من لا يستطيع الوصول إليه عن قرب يفتح نافذته ويصيح عليه من بعيد:لاجئ … لاجئ!
عندما رأى الناس حصاناً يسير من غير ذنب تعجبوا من ذلك واندهشوا من هذا المنظر فكانوا يتجمعون من حوله وأصبح هذا الحصان محط أنظار الجميع الصغير قبل الكبير والمرأة قبل الرجل وفي الحال أطلقوا عليه إسماً جديداً لم يسمعه من قبل وسموه (الحصان اللاجئ) وأخذوا يستهزئون منه ويتندرون عليه في كل مكان يذهب إليه حتى أنهم كانوا يقفون على جوانب الطرق التي كان الحصان يسير عليها ويصيحون في وجهه قائلين:لاجئ … لاجئ … لاجئ فيجيبهم في داخل نفسه دون أن يسمعه أحد ويقول:إن كنت أنا حصاناً لاجئاً فأنا لست بكافر!وأصبح من لا يستطيع الوصول إليه عن قرب يفتح نافذته ويصيح عليه من بعيد:لاجئ … لاجئ!.
وجد الحصان الأبيض نفسه في الضفة الأخرى من النهر وفوق ظهره تحط طيور يسمى الواحد منها (أبو حمار) وهذا النوع من هذه الطيور تحب الوقوف على ظهور الخيل والحمير لا لشئ بل لتأخذ من شعر ذيولها وشعر رؤوسها شعيرات طويلة كي تستخدمها فراشاً ناعماً في بطون أَعْشَاشها فما كان منه إلا أن حرك ذيله يميناً ويساراً كما كان يفعل كعادته قبل خروجه من قريته لكن هذه الطيور لم تحرك ساكناً وبقيت تسير على ظهره من رأسه إلى ذيله ولم يستطع هذا الحصان بذيله أن يهش هذه الطيور عن ظهره.
وخلعت الطيور كل الشعر الموجود على ذنبه
وكان هذا الحصان كلما اقترب بذنبه من إحدى هذه الطيور التي تقف على ظهره كان هذا الطير يأخذ من ذنبه شعرة واحدة بمنقاره ويطير بها إلى عشه ثم يعود ثانية ومعه سرب آخر من هذه الطيور تحط جميعها فوق ظهره ليأخذ كل طائر منها بمنقاره ما يستطيع حمله من شعر ذيله وبقيت هذه الطيور على هذا الحال إلى أن أجهزت على ذنبه بالكامل وخلعت بذلك جميع الشعر الموجود على ذيله إلى أن أصبح الحصان الأبيض من غير ذنب.
وبينما كان هذا الحصان الأبيض يسير على غير هدى فاجئه نهر لم ير مثله في حياته قط لكنه تذكر الوادي الموجود في القرية عندما كان يدخله صاحبه إلى منتصفه ويقوم بتنظيف جسمه في مياهه مما كان يعلق به من غبار وأوحال فحاول الدخول إلى هذا النهر فكاد الماء أن يسحبه فخاف وعاد إلى الوراء وجرب مرة أخرى فلم ينجح فسار بمحاذاة هذا النهر عله يستطيع أن يقطعه من مكان آخر وظل يسير إلى أن وصل مكاناً اتسع فيه النهر ونحول إلى جداول صغيرة فقطع كل جدول على حدة إلى أن أتم قطع هذا النهر.
وما أن عاد ليفكر ثانية لم تمهله أفعى كبيرة ذيلها على الأرض ورأسها في السماء وكأنها تبحث عنه فارتد مسرعاً إلى الوراء ثم تولى هارباً وعندما أخذ الليل يسدل أستاره بدأ يسمع أصواتاً لم يعتد على سماعها من قبل تصدر من حيوانات الليل وخفافيش الظلام عندها قرر أن ينام في أول مغارة يصلها وفي الصباح بدأ المسير هائماً على وجهه وصعد جبالاً شاهقة كان قد أخافه إرتفاعها الشاهق ونزل ودياناً ساحقة كان قد أرعبه إنخفاضها ومر بغابات كثيفة الأشجار أغصانها متشابكة فلم ير النور وهو بداخلها وتعرض إلى جميع أنواع الزواحف والحيوانات وحتى الطيور لم يسلم من إزعاجها!.
وبينما كان الحصان الأبيض منهمكاً في التفكير فيما سيفعله في اللحظة القادمة فاجئه ذئب صغير وأخذ يطارده من مكان إلى آخر حتى أنه لم يمهله كي يحاول هذا الحصان على الأقل أن يتذكر اتجاه القرية وكاد أن يستسلم له لولا تدخل ذئب أكبر منه حجماً إذ انقض على الذئب الأصغر ودخلا في عراك مع بعضهما فاستغل الحصان الأبيض صراع الذئبين معاً واستطاع الهروب منهما فكان هذا أول قرار يتخذه بنفسه وأول درس يتلقاه وحيداً فهو لم يكن يعلم بأن القوي هو من يستطيع أن يلاعب الأقوياء ويتعايش معهم لا أن يلعب مع الضعفاء ليستقوي عليهم!.
وفي أحد الأيام عاد القطيع إلى القرية لكن بدون حصانه الأبيض! فافتقده صاحبه وبحث عنه فلم يجده فأخرج موسه الكباس من جيبه وقام بفتحه ثم قرأ المعوذات ثم أقفله وأعاده ثانية لى جيبه ورجع إلى بيته آمناً مطمئناً فلن يفترسه أي حيوان بعد ذلك في تلك الليلة!(هكذا كان أهل القرية يعتقدون ويفعلون عندما يضيع حيواناً لأحدهم) وفي الصباح يخرج الجميع للبحث عنه فإذا لم يجدوه قالوا:هكذا شاء الله وما شاء الله فعل!.
صاحب الحصان
لكن صاحب الحصان في قرارة نفسه لم يقتنع بما حدث لحصانه!بل إتهمه بالتخاذل والتهرب من تحمل المسؤولية التي كانت قد ألقيت على كاهله مثله مثل الكثير من الناس في هذه الأيام فهم يحبونك إذا كانوا يريدون منك شيئاً ويعادونك عندما تريد أنت منهم الشئ نفسه!لكنه على الرغم من إعتقاده هذا استطاع أن يكظم غيظه وأن لا يبوح لأحد عن ما في نفسه خوفاً من أن تهتز صورة الحصان الأبيض في عيون أهل القرية فهم معجبون به لا بل يحسدون صاحبه عليه!.
قال الثعلب لأهل القرية:هل سمعتم بالمَرْج الأخضر؟فقال الجميع بصوت واحد:لا لم نسمع بهذا الإسم من قبل فقال لهم الثعلب:المرج الأخضر يا أصدقائي ليس بعيداً عنكم لكنه يحتاج إلى بنية تحتية وهذه البنية التحتية بحاجة ماسة إلى خيول قوية وأصيلة لتبنيها وشاع في القرية أن هناك مرجاً أخضراً لَيْس بَعيداً عنها من يدخله فَقَد دخل الجنة فسَمع الحِصَان الأَبْيَض ما قيل على لسان الثعلب عَن المَرْج الأَخْضَرِ فقرر أن يُسَافِر إِلَيْه سِرّاً بعد أن إتجهت إليه الأنظار كَي يُعِدّ لهؤلاء الأعداء مَا يَسْتَطِيع مِن قُوَّة وَمَن ربَاط الخَيْل وبهذا تَنْسَاه العيون التِي كانت تراقبه ليل نهار عَن قُرْب تارة وَعَن بُعْد تارة أخرى وما هِي إِلَا بِضْع سَنَوَات وَيَعُود بَعْدَهَا هذا الحصان بخيول عربية أَصِيلَة تَسْلُك الدَّرْب نفسه الذِي كانت قد سلكته أمه.
وجاء الثعلب (البريطاني) إلى القرية وهو يختال في ثياب (الواعظين) وطلب من سكان القرية أن يتجمعوا كي يسمع منهم بعضاً من مشاكلهم للمساعدة في حلها وبعد أَن إجتمعوا وسمع منهم قال:لم يعد العشب الأخضر يكفي لكل خيول هذه القرية لهذا لا بد من وضع حل يرضي الصديق قبل العدو!وعندما سألوا أهل القرية الثعلب عن هذا الحل الذي سيرضي الجميع قال:يجب علينا التخلص من كل الخيول (المشاغبة) وارسالها بعيداً عن القرية!وعلينا أن نوفر لمن يقبل المغادرة منهم الحياة المترفة هناك فيزداد وزنه ويترهل جسمه ويتغير لونه فيتحسن سلوكه.
بدأت الخيول تجهز نفسها للرحيل إلى أمركا!
فرد علبه أحد سكان القرية وقال:ها هي الخيول بدأت تجهز نفسها للرحيل إلى أمريكا الجنوبية قبل نصيحتك يا أبها الثعلب الناصح!فقال لهم الثعلب:كما تعلمون أيها السكان أنا صديقكم الوفيّ وكما تقولون في أمثالكم الشعبية(الصديق وقت الضيق) أنا لا أريد لخيولكم أن تذهب بعيداً عن وطنها الأصلي لأنها إن ذهبيت إلى هناك يصعب (السيطرة) عليها!فقال رجل آخر :وما هو حلك أيها الثعلب الصديق الصدوق لمشاكلنا؟.
وأصبحت كل العيون مفتوحة على هذا الحصان الأبيض فالناس تنتظر منه الكثير الكثير فهو إبن الشهيدة وعليه أن يواصل مشوار أمه ويكون مثلها مشروع شهادة في المستقبل والمختار أصبح يخاف عليه أن يسلك سلوك أمه ويسبب له الحرج مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء ومن أجل هذا بدأ المختار في مراقبة هذا الحصان الأبيض وتتبع خطاه أولاً بأول حتى أنه طلب منه في يوم من الأيام صراحة وبكل وضوح عدم إزعاج الجيران الأعداء وأية حادثة تحدث لهؤلاء الجيران سيكون هو أول المسؤولين عنها.
اختلف أهل القرية فيما بينهم على من الذي سيتكفل هذا الحصان الأبيض فالكل يريد منه أن يعيش وينام عنده في بيته فقد أصبح هذا الحصان الأبيض مباركاً عندهم لكنهم حلوا هذا الخلاف الذي ظهر بينهم قبل أن يستفحل هذا الخلاف بأن اتفقوا على أن يتركوا خيولهم بعد الإنتهاء من أعمالهم الزراعية لتتجمع وتشكل قطيعاً حُراً فِي بقية ساعات النهار أَما فِي المساء فيعود كل فرد من هذا القطيع إلى إقامته ويترك للحصان أن يختار المكان الذي يحب أن ينام فيه لكنه اختار أن ينام في بيت صاحبه.