قل لي من تصادق؟


10310982_561614790621793_7002337426933254709_n

إنقسم زملائي في الجامعة حول شخصي فمنهم من كان يقول عني:إنه كغيره من الناس الذين لا تتطابق أقوالهم مع أفعالهم وعندما يوضعون على المحك سيتغيرون ومنهم من كان يقول:إن هؤلاء الناس أمثالي لا تتغير أفكارهم لأنهم ولدوا وعاشوا تحت الاحتلال الإسرائيلي واحتد الخلاف بينهم حتى وصل إلى زملائي في السكن فانقسموا هم أيضاً حول شخصي وتراهنوا فيما بينهم على اختباري دون علمي وذهب أحدهم وأحضر معه مومس إلى حيث نسكن واتفق معها أن يزيد من أجرتها إذا تمكنت من إغوائي بعد أن تعهدت له بذلك. 

imagescaesjigd
صخوت من نومي فوجدت بجانبي إمرأة عارية تماماً 

أدخلوها عليّ بينما كنت أغط في نوم عميق وأقفلوا علينا الباب ونامت بجانبي وحدث كل هذا دون أن أشعر بشيء وأثناء نومي تحركت يدي حركة لا إرادية فغاصت في مكان ناعم عندها صحوت من نومي فوجدت بجانبي امرأة عارية تماماً فوجئت بها وتذكرت على الفور من رسم هذه الخطة القذرة ومن نفذها ومن أخرجها ممن يعتبرون أنفسهم من أصدقائي وقررت الصمود أمام هذه المومس وأمام من أرسلوها. 

cartoon-snake_20
بدأت تراودني وأنا أرفضها كما أرفض أن يداعبني ثعبان 

بدأت هذه المومس تداعبني وتراودني عن نفسي وأنا أرفضها كما أرفض أن يداعبني ثعبان إلى أن زهقت مني وخرجت من الغرفة التي أنا بها بعد أن اتهمتني برجولتي وبهذا خابت هي وخاب من أرسلوها عندما تمكنتُ من افشال خطتهم وخسر من راهن منهم بعد أن تطابقت الأقوال مع الأفعال لكن بعد هذه الحادثة كبرت في أعينهم وأصبح كلامي عندهم لا تشوبه شائبة ولا زال البعض منهم من أصدقائي المقربين حتى يومنا هذا لكنهم اليوم يطلقون لحاهم ويأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم أروي لكم هذه الحكاية ليس مدحاً في نفسي ولكن ليتعظ بها الشباب عندما يصادقون فقل لي من تصادق أقول لك من أنت؟. 

مشاهد من ذاكرة الرحيل

أنا والثورة


Fateh-logo
أنا إبن فتح ما هتفت لغيرها

كان لزاماً عليّ في المرحلة الجامعية في بداية سبعينات القرن الماضي أن أنخرط في العمل الوطني مثلي مثل شباب تلك الأيام لا بل أكثر قليلاً لأن اليهود كانوا قد قتلوا والدي فانتظمت في صفوف حركة فتح لأنني كنت أرى فيها ضمير الشعب الفلسطيني والعربي لكن ما مررت به من أحداث جسام جعلتني شخصاً نظرياً لا بل مثالياً في أغلب الأحيان فكنت أحب وأكره على الشكل لا على المضمون فمن كان يطيل شعره مثلا أو يرتدي بنطال الشارلستون (موضة تلك الأيام) أتهمه في وطنيته ولا أعترف به بأنه مناضل فأنا إبن فتح ما هتفت لغيرها.

1_1073564_1_34
غسان كنفاني 

ومن سوء الطالع أن معظم عناصر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في ذلك الوقت كانوا ممن يطيلون شعورهم ويلبسون بناطبل الشارلستون ويعلقون السلاسل الذهبية والفضية في أعناقهم وعليه فلم أستمع لهم فيما كانوا يقولون ولم أستمع لما كانوا يطرحون من فكر لتحرير فلسطين لأنه مغاير لفكر حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح حتى أنه وصل بي التعصب إلى أنني لم أقرأ للكاتب العالمي غسان كنفاني ما كتبه من روائع الأدب العالمي متعمداً لأنه كان من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وليس من حركة فتح.

1017467_512833828783399_784799098_n
كنت كهذا الطفل الذي يفرح لسيارة المطرب محمد عساف

ولم أكتف بذلك التعصب بل امتدت آرائي إلى أن وصل بعضها إلى:لا مكاتب للثورة في المدن بل يجب أن تكون المكاتب في الكهوف والجبال والوديان وعلينا أن لا نشرب الشاي والقهوة في هذه المكاتب كي نوفر ثمن ما نشربه لنشتري به سلاحاً وذخيرة لقتال العدو الصهيوني وأن المسؤول لا يجب أن يُعطى سيارة وإذا أعطي سيارة فهي ليست له بل عليه أن ينقل بها كل من يجده واقفاً في طريقه حتى وصل بي الحد إلى أن حرّمت على شعبي الترف والترفيه فكنت أطعن في وطنية كل فلسطيني يرفه عن نفسه أو عن أهله وكنت أتهم كل من كان يملك بيتاً جميلاً أو سيارة فخمة بأنه لا يحب فلسطين.

مشاهد من ذاكرة الرحيل

من شاب إلى ختيار


imagesCAL7N1PJ
أحداث كنت قد مررت بها في غير موعدها 

ما مررت به من أحداث كبيرة وسريعة ومفاجئة في غير موعدها جعلتني أفارق هموم الطلاب غالباً وأتحد مع الملائكة أحياناً فلم أسلك سلوكاً خاطئاً كغيري من الطلبة ولم أعش حياتي الجامعية كما يعيشها الطلبة العاديون فالطلبة الجامعيون عادة ما يعيشون حياتهم الجامعية بطولها وعرضها وكما يجب أن تكون لأن هذه الأيام لن تعود فالطالب له هدف واحد هو النجاح في دراسته فقط وبعدها هو حر في حياته الأخرى أما أنا فقد أصبح النجاح عندي في المرتبة الثالثة بعد إعالة نفسي وأهلي. 

untitled208
أطلق عليّ الزملاء لقب ختيار وأنا في عز الشباب

هذه الأحداث الكبيرة والمفاجئة كانت قد تركت آثارها على ملامح وجهي ورسمت عليه أشكالاً وخطوطاً أفقية ورأسية جعلتني أبدو أكبر من سني بكثير فوجهي أصبح كفنجان قهوة في يد بصّارة كل يقرأ فيه ما يحلو له فإذا كان الناظر إلى وجهي كبيراً في السن كان يقرأ فيه نكبات ونكسات الأمة العربية كلها أما إذا كان الناظر في وجهي صغيراً في السن فكان يدخل في نوبة هستيرية من البكاء لا يسكته إلا إذا غاب عن وجهي لهذا أطلق عليّ الزملاء لقب (ختيار) وأنا في عز الشباب.

مشاهد من ذاكرة الرحيل

من حياة إلى حياة


12645039_1297074573651316_2085023367620974594_n

على الرغم من أنني كنت قد عشت سنوات عمري الأخيرة على الأقل في مدن رئيسية كمدينة نابلس ثم مدينة الزرقاء إلا أنني عندما ذهبت إلى مدينة حلب مدينة القائد سيف الدولة الحمداني والشاعر أبو فراس الحمداني والشاعر أبو الطيب المتنبي وجدت في هذه المدينة العريقة الكثير مما لم أكن أعرفه أو أسمع عنه!لا بل إستطاعت هذه المدينة العريقة بحضارتها الموغلة في القدم أن تُغير الكثير من أفكاري ومعتقداتي!وتجعلني أقف مشدوهاً أمام قلعتها العظيمة وأسواقها القديمة والتنوع الموجود فيها وحب أهلها للغريب.

SYRIA-POLITICS-UNREST
أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة

فكان أول ما لفت إنتباهي تلك الشعارات القومية المزروعة على أكتاف الطرق وأمام المدارس والجامعات ودوائر الدولة في كل أنحاء سوريا وليس في مدينة حلب وحدها فكان عدد هذه الشعارات أكثر من عدد أوراق الشجر الأخضر في مدن سوريا وكان من أهم هذه الشعارات التي لفتت نظري في ذلك الوقت كان شعار (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) ثم شعار (الأرض لمن يفلحها) وشعار (بترول العرب للعرب) وعندما قمت بقراءة كل هذه الشعارات إحترت أكثر وبدأت أتسائل بيني وبين نفسي:كيف هُزمت هذه الأمة وفيها مثل هذه الشعارات الخلابة؟.

1_52185_1_6
رأيت فيها معظم الجنسيات العربية

واندهشت أكثر عندما رأيت أناس من كل الجنسيات العربية التي كنت أسمع صوتها بالراديو فقط وهي تمر من أمامي (بلحمها وشحمها) لا بل تعيش معي في الفندق فهنا في مدينة حلب رأيت المصري والتونسي والمغربي والسوداني والبحريني والعراقي والجزائري والليبي والسوري والأردني والفلسطيني كلهم أتوا من بلادهم إلى سوريا (قلب العروبة النابض على مر الأيام) لينهلوا منها العلم والثقافة لكنني فوجئت أكثر عندما إستمعت إلى همومهم ومشاكلهم فوجدتها نفس همومي ومشاكلي على الرغم من إختلاف الأوطان واللهجات.

Israeli troops stand guard as Palestinia
فلسطين المحتلة

كنت أفهم في الماضي أن سبب مشاكلي تكمن في احتلال بلدي فلسطين من قبل عدو ماكر لكنني اليوم كنت قد اكتشفت نوعاً جديداً من الاحتلال في كل بلادنا العربية في ذلك الوقت فكان في كل بلد عربي يستولي عليه قلة من الناس ويتربعون على الحكم فتصبح ثروات هذا البلد ملكاً لهم ولأولادهم من بعدهم وعلى الجميع أن يركعوا لهم ويكونوا من كلاب صيدهم ومن يمتنع عن ذلك فسيتهم بأنه عميل للإستعمار والإمبريالية العالمية أو أنه لا يرضى بحكم الله في الأرض بعد أن ولاهم الله على رعيته وأصبحوا ينطقون باسمه في الأرض وينفذون تعليماته فكانوا يهبون من استجاب لهم ويدخلونه جنتهم أما من عصى وتولى فكانوا يحكمون عليه ما حكم الله على إبليس فيخرجوه من ديارهم كما أخرج الله إبليس من الجنة بعد أن عصى وتكبر فيصبح بلا دنيا وبلا وطن.

Untitled
الشيعة

وكل ما كنت أعلمه عن نفسي وعن غيري من الناس أننا كلنا مسلمون ومتساوون في الحقوق والواجبات كأسنان المشط هكذا قالوا لي لا بل أضافوا على مسامعي أيضاً أن لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى هكذا علموني وهكذا كنت قد تعلمت إلا أنني وجدت العكس تماماً وجدت الشيعة لا يعترفون بأن أم المؤمنين هي عائشة ولا يعترفون بالخلفاء الراشدين غير عليّ ويعتبرون أبي لؤلؤة المجوسي قاتل سيدنا عمر بن الخطاب من الأولياء الصالحين وعلمت أيضاً أن له مزار في إيران يزوره الناس ويتبركون منه.

56729841
حي البحسيتا

واندهشت أكثر عندما رأيت في قلب مدينة حلب بالقرب من ساحة باب الفرج بيت للدعارة يقع في حي البحسيتة تعرض فيه المومسات أجسادهن للمارة وبجانب كل منها سعرها الذي يعتمد على عمرها وجمالها وسيجد من يريد المتعة من الرجال مطلبه حسب امكاناته المادية وفي أي وقت يشاء ويحرسها شرطي أو أكثر لمنع دخول صغار السن وبعد البحث والاستفسار وجدت أن هذا البيت يرجع تاريخه إلى العهد التركي وهو مصرح به من قبل الحكومات المتعاقبة والذي أدهشني أكثر أن هذه الحكومات المتعاقبة كانت تحجز هذا المكان عن العامة كل اثنين وخميس ليكون فقط لأفراد الجيش والقوات المسلحة فشفقت على من جارت عليه الأيام وسكن في هذا الحي.

imagesCAN27ZWE
مسجد جمال عبدالناصر في الكلاسة

اندهشت أكثر عندما رأيت أن كل من كان يسكن في حيّ الكلاسة هم من عبدة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر فكان كل معلم في هذا الحي يسمى باسم هذا القائد العظيم بشكل أو بآخر ابتداءاً من الشارع ومروراً بالمحلات التجارية والورش والدكاكين وانتهاءاً بالمسجد وأهل هذا الحي ناصريون حتى العظم فهم يقدسون الرئيس جمال عبد الناصر أكثر مما يقدسون الأولياء الصالحين بعد أن سئل ذات مرة عن حي الكلاسة فقال قولته المشهورة:الكلاسة وردة في كاسة.

Old%20Aleppo%207%20The%20Tram
الترام

واندهشت كذلك عندما رأيت وركبت الباص الكهربائي الترام الذي يصل ما بين مبنى البريد العام في ساحة عبدالله الجابري والقلعة بعد أن كنت قد قرأت عنه في كتبي المدرسية ولم أشاهده على أرض الواقع وأدهشني كذلك رؤية بعض المباني التي تحمل نجمة داود في حي الجميلية وفي حيّ باب الفرج وهذا يعني أن من كان يملك هذه المباني يهوداً كانوا قد تركوها ليحتلوا بدلاً منها فلسطين وفوجئت أكثر عندما علمت أن الصراف الذي كنت أتعامل معه في باب الفرج يهودي.

safe_image
لعبة الكوشتبان الحلبية

أدهشني كذلك لعب القمار في الشوارع ففي ساحة باب الفرج رأيت لأول مرة لاعبوا الكشتبان وهم يتصيدون الضحايا من الفلاحين السوريين ومن الأغراب عموماً أما لاعب الكشتبان هذا فكان يأتي بعدد من الفناجين المتماثلة ويقوم يقلبها جميعاً بعد أن يضع حجراً من الزهر تحت أحدها ويسأل المغفلين من حوله تحت أي الفناجين يقع الحجر؟.

images

ومن يعرف أين يقع هذا الحجر فله عشرة ليرات سورية ومن لا يعرف يدفع مثلها فيجيب أحد الواقفين حوله فيعطيه عشرة ليرات ثم يعيد اللعب من جديد على مبلغ أكبر ويعطيه مثله ثم يرفع قيمة هذا المبلغ أكثر إلى أن تأتي الضربة القاضية ويأخذ منه كل ما معه من فلوس وكان للأسف الشديد أحد زملائي ضحية لهذه اللعبة القذرة بعد أن أخذوا منه كل ما يملك مرة واحدة. 

11
أبو عبدو الفوال

واندهشت أكثر عندما دخلت أحد المطاعم وطلبت صحناً من الفول وإذا به يحضر لي مع الفول ملعقة فهم لا يهرسون الفول مثلنا بل يأكلونه كما هو بعد سلقه وإضافة المقبلات عليه وطبق الفول في حلب مشهور جداً فعندما زار وزير الخارجية التركي أحمد أوغلو مدينة  حلب وجلس أمام مائدة تضم جميع أنواع الأكل الحلبي الطيب بمطعم كثير النجوم وقبل أن يمد يده إلى الأكل قال لمضيفيه :لقد سمعت كثيراً عن فول أبو عبدو وأرغب بتذوقه ولم يتذوق أي طعام إلا بعد أن أحضر له مرافقوه صحناً من فول أبو عبدو الفوال.

a4sicpwccaeenha
مقهى جحا 

والمقهى الذي كنت أعرفه أنا على الأقل في ذلك الوقت هو مكان يجلس بداخله الناس لشرب الشاي والقهوة ولعب الورق وتدخين الأرجيلة أما في مدينة حلب فهو مكان للحوار والمناقشة والمطالعة والكتابة فكان منتدى الشام قبل أن يتحول إلى مقهى جحا كان ملتقى المفكرين والأدباء والشعراء والأطباء والمحامين والفنانين والإعلاميين والتجار وكل عشاق مدينة حلب الشهباء وهذا المقهى يقع في الجهة الشرقية من ساحة سعد الله الجابري. 

2011_7~1
المشتل

وفي مدينة حلب رأيت لأول مرة في حياتي حديقة عامة وهم يسمونها المشتل للناس أجمعين وكان فيها الخضرة والماء والوجه الحسن وأول مرة أرى فيها الأسر مجتمعة تأكل وتشرب وتلعب فالمشتل في مدينة حلب مكان جميل يجلس الناس فيه تحت الأشجار أو على مقاعد بين الورود والنوافير والتماثيل وهناك دكان صغير تشتري منه ما تريد والأهم من ذلك كله أنه لا يتدخل أحد في شؤون الآخر.

Praha Staré Mìsto Bílkova ulice centrum pití alkoholu alkohol alkoholik alkoholismus opilý bezdomovec
سكران في الشارع

اندهشت أكثر عندما رأيت جميع أنواع المشروبات الروحية تباع في الدكاكين كسلعة عادية يشتريها من يريد وفي أي وقت يريد واندهشت أكثر عندما كنت أراهم يشربون هذا المشروب علانية في الشارع العام دون حياء أو خجل ولم أكن أتوقع في يوم من الأيام أن يصل الخمر إلى بيتي ففي أحد الأيام ذهب من أسكن معه في الغرفة في المدينة الجامعية إلى وسط البلد وعاد لي سكراناً يترنح ويتمايل في مشيته  وقد ظننته مريضاً لأنه راجع كل ما في بطنه إلى أن حضر زميلنا الثالث وقال لي:ألا تشم رائحة العرق؟إن صاحبنا لسكران. 

imagesCA2RJEKW
القندرجية الحلبية

كنا في الأردن إذا تشاجر شخصان ومر عنهما شرطي أو حتى عسكري يفصل بينهما وإذا لم يفلح يأخذهم إلى المخفر وهناك يوجد من يتولى أمرهم أما هنا في مدينة حلب فالشرطي يمر بجانب المتشاجرين دون أن يتدخل بهم ودهشت كذلك عندما علمت أن سلاح الشاب الحلبي هو القندرجية أي السكين الذي يستعملها السكافي ويمسكها كستخدمها بحيث يظهر رأسها فقط ويهجم بها على خصمه ويبدأ في تجريحه في الأماكن المكشوفة من جسمه كي تبقى آثارها شاهدة على هزيمته من قبل خصمه إلى الأبد ودهشت أكثر عندما رأيت بأم عيني نشوب معركة بينهم في محطة الباصات فتذكرت صراع الديكة.

untitled
أحلى ما عندهم مجاملتهم لبعضهم البعض

وكان مما أدهشني كذلك ما يتمتع به أهل حلب من مجاملات فيما بينهم فعندما وصلنا إلى مدينة حلب قادمين من دمشق وقبل نزولنا من السيارة انهال عليّ الركاب بالمصافحة قائلين لي: الحمد لله على السلامة وأكملوا السلام على بعضهم البعض ـ دون أن يكون بينهم سابق معرفة ـ مهنئين بسلامة الوصول وهذا الأمر لم أشاهده في حياتي السابقة لا في فلسطين ولا في الأردن وكم تمنيت في نفسي أن نتقن كشعب مثل هذا النوع من المجاملات. 

untitled
صباح فخري مطرب حلب الأول

واندهشت أكثر عندما كنت أتجول في أحياء مدينة حلب ليلة الخميس فكنت أرى الأقارب والأصقاء والجيران وهم مجتمعون في بيت أحدهم  يغنون القدود الحلبية الشهيرة وعلى أنغامها يرقصون فرحين مستبشرين صغيرهم قبل كبيرهم نساؤهم قبل رجالهم أولادهم قبل بناتهم وبعدها يأكلون ويسهرون ويتسامرون وكنت أحسدهم على هذه التجمعات التي لم أشاهدها في مجتمعنا سواء كان في الأردن أو فلسطين فنحن لا نجتمع إلا في المناسبات وحتى إذا اجتمعنا نكون جديين أكثر من اللزوم.

148227_169109843125731_3745404_n
الكبة الحلبية

أعجبت بالمرأة الحلبية أيضاً فهي مشهود لها في المطبخ من قبل الجميع فهي تعلق قلائد الفلفل الحار في البلكونات لتجفيفه واستخدامه في المأكولات الحلبية المختلفة والمرأة الحلبية تصرف الوقت الكثير والجهد الكبير في تحضير الكبة الحلبية المشهورة فقد كانت تدق اللحمة والبرغل في الهاون قبل اختراع الخلاط الكهربائي وكان له وقع موسيقي مميز لا يفهمه إلا من تذوقها وأعجبت أكثر في إدارة المرأة الحلبية لبيتها فهي تذهب يومياً إلى السوق وتشتري فقط 200 غرام لحمة وتفرمها وتطبخها مع الخضار المتواجدة في السوق خلال ذلك اليوم فيأكل الجميع لحمة على الدوام أما نحن فتستحي نساؤنا أن تشتري أقل من كيلو لحمة هذا إذا سمح لها بالذهاب إلى السوق.

7zox3dwsz1wl
نهر قويق في مدينة حلب

والعجيب في مدينة حلب أنها بلد التناقضات والمتناقضات معاً فكل حي من أحيائها له تاريخ وجغرافية وثقافة مختلفة عن غيره من الأحياء الأخرى فقد تجد حياً من أحيائها محطة بغداد مثلاً يستورد الموضة من باريس أولا بأول وحياً آخر كـالكلاسة مثلاً لا يزال الناس فيها يستخدمون أيديهم في الأكل ويرفضون استعمال الشوكة والمعلقة والسكين وقد تجد حياً آخر يعتبر فيه الناس أن حمل الزوجة من زوجها عاراً عليهم ويحرمون على ابنتهم الحامل من دخول بيت أبيها طيلة فترة الحمل لكنهم كلهم يشتركون في حبهم للغريب ويتسابقون على خدمته واحترامه.

مشاهد من ذاكرة الرحيل

ما بعد التوجيهي


1332691046220px-jordanian_passport
لا بد لي من الحصول على جواز سفر لأتمكن من السفر

مع ظهور نتائج التوجيهي لعام 1968 يكون قد إنتهى مبرر وجودي في ضيافة إبن عمي والتي إستمرت إلى ما يقارب السنة أو يزيد قليلاً وعليّ أن أغادر الأردن إلى أي مكان آخر لا أعلمه حتى الآن لكنني تذكرت أنني بحاجة إلى جواز سفر كي أتمكن من السفر لهذا كان لا بد لي من الحصول عليه أولاً وقبل كل شيء لكنني عندما تقدمت بأوراقي لاستخراجه طلبوا مني طلبات تعجيزية لا أستطيع تلبيتها لكن الله كان قد يسّر لي شخصاً لا أعرفه إسمه أبو خليل الشركسي الذي إستطاع أن يخفف لي من طلباتهم وساعدني في الحصول عليه ولم أكن أعلم كذلك أن جواز السفر وحده لا يكفي للسفر لكنني كنت أعلم جيداً أنني لن أستطيع العودة إلى أهلي وبلدي ولا حتى الالتحاق بأخي الأكبر الذي كان يعمل ويقيم في الكويت. 

imagescazzkr2h
الجامعات الغربية كانت تعد على أصابع اليد الواحدة 

وكانت الجامعات في تلك الأيام تُعد على أصابع اليد الواحدة وأنا لم أكن أعلم عنها شيئاً كغيري من شباب تلك الأيام ولا حتى عن التخصصات التي كانت تدرسها وكل ما أعلمه عن التعليم في ذلك الوقت:أن المدرس الفلاني جامعي أو دار معلمين أو مترك وقمة طموحي كان في ذلك الوقت أن أكون معلماً جامعياً كي أدرس الرياضيات أما كيف سيكون ذلك؟فلم أكن أعلم.

478764_1330960899

أبلغني أخي الأكبر المقيم في الكويت بأنه إستطاع الحصول على قبول لي في إحدى جامعات تركيا وطلب مني السفر إلى هناك لدراسة الهندسة ولم أكن أعلم شيئاً عن الهندسة ولا عن المهندسين لا بل لم أر في حياتي كلها مهندساً لكن عليّ أن أنفذ ما طُلب مني فذهبت إلى السفارة التركية في جبل عمان وطبعت الفيزا على جواز سفري الجديد وسافرت إلى تركيا براً عن طريق سوريا.

image2033
واسترحت في حلب وأنا في طريقي لتركيا

وركبت السيارة من مدينة الزرقاء في الأردن إلى مدينة دمشق في سوريا واسترحت في مدينة حلب وهناك إلتقيت بطلبة عرب أمثالي يبحثون عن مقاعد جامعية لهم وفهمت منهم أنني أستطيع أن أدرس الرياضيات في جامعة حلب فدغدغت هذه الكلمات مشاعري القديمة وقررتُ البقاء في حلب رغم علمي الأكيد بمعارضة أخي الأكبر وتأتي معارضته هذه كونه كان مدرساً سابقاً فعرف مهنة التعليم عن قرب وعرف ما لها وما عليها ولا يريدني أن أكون مدرساً مثله.

untitled219
جامعة حلب

أما أنا فلم يكن عندي خبرة في السفر المهم أنني أريد أن أسافر وفقط وسافرت وكان كل ما أملكه في جيبي ستة دنانير أردنية فقط لا غير لكن الله كان قد يسّر لي صديقاً لي كان يبحث مثلي عن قبول في إحدى الجامعات السورية ساعدني مادياً وسجلت في الجامعة وعندما دخلت الجامعة فوجئت بأن معظم الطلبة العرب هم طلاب منح ويتقاضون رواتباً شهرية من الحكومة السورية فحاولت الحصول على منحة مثلهم فوجدت أن الأمر أصعب من ما كنت أتصور بكثير فكان عليك للحصول على المنحة أن تكون بعثياً أو أن يرشحك بعثي مهم في بلدك. 

43919_40544
حزب البعث العربي الإشتراكي

أما أنا عن نفسي فلم أسمع بحزب البعث العربي الإشتراكي إلا منذ أيام فقط وليس لي منه معارف أو أصدقاء ولهذا فقد فشلت كل محاولاتي للحصول على منحة جامعية من الحكومة السورية كغيري من الطلاب والعجيب في الأمر أن معظم هؤلاء الطلاب الذين كانوا يتقاضون هذه المنح الدراسية ليسوا ببعثيين ولا حتى يحبون حزب البعث لكن الواسطة مهمة حتى في التعليم والسياسة.

A3iad
الإتحاد العام لطلبة فلسطين

وكانت قد تشكلت هيئة عربية مستقلة لمساعدة الطلبة الفلسطينيين الذين إنقطعت مواردهم أو تضررت بعد حرب 67 فذهبت إلى إتحاد طلبة فلسطين فرع حلب وطلبت منهم المساعدة فاحتد المسؤول في ذلك الوقت وقال:كيف تحضرون للدراسة دون أن يكون معكم فلوس؟فقلت له:أنا لا أريد منك المساعدة أنا أريد منك أن تدرج إسمي مع الأسماء المرشحة لنيل هذه المساعدات العربية التي لا دخل لك فيها فأنا من الأرض المحتلة وكنت قد فقدت والدي في هذا الحرب وعليكم أن تدرجوا إسمي في القائمة التي سترسلونها إلى الهيئة العربية عندها أضاف إسمي على مضض ومن دواعي السخرية أن يصبح هذا الشخص من الأصدقاء المقربين لي بعد أن كان من الزملاء.

imagesCA5OBQSLلم يبق أمامي غير العمل فعملت مدرساً في مدارس وكالة الغوث بوظيفة مدرس كامل النصاب من أجل توفير مصروفي الشخصي وقد مكنتني هذه المهنة من توفير حاجاتي الأساسية بل أكثر فقمت بإرسال ما زاد عن حاجتي إلى أهلي في فلسطين كي يسدوا به رمقهم أيضاً فإخوتي في المدرسة وهم بحاجة للدعم والمساندة لكن الله يقف مع الصابرين والقادرين وما هي إلا سنة وبضعة شهور حتى اتصل بي محسن كبير من ليبيا هو السيد محمد بن ساسي وتبرع لي بعشرة جنيهات إسترلينية شهرياً وبهذا أكون قد إستغنيت عن العمل كي أتفرغ للدراسة.

مشاهد من ذاكرة الرحيل

حُلم جدّي وضعني في ورطة


291853
ذهبت السكرة وجاءت الفكرة

كانت الأحداث التي وقعت في هذا العام أكبر مني كثيراً لدرجة أنها أنستني أن لي يداً مكسورة وهي لم تجبر بعد وأنست أمي كذلك أين؟وكيف؟وإلى متى؟ سيعيش شاب صغير مثلي غريباً عن بلده وأهله وبيته؟فبعد أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة كما يقولون بدأت أفكر متسائلاً:هل أستطيع أن أستأجر غرفة وأعيش بها وحدي وأنا في مثل هذه السن؟وإذا إستطعت من أين لي أجرتها؟فصديق والدي الذي وضع لي عنده والدي فلوساً قبل وفاته لتعليمي وحرصاً منه على مصلحتي فقد حدد لي مصروفي الشهري بخمسة دنانير في الشهر الواحد فقط فما هو الحل إذن؟.

imagesCACZJN0L

ومما زاد الطين بلة أنه وفي خضم هذه الأحداث الكبيرة جاء رجل ـ يدّعي محبتنا ـ  كان قد علم بوفاة والدي يسأل عني ليسترد مني عشرة دنانير كان أخوه قد أرسلها له مع والدي قبل أن يستشهد لكن من سأله عني أسمعه ما لا يُحب وعاد دون أن يراني ومن العجيب أن هذا الرجل يعرض نفسه حتى الآن بأنه من أعز الأحباب ولا يعلم أنني أعلم ما كان قد فعله في الماضي البعيد القريب.

Scan11460
أنا وإبن عمي وأخي

أما أخي الذي كان متواجداً في الكويت فكانت ظروفه المادية صعبة ولن يستطيع مساعدتي أما إبن عمي الذي يعيش في مدينة الزرقاء فهو متزوج من إمرأة لا تكبرني إلا بضع سنين لكنها بالمقابل تعهدت لي أن تكون لي أماً ثانية في غياب أمي الأولى فهي تسكن مع زوجها وأولادها في غرفة واحدة وخارجها حوش صغير ومطبخ أصغر فأفرغت المطبخ من محتوياته ووضعت لي فيه سريراً فقط لأنه لا يتسع لغيره وقالت:تنام هنا وتعيش معنا إلى أن ييسر الله أمرك.

????????????????
مدرسة الصلاحية الثانوية في نابلس

وفي هذه الأثناء بدأت أنتظر العودة إلى الأهل والوطن لكنها بدت كأنها بعيدة المنال وفتحت المدارس أبوابها وإحترت في أمري أأدرس أم لا أدرس؟لأن التحرير قادم لا محالة وكلي أمل في أن أعود إلى مدرسة الصلاحية الثانوية في مدينة نابلس التي كنت أدرس فيها قبل الحرب وانتظرت أكثر إلى أن قال لي أحدهم:سجل في المدرسة هنا وادرس وعندما يأتي التحرير يكون لكل حادثة حديث وذهبت إلى المدرسة كي أسجل فيها لكنهم طلبوا مني آخر شهادة مدرسية لي في المدرسة التي كنت بها وهي ليست معي.

untitled205
مدرسة الزرقاء الثانوية المسائية

أشار عليّ أحدهم أن أذهب إلى وزارة التربية في عمان وأستخرج منها بدل فاقد وفعلاً إستخرجتها وبعد أن ضاقت الأردن بسكانها فتحوا لنا مدارس مسائية لحل المشكلة وسجلت في مدرسة الزرقاء الثانوية المسائية وإنقلبت حياتي رأساً على عقب وأصبحت أنام في الصباح وأذهب إلى المدرسة في المساء وهذا شيء جديد لم أعتد عليه في حياتي السابقة وعليّ أن أتكيف معه لكن ما أدهشني وحيرني في ذلك الوقت أن طلاب الفترة الصباحية كانوا يستهزؤون منا عند الدخول والخروج من مدرستهم ويصيحون علينا عند رؤيتنا: نازحين… نازحين… نازحين والكثير منهم كانوا قبلنا من اللاجئين.

images
 ولعب شدة

إنتظمت في الدراسة لكن البيئة التي كانت قد فرضت عليّ لم تكن بيئة دراسية ولم تكن تساعد على الدراسة بل هي بيئة سمر وسهر ولعب شدة فكان أقاربي بعد أن ينتهوا من أعمالهم يتحلقون حول طاولة الشدة ويطلبونني لأكون رابعهم وإذا امتنعت عن الحضور يأتون هم إلى عندي ويسحبونني غصباً عني لأكون رابعهم على طاولة الهاند حسبما تقتضي قواعد اللعبة.

imagesCADSKYOM
لم يعترفوا به كشهيد لأنه ليس بعسكري

وكان لأبناء الشهداء بعد هذه الحرب في عمان وضع خاص فحاولت أن أكون منهم لكن محاولاتي كلها باءت بالفشل لأن والدي لم يكن عسكرياً فلم يعترفوا به كشهيد فنصحني أحد المعارف أن أذهب إلى وزارة الشؤون الإجتماعية والعمل وذهبت وهناك حاولوا أن يبحثوا لي عن عمل في مخبز لتوصيل الخبز إلى البيوت لكنهم لم يجدوا مخبزاً بحاجة لأمثالي بعد أن إمتلأت الشوارع بالرجال الطالبين للعمل وعدت بخفي حنين.

imagescazw1uxh1
معركة الكرامة

وجاء يوم 21 آذار 1968 حين تقدمت قوات العدو الصهيوني إلى بلدة الكرامة الأردنية لتطهيرها من الفدائيين الفلسطينيين وقرر هؤلاء الفدائيون الصمود وتعاون معهم الجيش الأردني وتمكنوا من دحر قوات العدو وعندما بدأت المعركة قلت في نفسي:إن هذه هي بداية التحرير  ولم أذهب إلى المدرسة في ذلك اليوم المشهود خوفاً من أن يتم التحرير وأنا بداخلها إلى أن إنتهت المعركة دون أن أعود إلى بلدي وفي هذه الأثناء زارتني أمي وأختي لترفع من معنوياتي ولتشكر إبن عمي وزوجته على ما قدموه لي من مساعدة وبعد أيام معدودة عادت أمي وعدت أنا لمشاكلي وبقيت على هذا الحال إلى أن قدمت إمتحان التوجيهي تحت هذه الظروف وحصلت على معدل 70% وكانت هذه نكسة ثانية لي فلم أكن في يوم من الأيام بهذا المستوى المتدني.

مشاهد من ذاكرة الرحيل

هكذا إستشهد والدي


unnamed-file
لم أسأل عن السؤال الذي قدمت من أجله 

إستقبلني أقاربي ومظاهر الحزن تبدو في وجوههم وقطرات الدموع تملأ عيونهم ولم يكن والدي من بينهم فقلت في نفسي:المكتوب يُقرأ من عنوانه فلا داعي لطرح السؤال الذي كنت قد قدمت من أجل الإجابة عليه ولم أسأل بعد أن تيقنت بأن والدي كان قد رحل إلى الرفيق الأعلى لكنني أصبحت في تلك اللحظة متشوقاً كي أعرف كيف رحل؟لكن قبل ذلك قفزت إلى ذهني صورة والدي في منتصف خمسينات القرن الماضي عندما صحوت من نومي (وأنا طفل صغير عمري ست سنوات) عندما ودعنا ونحن نيام فوحدته يرتدي القميص والبنطال الكاكي والحطة والعقال على غير عادته. 

imagesca2qtsps1
يا ماما ليش الكويت تبعد عني خلاني 

وما لفت نظري أكثر في ذلك الوقت أن أمي كانت تحضر له أغراضه وهي تبكي ولم أكن أفهم ما يدور من حولي لكنني بعد ذلك فهمت أنه كان مسافراً إلى الكويت وتذكرت كذلك في الحال عندما سمعت أمي وهي تقول لنا:إن والدكم قد وصل سالماً إلى الكويت وعلى إثر ذلك أقامت ثلاث ليال متصلة من الغناء والأفراح إبتهاجاً بوصوله سالماً وكان مما أتذكره من ذلك الغناء:يا ماما ليش الكويت تبعد عني خلاني وفي تلك الأثناء قطع إبن عمي حبل أفكاري عندما بدأ يروي لي ما حدث مع والدي حيث قال:

scan10448
إبن عمي أبو العبد في ذلك الوقت

لم أصدق أن عمي في ضيافتي فهو يدخل بيتي لأول مرة وقد وصلنا متعباً قلقاً يريد السفر إلى بلده بأقصى سرعة ممكنة وطلب مني أن أرافقه إلى السوق فوراً فلم أعترض على طلبه هذا لكنني طلبت منه أن يستحم أولاً فوافق على الفور وما أن خرج من الحمام حتى كان الغداء جاهزاً فتناولناه سوياً وخرجنا إلى السوق معاً وهناك طلب مني أن أدله على صديق قديم له في الزرقاء يمتلك محلا لبيع الأقمشة وفي هذا المحل يتجمع القادمون من منطقة سلفيت والمغادرون إليها وعندما وصلنا ذلك المحل وجدناه يعج بالناس وبعد حوار قصير مع صاحب المحل سمعته يقول له:خذ هذا المبلغ 60 ديناراً ليكون أمانة عندك إذا حدث لي أي مكروه لا قدر الله على ألا تسلمه إلا إلى ولدي جميل ليكمل به تعليمه.

untitled
مقهى الأدلة 

وبعد أن ودع صاحبه وخرجنا من عنده طلب مني أن أرافقه إلى مكان تجمع الناس الذين يودون السفر إلى الضفة الغربية تهريباً وأخذته إلى مقهى يجتمع فيه الأدلة وكل من يرغب بالسفر إلى هناك وقمنا يعقد صفقة مع أحد الأدلاء كي يوصله إلى الجانب الفلسطيني من نهر الأردن بعد أن إتفقنا معه على أن يدله على مكان سهل وآمن ليقطع منه النهر وعلى هذا الدليل أن يبقى في إنتظاره حتى يصل إلى الضفة الأخرى منه وسافر مع الدليل بعد أن ودعني إلى الغور بالسيارة وبعدها يواصل سير ه على الأقدام حتى يصل إلى النهر. 

sdfgfdhghgfhghgfhfghfg
وكان العسكري المسؤول صديق قديم لعمّي 

وفي طريقهم ـ عمّي والدليل ـ وقبل أن يصلوا النهر مرّوا عن نقطة عسكرية أردنية وإذا بالعسكري المسؤول صديق قديم لعمّي يدعى (عبدالحميد رزق الله) من بلدة (مزارع النوباني) فنصح عمي ألا يقطع النهر في هذه الفترة لأن اليهود هذه الأيام شرسون أكثر من اللزوم وعليه أن يعود إلى عمان حتى تهدأ الأمور لكن عمّي (رحمه الله) رفض وأصرّ على السفر ولم يسمع كلام صديقه فاضطر صديقه العسكري هذا أن يراقبه حتى قطع النهر إلى الضفة الغربية. 

ygLVIm03120205
جرافة لجمع حصاد ما قتلوا في ذلك اليوم

وقبل أن يختفي عن أنظار صاحبه وإذا بدورية صهيونية تفاجئه فاحتمى بصخرة كبيرة وبدأ يرفع رأسه بين الحين والآخر ليراقب تحركاتهم فرآه أحد أفراد الدورية وأطلق عليه النار وبعد أن تأكد اليهود من موته واصلوا طريقهم لقتل غيره فهذه الدورية مختصة في القتل فقط أما الدفن فله أناسه فبعد أن يقترب اليوم على نهايته يأتون بجرافة لتجمع حصاد ما قتلوا في ذلك اليوم وتحمل الجثامين بعد أن يعطوا كل جثة رقماً يليق بها ثم يغطونهم بالتراب في مقبرة خاصة سموها مقبرة الأرقام. 

4ffcd8ac3231c1bb1ab1c719c1475b17_485250_4669484620861_1152500261_n
مخفر السلط

حدث كل هذا لعمي أمام عيني صديقه العسكري فلم يتحمل ذلك العسكري ما  كان قد رأى فذهب سريعاً وقطع النهر وأحضر جواز سفر عمي وأشيائه البسيطة التي كانت معه وعاد ثانية إلى مكان عمله واحتار صاحبه فيما سيفعله بهذه الأغراض فوجد أن أفضل طريقة هي إبلاغ مركز الشرطة بما رأى وقام بتسليم أغراضه إلى مخفر السلط وبعد يومين من سفر عمي وإذا بالمخفر يطلبني للحضور وذهبت في الحال وأبلغني الضابط المسؤول بما حدث لعمي وأعطاني جواز سفره ومتعلقاته هذا كل ما حصل عندنا لكنك لم تقل لي ما كان قد حصل عندكم؟.  

imagesCA69WN6H
لم يبق هناك من خيول ليربطها

قلت:بعد أن وصل الخبر إلى مسامع الناس عندنا إنقسم هؤلاء الناس إلى قسمين:قسم يقول عليكم تبليغ أهله بما حدث والقسم الآخر يقول لا تبلغوهم حتى يتأكد الخبر وبقينا في حيص بيص فأرسلوني إلى عندكم لأستكشف لهم الخبر وأقطع لهم الشك باليقين وقالوا لي:إذهب ولا تقلق على موضوع العودة فهي مؤكدة بعد شهر أو شهرين على الأكثر فها هو الرئيس جمال عبدالناصر يُعد لهم ما يستطيع من قوة ومن رباط الخيل فضحك إبن عمي وقال:أما قوته فرأيناها على أرض الواقع وأما رباط الخيل فلم يبق هناك من خيول ليربطها. 

imagesCAHYMZWW
خلوة مع نفسي

لم أفهم ما قاله أو ما قصده إبن عمي بقوله هذا لكنني أفهمته أنني متعب مما سمعت ورأيت في هذا اليوم وأنا بحاجة إلى خلوة مع نفسي وفي الصباح صحوت مبكراً وبدأت أجهز نفسي للعودة كي أؤكد الخبر الذي من أجله كنت قد قدمت وعندما رآني إبن عمي سألني:خيراً إن شاء الله قلت له:سأسافر اليوم وليس غداً كي أخبرهم بما كان قد حدث فقال مخاطباً نفسه:أحسن كنا بواحد واليوم سنصبح بإثنين ثم على صوته بشئ من التهكم حيث قال بلهجة الأمر:عليك أن تنتظر جمال عبدالناصر عندنا كي تعود معه إلى بلدك كما أبلغوك وبدأت أنتظر … وأنتظر … ولا زلت أنتظر حتى هذه اللحظة.

مشاهد من ذاكرة الرحيل