دوده من عوده


11084254_10155380686140263_3734673331055565604_n
حفيدات دجاجات أمي

في نهاية خمسينات وأوائل ستينات القرن الماضي، كانت والدتي تُربّي قطيعاً من الدجاج البيّاض البلدي، مثلها مثل غيرها من بنات جيلها، وقامت بإعداد “خُم” لهذا القطيع في فناء الدار، فأضافت بذلك مسؤولية إضافية فوق مسؤولياتها الكثيرة، إذ كانت في كل صباح تفتح لهن باب الخم ليخرجن ويلتقطن أرزاقهن، وقبل مغيب الشمس بقليل تبدأ أمي في المناداة عليهن بقولها: “بيت بيت” وكن يفهمن عليها ما تقوله لهن فيجتمعن أمام باب الخم، وبحركة بسيطة من يدها تُدخلهن في الخم وتغلق عليهن الباب خوفاً من هجوم الواوي عليهن ليلاً.

images
الواوي

وفي أحد الأيام صحوت من نومي على أمي وهي تولول وتدعو على ذلك الواوي اللعين، الذي تمكن من التسلل ليلاً وقام بخطف أحسن دجاجة عندها، لكنها من هول الصدمة لم تفكر ولم تسأل نفسها عن الطريقة التي استطاع بها هذا الواوي أن يفتح باب الخم، ويخطف منه دجاجة واحدة فقط دون أن تسمع صياحها أو أن ترى أثراً من آثار العدوان على قطيعها في تلك الليلة. ومرت الأيام ونسيت أمي الموضوع بكامله.

imagesW40OCC5W
مكة المكرمــة

مرّت السنون حتى ثمانينات القرن الماضي، عندما قررت والدتي أن تذهب لأداء فريضة الحج. وجاء الأهل والأقارب والأصدقاء والجيران لوداعها، ومن جملة من حضر قريب لها من الدرجة الثانية تحبه وتحترمه، وقبل أن يودّعها طلب منها أن تسامحه فاندهشت أمي وقالت له: لا أظنك كنت قد عملت معي شيئاً يستحق المسامحة، بل على العكس تماماً أنا التي أريد منك أن تسامحني على ما كنتَ قد قدّمتَه، وما زلتَ، لي من مساعدة. لهذا فأنا مسامحة لك فيما كنت قد فعلته معي حتى دون أن أعلم عنه شيئاً. لكن بالله عليك يا … (ونادته بدرجة قرابته لها) أن تقول لي ماذا فعلت معي ويستحق المسامحة؟

imagesM3N6S58Y
حرامية اليوم والأمس

فقال لها: أتذكري يا… (وناداها بدرجة قرابتها له) قطيع الدجاج الذي كان عندك في خمسينات القرن الماضي؟ فقالت له: أذكره جيداً ولا أنساه، فقال: أتذكرين اليوم الذي قام به الواوي بخطف دجاجة من دجاجاتك من الخم ليلاً؟ فقالت: بلى، ويومها دعوت عليه “سلّ” دواعي فقال لها: كان لي صديقٌ لصٌ أيام الشباب، ووعدني بعشاء فاخر إذا أحضرت له دجاجة من دجاجاتك، وطغاني هذا الشيطان وعلمني كيف أقوم بسرقة هذه الدجاجة بهدوء ودون أن ينكشف أمري للناس، فقالت له: وكيف تم ذلك؟.

7097.imgcache
أحسن دجاجة من دجاجات أمي

فتابع قائلاً:طلب مني صديقي اللص هذا أن أفتح باب “الخم” ليلاً وأقوم بتلقيم تلك الدجاجات “عراماً” أو حفنة من القمح الذي كان قد أحضره معه لي كي أستطيع أن أمسك بواحدة من هذه الدجاجات، بعد أن أُشغلهن بأكل القمح. وعلى الفور قمت بخطف أكبر هذه الدجاجات حجماً وأجملهن مظهراً بسرعة كبيرة، بعد أن وضعت يدي حول رأسها ضاغطاً على منقارها خوفاً من صياحها، وحملتها بين يديّ إلى الخلاء ليلاً وكان صديقي بانتظاري هناك.

13296906266
الزرب أكلة الحرامية

وما أن وصلته وجدت أنه أشعل النار، وفي الحال قام بذبحها وبنتف ريشها وتقطيعها، ثم قام بشيّها على طريقة الزرب. وبعد ساعة من الزمن تعشّينا عليها وذهب كل واحد في طريقه، والآن أريد منك أن تسامحيني عن ما كانت قد فعلته يداي، فردت عليه أمي قائلة: أنا عن نفسي مسامحك، لكن هل سيسامحني الواوي بعد أن اتهمته بما لم يقم بفعله؟ لقد صدق من قال أن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته حتى ولو كان واوياً.

10906165_10153045304856383_3225690590474890398_n
بيت المهندس فؤاد عبود في سلفيت والنار فيه مشتعلة 

ذكرتني هذه الحادثة البسيطة التي كانت قد حدثت في الماضي البعيد مع أمي بـ (جريمة العصر) في هذه الأيام، عندما قام مجهولون بالدخول إلى بيت أخي المرحوم المهندس فؤاد عبود (أبو أحمد) في وضح النهار عصراً بعد أن تأكد من خلوّه من قاطنيه في مدينة سلفيت بتاريخ 31/12/2014 أي قبل مرور سنة على وفاة هذا الرجل، الذي شهد ويشهد له الجميع بأمانته وتفانيه في خدمة بلده وأهلها. وابتدأ بعدها تحقيق ما زلنا حتى الآن بانتظار نتائجه، فلا وجود لواوي تُعلّق عليه شماعة الاتهام، ولن تحترق الدار وحدها.  

wa_koyedat
وقيدت الجريمتان ضد مجهول

لكن هذه الجريمة التي حدثت في وضح النهار سرعان ما قُيّدت ضد مجهول، وأُسْدل عليها الستار مثلها مثل دجاجة أمي، لكن الفرق بيني وبين أمي أن أمي وجدت من تتهمه وهو (الواوي) أما أنا فلم أجد أحداً أستطيع أن أتهمه مقابل الواوي، ولم أجد غير الصمت المطبق من كل الناس وحتى من الأجهزة الأمنية، بعد أن قيّدوا هذه الجريمة ضد مجهول. أما أنا الآن فأصبحت مثل أمي في انتظار أن يأتي هذا (الجاني) بعد عمر طويل ليقول: سامحني يا عمّاه على ما كانت قد اقترفت يدايّ. 

    الدنيا حكايات

الزرب أكلة الحرامية


253970_234785196537743_1394072_n1
حرامية زمان
images-22
حرامية اليوم

في الماضي القريب كان عدد (الحرامية) في كل قرية أو مدينة عربية (إن وجد) قليلاً جداً يُعد على أصابع اليد الواحدة، وهؤلاء الذين كانت تجبرهم ظروفهم على هذه المهنة فعليهم أن يتقيدوا بكل متطلباتها، وهي أربعة شروط يجب توافرها جميعاً للانتساب إلى نقابة الحرامية، أولها أن يكون هذا المنتسب الجديد (مُعدَماً) أي لا يمتلك قوت يومه، أما ثاني هذه الشروط أن لا يسرق هذا الحرامي شيئاً يمتلك مثله، وثالثها أن يقر ويعترف بأن ما يقوم به عمل “منكر” لا يقره أحد وعليه إخفائه أو على الأقل عدم الجهر به علانية أمام الناس، وآخر هذه الشروط أن لا يُدخل شيئاً مما كان قد سرقه إلى بيته، وأن لا يطعم منه عائلته. كانت هذه الشروط الواجب توفرها في حرامية الأمس، فمن خالف إحداها عليه التوبة من أفعاله كما يصبح منبوذاً حتى من مجتمع الحرامية نفسه. 

DSC00050
تجهيز اللحمة

وكان تذوق لحم الخاروف البلدي المشوي أو تذوق الدجاج المشوي هو كل ما يطلبه ويشتهيه حرامية أيام زمان، لأن هذه اللحوم غير متوفرة لديهم، ولا يجدونها في بيوتهم، فيضطرون  لسرقتها من بيوت جيرانهم القريبين أو البعيدين عنهم، وكان عليهم في جميع الحالات أن يراعوا شروط مهنتهم التي تمنعهم من أكل ما سرقوا داخل بيوتهم، لذا كان لا بد لهم من اختراع طريقة جديدة لأكل هذه اللحمة المسروقة وملء بطونهم منها دون أن ينكشف أمرهم على أحد، فاخترعوا أكلة خاصة بهم سموها (الزرب).

???????????????????????????????
اللحمة وقد انشوت داخل الحفرة

فكانوا يذهبون إلى (الخلاء) بعيداً عن أعين الناس ومعهم ما سرقوا من لحوم أو دجاج، ثم يقومون بحفر حفرة عميقة في الأرض يملؤونها بالحطب والخشب ويشعلون فيها النار، وينتظرون عليها حتى تخبو شعلتها ويلمع جمرها وتشتد حرارتها، ثم يضعون فيها اللحم أو الدجاج المسروق بعد تنظيفه وتقطيعه وتغطيته بغطاء حديدي محكم، ثم يقومون بتغطية كامل الحفرة بالتراب. وبعد ساعتين من الزمن يفتحون الحفرة فيجدون اللحمة قد احمرت وانشوت فيأكلونها دون ضجة أو جلبة.

???????????????????????????????
اللحمة بعد خروجها من الحفرة

هكذا كان حرامية أيام زمان، فقد كانوا قنوعين جداً، فهم لا يسرقون إلا سراً ولا يسرقون شيئاً يمتلكون مثله، وهم إن سرقوا فيسرقوا ليأكلوا هم فقط ولا يُطعمون عائلاتهم مما سرقوا. أما حرامية هذه الأيام فحدث ولا حرج، فأول عمل قاموا به هو كسر قواعد مهنتهم، فلم يعد السارق هو الشخص المعدم بل أصبح من يملك أكثر من غيره، ولم تعد السرقة من أجل تذوق الأكل الذي كان يفتقده فقط، بل أصبح هدف السرقة أن يكون السارق أغنى من الأغنياء، كما تحولت المجاهرة بالسرقة إلى مدعاة للتفاخر بينهم في دواوينهم، وفقد سؤال “من أين لك هذا؟” إجاباته عند معظم هؤلاء.  

1a_zpsa91b0409
وأصبح للحرامية سوق في كل كل مدينة عربية

ولم تعد السرقة تجلب العار لأصحابها بل أصبحت مفخرة لهم ولأولادهم من بعدهم. ولم تعد حفرة الزرب التي يحفرونها في الخلاء كما كانت في الماضي، بل أصبحوا يحفرون هذه الحفرة في داخل بيوتهم حتى قبل أن يتم بناؤها، لا بل أصبحوا يتفاخرون بها بين الناس. ولم تعد أكلة الزرب أكلة للحرامية فقط بل أصبحت أكلة شعبية شائعة في المجتمع العربي بعد أن تذوق الأولاد طعم اللحمة المشوية المسروقة فأعجبتهم واستساغوا طعمها ورائحتها فقرر الكثير من هؤلاء الأطفال أن يمتهنوا هذه المهنة من صغرهم لكن من غير شروطها.

img-20150217-wa00031
سوق الحرامية في دمشق

وتمكن هؤلاء الحرامية الجدد بعد أن تزايدت أعدادهم في مجتمعاتنا العربية أن يستبدلوا ثقافتنا العربية التي ورثناها عن أجدادنا وثقافتنا الإسلامية التي ورثناها عن ديننا الحنيف بثقافتهم الجديدة، ولم يعد ما يقومون به سراً عليهم إخفاؤه بل أصبح لهم في كل مدينة من مدننا العربية والإسلامية سوقاً كبيراً سموه سوق الحرامية دون حياء أو خجل، يعرضون فيه بضاعتهم المسروقة ويبيعون فيه ما يسرقون على مرأى ومسمع من الحكومات المتعاقبة، وهم بذلك انتزعوا اعترافاً من الناس ومن الحكومات أيضاً بمهنتهم (السهلة) بعد أن أصبح الناس يشترون منهم بضاعتهم وهم يعلمون علم اليقين أنها  بضاعة مسروقة.  

الدنيا حكايات