عندما وصلنا إلى مدينة دمشق قادمين من مدينة بيروت نزلنا هناك للتسوق فذهبنا إلى سوق الحميدية المشهور الذي يحوي على كل ما تشتهيه الأنفس فمن هناك تذوقنا البوظة العربية وعندما حان وقت الغداء ذهبنا إلى حارات دمشق القديمة بجانب المسجد الأموي الكبير ومن هذه الحارات العتيقة صنع الدمشقيون من بيوتهم القديمة مطاعم جدودنا التي تعيدك إلى الماضي القديم بجلساتها وديكوراتها وأضوائها وبحراتها وأكلاتها اللذيذة الهشة على اللسان الثقيلة في الميزان فهم كانوا قد شرحوا لنا عملياً عن حياة أجدادهم دون أن يشرحوا لنا ماذا كانوا يدفعون ثمناً لطعامهم.
إستمعت ذات مرة إلى مطرب الجيل تامر حسني وهو يغني ليطرب الشباب والشابات العرب وإذا به يُغني للخيانة الزوجية فقلت في نفسي على الفور بعد سماعه يا للعار فهو لم يكتف بممارسة الخيانة الزوجية بل يجهر بها إلى محبوبته ثم يعترف بخيانته لها ويبرر لها تأخره عن موعده معها البارحة لأنه كان يسهر مع غيرها ويعتذر منها ويقول:أنا لا أعرف كيف حصل ذلك؟بينما هي تبكي فيستكثر عليها البكاء ويقول لها:إنه كله (المطرب) على بعضه لا يساوي قطرة من دموعها وعليها أن توفر دموعها ولا تبكي عليه فهو لا يستحق هذا البكاء منها ولم يكتف بذلك بل يذكرها بأنه بالأمس قد خان نفسه قبل أن يخونها وأخذ يبكي معها كي يضحك عليها ويوهمها بأنه يحبها.
يريدون المرأة كتمثال من الشمع
أما في المرات القادمة فيريدها أن تلاقيه بالأحضان وهو قادم من إحدى أوكاره ويريدها أن لا تحرك ساكناً ولا تعترض عليه في المرات القادمة ولا ترد على إهانته لها على الأقل بالدموع هكذا يريدون المرأة كتمثال من الشمع بدون أحاسيس ولا مشاعر ولا كرامة أعظم الأمور عندها كأصغرها يا للهول هذا هو مطرب القرن بعد أن سماه العرب بهذا الاسم وأكرمته أمريكا بأن أعطته أكبر جائزة تعطى لمطرب حتى الآن!وبرروا ذلك بقولهم:إنه المطرب الشامل الوحيد الذي يكتب ويلحن ويوزع ويغني وحده.
إستمعت إلى المطرب الكبير محمد إسكندر مطرب الشباب والشابات وهو يغني للناس أغنيته المشهورة (قولي بحبني) المحببة إلى نفوس الشباب والشابات في هذه الأيام وإذا به سيقاتل كل الناس الذين لا يعجبونه أو الذين يثيرون عصبيته ولكن عن طريق محبوبته لا بنفسه كما هي العادة وذلك بتحريضها على أن تكون جريئة وتعلن على الملأ أنها تحبه لا بل تموت في حبه ليغيظ بحبها حساده ونسي هذا المطرب الكبير أن الأصل في الأشياء أن يُعلن هو حبه لها وليس العكس.
مسدس محمد إسكندر
وفجأة يتحمس هذا المطرب العظيم ويعلن لمحبوبته بأنه مُسلح ويملك مسدساً في جيبه ولن يتردد أبداً بتفريغه في رأس كل من يعطي محبوبته ولو وردة ويتعهد بحمايتها من اليوم فصاعداً وعليه فلا داعي لوجود الشرطة وقوات الأمن إذن لكنني أريد أن أسأل مطربنا العزيز هذا:أين كان مسدسه عندما استباح العدو الصهيوني أرضنا العربية في السنوات الماضية؟فهل أظهره أم أخفاه في ذلك الوقت؟.
المطربة أمل شبلي
ثم يهدد كل من ينظر لمحبوبته بغض النظر عن طبيعة هذه النظرة بأنه لن يكتفي بقلع عينه فقط كما تطلب المطربة (أمل شبلي) وهي تغني أغنيتها المشهورة (السلك الأحمر) (والغريب في الموضوع أن هناك من يعتبر هذه الأغنية أغنية وطنية تطرب الآذان) بل سيقتله بمسدسه لماذا سيقتله؟كي يُيتّم عياله يا للفظاعة أيعلم الأخ المطرب شيئاً عن الأضرار النفسية والمادية والمعنوية التي سيسببها للمجتمع لو حصل مثل هذا القتل العمد الذي سيقوم به ضارباً عرض الحائط بكل الأديان والشرائع والقيم والأخلاق التي تربينا عليها منذ القدم.
ويطلب من محبوبته أن لا ترد على تلفونها إلا وهو بجانبها
ثم يتابع تهجمه على حبيبته المسكينة دون أن تدري عندما يطلب منها أن لا ترد على تلفونها إلا وهو بجانبها كي يسمع الصادر منه قبل الوارد ويطلب منها أيضاً مصاحبة البنات فقط ليغيظ بذلك الشباب لعدم مصاحبتها لهم ولم يسأله أحد عن الثقة التي يجب أن يعطيها الحبيب لحبيبته ويعود مرة أخرى ليهدد بوقوع مذابح ولم يكتف بما وقع منها إلى الآن إذا تغزل أحد في محبوبته ويُحرضها هذه المرة على استبدال كلمة أخي وعمي وخالي بشخصه الكريم يا له من حب عظيم يُطرب فتياتنا.
فتحت جهاز الراديو مرة وإذا بالمطربة الكبيرة فيروز تغني فسررت وقلت في نفسي فيروز من الجيل القديم وهى لن تكسر قواعد المجتمع كغيرها من المطربين الشباب أو المطربات الشابات ولن تجد إثنين يختلفان على أن فيروز هي صاحبة الصوت المخملي وبأنها مدرسة في الغناء العربي لكنها كأي جواد أصيل كان لها كبوة وقد كبت فيروز عندما غنت لـ (حنّا السّكران) ولم تكتف فيروز بذلك بل غنت له وهو يصور بنت الجيران على ظهور الحيطان ونسيت فيروز أو تناست أن الغناء يهيج العواطف ويغيب العقول كما أن إعادة الأغنية مرات ومرات يضع العقل في إجازة ويجعل القول الذي يقوله المطرب أو المطربة مشروعاً على سوئه وستقره النفس والناس والمجتمع إن آجلاً أو عاجرً!ويصبح شيئاَ عادياً مألوفاً لدى الجميع.
كيف نطرب على رجل سكران قاعد خلف الدكان ويغني لبنت الجيران؟
أريد أن أسأل الجميع وأنا منهم:كيف نطرب على رجل سكران قاعد خلف الدكان؟ويغني لبنت الجيران؟ويطلب منها أن لا تنساه وأن لا تحزن عليه فعلى ماذا ستحزن بنت الجيران يا فيروز؟لا أدري ثم تذهب فيروز وتجئ والسكران يلهو على الحيطان ويصور بنت الجيران فمن منا يسمح لسكران أن يدخل بيته أو أن يصور بناته؟لا أدري وتكمل فيروز إلى أن تقول:راحت بنت الجيران وانهدت الدكان واتعمر بيت جديد وبعدو حنا السكران يغني ويصور بنت الجيران ولم تقل لنا فيروز شيئاً عن السكان الجدد سوى أنهم قبلوا بالأمر الواقع كما قبلنا نحن به بالأمس وغنوا وطربوا كما كنا قد غنينا وطربنا نحن من قبلهم على واحد سكران.
إستمعت إلى المطربة الشابة (ديانا حداد) وهي تغني لجدها هذه المرة (وليس لحبيبها كغيرها من المطربات) فقلت في نفسي:والله فيها الخبر!وإذا بهذه المطربة تنهر على جدها وتقول له فيما هو معناه:بس استحي على شيبتك يا جدي!يا لها من كلمات وقحة وقف لها شعر رأسي عند سماعها!فهل هذه الكلمات تصلح أن تُقال لوالد أبيها أو لوالد أمها؟يا للعار!أقولها للكاتب والمخرج والمنتج والمطربة وللمستمع وللإذاعة!وأقول لهم (بل أطالبهم) أَن يستحوا هم من أَنْفسِهم قبل أن يستحوا من الله ومن الناس ويوقفوا بث مثل هذه السموم التي ستتراكم في العقل الباطن للشباب والشابات!.
لو قيلت هذه الكلمات لنَابلِيون قبل توجهه للشرق لأقعدته في مكانه ولم يتحرك قيد أنملة!
ثم تُكمل مطربتنا العزيزة قائلة لجدها(سنينك صاروا بينعدو) وبهذا القول تكون قد وضعت نفسها مكان خالقها!وأصبحت تعلم في الآجال! ونسيت أنها قد تموت فبل جدها!ثم تُكمل وهي تخاطب جدها لتخبره بأن مفاتيحه جميعها قد صدئت ولم تعد صالحة لفتح أي شئ!وهذه الكلمات وحدها لو قيلت لنابليون قبل أن يخرج من فرنسا متجهاً لفتح الشرق الأوسط لما استطاع أن يفتح أَم الدنيا!ولم تكتف هذه المطربة بذلك بل شبّهت جدها بـ (بابا نويل) ولكن من نوع آخر فبابا نويل كان يدق الأبواب ليعطي غيره مما أعطاه الله أما جدها المصون فيدق الأبواب لينبهر بالحلوات أمثالها!أما أولاده (ومنهم والدها) فقد إكتشفوا لعبته هذه وسيقلدونه غداً أو بعد غد!.
حرّكت مؤشر الراديو وإذا به يمر هذه المرة على إذاعة تحتلها مطربة الجيل نجوى كرم فأوقفته عندها وإذا بها تغني أغنيتها المشهورة (خليني أشوفك بالليل)وبعد أن استمعت لها وجدتها تغير قاعدة ذهبية من قواعد بناء المجتمعات وليس مجتمعنا وحده فقط عندما تقول فيما هو معناه:ليس عيباً أن يلتقي الأحبة ليلاً إذا لم يتسع النهار لهذا اللقاء لأن الليل لم يعد سكناً كما أراده الله لنا بل علينا أن نستغله أكثر فهو ساتر للعيوب جميعها ومن ضمنها هذا اللقاء لقاء العاشق بالمعشوق الذي تعلم علم اليقين أنه عيب وحرام.
ستخترق صفوف أعمامها وأخوالها لتلتقي بالحبيب
ولكنها ستقوم به رغم أنوف أعمامها وأخوالها حتى لو أنهم اتحدوا ـ طبعاً هي تعرف أنهم لن يتحدوا لأنهم عرب أقحاح ـ وكوّنوا صفين متوازيين لمنع هذا اللقاء فهم لن يفلحوا في منعه لأنها تتحداهم جميعاً وتتعهد بأن تشق طريقها من بين صفوفهم عنوة إذا اتحدوا وتذهب إلى لقاء محبوبها وعندها سيضطر أعمامها وأخوالها أن يرفعوا الراية البيضاء ويستسلموا.
لقاء الأحبة في الليل
وهي بذلك تكسر تقاليد المجتمع وقيمه ويصبح اللقاء الليلي مع المحبوب أمراً عادياً لا يستهجنه الناس ولم يعد مُحرماً لا شرعاً ولا ديناً ولم تكتف هذه المطربة بذلك بل تريد من الناس أن يغنوا معها أغنيتها الجديدة (بالروح) بالدم أفديك يا محبوبي الغالي وتكون بذلك قد حولت شعارات الأمة العربية إلى أغاني وقحة يجب إيقافها فوراً.
قبيل وصولنا إلى المصنع نقطة الحدود السورية اللبنانية انتشرت رائحة الديزل في الباص ثانية وكانت هذه المرة أشد وأقوى من المرة السابقة وبدأ الركاب يحتجون على السائق والدليل معاً فأوقف السائق التكييف على الفور وفتح الفتحات الموجودة في سقف الباص وذهب واشترى منعشاً للجو ورشه في داخل الباص أما الدليل فأراد تغيير مجرى الحديث عن الباص والرائحة فوجدها فرصة مناسبة له لشق المعارضة وتعميق الخلاف بينهم فأخذ يلعب لعبته الأخيرة ويحاول أن يبتزّ الركاب بقدر ما يستطيع لأن الرحلة أصبحت في نهايتها وبعد أن قيمها في نفسه وجدها رحلة خاسرة.
ونجح الدليل في شق المعارضة
فقام على الفور وطلب من الركاب مبلغاً من المال مقابل ختم جوازاتنا بسرعة وعدم إنتظار الطابور وبذلك يكون قد رمى الكرة بملعب المعارضة وأشغلهم عن نفسه وعن الباص والرائحة ونجح الدليل في شق المعارضة بعد أن استطاع أن يشغل الناس بأنفسهم عندما قال أحدهم: أنا لست في عجلة من أمري ولست مستعداً لدفع ليرة واحدة يكفينا ما دفعناه في هذه الرحلة وقال آخر: أولادنا سيضيقون خلقنا عندما يقف الباص في انتظار ختم الجوازات ولا مانع من أن ندفع لهم كي ييسروا أمرنا وقال آخر: الراشي والمرتشي والرائش الذي بينهما في النار ولن أدخل النار من أجلكم وبعد أخذ ورد قرر الجميع أن يدفعوا ودفعنا.
في صباح اليوم التالي التقينا ثانية في الفندق وحاول الدليل أن يذيب ما علق بيننا يوم أمس من خلاف فقال: سنأخذكم إلى منطقة الروشة ونحن في طريقنا لمغادرة بيروت إلى الأردن وأخذ يشرح لنا عن الأماكن الهامة التي نمر بها أولاً بأول لكن المعارضة لم تليّن من موقفها وأخرج أحدهم كاميرة فيديو وطاف على الركاب واحداً واحداً يسألهم عن معاملة الدليل والرحلة والشركة بالصوت والصورة كي يهدي هذا الشريط إلى مدير الشركة في عمان.
الروشة
وأخيراً وصلنا إلى الروشة بعد أن كنت أسمع بها دون أن أراها فهي مشهورة ومعروفة عند الجميع حتى لمن لم يدخل لبنان فالمطربة اللبنانية صباح كانت قد غنت للروشة ولحبيبها وجعلتها رمزاً من رموز لبنان والروشة في حد ذاتها منطقة واسعة نظيفة تطل على البحر الأبيض المتوسط جوها شاعري خلاب وتعتبر مكاناً جميلاً للعشاق فهي تعج بالناس على مدار الساعة فهناك الماء والخضراء والوجه الحسن وما تشتهي الأنفس من طعام وشراب لبناني لذيذ فالباعة المتجولون هناك لم يتركوا شيئاً إلا وأحضروه للقادمين إلى هذا المكان.
(السيليدور) هو إسم الشركة التي عمّرت ما خرّبته الحرب الأخيرة في لبنان لهذا فقد أعطت إسمها إلى مركز بيروت بعد أن حدثته وحافظت على أصالته فأصبح فيه القديم لكن بثوب جديد وفيه الساحات والشوارع الواسعة المفروشة على الجانبين بالمقاهي والمطاعم ومن الجدير بالذكر أن مباريات كأس العالم في كرة القدم في ذلك الوقت كانت منتشرة على شاشات التلفزة فكنت تسمع بيروت وهي تصيح عندما يسجل العرب أحد الأهداف الكروية وكأن شيئاً لم يكن فبيروت لا تسأل عن الماضي وهي بنت الحاضر دوماً هكذا علمتها الحياة.
ذهب الدليل بمن معه في باص الرحلة إلى التلفريك بعد الغداء مباشرة دون أن يمر علينا أو يأخذنا معه وأراد بذلك معاقبتنا فذهبنا وحدنا وعندما وصلناه أدهشني خط سيره فهو يأخذك من بيروت إلى الجبل ويعيدك ثانية إلى بيروت وما أن ركبت به وربطت الحزام وأطلقنا من يعمل عليه حتى وجدت نفسي بين العمارات السكنية فارتعبت خوفاً وقررت أن أغمض عيناي أو أنظر إلى الأعلى كي لا أخاف أكثر وما أن وصلت الجبل حتى حمدت الله على الوصول ظناً مني بأن الرحلة كانت قد إنتهت لكن عندما نزلت على الجبل أدركت أن الرحلة لم تنته بعد وهذا يعني أن للخوف بقية فقلت في نفسي: إذا كان الصعود أخافني بهذا الشكل فكيف سيكون الهبوط؟ ولم أر شيئاً على الجبل وأنا أفكر بطريق العودة وأخيراً عدنا إلى بيروت ثانية ووعدت نفسي أن لا أركبه مرة ثانية لو حضرت إلى هنا في المرات القادمة.