وجدت هبة نفسها تحمل الوثيقة الفلسطينية


imagesca2qtsps
وكانت أم هبة لا تحب الكويت فحسب بل تتعصب لها 

وفي سبعينات القرن الماضي كنت قد تزاملت مع والدها في إحدى المدارس الثانوية في الكويت فأصبحنا أصدقاء لكن ما كان يحيرني في ذلك الوقت هو حب أمها للكويت فهي لا تحب الكويت فقط بل تتعصب لها حتى أننا كنا نلحق إسمها بآل الصباح عندما كنا نريد مخاطبتها وكانت تدافع عن نفسها وتقول: أعذروني إن كنت قد تعصبت للكويت فأنا ولدت وعشت وتعلمت وعملت وتزوجت وأنجبت البنات والبنين في الكويت ولم أغادرها إلى أي بلد آخر.

gallery_1238183406
منعوا حملة الوثائق من المغادرة لعدم وجود بلد يستضيفهم

أما ابنتها هبة فقد كانت قد ولدت في الكويت أيضاً قبل حرب الخليج بسنة واحدة وبعد حرب الخليج مباشرة خرج غير الكويتيين من الكويت إلى بلادهم طوعاً أو قسراً إلا من يحمل الوثيقة الفلسطينية فمنعوا من مغادرتها لا لسواد أعينهم ولا كرماً من الكويتيين وإنما لعدم وجود بلد عربي يقيمون فيه أو حتى يستضيفهم بشكل مؤقت حتى وصل بهم الأمر أن البلد الذي كان قد أصدر لهم وثيقتهم الغراء أقفل حدوده في وجوههم وهكذا وجدت هبة نفسها تحمل الوثيقة الفلسطينية المباركة ومسجونة بها في الكويت.

الكذبة الكبرى

هــبـة


www_4photos_net_1142867563
فراشة إنعكس عليها ضوء القمر في ليلة صيف

هـبـة طالبة جامعية فلسطينية الأصل تدرس العلوم السياسية في إحدى جامعات أستراليا وكانت قد ورثت الوثيقة الفلسطينية عن والدها الذي كان قد ورثها هو الآخر عن والده الذي وجد نفسه بين عشية وضحاها يعيش في قطاع غزة بدلاً من أن يعيش في بلده (بربرة) وهي لا تجيد اللغة العربية لكنها تحاول فتبدو كفراشة إنعكس عليها ضوء القمر في ليلة صيف أو كنحلة تبحث عن رحيق الأزهار لتصنع منه العسل فهي لا تكتفي بسماع من يتكلم معها بل تجدها مشغولة في مراقبة شفاه المتكلمين وحركاتهم بعيون سوداء واسعة تتسع لكل ما حولها. 

الكذبة الكبرى

الكذبة الكبرى


1365021620
لو أعطوهم الجنسيات لكانوا قد نسوا بلدهم فلسطين

هذه كانت هي الكذبة الصغرى للحكام العرب في ذلك الوقت ولم يكتف هؤلاء الحكام بذلك بل أتبعوها بكذبة أكبر منها كانت قد إنطلت على الكثير من الفلسطينيين كما كانت قد إنطلت عليهم الكذبة الصغرى أما هذه الكذبة الكبرى هذه المرة فكانت حرمانهم من جنسيات البلدان التي كانت قد إستضافتهم ما عدا الأردن تحت ذريعة أنهم لو أعطوا الفلسطينيين هذه الجنسيات لكانوا قد ذابوا في مجتمعاتهم الجديدة ولكانوا قد نسوا بلدهم الأصلي فلسطين.

32763_11254141762
الشركس في الأردن لم ينسوا بلدهم ولا زيهم الوطني

ومما يحز في النفس أكثر أن ما فعله الحكام العرب يالفلسطينيين لم يفعلوه مع الأقليات الأخرى غير العربية التي كانت قد هاجرت من موطنها الأصلي واستقرت في بلدانهم كالأرمن والشيشان والشركس والأكراد وغيرهم فقد أعطوهم جنسيات البلدان التي أقاموا فيها وأصبحوا مواطنين من الدرجة الأولى في هذه البلدان التي سكنوها ومع هذا لم يذوبوا في مجتمعاتهم الجديدة بل بقيت لهم عاداتهم وتقاليدهم ولغاتهم ومدارسهم ولم ينسوا بلدانهم التي كانوا قد قدموا منها رغم مرور عشرات السنين.

الكذبة الكبرى

سؤال رقم 9


969434_457729020987097_22986802_n1
أوجد قيمة العدد المجهول

إختبر نفسك بالرياضيات

هدية بلدنا لبريطانيا العظمى


3909774337
ثوار ومجاهدون في العهد البريطاني

كانت قريتنا في الماضي غير البعيد حصناً منيعاً لمن يدخلها من الثوار والمجاهدين خاصة في العهد البريطاني لأن من يكون بداخلها يرى القادم إليه قبل أن يراه هذا القادم لأنها محاطة بالجبال من جميع الجهات والسبب الأهم من ذلك كله أن هذه القرية كانت معزولة لا تصلها السيارة وبالتالي لا تستطيع سيارات العدو من الوصول إليها فكان على المحتلين في جميع العصور أن يأتوها إن أرادوا مشياً على الأقدام والمشي على الأقدام في حد ذاته كان يعتبر مغامرة كبرى للمحتلين فكانوا بدلاً من ذلك يبعثون عيونهم من العملاء لمراقبة الوضع في قريتنا عن كثب وإبلاغهم بما كان يحدث أولاً بأول.

350387922
الجيش البريطاني في فلسطين

وفي أحد الأيام حضر أحد القادة المهمين في الثورة الفلسطينية آنذاك ليقيم في  قريتنا بضعة أيام دون أن يكون ملاحقاً ومطارداً من المحتلين الإنجليز إلا أن أحد العملاء كان قد أخبر العدو بوجوده في القرية فأرسلوا على الفور كتيبة مشاة وأنزلوها في أرض اللبن الشرقية واتجهت هذه الكتيبة غرباً نحو القرية دون أن تمر بالطرق المألوفة عند الناس خوفاً من أن ينكشف أمرها بل وصلوها عن طريق الجبال من جهة جبل راس مقحار.

images9f9l627o
لف السجائر

وكان المرحوم (عمر مصطفى الزغلول) أحد أبناء هذه القرية يعمل بأرضه التي تسمى (الزردات) في جبل راس مقحار في تلك الأثناء وأراد أن يرتاح قليلا فجلس في مكان نظيف كان قد إختاره وفتح علبة (التتن) وأخرج منها دفتر السيجارة (الأتومان) ونزع منه ورقة وملأها بالتتن وقام بالضغط عليها بين أصابعه لموازنتها ثم قام بوضع شيء من ريقه على أحد أطرافها ثم جعل هذا الطرف كالمنشار بواسطة أسنانه وقام بلصقه بالطرف الآخر فأصبحت بذلك سيجارة ثم قام بضم كل طرف منها على نفسه ليمنع سقوط التتن من أطرافها واختار طرفاً منها وقام بوضعها في فمه.

13035547_591633631011437_2025009995_o
الزنادة وحجر الصوان والقديح 

وإذا بالكتيبة الإنجليزية تمشط رأس مقحار كله باتجاه القرية وما أن رفع رأسه حتى وجد جنديان يراقبونه فلم يخف منهما وبقي يمارس طقوسه وهم واقفون أمامه ويراقبونه عن بعد بإعجاب شديد وبعد أن وضع السيجارة في فمه تناول شيئاً من نبات القديح المُصنّع سلفاً التي كان يضعها في جيبه ومعها حجر من الصوان فوضع جزءاً صغيراً من نبات القديح على طرف حجر الصوان وأمسك بهما بيده اليسرى ومد يده اليمنى إلى جيبه وأخرج منها (الزنادة) وضرب بها حجر الصوان فخرجت شرارة حطت على نبات القديح فأشعلته ومد يده اليسرى إلى فمه وأشعل منها سيجارته والجنديان البريطانيان يراقبانه باندهاش شديد وبعد أن انتهت هذه العملية طلبا منه أن يعطيهم الزنادة وحجر الصوان والقديح كهدية فأعطاهم ما طلبوه منه وبهذا تكون قد دخلت صناعة خربة قيس بريطانيا العظمى.

عن بلدي احكيلي

مال القمر ماله


imagesVOPNX7U6
المصدر الوحيد للضوء في القرية

كان القمر في الماضي القديم مهماً جداً في حياة سكان أهل القرى الفلسطينية وخاصة في قريتنا خربة قيس لعدم توفر أي مصدر للضوء غيره في الليل فعلى ضوء القمر كانوا يزورون بعضهم البعض ليلاً وعلى ضوء القمر كانوا يسافرون من قريتنا إلى القرى المجاورة وعلى ضوء القمر كان يلعب الصغار لعبهم المفضلة عندهم مثل (الطمة) و (الغماية) على البيادر.

10382177_782038238561988_3030287261694559938_n
ثمار شجرة اللوز عند النضوج

وعلى ضوء القمر كان الكبار من الرجال يسهرون تحت (تينة الصبرا) أو على عراق (الزقاق) أو تحت شجرة الفلفل البري الموجودة في مبنى المضافة وعلى ضوء القمر كانوا يسرقون ثمار أشجار الزيتون وثمار أشجار اللوز وعناقيد العنب والقطين من مساطيحه التي كانت منتشرة في مختلف أراضي هذه القرية وعلى ضوء القمر كانوا يقيمون (الطُوش) الليلية المرتبة مسبقاً لهذا فهم ينتظرون طلوع القمر على أحر من الجمر في بداية كل شهر.

images90P9WHK8
غيوم كثيفة حجبت ضوء القمر عن قريتنا

وفي أحد الأيام الخوالي حُجب عن سماء قريتنا ضوء القمر تحت تأثير طبقة من الغيوم الكثيفة التي كانت قد اجتاحت سماء قريتنا في تلك الليلة فتأخر موعد طلوع القمر عن موعده وبذلك تكون قد تعطلت أشغال وأعمال وسهرات أهل القرية وسرقاتهم أيضاً وشاع بين سكان القرية أن أهل عمورية (القرية التي تقع شرق قريتنا) كانوا قد أمسكوا بهذا القمر ومنعوه من الظهور في سماء قريتهم.

_Ammuriya-27602
قرية عمورية

فاحتد الشباب منهم وحملوا عصيهم وتجمعوا على البيادر ومن هناك تأبطوا شراً وتوجهوا إلى قرية عمورية لتخليص قمرهم من بين أيديهم بالقوة وما أن وصلوا إلى بير المرج (منتصف المسافة بين القريتين عمورية وخربة قيس) وإذا بالغيوم تنقشع مرة واحدة ويعود القمر إلى الظهور لهم فجأة فما كان منهم إلا أن عادوا إلى قريتهم سالمين غانمين ومعهم القمر وعندما عادوا لقريتهم وجدوا أهل القرية في استقبالهم فرحين مسرورين لأنهم استطاعوا أن يخلصوا قمرهم من أيدي (الغزاة).

ذكريات في بلدنا

المسبحة


imagesSS2OHM6Y
يحمل بيده مسبحة 

تذكرت صديقاً قديماً لي يقيم في إحدى القرى المجاورة لقريتنا فشددت الرحال في الحال إلى هذه القرية، وبعد أن وصلت سألت عنه فوجدت من يدلني إلى بيته، وما أن رآني حتى تعرف عليّ بصعوبة بعد هذا الغياب الطويل لكنه بعد أن شحذ ذاكرته جيداً زاد من ترحيبه لي. وقبل أن يُدخلني منزله تذكر بقية الزملاء وأخذ يسأل عنهم واحداً بعد الآخر، بينما نحن في طريقنا إلى مجلسه، وهناك عرّفني على والده العجوز وأخوين له. كان الأخ الأكبر يرتدي ثوباً عربياً وتملأُ وجهه لحية لم يهذّبها في حياته قط، ويحمل مسبحة ينقلها بين الحين والآخر من يده اليمنى إلى يده اليسرى، وعندما يتكلم يضع مسبحته في كفه اليسرى ويضغط عليها بكفه وأصابعه ويحرك يده اليمنى في أي اتجاه حسب حالته النفسية التي يضع نفسه فيها أثناء الحوار.

images6
وجلسنا نشرب القهوة 

أما الأخ الأصغر فكان من شباب هذه الأيام: حليق الرأس يرتدي بنطالاً من الجينز، ويلوح بين فترة وأخرى بمفاتيح سيارته وكأنه يود الانصراف، لكنه جلس معنا على استحياء. وبعد أن تعارفنا جلسنا نحن الخمسة نشرب القهوة فسألت صديقي عن حاله بعد هذا الغياب الطويل فقال: لا زلنا بانتظار شخص آخر يخرج من رحم هذا الشعب ليكمل المسيرة التي بدأها أبو عمار ويرفع عنا نير الاحتلال.

10547615_10152508393733972_4978682515540717051_n
الوجود في فلسطين مقاومة

فرد عليه أخوه الحليق قائلاً: غلاّبة يا فتح يا ثورتنا غلابة، غلابة اليد التي تفجر دبابة. فقاطعه صديقي قبل أن يكمل كلامه مصححاً: بل قل غلابة اليد التي ترسل إلى فلسطين ولو حمامة، فالحمامة داخل فلسطين تبني عشها في أعالي الأشجار وتنزل على الأرض تبحث عن أكلها فإن لم تجده تطير وتبحث عنه لكنها ستعود يوماً ما ولو بعد حين.

imagesCAIK78RJ
لا أقبل إلا بفلسطين التاريخية من البحر إلى النهر 

فهذا صديقي الذي يجلس معكم، وأشار بيده نحوي، أكبر مثال يؤكد على صحة ما أقول. فقد عاد إلى الوطن بعد غياب طويل ثم أكمل وقال: أما إذا بَنَت هذه الحمامة عشّها خارج فلسطين، فستُضلّ فراخها طريق العودة، وعندها سيتلقفهم السماسرة والباعة المتجولون ويبيعونهم بثمن بخس وهم لا يشعرون، فردّ عليه أخوه الملتحي محتجاً: حلّلوا وفسِّروا واستنتجوا ونظّروا كما تشاؤون، فأنا لا أقبل إلا بفلسطين التاريخية من البحر إلى النهر وفوقها وردة، واحتدّ في كلامه وبحركة لا إرادية ضغط على مسبحته فقطع خيطها وتناثرت حباتها في كل مكان، وعلى الفور سأل صديقي أخاه الملتحي قائلاً: هل تستطيع يا أخي العزيز أن تعيد مسبحتك كاملة كما كانت؟ 

timthumb
عشبة الغبيرّة المنتشرة في حواكيرنا بكثرة

لم يترك لهم والدهم استكمال حوار الأخوة هذا، بل قطعه عليهم قائلاً: نعم يا ولدي أستطيع أن أعيد المسبحة أحسن مما كانت لكن بشروط، أولها أن أستبدل خيطها الصيني المستورد بخيط من نبات القنب بعد دعكه مرات ومرات بعشبة الغبيرّة الموجودة بكثرة في حواكيرنا، فأهل الصين يبيعوننا مسابح مربوطة بخيط صناعي وهمي وما هو بخيط ولكن شبّه لنا.

imagescan25lhq
الحبة التي نجدها ندخلها في الخيط أولاً بأول

فعلينا أولاً أن نحضر الخيط الذي صنعناه بأيدينا، ونبدأ في البحث عن حبات المسبحة، والحبة التي نجدها ندخلها في الخيط أولاً بأول؛ لأننا إن لم نفعل ذلك فستضيع الحبة التي أصبحت بحوزتنا مرة أخرى. وإذا بحثنا عنها مرة ثانية فقد لا نجدها. وبهذه الطريقة نجمع ما نستطيع جمعه ونعيد تشكيل مسبحتنا  بما تيسّر من الحبات وسنبقى نبحث عن الحبات الضائعة مراراً وتكراراً، وكلما وجدنا حبة أدخلناها بالخيط وبهذا تعود مسبحتنا كما كانت لكن مع الزمن. 

الدنيا حكايات

 

بِرّوا أبائكم تبرّكم أبنائكم


img_4580
أحد البيوت التي كانت عامرة

هناك الكثير من أبناء قرية خربة قيس الذين كانوا يسكنون في هذه القرية في القرن الماضي خرجوا منها إما طوعاً أو كرهاً وتركوا فيها  بيوتهم عامرة!وهي الآن أصبحت بيوتاً مُهدّمة وفي أحسن الحالات مهجورة!وسيأتي زمن لا نعرفه ويعود الأحفاد إلى قرية الأجداد إما للسكن فيها كما فعل السوطري وسعدي الفارس أو للزيارة!عندها سيجدوا الأشخاص الكبار في السن قد ماتوا والصغار لا يعرفون شيئاً عن هذه البيوت فيخرجون من القرية دون أن يعودوا إليها ثانية!.

img_4581
وهذا بيت آخر

لهذا أهيب بالآباء الأحياء وبالأحفاد الخيّرين أن يبرّوا آبائهم وأجدادهم وخير البر لهم في هذه الأيام هو ترميم بيوتهم القديمة قدر الإمكان!وأقل أنواع الترميم أن يُسهلوا الطريق الموصل إلى هذه البيوت بعد أن أغلقتها الأيام والسنين!فعلى هذا الطريق سار الآباء والأجداد وعلينا أن نكرمهم على الأقل بوضع لافتة صغيرة على كل بيت من هذه البيوت يدون فيها إسم صاحب كل بيت من هذه البيوت ومن بناه من الأجداد والسنة التي بني فيها!.

img_4611
بوابة في زقاق

وهذه هي أسماء أصحاب البيوت المهجورة في القرية حسب علمي وأهيب بشباب القرية أن يُعدّلوا على هذه الأسماء إن كنت قد أخطأت أو نسيت أحدها:بيت خليل حماد بيت إشحادة القاسم بيت حسن أبو خضر بيت عبدالحليم سرور بيت خضر أبو خضر بيت سليمان أبو أسعد بيت أسعد إبراهيم بيت جبر الحق بيت خميس الحق بيت أبو جودة بيت الأمين أبو زاهر بيت عصفور بيت سليم حماد بيت عبدالقادر الصالح بيت مفلح عبدالدايم وأخيه عبدالدايم بيت عارف حماد وبيت خضر الحاج علي بيت يوسف أبو خضر بيت سليمان أبو أحمد بيت عبدالله أبوقاسم بيت يوسف الزغلول بيت عثمان أبو رزق وأخيه فارس بيت عيسى موسى بيت إشتيوي بيت سعيد عبدالمجيد بيت فوز حماد بيت باير حماد بيت العبد أبوفضة بيت يوسف حماد بيت سلامة العبد بيت فايز حماد بيت سعيد أبو خضر وبيت إملاوي. 

تراث بلدنا

قصة هذا الباب


sandooq-alaroos
صندوق العروس

كان الصندوق المصنوع من الخشب من أهم مستلزمات العروس في أوائل أربعينات القرن الماضي عندما تزوجت أمي من أبي وفي يوم (الكسوة) ذهب وفد مكون من أقارب الدرجة الأولى لكل من أمي وأبي رجالا ونساءاً إلى مدينة نابلس (مشياً) على الأقدام عن طريق (وادي الشاعر) وكان من جملة ما اشتروه لها هذا الصندوق فحملنه نساء الوفد على رؤوسهن من نابلس إلى خربة قيس ليكون هذا الصندوق أغلى ما تملكه أمي في ذلك الوقت وكان هذا الصندوق بمثابة غرفة نوم في زماننا الحاضر فكانت أمي تضع فيه كل الأشياء التي كانت تحرص عليها وكانت تغلقه بالمفتاح وتعلق المفتاح في رقبتها ليلا نهاراً. 

images
 محجر 

وبقي هذا الوضع على ما هو عليه إلى أن قررا أبي وأمي أن يستبدلوا بيتهم الطيني المسقوف بالخشب (السقيفة) ببيت من الحجر سقفه عقد ولتقليل التكاليف الباهظة في ذلك الوقت  إستعد أبي أن يقطع الحجارة بيديه من المحجر ولا يشتريها من المحجر واستعدت أمي أن تحضر كل ما يلزم هذا العقد من مواد مساعدة وهكذا كان فقد استطاعا أن يبنيا هذا البيت بأقل تكلفة ممكنة وبالرغم من ذلك فقد لحق بهم بعض من الدين ولم يستطيعا أن يركبا له باباً لقلة ذات اليد فتركوه بدون باب.

20130816_191721
هذا الباب كان صندوق زواج أمي 

وفي يوم من الأيام حضر (الحاج عمر إبراهيم العنق) من قرية (مزارع النوباني) لزيارتهم في بيتهم هذا(فهذا الرجل هو إبن عمة أمي) وبعد أن تفرج على البيت سأل والدتي:ليش يا بنت خالي بيتكم بدون باب حتى الآن؟فقالت له والدتي:قاع البيت أنظف من المصطبة يا إبن عمتي أي أنهم لا يملكون ثمن هذا اللباب فقال لها:هل عندك إستعداد أن تستغني عن هذا الصندوق (وأشار بيده إلى صندوقها) وتعيشي من دونه؟فردت عليه أمي في الحال وقالت:وما دخل الصندوق في الباب؟فقال لها:أنا مستعد أن أصنع لك من هذا الصندوق باباً فوافقت أمي في الحال وهكذا كان فقد صنع لها إبن عمتها من صندوق زواجها باباً لبيتها. 

ذكريات في بلدنا

أيام في خربة قيس لن تعود


10991246_394614707375314_8866055764917183537_n1
شعب الدرجة

كان علينا نحن طلاب قرية خربة قيس قبل سنة 1967 وأنا منهم أن نقطع وادي الشاعر مرتين في اليوم الواحد: مرة في الصباح عند ذهابنا لمدرسة سلفيت الثانوية والتي تبعد عنا حوالي 4 كم ومرة أخرى في المساء عند عودتنا من هذه المدرسة إلى قريتنا وكنا عندما نصحوا صباحاً من نومنا ننظر إلى شمال القرية لنرى (الشعابي) القادمة من (خلة سعد) و (الدرجة) فإذا كان الماء الجاري فيها فوق المعدل الطبيعي فهذا يعني أن وادي الشاعر (مانع) ولا نستطيع قطعه فنعود للنوم ثانية أما إذا كانت مياه  هذه الشعابي في معدلها الطبيعي فهذا يعني أن الوادي ممكن قطعه وعلينا أن نستعد للذهاب إلى رحلة المدرسة.

imagesRO7I147S
وادي الشاعر

عندها يحمل كل واحد منا كتبه في كيس كانت أمه قد جهزته له سلفاً مما تيسر لها وتوفر عندها من قماش قديم وهذا الكيس له علاقة ليعلق بها إما على أحد الكتفين أو كليهما ويوجد في هذا الكيس أيضاً رغيف من الخبز مدهون بالزيت ومعه رأس من البصل وحبة بندورة إن وجد وبعد أن يحمل هذا الكيس يقوم كل منا بإدخال رأسه طنطور يغطي رأسه كله ما عدا عينيه فله فتحتان كي تتم عملية الرؤيا ونلبس بعدها القندرة بدون جرابات ونلتقي جميعاً في منطقة السحيلة لأن مجرى هذا الوادي في هذه المنطقة يكون أضعف ما يمكن.

images3GRZ6QTT
أيدينا كانت تتورم من شدة البرد

وهناك نخرج أيدينا من جيوبنا بعد أن تكون قد تورمت من شدة البرد والصقيع ونمسك ببعضنا بعضاً لنشكل قطار ونقطع الوادي دون أن نخلع أحذيتنا لأنها مبتلة قبل أن نصل إلى هذا الوادي ودون أن ننظر إلى سطح الماء بل ننظر إلى أعلى خوفاً من زغللة عيوننا هكذا كانوا قد أفهمونا فيبتل نصفنا الأسفل إذا لم يكن مبتلاً قبل أن نصل إلى هذا الوادي وتمتلئ أحذيتنا بالماء وما أن نصل إلى الجهة المقابلة لهذا الوادي حتى نقوم بخلع أحذيتنا لتفريغها من الماء الذي كان قد دخل بها ثم نلبسها ثانية.

safe_image
ونمشي على الأقدام من أسفل هذا الجبل إلى أعلاه

بعدها نقوم بتسلق جبل شاهق الإرتفاع إلى أن نصل إلى قمته وفي هذه الأثناء إذا إشتد علينا المطر فعلينا أن نبحث عن أقرب شقيف أو مغارة أو أية مكان يقينا من هذا المطر وبعد أن يخف المطر نواصل السير إلى أن نصل إلى قمة جبا راس الطف بعدها نسير في طريق فرخة وكان هذا الشارع ترابي يوحل في فصل الشتاء وهناك يلتف الوحل حول أقدامنا فيصعب علينا حركتنا وعلينا أن نزيله بين فترة وأخرى وكثيراً ما كان ينغرز الحذاء في الوحل وتخرج أقدامنا بدونه.

images2L3ZOD32
ويضربنا الأستاذ المناوب أربع عصي عقاباً على التأخير

ونبقى على هذا الحال إلى أن نصل للمدرسة وهناك على مدخلها كنا نجد الأستاذ المناوب واقفاً ومعه عصاه ويطلب منا أن نفتح أيدينا ويقوم هذا الأستاذ بضربنا بعصاه نتيجة تأخرنا عن الطابور الصباحي ولو لبضعة دقائق بعدها ندخل الصف ونجلس على المقعد الخشبي ونصفنا الأسفل مبتلا وأيدينا وأرجلنا متورمة من شدة البرد ومن ضربات الأستاذ المناوب فلا نستطيع الكتابة طول هذه الحصة وما أن تدخل الحصة الثانية حتى تكون ملابسنا قد جفت والدم قد بدأ يجرى في عروقنا بعد أن كان متوقفاً بعدها نقضي اليوم الدراسي ونحن نراقب الحالة الجوية فإذا زاد المطر زاد همنا فقطع الواد في العودة ينتظرنا.

2012_ecol_859944924
أهل البلد يجتمعون لتقطيعنا الواد

وبعد أن ينتهي الدوام كنا نسابق الريح للوصول إلى الوادي فنجد أهلنا في الجهة المقابلة في إنتظارنا ويتحرك من يستطيع منهم ويقدر فيقطع الواد باتجاهنا ويمسك كل واحد منا بيده ويقطعه الوادي ونذهب مع من حضر من القرية غانمين سالمين إلى بيوتنا وعندما نصل نخلع ملابسنا الوحيدة ونضعها بالقرب من النار كي تجف لنلبسها غداً وما أن ينتهي هذا اليوم حتى نبدأ ننتظر اليوم الذي يليه وبهذا أكون قد شرحت لكم رحلة طلاب الأمس اليومية إلى المدرسة عدا شيئين هما: ماذا كنا نلبس في تلك الأيام ملابس؟ وماذا كنا نأكل كي نواجه كل هذا التعب والمطر والبرد؟. 

ذكريات في بلدنا