالكلمات فقط وسيضيفون إلى لغتكم العربية كلمات جديدة يستغرب من يأتي بعدكم من أي قاموس جاؤوا بها؟وستصبح العبارة:ما كان بالإمكان خير مما كان مشجباً يعلقون عليه أخطائهم ودستوراً يُسيّر أعمالهم وبما أنني لا أفهم منطقكم هذا فسأذهب يومياً لأرعى ما زرعت وإذا عجزت يوماً عن الرعي فسأجعله زقوماً في بطونهم.
قال صاحب الفرس لفرسه (بعد أن قام بربط رحلها المصابة مع قطعة خشب لإسنادها) متشفياً:عندما لا تستطيعين تمييز مصدر النيران وعندما يختلط عليك الصديق مع العدو كان عليك أن تقبلي بما قبلت به أنا دون مكابرة!لقد نبهتك في المرة السابقة إلى ذلك لكنك لم تسمعي كلامي ولا إلى تنبيهي لك فأنا أحب الأرض والزرع مثلك تماماً بل أكثر لكن القوة فوق الحق في هذه الأيام وقديماً قيل:إذا لم يأت معك دهرك فمن الأفضل أن تأتي أنت معه.