
أحلى مرحلة يعيشها المرء في حياته هي مرحلة الدراسة الجامعية، فلا هم فيها ولا غم، ولا سائل ولا مسؤول، بل سهر وسمر وحب وأمل وقليل من ساعات الدراسة. وفي أحد تلك الأيام كنا قد التقينا مجموعة من الأصدقاء في بيت أحدنا وعندما حان موعد العشاء قمنا هبة رجل واحد إلى المطبخ وحضرنا العشاء ونقلنا ما حضرناه إلى البلكون وكان من جملة العشاء قطع من الجبنة البيضاء أكلناها كلها إلا قطعة واحدة بقيت مكانها في الصحن على الطاولة لليوم التالي فجفت تلك القطعة وأصبحت كالحجر.

في مساء اليوم التالي تجمعنا ثانية في نفس المكان وأردنا أن نجلس في البلكون هذه المرة فكان علينا تنظيف الطاولة التي سنجلس حولها من بقايا عشائنا في ليلة الأمس، فسبَقَنا أنشطُنا الذي كان يدرس في كلية الهندسة وقبل أن يبدأ في التنظيف سمعناه يصيح: وجدتها… وجدتها، وعندما طلبنا منه الايضاح أكثر عن ما يقول قال: هذه قطعة الجبن التي ترونها تشبه الحجر وغداً عندنا محاضرة عن أنواع الحجارة لهذا سألقن بهذه القطعة دكتورنا العزيز درساً لن ينساه طوال حياته.

أخذ صاحبنا قطعة الجبن البيضاء الجافة معه، ووضعها في جيبه ودخل بها إلى مختبر الجيولوجيا وكان عنوان المحاضرة التعرف على أنواع الصخور وما هي إلا دقائق حتى دخل الدكتور ومعه عينات من صخوره التي سيعرضها على الطلبة فقام صاحبنا واستبدل حجراً أبيض من هذه الأحجار بقطعة الجبن، وأعاده إلى مكانه بسرعة دون أن يلحظه الدكتور الذي كان مشغولاً في تعداد خواص وصفات كل حجر من حجارته، إلى أن جاء دور الحجر الذي استبدله الطالب وبدأ يشرح عن خواصه وصفاته وبعد أن انتهى الدكتور من تعداد خواصه قال له صاحبنا: إن ما بيدك يا دكتور هو قطعة من الجبن وليست حجراً فقال له الدكتور: أتقصد أنه يشبه قطعة الجبن؟ فردّ عليه صاحبنا قائلاً: لا بل هو قطعة من الجبن وليس شبيهاً بها.

قمت بزيارة خاطفة إلى جمعية الوفاء لرعاية المسنين في مدينة سلفيت بمعية رئيسها المهندس فؤاد حسين عبود، رحمه الله، وأمين صندوقها السيد سائد ياسين. ومن المعروف أن من كُتب عليه الإقامة الجبرية في دور الرعاية يستسلم للأمر الواقع وينسى الماضي بكل تفاصيله ويعيش الحاضر إلا إمرأة داهمها خريف العمر من نزيلات هذه الدار كانت في استقبالنا على الباب الخارجي، وما أن رأت الباب يُفتح حتى استبشرت خيراً وهذا الفرح ظهر في تعابير وجهها دون أن تتكلم فتقدمت بسرعة نحو الباب ظناً منها أن الباب فُتح لها كي تعود إلى المكان الذي مُنعت من الوصول إليه، وكانت هذه المرأة تئن بانتظام دون ألم عضوي، فصحتها جيدة فلماذا تئن إذن؟ حاولت أن أعرف سبب أنينها لكنني فشلت لوحدي فلا بدّ من السؤال لكن في الوقت المناسب. 


