وهكذا انقلبت حياة الحصان الأبيض إلى جحيم فكان إذا ما تعب من ركوبه قرد يسلمه إلى قرد آخر وبقي على هذا الحال إلى أن ركبه قرد مختلف هذه المرة عن الجميع فهو لا يريد المطاردة عليه فحسب بل أخذه بالقوة وأدخله إلى إسطبل وأقفل عليه الباب وانصرف وإذا بداخل هذا الإسطبل خيول من جميع الألوان والأعمار والأجناس فاقترب من أحدها وسأله عن أحواله في هذا المكان فأجاب:إن الوضع هنا ممتاز أكل ومرعى وقلة صنعة وبصراحة أكثر نسينا حالنا لأنهم أعطونا أرقاماً بدلاً من أسمائنا وأدخلونا عصر العولمة قبل غيرنا وأنكروا علينا جنسياتنا المختلفة وأعطونا جنسية واحدة عندما سمونا (أجانب) ثم خفض من نبرة صوته الأولى وقال: بيني وبينك أحسن لا هموم شخصية ولا هموم وطنية لكل من يعيش في هذا المكان!.
لكن الحصان الأبيض بقي في المرج الأخضر طيلة هذه السنين الطويلة ولم تستطع تلك السنين أن تغيره فلم ينس قريته ولا صاحبه ولا قطيعه ولا وطنه في يوم من الأيام وفي هذه الأثناء أخذ يرسل الدجاج (البياض) ليبيض ويفرخ في بيوت أهل الوطن تمهيداً لقدومه في يوم من الأيام وبينما هو مسترسل في أحلامه الوردية وإذا بقرد ينزل من على شجرة عالية ويعتلي ظهره ويضع لجاماً في فمه ورسناً ليشد به رأسه لحهته وأخذ هذا القرد يطارد به في أرض المرج الأخضر إلى أن تعب هذا القرد ونزل فاعتلاه قرد آخر وطارد به هو الآخر حتى تعب ومن ثم سلمه إلى قرد ثالث وهكذا أصبحت حياة الحصان الأبيض في المرج الأخضر لا تطاق بعد أن تولت أمره القردة.
عندما رأى ركاب الخيول العربية (وليس فرسانها) خيولهم وقد انتزعت ألجمتها من أفواهها وخلعت أرسنتها من رؤوسها ورمت بسروجها عن ظهورها كي لا تعد صالحة للركوب ثانية من قبل من اعتادوا الركوب على ظهورها تحالف كل هؤلاء الركاب مع (الصقور) ومع الجمال ومع الحمير ومع البغال ومع الذئاب ومع الأفاعي ومع الثعالب وكونوا فيما بينهم حلفاً استطاع هذا الحلف أن يخرج الأحصنة العربية الأصيلة من بيروت وعادت بيروت ثانية من غير خيولعربية أصيلة وتشتت هذه الخيول ثانية في بلاد الله الواسعة وعادت مجموعة منها (بعد أن غيرت لونها) إلى أرض الوطن!.
في صباح يوم الخامس من حزيران من سنة 1967 أوهم راكبوا الخيول العربية خيولهم بأنها ستشرب من مياه بحر يافا وبدأت هذه الخيول تستعد لهذا اليوم الموعود الذي كانوا قد انتظروه طويلاً وما هي إلا ستة أيام فقط حتى انكشف المستور فاستشهد من استشهد وأسر من أسر واستسلم من استسلم وفي هذه الأثناء علمت كل الخيول العربية هوية من كانوا يركبونها طيلة هذه السنين وتسببوا في نكستهم فرمتهم أرضاً والتقت مع بعضها البعض وأزالت خطوطاً حمراء كانت قد رسمت لها وأصبح خط الهدنة يسمى بالخط الأخضر وخرج الحمام المحبوس من أقفاص المخاتير ودخل حمام آخر وفتحت الحدود واجتمعت الخيول كلها فِي بيروت.
وأعلنت الأحصنة للعالم أجمع بأنها خلعت أرسنتها خوفاً من أن تقاد منها في يوم من الأيام ورمت أسرجتها خوفاً من أن تكون مطية لغيرها في أحد الأيام وسحبت ألجمتها من أفواهها لتقول ألسنتها ما تشاء وأدركت هذه الأحصنة الحقيقة التي مفادها أن عليهم وحدهم يقع إعادة الحق المغتصب إلى أصحابه وذلك بتحرير الأرض من العدو الصهيوني وبدؤوا يلملمون الجراح وبث روح الأمل والتفاؤل في خيول كسرها التشرد وأعياها الصمت وأضعفها اللجوء وكانوا بذلك قد نجحوا في جذب الأنظار إليهم والتف الناس حولهم باعتبارهم المخرج الوحيد من ثقافة الهزيمة التي كانت قد سادت في تلك الفترة!.
وكان كل ما يدور في مخيلة هذا الحصان الأبيض أنه الحصان الأصيل الوحيد الموجود في هذا المرج الأخضر في ذلك الوقت لكنه التقي بأحصنة أصيلة هي الأخرى كانت مطاردة مثله في بلادها جاءت من مختلف البلدان العربية ولها نفس الظروف ولها نفس الهموم ولها نفس الأهداف كانت قد سبقته إلى المرج الأخضر أو لحقت به وبعد أن وجدت هذه الأحصنة نفسها بعيدة عن مخاتيرها وبعيدة عن أعدائها تجمعت مع بعضها البعض وقررت فيما بينها أن تشكل من أنفسها قوافل متناوبة لإزعاج العدو المغتصب!.
وبينما كان الحصان الأبيض يسير هائماً على وجهه في الصحراء القاحلة وإذا بقطيع من الإبل كان قد تجمع حوله وسأله أحدهم:أنت يا هذا يا إبن الجبل ما الذي رماك في هذه الصحراء القاحلة؟فقال لهم الحصان الأبيض:أنا حصان مطارد في وطني كنت قد غادرته سراً والآن أبحث عن مكان آمن أعيش فيه إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي أعود فيه إلى بلدي عزيزاً مكرماً فقال له أحد هذه الجمال:أنا سأدلك على مكان آمن تقيم فيه أفضل لك ألف مرة مِن الإقامة في هذه الصحراء القاحلة.
أخذت الجمال منه سرجه
فقال له الحصان الأبيض:وما هو هذا المكان الذي تنوي أن تبعثني إليه؟فقال له الجمل:(المرج الأخضر) يا هذا بشرط أن تعطيني سرجك قبل أن تدخل إلى هذا المرج الأخضر فرد عليه الحصان الأبيض مُعاتباً وقال له:بالأمس كانت الطيور قد أخذت مني شعر ذيلي وأنتم اليوم تريدون مني سرجي فكيف لي أن أسير في هذا المرج الأخضر دون سرج يغطي بطني؟فردّ عليه الجمل قائلاً له:في المَرْج الأَخْضَر يا هذا لا تحتاج إلى سرج ولا حتى إلى ذيل فلا شتاء هناك يحتاج إلى سرج ولا ذباب يحتاج إلى ذنب فما كان أمام هذا الحصان إلا القبول والإذعان أمام مطالب هذه الحمال وأعطاهم سرجه وسار معهم إلى المرج الأخضر الموعود.
استمر الحصان الأبيض على هذا الحال، أياماً وليالي طوال، فنحل جسمه، وخارت قواه، وسقط جزء كبير من شعره، ولم يعد قادراً على مواصلة المسير، أكثر من ذلك، ولكن أين المفر؟سأل الحصان الأبيض نفسه بنفسه، ثم أجاب على سؤاله هذا حيث قال: سمعتهم، وأنا أعيش في القرية يقولون: إن في الحركة بركة، وفي الثبات الموت، وعليه فلا بد لي من مواصلة المسير، ولو إلى المجهول، وتابع الحصان الأبيض طريقه إلى المجهول.
وفي الصباح أيقظته شمس حارقة لم يألفها في حياته قط فنظر من حوله ليستوعب الوضع الجديد الذي وجد نفسه فيه فإذا بالنباتات من حوله أوراقها صغيرة إبرية يتخللها شوك حاد فأخذ يأكل الورق ولكن بحذر شديد وكان خلال ذلك ينظر بعيداً ليفتش له على بركة ماء ليشرب فرأى مثل هذه البركة ولكنه لم يستطع الوصول إليها فكان كلما اقترب منها ابتعدت عنه أكثر وحاول أن يسرع في خطاه فلم يستطع لأن أرجله كانت قد أعدت للسير في الجبال وليس لرمل الصحراء ونطر حوله مرة أخرى فوجد قطرات من الندى على أوراق النباتات فاكتفى بلعقها لتبقيه على قيد الحياة!.
أخافه هذا المنظر الذي رآه ففر منه هارباً وأثناء هروبه وإذا بحبل مشدود يمسكه رجلان متقابلان يلامس جسم هذا الحصان وما أن لامس الحبل جسم الحصان حتى تحركا هذان الرجلان معاً كل منهما في عكس اتجاه الآخر فصنعوا بذلك دائرة مركزها الحصان واقتربا من بعضهما البعض أكثر وقاما بتصغير نصف قطر هذه الدائرة حتى لامس الجبل رجليه ويديه فوقع أرضاً وجاء رجل ثالث وأدخل رسناً جاهزاً في رأسه ولجاماً في فمه وسرجاً من سروج حميرهم على ظهره وركبه بعد أن لسعه عدة ضربات على مؤخرته بعصاة أعدها خصيصاً للضرب المؤلم قام بسلخها عن ساق شجرة رمان!.