Year: 2013
ثـُـلـُـث ربـّــنــا

التقيته صدفة في المدرسة فهو معلم زميل لكنه كان يُدرّس في جناح آخر غير الجناح الذي كنت أعمل به، وعلى الفور بدأ يُحدثني عن زهده في الدنيا وطمعه في الآخرة وزوجته المُنقبة، حتى أنه وصل به الأمر إلى فصل النساء عن الرجال إذا التقى مع إخوته وأخواته في المُناسبات الخاصة، بحجة درء الشبهات مما أزعج أمه وجعلها في حيرة من أمرها فهل هي تجلس مع الزوجات أم مع أولادها الرجال؟ مما جعلها تتهمه وزوجته بتشتيت شمل العائلة بعد أن انضمت هذه المنقبة إليها، لكنه لا يخشى في الحق لومة لائم حتى ولو كانت أمه.

قام صاحبنا بإقناع أخيه الأصغر المغترب في إحدى دول الخليج العربي بأن يُعطيه مالاً ليفتح به مكتبة يديرها بعد دوامه في المدرسة، واتفقا على توزيع دخلها: ثلث له مقابل عمله فيها، وثلث لأخيه مقابل ماله الذي سيدفعه، وثلث لله تعالى، واستطاع أن يقنع أخيه بقوله: إن الغربة لا بد لها من نهاية، وعلى المغترب أن يبني لنفسه ولولده في بلده الأصلي الذي سيعود إليه في يوم ما. كبر في عيني هذا الزميل التّقي النقي الورع لاهتمامه بأخيه أولاً ولإصراره على طاعة الله ورسوله في كل شيء حتى في البيع والشراء.

ودارت الأيام والتقينا ثانية بعد سنة، لكنه في هذه المرة لم يبدأ بالكلام عن نفسه كما هي في المرة السابقة فسألته عن المكتبة فقال: أخذت من أخي رأس المال وفتحت به المكتبة وبعد أن خسرت أقفلتها. تصوّر يا رجل أن أخي لا يُريد أن يُساهم معي في الخسائر لكنه يُريد فقط جني الأرباح، والأهم من ذلك كله أن هذه المشكلة الآن انتقلت من عند أخي إلى أن أصبحت مع أمي وأبي، بعد أن اتهموني بأنني استغفلت أخي المغترب وأخذت منه فلوسه، وهم الآن لا يُكلمونني. فعرفت لوحدي من كلامه هذا أنه أخذ ثلثه وصادر ثلث أخيه واغتصب ثلث ربه وتخاصم مع أخيه وأغضب والديه تحت ستار الدين.
الدنيا حكايات
كسبت الحكم لأنها قليلة حياء وسليطة لسان

اختلف جاران رجل وامرأة على ترسيم حدود الأرض بينهما، فاحتكما إلى لجنة الإصلاح المُكونة من شيخ المسجد واثنان من الأتقياء الصالحين. وبعد أن درست هذه اللجنة عناصر الخلاف بين الخصمين تبين لها أن المرأة هي التي كانت قد اجتازت الحدود على هذا الرجل، وبعد التداول فيما بينهم قرروا إدانة الرجل واتهموه باجتياز الحدود على تلك المرأة بحجة أن هذه المرأة سليطة لسان وقليلة حياء وعليهم تجنبها وعدم الاشتباك معها، أما الرجل فهو مُحترم مؤدب وبالتالي سيتقبل الظلم إذا وقع عليه بروح رياضية، ولن يأتي منه ضرر على هذه اللجنة، وبعد أن أصدروا حكمهم الظالم على هذا الرجل تعهد لهم أن لا يدخل معهم مسجداً بعد اليوم.
الدنيا حكايات
طلبت من مُديرها الرّحمة فاتّهمها بالكُفر

جاءت عاملة النظافة (التي تعمل في إحدى المؤسسات التربوية الكبيرة ذائعة الصيت وهي أرملة تعيل أولاداً صغاراً يجبرونها على العمل) إلى المدير الإداري والمالي في هذه المؤسسة ترجوه أن يعيد النظر في قرار إقالتها أو تأجيله للسنة القادمة على الأقل إن أمكنه ذلك، فوجدته يُصلي صلاة الظهر حاضرأً وما كان من هذه المسكينة إلا أن فرحت وتأملت منه خيراً، وبعد أن أنهى صلاته عرضت عليه مشكلتها.

قال لها هذا المُدير: أفهم من كلامك هذا أنك لا تؤمنين بالله ولا باليوم الآخر؟؟فقطعت المسكينة كلامه بعفوية غير مقصودة قائلة له: أستغفر الله العظيم يا حاج… ولم يستمع لما قالته له بعد ذلك، بل أكمل كلامه قائلاً: إنّ الله قد قطع رزقك من هذه المؤسسة، وعليك أن لا تعترضي على إرادة الله، فقالت العاملة المسكينة: والنعم بالله يا حاج إذا كان هذا القرار هو من صنع الله فسأقبله على الرحب والسعة، فقال لها: نعم هو من عند الله وإذا اعترضت عليه فستكفرين به، وقبل أن تخرج المسكينة من باب مكتبه قالت له وهي تبكي: لأول مرة في حياتي أعرف أن من يطلب الرحمة يُتهم بالكفر، إن الله هو الغنيّ عن العمل في هذه المؤسسة التي يقودها واحد مثلك. ترى، هل نام المدير ليلتها قرير العين مرتاح الضمير؟
الدنيا حكايات
اختلاف الأئمة رحمة لنا

في ثمانينات القرن الماضي حدث خلاف في دولة الكويت بين أئمة المساجد من جهة وبين وزارة الأوقاف من جهة أخرى على عدد ركعات صلاة التراويح في رمضان، فالوزارة تقول: إن عدد ركعاتها عشرون ركعة والأئمة موظفون وعليهم إتمام عملهم، أما الأئمة فيقولون: إن عدد ركعاتها ثماني ركعات. أتدرون لماذا هذا الاختلاف؟ لأن الأئمة مُرتبطون بأعمال إضافية ويريدون إنهاء الصلاة بسرعة كي يلتحقوا بأعمالهم فقالوا إن عدد ركعاتها ثمانية، ولا أدري كيف حُلّ هذا الإشكال بينهم وهذا الأمر لا يُقتصر على دولة الكويت وحدها وإنما أخذتُها كمثال كنت قد عاصرته، وسيتكرر هذا الاختلاف في كل زمان ومكان وقد تكرر ما يُشبه هذا الموقف في هذا العام عندما اجتمع العيد مع الجمعة فبعض الأئمة أفتوا بأن صلاة العيد تلغي صلاة الجمعة كي يتفرغوا لأعمالهم الخاصة.
الدنيا حكايات
أوراق نقدية موريتانية



صَبَاح الخَيْرَات وصباح الوِقيّات لِأَهْلِنَا فِي مُورِيتَانِيَا
رحلة السّير على الحبال

كانت أمي (رحمها الله) في صغري، تمنعني من اللعب، مع من هم أصغر مني سناً، وتنهاني عن مصاحبتهم أو الاحتكاك بهم، وكانت حُجّتها في ذلك الوقت تقول: أنك إذا صادقت مع من هم أصغر منك سناً، فإنك ستصغر في تصرفاتك، وفي سلوكك دون أن تدري، وستبقى صغيراً في تصرفاتك، بدلاً من أن تكبر، وكانت تتبع كلامها إليّ بالمقولة الشعبية التي كان الناس يرددونها كثيراً في تلك الأيام: رافق المسعد تسعد، وبعد أن كبرت في السن أكثر، اتخذت كلام أمي هذا منحى في حياتي، دون عناء أو تفكير، في كل من أصاحب.

كلمات أمي البسيطة هذه جعلتني أصاحب كل من هم أكبر مني سناً في جميع مراحل حياتي، لهذا فمن الأصحاب من مات، ومنهم من يحتضر، إلا صديق واحد، أطال الله في عمره، يكبرني بعشر سنين على الأقل، وعلى مبدأ: الشاطر هو من يتعلم من غيره، كنت ولا زلت أستمع له بين الحين والآخر، كي أستفيد من تجاربه في الحياة. لكن عيب صديقي هذا، أنه لا يتطوّع بنصحي وإرشادي، دون أن أطلب منه ذلك، ظناً منه أن العلم والخبرة، تُطلب ولا تُعطى، لكنه بالمقابل لا يبخل عليّ فيما لو سألته عن شيءٍ، كنت أجهله.

كبر أولادي الصغار، وتعلموا وتخرجوا، وعملوا وتزوجوا، ورزقوا بالبنين والبنات، واستقروا في بيوتهم في الخارج، وأخذ كل واحد منهم، يدعوني لزيارته في بيته الذي يسكنه، وأنا أرفض مثل هذه الزيارة، على مبدأ أنّ الشخص إذا كبر في السن، لن يسعه غير بيته. ومن أجل إقناعي بزيارتهم، استعانوا بنفوذ أمّهم، لعل وعسى أن أغيّر من موقفي الرّافض هذا، وألحّت عليّ زوجتي هي الأخرى، إلى أن استسلمتُ أخيراً، ووافقتُ من حيث المبدأً، وقبل إعطاء الموافقة الصريحة الواضحة، قررتُ أن أستشير صديقي هذا.

في تلك الأثناء، اتصل صديقي الذي حدثتكم عنه، وبعد السلام، عاتبته على إغلاق موبايله على مدي شهر كامل، فقال: أرجوك يا صديقي أن تعذرني، فقد كنتُ في زيارة مُفاجئة لأحد أولادي خارج البلاد، وكنتُ خلال هذه الفترة أشاهد اتصالاتك على موبايلي، لكن حرصاً مني على فاتورتك الشهرية، لم أجب على أيّ منها. وما أن دخلتُ سماء البلد، حتى وجدتني قد اتصلتُ بك على الفور، لأطمئنك عن أحوالي، وأطمئن عن أحوالك، فقلت: الحمد لله على سلامتك أولاً، أما ثانياً، فقد ألحّ عليّ أبنائي، كي أزورهم في بيوتهم، وأريد منك النصيحة، فأنت خير من يعينني على حسن التصرف، في مثل هذه المواقف المستجدة، فأرجوك أن تنصحني قبل أن أتورط في هذا الموضوع الذي أجهله.

فقال صديقي: عليك أن تعلم جيداً يا صديقي، أنك بهذا العمل، ستقوم برحلة تسير بها على الحبال، فقلت له: وكيف سأسير على الحبال، وأنا أتعثر في المشي على الأرض؟ فقال: يجب عليك أن تعلم جيداً، أن هذه الزيارة ستكون امتحاناً لك، وعليك أن تنجح فيه، فقلت: وكيف سأنجح إذا لم تشرح لي الدرس بكل تفاصيله؟ فقال: لن أشرح لك كل التفاصيل، لكن عليك أن تستنتجها بنفسك، فالحياة أكبر من مسألة رياضيات، كنت تحلها على اللوح لطلابك، من خلال فرض وطلب وعمل وبرهان، فقلت: لك مني السمع والطاعة، فقال: عليك في هذه الرحلة أن تستقبل، ولا تُرسل، فقلت له: وكيف يكون لي ذلك؟
قال: عليك إذا زرت أحد أولادك في بيته يا صديقي، أن لا تتحدث عن إخوته الآخرين أمامه أو أمام زوجته وأولاده؛ لأن كل العيون ستكون مفتوحة نحوك، وكل الآذان ستكون صاغية لما ستقوله عنهم، أو عن زوجاتهم أو عن أولادهم أو حتى عن بيوتهم أو
سياراتهم، فتهمة التحيّز والانحياز لك جاهزة، بل عليك أن تمدح من تزوره منهم وفقط. ولا تنس أن تمدح له زوجته وأولاده وبيته، وحتى سيارته أيضاً، فقلت: سأنفذ نصيحتك يا صديقي بالحرف الواحد، دون أي اعتراض على أي واحدة مما قلته لي، فقال: عندها سترتاح أنت، وتريحهم هم. شكرتُ صديقي على نصيحته تلك، وسافرتُ ونفذتُ نصيحته، فاسترحتُ وأرحت، وكان لسان حالي في هذه الرّحلة، يقول: ما خاب من استشار، حتى ولو بلغ السبعين عاماً.
الدنيا حكايات
كتاب شكر من رئيس قسم التربية والتعليم في منظمة التحرير الفلسطينية




