لماذا الجميع في عمان يشكو من الجميع؟


image2012
ثقافة المدينة

عمان ليست كغيرها من العواصم العربية، ففيها تتعايش ثقافات رئيسية ثلاث: ثقافة المدينة وثقافة القرية وثقافة البادية، وعلى جوانبها تعيش ثقافات الأقليات الأخرى: كالأكراد والتركمان والشيشان والشركس والشوام والمغاربة والأرمن والسريان وغيرهم، وقد تلتقي هذه الثقافات حيناً ولكنها تتصادم في معظم الأحيان. فقد يصحو المرء في عمان من نومه صباحاً فلاّحي الثقافة وعندما يذهب إلى عمله يجد نفسه قد أصبح مدنيّ الثقافة وفي المساء قد يجد نفسه بدويّ الثقافة، وشتان ما بين هذه الثقافات الثلاث في المفاهيم والقيم والنظرة إلى الحياة.

344559
عمان… القرية العالمية

ومما زاد الطين بلّة أن أهل هذه الثقافات تزاوجوا من بعضهم البعض، فأصبح البيت الواحد في عمان يعيش بثقافتين مختلفتين وربما أكثر، وعادة ما تفرض الثقافة الأقوى نفسها على الثقافة الأضعف. لهذا أصبحت المفاهيم تختلف حتى داخل البيت الواحد عند الكثير من الناس، وبالتالي تختلف معها مقاييس التربية والأخلاق والعادات والتقاليد، فتوزّع الأولاد  بين هذه الثقافات المختلفة وأصبحت ثقافتهم هجيناً من ثقافات أهاليهم.

untitled4
ثقافة البادية

لهذا ستبقى الحياة الإجتماعية في عمان صعبة على الكثيرين، وستبقى كذلك إلى أن تنصهر جميع هذه الثقافات المختلفة في بوتقة واحدة وتخرج لنا ثقافة عمّانية جديدة مكونة من مخرجات هذه الثقافات المختلفة يقبلها ويلتزم بها الجميع. ومن دون ذلك سيبقى الجميع في عمّان يشكو من الجميع اجتماعياً، وسيبقى الجميع يتذمر من الجميع لأن كل شخص من ثقافة مُعينة من هذه الثقافات يُريد أن يفرض ثقافته على الجميع فلا يستطيع فتجده غاضباً شاكياً مُتذمراً من الجميع.

مقالات

الشعر والشعراء


image32
الشاعر العراقي الكبير أحمد الصافي النجفي

ولد الشاعر العراقي الكبير أحمد الصافي النجفي سنة ١٨٩٧م في مدينة النجف الأشرف بالعراق لأب من أسرة حجازية الأصل وأم لبنانية من مدينة صور في الجنوب اللبناني وما هي إلا بضع سنوات كانت قد خلت حتى توفيت والدته بعدها كان قد فقد الإستقرار في حياته فعاش متنقلاً بين العراق وسوريا ولبنان وإيران ومكث في طهران ثماني سنوات ترجم خلالها إلى اللغة العربية رياعيات الشاعر الفارسي الكبير عمر الخيام. 

08137133113396832648312512243017
أحد شوارع بيروت

وفي أحد الأيام بينما كان يسير هذا الشاعر الكبير أحمد الصافي النجفي مع مرافق له في أحد شوارع بيروت إلتقى مع إمرأة (أرمنية) ودار بينها وبين هذا الشاعر حديث لم يفهمه مرافقه فسأله مرافقه هذا عن فحوى ما دار بينهما من حديث فرد عليه الشاعر الكبير ببيت من الشعر يقول فيه: 

كلمتني ولم أفهم عليها         فكان كلامها كالشعر الحديث

untitled
مصفوفة 

من هنا سأبدأ مقالي هذا فشاعرنا العظيم الذي أتقن عدة لغات وتعرف على عدة ثقافات يعترف بأصغريه أن الشعر الحديث غير مفهوم لديه فكيف لي أن أفهمه أنا وغيري من عامة الناس؟وإذا كان هذا حال شاعرنا العظيم فلمن يكتب هؤلاء الشعراء الجدد يا ترى؟لا أكاد أفتح صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية أو حتى موقعاً اليكترونياً إلا وأجد من يُتحفنا بكلمات مرصوصة على شكل مصفوفة هي أقرب إلى الحجب أو الحزازير يسمونها قصائد شعرية حديثة وإذا سألتهم عن السبب في ذلك تجدهم يتذرعون بحجج واهية أهمها التخفي عن أعين وآذان السلطة. 

download (2)
المرحوم الأستاذ عبدالحليم زهد

عندما كنت صغيراً في السن أيام المدرسة ملؤوا ذاكرتي بالشعراء السابقين والمعاصرين فقررت أن أجاري هؤلاء الشعراء وأكتب الشعر وبعد أن كتبت قمت بعرضه على المرحوم أستاذ اللغة العربية في مدرسة سلفيت الثانوية الأستاذ عبدالحليم زهد وعندما قرأ ما كتبت مزق الورقة بالشعر المكتوب عليها ورماها في سلة المهملات وقال لي:الشاعر يا بني يولد ولا يصنع ولا يستنسخ قم وابحث لك عن مجال آخر تستفيد منه وتفيد غيرك فلو أن كل شاعر من هؤلاء وجد من يمزق له ما يكتبه لما أصبح عندنا من مشكلة لكن رؤساء التحرير في صحفنا المحلية لا يجدون ما يملؤون به صحفهم ومجلاتهم غير هذه الأحاجي الشعرية فيوهمونهم بأنهم شعراء فينشغلون ويشغلوننا بكلماتهم المصفوفة ويصدقون أنفسهم  بأنهم شعراء.

310207565
كان لكل شيخ قبيلة شاعره الذي يتلقى عنه الهجوم 

في الماضي عندما كنا قبائل متناحرة كان الشاعر في القبيلة يعد من أهم أركانها وكان لكل شيخ قبيلة أو خليفة شاعره المقرب منه الذي يتلقى الهجوم قبل أن يصل إلى شيخه ويحلله هذا الشاعر ويفهمه إن كان هجوماً سياسياً أو إجتماعياً أو دينياً ويرد في الحال بمثله أو أكثر منه فلم يكن هناك راديو أو تلفزيون أو مجلة أو جريدة أو إنترنت ولم يكن هناك سماعة أو مكبراً للصوت فعلى من يريد أن يوصل فكرة أو كلمة للناس عليه أن يقتني شاعراً أو يستورده زد على ذلك أنه أصبح لكل دولة وزيراً للإعلام يدافع عنها ويرد على أعدائها ويوضح مواقفها ولا داعي لمثل هؤلاء الشعراء الأفاضل. 

img_1370427726_634
موريتانيا عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة بها مليون شاعر

أما نحن اليوم فلا زلنا نعيش في زمن الشعر والشعراء عندما كان الشاعر يمدح الخليفة فيعطيه من بيت مال المسلمين ألف درهم ولا زلنا ندرس الشعر في المدارس والجامعات وكأننا في زمن الكوفيين والبصريين والأصمعي والفراهيدي بحجة الحفاظ على التراث فأصبح المستشعرون ينتشرون في كل بلد من بلداننا وفي مخيلة كل منهم أن يكون المتنبي أو البحتري أو محمود درويش ولم يعد هذا الشعر يثير حماسنا ولا يلفت إنتباهنا بعد أن أصبحنا لا نفهم شيئاً مما يكتبون فأنا مع الشعراء الشعراء الذين يولدون شعراء وهم في العادة يعدون على أصابع اليد الواحدة في أي زمان ومكان أما أن توصف دولة عربية ذات ثلاثة ملايين نسمة ببلد المليون شاعر فهذا إفتراء على الشعر والشعراء.

مـقـالات