شيـطـنـة طـلاب


ca61c45652-1
جفّت قطعة الجبنة وأصبحت كالحجر

أحلى مرحلة يعيشها المرء في حياته هي مرحلة الدراسة الجامعية، فلا هم فيها ولا غم، ولا سائل ولا مسؤول، بل سهر وسمر وحب وأمل وقليل من ساعات الدراسة. وفي أحد تلك الأيام كنا قد التقينا مجموعة من الأصدقاء في بيت أحدنا وعندما حان موعد العشاء قمنا هبة رجل واحد إلى المطبخ وحضرنا العشاء ونقلنا ما حضرناه إلى البلكون وكان من جملة العشاء قطع من الجبنة البيضاء أكلناها كلها إلا قطعة واحدة بقيت مكانها في الصحن على الطاولة لليوم التالي فجفت تلك القطعة وأصبحت كالحجر.

imagescavhcs8h11
سألقن بهذه القطعة دكتورنا درساً لن ينساه طوال حياته

في مساء اليوم التالي تجمعنا ثانية في نفس المكان وأردنا أن نجلس في البلكون هذه المرة فكان علينا تنظيف الطاولة التي سنجلس حولها من بقايا عشائنا في ليلة الأمس، فسبَقَنا أنشطُنا الذي كان يدرس في كلية الهندسة وقبل أن يبدأ في التنظيف سمعناه يصيح: وجدتها… وجدتها، وعندما طلبنا منه الايضاح أكثر عن ما يقول قال: هذه قطعة الجبن التي ترونها تشبه الحجر وغداً عندنا محاضرة عن أنواع الحجارة لهذا سألقن بهذه القطعة دكتورنا العزيز درساً لن ينساه طوال حياته.

imagesCA5Q9SGQ
واستبدل حجراً من هذه الأحجار بقطعة الجبن 

أخذ صاحبنا قطعة الجبن البيضاء الجافة معه، ووضعها في جيبه ودخل بها إلى مختبر الجيولوجيا وكان عنوان المحاضرة التعرف على أنواع الصخور وما هي إلا دقائق حتى دخل الدكتور ومعه عينات من صخوره التي سيعرضها على الطلبة فقام صاحبنا واستبدل حجراً أبيض من هذه الأحجار بقطعة الجبن، وأعاده إلى مكانه بسرعة دون أن يلحظه الدكتور الذي كان مشغولاً في تعداد خواص وصفات كل حجر من حجارته، إلى أن جاء دور الحجر الذي استبدله الطالب وبدأ يشرح عن خواصه وصفاته وبعد أن انتهى الدكتور من تعداد خواصه قال له صاحبنا: إن ما بيدك يا دكتور هو  قطعة من الجبن وليست حجراً فقال له الدكتور: أتقصد أنه يشبه قطعة الجبن؟ فردّ عليه صاحبنا قائلاً: لا بل هو قطعة من الجبن وليس شبيهاً بها. 

311
وتاه الدكتور بين الزجاجة والدجاجة

اندهش الدكتور مما سمع وقال لصاحبنا متحدياً: إذا كان ما تقوله صحيحاً فيمكنك أكل هذا الحجر فقال له صاحبنا: أعطني إياه وأعطاه الحجر فوضعه صاحبنا في فمه وبدأ يأكل به والدكتور حائر فيما يرى وقبل أن يفقد الدكتور مصداقيته عند طلابه طالبه بفك هذا اللغز المُحير، فأخرج الطالب الحجر الأصلي من جيبه وأعاده إلى مكانه وبعد أن شرب الدكتور المقلب قال لطلابه: إن ما حدث معنا اليوم هو ما يحدث للسياح الأجانب عندما يقومون بزيارة بلد ما فمن كثرة ما يقولون لهم Look Left و Look Right لن يتمكنوا من رؤية هذا البلد الذي يزورونه لأول مرة على حقيقته.

الدنيا حكايات

تعظيم سلام لهذه المرأة


1460953_10203494312183525_790170491_nقمت بزيارة خاطفة إلى جمعية الوفاء لرعاية المسنين في مدينة سلفيت بمعية رئيسها المهندس فؤاد حسين عبود، رحمه الله، وأمين صندوقها السيد سائد ياسين. ومن المعروف أن من كُتب عليه الإقامة الجبرية في دور الرعاية يستسلم للأمر الواقع وينسى الماضي بكل تفاصيله ويعيش الحاضر إلا إمرأة داهمها خريف العمر من نزيلات هذه الدار كانت في استقبالنا على الباب الخارجي، وما أن رأت الباب يُفتح حتى استبشرت خيراً وهذا الفرح ظهر في تعابير وجهها دون أن تتكلم فتقدمت بسرعة نحو الباب ظناً منها أن الباب فُتح لها كي تعود إلى المكان الذي مُنعت من الوصول إليه، وكانت هذه المرأة تئن بانتظام دون ألم عضوي، فصحتها جيدة فلماذا تئن إذن؟ حاولت أن أعرف سبب أنينها لكنني فشلت لوحدي فلا بدّ من السؤال لكن في الوقت المناسب. 

???????????????????????????????
خنساء فلسطين

ما أن فُتح الباب الخارجي ودخلنا حتى بدأت هذه المرأة تهيء نفسها للخروج، ظناً منها أن الباب فُتح من أجلها فأصدروا على الفور أمراً بإغلاق هذا الباب بعد دخولنا، وعندما قطعت الأمل من الخروج عادت وانضمت إلينا وهي تئن بشكل منتظم، لكن من غير ازعاج. لفتت انتباهي تلك المرأة أكثر من غيرها، وبدأت أنظر إليها خلسة وأفكر علّني أعرف شيئاً عنها لوحدي فلم أستطع، فأخرجت سيجارة وأشعلتها علّها تساعدني على ذلك فلم أفلح. ومما زاد الطين بلة أنها عندما رأتني أدخن قامت من على كرسيها وأحضرت لي مكتة للسجائر وكأني ضيفٌ في بيتها، وما أن أحضروا لي الشاي حتى سبقتهم إليه وتناولت كأساً من على الصينية وحملته بيدها النحيلة وهي ترتجف ووضعته أمامي دون أن تتكلم، فهي غير قادرة على الكلام لكنها كانت تئن كعادتها.

kashkool-org-up-0800cf1b1d
بدأت أبكي سراً في داخلي 

أحرجتني هذه السيدة أكثر عندما قامت وقدمت لي الشاي دون أن تشربه معنا والأصل في الأشياء أن أقوم أنا بخدمتها وليس العكس، فانشغلت بها أكثر وأكثر بعد أن ذكرتني بوالدتي ـ رحمها الله ـ في الحال عندما كانت تكرم ضيوفها في بيتها رغم تقدمها في السن. لم أتمالك نفسي فبدأت أبكي سراً في داخلي دون أن أشعرها أو أشعر أحداً ممن هم حولي بذلك، وعندما تمكنت من ضبط حالتي النفسية سألت عن هذه السيدة فقالوا لي: إنها سيدة من إحدى القرى المجاورة لمدينة سلفيت التي ابتلع الجدار العنصري الجزء الأكبر من أراضيها ومن جملة ما بتلع هذا الجدار (كرماً) من كروم الزيتون الذي كانت هذه المرأة قد زرعته بيديها، وحافظت عليه طوال هذه السنين، إلى أن جاء هذا الجدار واغتصب منها كرمها وجاء بها إلى هذه الدار. 

zyzoom48d17213d6lp6
قررت أن تحفر بيديها حفرة تحت الجدار لتدخل منها 

لم تستسلم هذه المرأة كغيرها وقررت أن تحفر بيديها حفرة تحت الجدار لتدخل منها إلى حقلها، واستمرت في الحفر اليومي فكانت مرة تصيب ومرات تخيب فإذا أصابت حفرت وإذا خابت واكتشفها الأعداء يقومون بتسليمها إلى الارتباط العسكري، والذين يقومون بدورهم بإعادتها إلى بلدها، لتعود ثانية وثالثة ورابعة إلى أن تمكنت من إتمام مهمتها ونجحت في الوصول إلى أرضها وجلست تحت ظلال زيتونتها المفضلة. وعندما يكتشفها الأعداء يردموا ما حفرت في الجدار ويسلموها إلى الارتباط ثانية وتعود وتغير مكان الحفرة الأولى التي ردمها الأعداء وتحفر غيرها وتدخل أرضها وتجلس تحت زيتونتها المفضلة. 

15081_660_Jabal_al_Tur_Mount_of_Olives-11909
زيتوناتها التي كانت تفضل الجلوس تحتها داخل الجدار

وفي إحدى هذه المرات سقطت هذه السيدة على رأسها ففقدت النطق والسمع معاً وأصبحت حياتها صعبة لا تطاق، والأصعب رعايتها فهي لا تسمع ولا تتكلم، وكل ما تريده أن تجلس تحت زيتونتها المفضلة في كرمها المغتصب، فكان لا بد من رعاية هذه المرأة والمحافظة عليها في هذه الدار وأخيراً وليس آخراً لم أجد كلمة أستطيع قولها في نهاية هذه الزيارة إلا تعظيم سلام لـ «خنساء فلسطين» التي علمتنا وتعلمنا حب الأرض والدفاع عنها ختى آخر لحظة في العمر، وتعظيم سلام أيضاً لهذه الجمعية والقائمين عليها والعاملين بها.

الدنيا حكايات