الرجل البوق


imagesn5zvgls61
البــوق

البوق، لمن لا يعرفه، وعاء أجوف من الداخل، يضيق في بدايته ويتسع عند نهايته، وقد يستقيم أو يتعرج أو يلتوي ويتقوس ما بين بدايته ونهايته. وفي جميع هذه الحالات يكون أجوفاً من الداخل. استفاد الإنسان من هذا التجويف واستخدمه في حياته اليومية منذ القدم لتقوية الصوت، سواء كان هذا الصوت المراد تسميعه للناس خيراً أم شراً، واستخدمه كذلك لتوسيع دائرة من يسمعه حين يتكلم سواء كان كلامه حقاً أو باطلاً. 

ela_eretz-israelit5
قرون شجرة البطم 

أما أنا فكان أول عهدي بالبوق عندما رأيته محمولاً على شجرة البُطم الفلسطيني البرية فهذه الشجرة تحمل مع ما تحمل من ثمار وأوراق قروناً تكون على شكل أبواق مختلفة الأشكال والأحجام، فكنت أقطع قرناً أجوفاً من قرون هذه الشجرة وأتكلم في أحد طرفيه فيخرج صوتي من الطرف الآخر أعلى مما هو عليه، فيسمعه البعيد عني. أما إذا ثقبت هذا القرن عدة ثقوب ونفخت به فكان يخرج الهواء من الطرف الآخر على شكل موسيقى. 

untitled
البوق سيكون أداة اتصال بين الأهل في شطري الجولان 

لم أكن أعلم في ذلك الوقت بأن ما كنت ألعب به صغيراً يسمى البوق وعندما كبرت أكثر رأيت هذا البوق أول مرة مع الإسرائيليين عندما احتلوا ما تبقى من بلادي فلسطين عام 1967، فكانوا يستخدمونه في بث الرعب والخوف في قلوب أهل القرى والمدن والبلدات الفلسطينية كي يخيفوا أهلها ويجبروهم على الرحيل عن أرضهم، وليقولوا للعالم بعد ذلك أنها أرض خالية من السكان. ولم أكن أعلم كذلك بأن هذا البوق سيكون في يوم من الأيام أداة الاتصال الوحيدة بين الأهل والأقارب والجيران في شطري الجولان السوري المحتل، عندما تُفرق الحواجز العسكرية الصهيونية بين بيوت العوائل في نفس القرية. 

images
جندي أمريكي بالعراق

وعندما كبرت أكثر فأكثر رأيت هذا البوق مع أفراد الجيش الأمريكي عندما احتل أرض العراق، فكانوا يستخدمونه في بث الفرقة بين طوائف الشعب العراقي كي تشعر كل طائفة أنها بحاجة إليهم أمام الطوائف الأخرى. وبعد ذلك اقتبست حكوماتنا العربية نفس الدور من الأمريكان والإسرائيليين لا ليخيفوا اليهود والأمريكان كما أخافوهم من قبل بل استخدموه في بث الرعب والخوف بين شعوبهم ومواطنيهم كي يبقوا حكاماً إلى الأبد، ونسوا أو تناسوا أن هذه الشعوب قد تدربت على هذه الأبواق في أيام الاحتلال ولم تعد تخاف أبواقهم بعد أن نفخوها في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ولم تفلح في تخويف الشعوب. 

images7z1d0m25
الرجل البوق

وعندما كبرت أكثر وأكثر رأيت الرجل البوق، وهو الذي يهذي بما لا يدري بسبب أو بدون سبب، وهو الذي دائماً يقول “حاضر سيدي” وهو الذي ينعق بما لا يسمع. ومثل هؤلاء الرجال في مجتمعاتنا تشبه هذا البوق فهم يريدون الوصول إلى أهدافهم الصغيرة دون أن يبذلوا الجهد الكافي فيجعلون من أنفسهم أبواقاً لغيرهم تطوعاً ودون تكليف من أحد، فتمييز الرجل البوق بين الناس سهل فهو يسمع ما يريد سماعه فقط، ويغلق أذنيه عن الذي لا يريد أن يسمعه، ويرى ما يريد رؤيته ويغلق عينيه عن الأشياء التي لا يريد رؤيتها، فهو لا يملك الإرادة فيما يسمع أو يرى فقد أعفى نفسه من متعة التفكير فيما يرى وفيما يسمع فهو لا يفكر ولا يريد أن يفكر والرجل البوق لا يقتصر وجوده على مهنة معينة دون غيرها بل لكل مهنة أصبح لها أبواقها. 

untitled
بوق يحمل بوقاً

كل مدرسة عملت بها كان فيها مدرسٌ بوقٌ واحدٌ على الأقل، منهم من كان في ريعان الشباب ومنهم من كان في العشر الأخير من عمره، والمدرس البوق يكون في العادة سريع البديهة خفيف الظل يمازح الجميع فيدخل في قلوبهم بسرعة بعد أن يروي لهم عن نفسه من مغامرات جنسية ودينية وسياسية عن ماضيه فيتعلق الناس به دون أن ينتبهوا إلى أعماله، فهو لا يريد أن يعمل فيغطي بذلك عن تقصيره في عمله. وبالرغم من ذلك يحبه المسؤولين ويقربوه ويتغاضوا عن تقصيره لا لسواد عيونه بل ليجمعوا منه معلومات عن زملائه، فيبدأ بتقييم المدرسين أمام المسؤولين فيرفع من يريد أن يرفعه ويسقط من يريد أن يسقطه فهو يؤمن بأن الطلقة التي لا تصيب “تدوش”.

 مقالات

إذا طـلـع صـيـتـك حُـط راسـك ونـام


8394_5009
وسط البلد

عندما دخلت مدينة عمان لأول مرة (بعد حرب الخليج)، استعنت بأحد المارة، عن مطعم أستطيع منه أن أسُدّ رمق جوعي في ذلك اليوم، فقال لي: عليك بالمطعم الفلاني، فإنك إذا لم تأكل به، فكأنك لم تأكل في مدينة عمان. شوّقني هذا الرجل الذي لا أعرفه إلى هذا المطعم، لا بل زاد من جوعي، وفي الحال بدأت أسأل عن مكان هذا المطعم، وأبحث عنه، إلى أن وجدته أخيراً، وهناك انضممت إلى طابور طويل من أمثالي، وجدتهم يصطفون أمام هذا المطعم، تحت أشعة الشمس الحارقة، على أمل أن أجد لي كرسياً شاغراً في داخله.

254075_1370961612
بدأ الطابور يزحف وأنا أزحف معه 

بدأ الطابور يزحف، وأنا أزحف معه، وبيدي حقيبة سفر كبيرة، وفوقها حقيبة سفر صغيرة، معلقة على كتفي، وكان الجو حاراً جداً، فبدأ العرق يتصبب من جسمي، والطابور يزحف، وأنا أزحف معه، إلى أن وصلت أخيراً إلى باب هذا المطعم العتيد، أي أنه أصبح بيني وبين (سيخ) الشاورما المعلق على مدخله، مسافة قليلة، وأصبحت حرارة الشواء تتوزع بيني، وبين لحمة الشاورما، وأنا لا زلت أنتظر. وما أن فرغت زاوية من زوايا إحدى الطاولات الموجودة في داخل هذا المطعم، حتى وجدتني جالساً فيها مع أناس ثلاثة لا أعرفهم ولا يعرفونني.

20560hlmjo
إذا طلع صيتك حظّ راسك ونام 

وفي الحال حضر الجرسون  عتدي سريعأ، وقبل أن يزيل بقايا من كان يجلس مكاني، سألني عن ماذا أريد أن آكل، وفي الحال طلبت، وأكلت بسرعة البرق، وخرجت في أقل من ربع ساعة. بعدها راجعت نفسي بنفسي، وقلت: بماذا يمتاز هذا المطعم عن غيره من المطاعم الأخرى في مدينة عمان، ليتعرف عليه العامة من الناس، ويمدحوه، لا بل يدلّوا غيرهم عليه؟ فأجبت نفسي بنفسي، وقلت: إذا طلع صيتك حط راسك ونام.

الدنيا حكايات