جار للبيع


مستشفى العقلاء
من يشتري؟

في أوائل التسعينات من القرن الماضي كنت أعمل في مدينة عمان وأسكن في مدينة الزرقاء وكانت المواصلات صعبة وقليلة في ذلك الوقت!فكنت أحمل في سيارتي أي شخص واقف على الطريق ينتظر المواصلات العامة!وفي أحد الأيام وقفت لشاب في مقتبل العمر وبعد أن تعارفنا اكتشفت أنه كانت تربطنا مع أهله علاقة حميمة في الماضي البعيد وعليه فقد أصرّ هذا الشاب على تجديد هذه العلاقة القديمة وقام بزيارتي هو وأهله في البيت وتذكرنا معاً ذلك الماضي الجميل الذي كان قد إنتهى ولن يعود!وعلى إثر هذه الزيارة قررت أن أرد لهم زيارتهم في أقرب يوم عطلة ولما جاء يوم الجمعة ذهبت لزيارتهم وبذلك عادت العلاقة بيننا كما كانت وأصبحنا بعد ذلك أصدقاء!.

g6
أجرة الطريق عشرة قروش

وبعد شهر من الزمان كنت قد إلتقيت بوالد هذا الشاب فقمت بمدح ولده له دون أن يسألني فردّ عليّ قائلاً:هذا الولد الذي تمدحه لا يفهم شيئاً لأنه لو كان يفهم لما ركب معك كي توصله إلى مكان عمله فأجرة الطريق هي فقط عشرة قروش ولا أعرف لماذا هذا الولد يركب معك كي تمنّ عليّ مقابل دنانير معدودة؟فوجئت بكلام هذا الجار الذي كان في غير موضعه والأصل في الأشياء أن يشكرني على توصيل ولده إلى مكان عمله!أليس مثل كلام  هذا الجار كالطباشير الملونة تنمحي لكنها تترك أثراً سيئاً في النفس!؟ً.

طباشير ملونة

أبـو عـبـداللـه


imagesCA1OIZ9G

أبو عبدالله هذا الذي أنوي أن أحدثكم عنه هو شخص ليس من جيلي بل هو أكبر مني سناً ولا تربطني به أية علاقة لا من قريب ولا من بعيد ولم أجالسه أو أحادثه في يوم من الأيام لكنه عندما سمع بوجودي في عمان قادماً من الكويت بسيارتي عام 1983 وعلم كذلك أنني سأذهب بها غداً إلى جسر الأمير محمد وأتركها هناك حتى أعود من زيارتي للضفة الغربية فما كان منه إلا أن طلب من قريبي الذي يستضيفه عنده أن يُعرّفه على شخصي الكريم.

Divano-Chesterfield-2-Posti
أبو عبدالله يُريد مُرافقتك غداً صباحاً إلى مدينة سلفيت

وبينما كنت أجهز نفسي للنوم استعداداً للسفر المتعب غداً وإذا بقريبي ومعه أبو عبدالله هذا يطلبونني على الباب فاستقبلتهم وأحسنت ضيافتهم لأنني كنت أرى هذا الرجل لأول مرة في حياتي ولم يسبق لي أن التقيت به قبل ذلك وعلى الفور قال لي قريبي: لا أريد أن أطيل عليك في الموضوع الذي قدمنا من أجله عمك أبو عبدالله يُريد مُرافقتك غداً صباحاً إلى مدينة سلفيت إذا لم يكن لديك مانع.

???????????????????????????????
سيارتي

فقلت له: على الرّحب والسعة أنا أصلاً بحاجة لشخص مثل عمي أبو عبدالله يرافقني في هذا المشوار المتعب فغداً صباحاً إن شاء الله أمرّ عليه في بيتك ونذهب سوياً إلى الجسر فما كان منهما إلا أن غادرا فرحين شاكرين بعد أن تأكدوا من موافقتي وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى مقر إقامة عمي أبو عبدالله وإذا هو بانتظاري فركب معي وتوجهنا سوياً إلى الجسر بسيارتي وعندما وصلنا قمنا بتأمين السيارة عند أحد الكراجات التي استحدثت لأمثالي وقام عمي أبو عبدالله بحمل حقيبته بيده اليمنى وبطانية بيده اليسرى.

untitled
بطانية أبو عبدالله 

عندما رآني عمي أبو عبدالله أسير بجانبه وأنا خالي اليدين طلب مني أن أحمل له البطانية التي كانت معه تحسباً من الجمارك وفعلا حملتها ودخلنا نقطة التفتيش الإسرائيلية وهناك افترقنا كيف؟ ولماذا؟ لا أعرف ولم أكن أعرف السبب في حينه وكان من لا يحمل أمتعة معه تكون أموره سهلة ميسرة على الجسر لكنني الآن أصبحتُ أنا من أصحاب الأمتعة وعليّ الوقوف في طابور من معهم أمتعة لهذا تأخرت وخرجت من الجسر حوالي الساعة الثانية بعد الظهر.

20229
طابور من معهم أمتعة 

بحثت عن رفيق دربي فلم أجده وبقيت في انتظاره حتى أغلق اليهود الجسر أي لم يبق فيه أحد من الزوار وكانت الساعة تشير إلى الخامسة عصراً لكنه لم يحضر وفي مثل هذه الساعة لم أجد سيارة تنقلني إلى سلفيت لأن كل السيارات قد غادرت فاضطررت لركوب سيارات نابلس وعندما وصلت نابلس لم أجد سيارة من سيارات سلفيت فكلها تغادر قبل المغرب فاستأجرت سيارة خاصة لتوصيلي وعلى الرغم من التكاليف التي ترتبت عليّ إثر ذلك وصلت سلفيت الساعة التاسعة ليلاً.

Untitled
قام بالاتصال بأهلي 

لم أقم بتبليغ أهلي عن يوم وصولي بل تركتها لهم مفاجأة وإذا بأبي عبدالله تاجر مُتمرس في شؤون الجسر واستعمل خبرته وتركني أتخبط وحدي وتمكن من الوصول إلى سلفيت حوالي الساعة العاشرة صباحاً ولم يكتف بذلك بل قام بالإتصال بأهلي تلفونياً يطلب بطانيته وبهذا عرف الأهل بأني قادم من عمان لزيارتهم فحرق لي المفاجأة وأدخلهم في حيرة من أمرهم وأثار المخاوف والهواجس في نفوسهم وبدؤوا ينتظرون قدومي ويضربون أخماساً في أسداس فكيف وصل أبو عبدالله ولم أصل أنا؟.

multicolour-dustless-chalk-dustless-chalk-child-chalk-baby-doodle
أصر أبو عبدالله على أن يكتب إسمه بالطباشير الملونة 

وما أن وصلتهم حتى وجدتهم قد خارت قواهم من القلق والإنتظار وأول كلمة سمعتها منهم: أن أبا عبدالله ينتظر بطانيته وهم لا يعلمون أن ما أخرني وأقلقهم هي تلك البطانية العتيدة وما هي إلا لحظات وإذا بأبي عبدالله يدق جرس الباب ويطلب بطانيته بنفسه أخذها وانصرف دون أن يسأل عني أو عن سبب تأخري في الوصول وهو بهذا كان قد أصرّ على أن يكتب إسمه بالطباشير الملونة التي سرعان ما تنمحي مع الزمن لكنها تترك أثراً سيئاً في النفس.

طباشير ملونة