لا تخبروا عنا الدواعش


untitled
العلم التركي

في منتصف القرن الماضي كانت حياة الناس في معظم القرى الفلسطينية بسيطة جداً ومتطلباتهم كانت أبسط وخاصة في قريتنا ومرد ذلك يعود إلى سيطرة تركيا على هذه القرى لفترة طويلة من الزمن دون أن تطورها أو تغير من حياة سكانها قيد أنملة بل على العكس تماماً كانت تفرض على أهلها الضرائب الكبيرة التي كانت تقصم ظهورهم دون أن تقدم لهم أي خدمات تذكر في البنية التحتية لهذه القرى وخاصة في التعليم والصحة.

images4K0NJG4G
العلم البريطاني

وما أن خرج الناس في هذه القرى من سيطرة الخلافة التركية حتى جاءت بريطانيا العظمى وجعلت من نفسها وصية عليها فوضعت يدها على كل هذه القرى وبدل أن تطورها إلى الأحسن في كل المجالات وتأخذ بيدها إلى الأمام أهدتها حركة صهيونية عنصرية حاقدة أهلكت الحرث والنسل وعلى الفور قامت هذه الحركة الفاشية بمصادرة الأرض من أصحابها وأقامت عليها مستوطناتها وطردت سكانها الأصليين واستبدلتهم من حثالات الأمم الأخرى.

IMG_4614
مبنى المضافة

أمام هذا الواقع المرير كان لا بد أن يسود التكافل والتلاحم بين سكان هذه القرى  مع بعضهم البعض شاؤوا أو أبوا فظهرت في حياتهم (المضافة) لتكون رد فعل طبيعي على كل هذه الأحداث مجتمعة والمضافة عادة ما تكون في مكان محايد يخصصه أهل القرية لاستقبال ضيوفهم وأهم هؤلاء الضيوف في ذلك الوقت هم ممثلوا هذه الحكومات المتعاقبة على فلسطين وفي غياب هؤلاء الضيوف يلتقي الناس فيها مع بعضهم البعض بعد أن ينتهوا من أعمالهم الزراعية ويستقبلون فيها كذلك كل مار أو زائر لقريتهم وخاصة من القرى المجاورة وكان الجميع يساهم في التكاليف المترتبة على ذلك.

5578_234565873354998_1894313422_n1
مقام الشيخ أحمد

أما قريتنا في أربعينات القرن الماضي فلم يكن فيها ساعة لمعرفة الوقت بل كانوا يعتمدون في حياتهم على قياس ظل حائط أو ظل شجرة أو ظل أي معلم آخر كي يتعرفوا على أوقات الصلوات ومن ثم أوقات العمل وكان في قريتنا مقام قديم لأحد الأولياء الصالحين قيل لنا أنه جامع وكان هذا الجامع مُهمل لا أثاث فيه سوى (نعش) خشبي لحمل الأموات إلى المقبرة و(مغتسل) خشبي لغسل الأموات فوقه قبل دفنهم ولا يوجد لهذا المسجد إمام ولا حتى خادم له ولا يُصلى به.

imagesVQN4Q9Y2
سماع آذان المغرب في فصل الشتاء كان مشكلة

في الأيام العادية ليست هناك من مشكلة ولكن المشكلة كانت تظهر لهم في شهر رمضان المبارك من كل عام فلا بد لهم من سماع الآذان كي يفطروا أو يمسكوا فكانوا يستمعون إلى آذان القرى المجاورة خاصة قرية (مزارع النوباني) أو (بلدة سلفيت) وعليه يفطرون أو يمسكون هذا لو جاء  شهر رمضان في فصل الصيف أما إذا جاء شهر رمضان في فصل الشتاء فلن يُسمع الآذان من هاتين البلدتين نظراً لوجود المطر والرعد والبرق وصوت جريان الشعاب والوديان فكانوا يحتارون في موعد الفطور أو الإمساك إلى أن يُقرروه بالإجماع وبشكل تقريبي.

images6P1PU9S2
الغيم الأسود

وفي أحد أيام الشتاء الباردة إنتشر الغيم الأسود في كل مكان من السماء واختفت بذلك الشمس من السماء تماماً وبدأ هطول الأمطار بغزارة شديدة وفاضت الشعاب والوديان واستمر هذا الحال عدة ساعات متصلة جعلت الناس يظنون أن آذان المغرب قد حان وقته فأحضر كل واحد منهم فطوره إلى المضافة وأفطروا هناك وشربوا الشاي والقهوة وبعدها بدأت عندهم السهرة وخلال سهرتهم تلك وإذا بالشمس لا تزال ساطعة في منتصف السماء وإذا به لم يحن موعد الإفطار بعد.

images5GZSVLQF
لا تخبروا عنا الدواعش

أرجو ممن يقرأ هذا المقال أن لا يخبر الدواعش عنا فلو علمت داعش بما كان قد حدث في قريتنا في تلك الأيام الماضية حتى ولو كان ذلك في القرن الماضي فسيتركوا الرقة ودير الزور والحسكة والموصل ويحتلوا قريتنا وعندها لن يكتفوا بقطع رؤوس الأحفاد بل سيحفروا على قبور الأجداد وينفذوا فيهم الحكم الجاهز عندهم في مثل هذه الحالات ولن تقف الأمور عند هذا الحد بل ستلاحقهم أمريكا وحلفائها العرب ويقومون بقصف قريتنا ونصبح في خبر كان. 

ذكريات في بلدنا

رأيت المجاري مكشوفة في مدينة الموصل


-home-maraya-public_html-wp-content-files_mf-cache-dbd723cce6e0f7581122429250146708_e24087891ec8aa7e1726521a79f651b5
نسيت جواز سفري في الفندق

بعد أن سار الباص نصف ساعة تقريباً في اتجاه مدينة الموصل خطر في بالي أن أتفقد جواز سفري (لا أعرف لماذا؟) فلم أجده في جيبي فتذكرت في الحال أنني نسيته في الفندق الذي كنت أقيم فيه في بغداد فأوعزت إلى مساعد السائق بأن يقف لي لأنني أريد الرجوع إلى بغداد ثانية فوقف السائق وأنزل مساعده حقيبتي من على ظهر الباص وقال لي:قف في الاتجاه المعاكس سيأتي باص آخر وتركب به لتعود ثانية إلى بغداد.

الموصل7
مقبرة شهداء جيش العراق العظيم في مدينة المفرق

وهناك لم أنتظر كثيراً وما هي إلا دقائق معدودة وإذا بالباص المتجه إلى بغداد قادماً فصعدت به مع حقيبتي فعرفني مساعد السائق أنني رجل غريب فقال:عيني من أي بلد أنت؟قلت له:من الأردن فقال:أهلاً وسهلاً بأهل الأردن وبأهل الزرقاء وبأهل خوّ أيضاً فأنا أحد أفراد الجيش العراقي الذي كان قد أقام عندكم في خوّ بعد حرب الأيام الستة وبعد أن عايشتكم عرفت بعدها كم أنتم طيبون؟وتابع كلامه:إلى أي مكان أنت تريد أن تذهب عيني في بغداد؟.

m5zn_8b6b3d8c383873b
ساحة الوثبة في بغداد

قلت له:أريد منك أن توصلني إلى ساحة الوثبة في بغداد فقال:ساحة الوثبة شاسعة أنا أسألك عن أي موقف منها تريد أن أقف لك به ليكون الأقرب لك على الفندق الذي كنت تقيم فيه؟فقلت له:أنا لا أعرف أسماء المواقف فقال:ما إسم الفندق الذي كنت تقيم فيه؟قلت له:لا أعرف لكنني أستطيع التعرف عليه إذا ما أوصلتني إلى ساحة الوثبة فقال:سنمر في طريقنا على ساحة الوثبة وعندما تتعرف على المكان الذي تريد أن تنزل به ما عليك إلا أن توعز لي بالوقوف فأنا مستعد أن أقف لك حتى ولو كان الوقوف فيه ممنوعاً.

20C00 - Copy
أردت أن أكرمه فأشعلت له وجهه 

ارتحت لهذا الرجل وأردت أن أكرمه فما كان مني إلا أن فتحت علبة سجائري وكانت من نوع روثمان والعراقيون يحبون هذا النوع من السجائر وأعطيته سيجارة ورغبت أن أزيد في إكرامه بأن أشعلها له فتناولت ولاعتي من جيبي وضغطت عليها بعد أن اقترب بوجهه منها وإذا بها تصدر شعلة كبيرة غير متوقعة في وجه هذا الرجل لتحرق شاربيه وامتدت إلى حاجبيه أيضاً وبدأ هذا الرجل يتوجع من حرق النار وأنا أتوجع من الإحراج تأسفت له وبقي يُحسس على وجهه إلى أن تعرفت على المكان الذي أقصده فأوعزت له بالوقوف فوقف ودّعته ونزلت من الباص متجهاً إلى الفندق.  

untitled177
مدينة الموصل

بعد أن وصلت الفندق أخذت جواز سفري وعدت إلى مجمع الباصات مرة أخرى وركبت في أحد هذه الباصات وانطلق بي إلى مدينة الموصل ثانية وبهذا تكون قد حُلّت مشكلة لكن هناك مشكلة أخرى أصعب منها بكثير وهي مشكلتي مع الأكل العراقي فهي لا زالت قائمة وفي الطريق كان يقف الباص في استراحات ويأكل الجميع منها إلا أنا فلم يعجبني أكلهم وأخيراً وصلنا مدينة الموصل حوالي منتصف الليل فنزلت في أحد الفنادق وكان مظهره الخارجي غير مظهره الداخلي لكن وجود طلبة عرب يدرسون في جامعة الموصل يسكنون على سطحه جعلني أقبل الإقامة فيه.

Scan10445
صديقي محمد فيصل الناصر

وضعت حقيبتي في الغرفة وصعدت فوراً إلى هؤلاء الطلبة  لأسألهم عن صديق لي في جامعة الموصل الذي كان له نصيب كبير في هذه الرحلة فهو صديق قديم لي أحبه وأحترمه كثيراً وعندما سألتهم عنه قالوا لي:ندلك عليه في الصباح بعد ذلك سألتهم عن مطعم أستطيع الأكل فيه بعد أن شرحت لهم مشكلتي مع الأكل العراقي فقالوا:بما أنك تسكن في مدينة حلب وتتذوق الكبة الحلبية اذهب إلى مطعم الكهف فستجد فيه كل ما تريد وذهبت في الحال بعد أن استبشرت خيراً وطلبت كبة حلبية فلم أجد فيها إلا اسمها حلبي فقط فهي لا تمت إلى كبة حلب بأية صلة وعدت إلى الفندق جائعاً وفي صباح اليوم التالي التقيت بصديقي محمد فيصل الناصر وقلت له:أنا جائع لم أذق طعم الأكل منذ أن دخلت أرض العراق اطعمني أولاً فأخذني إلى بيته وصنع طعاماً وأكلت.

payton1
وركبت العربة في شوارع مدينة الموصل لأول مرة

بعدها أخذني صديقي في جولة على معالم الموصل وكان من أهمها المئذنة العجيبة لكن ما أدهشني أكثر منها هو رؤيتي للمجاري وهي مكشوفة تسير بوسخها على جانبي الشوارع التي مررنا منها للوصول إلى هذه المئذنة ثم أخذني صديقي إلى جامعة الموصل وفي الطريق رأيت مجاري مدينة الموصل كلها تصب في نهر دجلة لتفسد على أهل الموصل جمال المنظر هناك ثم حجزت بالقطار إلى مدينة حلب وذهبنا إلى محطة القطار بعد أن ركبنا عربة يجرها حصان وكانت مفاجئة لي فأنا أركب مثل هذه العربة لأول مرة وعندما وصلنا المحطة ودعت صديقي ودخلت القطار الذي أركبه لأول مرة في حياتي.

كرت زيارة

من الموصل إلى حلب


untitled179
قطار الموصل حلب

ركبت القطار لأول مرة في حياتي من مدينة الموصل في العراق إلى إلى مدينة حلب في سوريا عام 1971 وكان قد جلس بجانبي شاب عراقي الجنسية من جيلي وبعد أن تعارفنا سألته عن سبب سفره من العراق إلى سوريا فوجدته من الباحثين عن جامعة تقبله فيها كي يدرس الفيزياء ويتخصص فيها فهو على ذمته مُتيم بهذا العلم دون سواه من العلوم فاحترت بأمر مرافقي  هذا وتسائلت في نفسي:الناس تأتي للدراسة في العراق من كل حدب وصوب وأخونا خارج من العراق يبحث له عن جامعة تقبله يا للهول!.

image12223
وسألته:لماذا إذا نفخت على كوب الشاي يبرد؟

إن في الأمر سرّاً وقد يكون هذا السر كبيراً وعليّ اكتشافه فسألت نفسي بنفسي:لكن كيف يكون لي ذلك؟فكرت قليلاً في الموضوع فجاءتني الفكرة كما جاءت عالم الفيزياء أرخميدس وصاح بأعلى صوته:وجدتها وكانت هذه الفكرة أن أضرب عصفورين بحجر واحد أختبر معلوماته الفيزيائية من جهة وأستفيد مما عنده في علم الفيزياء وما هي إلا لحظات حتى خطر في بالي سؤالاً سهلاً لا يحتاج حله إلى قلم أو ورقة!.

n4ee79360397f4
بينما إذا نفخت على يدك تسخن؟

وكان هذا السؤال:لماذا إذا نفخت على كوب الشاي يبرد بينما إذا نفخت على يدك تسخن؟وبقي جاري يشرح لي السبب من مدينة الموصل إلى مدينة حلب عندها فقط عرفت سبب خروجه من العراق فجامعات العراق لا تتسع لعبقريته الفيزيائية لكن بعد أن دفّعني الثمن غالياً فلم أشاهد شيئاً من معالم الطريق في هذه الرحلة التي أتوقع لها أن لا تتكرر مرة ثانية في حياتي!.

كرت زيارة