25) ذكريات وزيارات


السبت 26/11/2016: 

2016-12-02-08-16-34
علاء ينوب عني في حفل تكريم مجموعة كنت في الكويت

أصبحت أنتظر هذا اليوم على أحرّ من الجمر، فهو يوم الفكاك من جلسات العلاج الكيماوي، حيث كلّما شعرت بتحسن في صحتي العامة جاء العلاج الكيماوي ليطيح بهذا التحسن. كما أنني لن أنسى ساعة ذهابنا وساعة رجعتنا من المستشفى في أجواء باردة جداً، حيث كانت درجة الحرارة لا تبتعد عن الصفر إلا قليلاً. وعلى الرغم أن بيتنا يبعد دقائق قليلة عن المستشفى، إلا أنني كنت أشعر أن المشوار طويل جداً. كان الله في عون من يقود مسافات طويلة للوصول إلى هنا.

2016-12-02-08-16-35
إهداء من مجموعة “كنت في الكويت ولي فيها ذكريات”

ومن سوء حظي أن الأخ والصديق أبمن أبو شرار مسؤول صفحة كنت في الكويت ولي فيها ذكريات كان قد أعدّ حفل تكريم لي ولاثنين من المدرسين المخضرمين ممن عملوا في الكويت في القرن الماضي. ولما كان هذا الموعد يتعارض مع جلسة العلاج الكيماوي اليوم، ناب عني ابني الأكبر علاء في الحضور. لا أظن أن هذه الكلمات أو غيرها توفي الأخ أيمن حقه من الشكر، فهو بعمله هذا يضرب أروع الأمثلة في الوفاء والعرفان.

مساءً، سافر بهاء وضياء على التوالي إلى أعمالهم بالسعودية والبحرين، عاقدين النية على العودة قريباً، إذ عاد ضياء في اليوم التالي مباشرة، بينما عاد بهاء في يوم الأربعاء. 

الأحد 27/11/2016: 

2016-12-02-08-16-34-1
الأستاذ فرج حبوب والأخ أيمن أبو شرار

البارحة كانت آخر جلسة كيماوي. مع الخبرة، توقعت وكان توقعي بمحله، أن تنحدر حالتي الصحية وأشعر بالتعب والإرهاق، إذ أمضيت بقية يومي بين استفراغ، وشهية مسدودة، وشعور سريع بالتعب عند أول مجهود. إلا أن زيارة الأستاذ فرج حبوب وابنه والأخ أيمن أبو شرار لبيتنا كانت ما أحتاجه للخروج من هذا الجو الكئيب، فقد أبحرنا في ذكريات الأيام الجميلة التي قضيناها في الكويت، واستذكرنا أحداثاً عديدة مررنا بها خلال العقود الأربعة الماضية، ورغم أنني لم ألتق بالأستاذ فرج قبل اليوم، إلا أنه خُيّل إليّ أني أعرفه منذ سنين طويلة.    

الثلاثاء 29/11/2016:

2016-12-02-07-18-26-1
مع الدكتور طاهر أبو حجلة في بيتنا

كان يوم أمس مملاً وطويلاً ومرهقاً، شأنه شأن اليوم. لكن الدكتور طاهر أبوحجلة، الطبيب المسؤول عن حالتي، اتصل بنا صباحاً ليبلغنا رغبته بزيارتي في البيت للاطمئنان على صحتي، إذ كان خارج البلاد لمدة قاربت الأسابيع الستة. استقبلنا الدكتور عصراً وبدا واضحاً أنه متفاجئ من وضعي الصحي مقارنة بما توقعه من خلال قراءة التقارير الطبية التي ترد له تباعاً أثناء سفره. استمتعت جداً بزيارة الدكتور طاهر، فهو مثال الطبيب الناجح، ليس علمياً فحسب حيث أنني غير مؤهل للحكم على قدراته العلمية، إنما ما يهمني هو مقدار الإنسانية التي يتعامل بها الطبيب مع مرضاه ومرافقيهم والمجتمع حوله بشكل عام، فهم مرضى وليسوا زبائن، والهدف علاجهم وليس نهب محافظهم، والتعامل اللبق معهم هو أولى اهتمامات الطبيب، وليس فقط صرف الدواء لهم.

الخميس 1/12/2016:

2016-12-02-07-19-42-1
بث مباشر من بيتنا في سلفيت أثناء المنخفض

وصل بهاء البارحة من السعودية، مُحضِراً معه أول منخفض جوي هذا العام، لتبدأ الأمطار بالتساقط مع وصول الرياح إلى سرعات عالية جداً. كان هذا الجو الماطر من أكثر ما أحبه في صباي، لذا وجدت نفسي أفتح شاشة الكمبيوتر على بث مباشر لبيتنا في سلفيت وسقوط الأمطار عليه، ولما لم أكتف بشاشة الكمبيوتر طلبت من أبنائي ربط الصورة على التلفاز، وهذا ما حدث، فالمنظر أجمل من أن أُفوّته. رغم الإرهاق الذي أصابني في الأيام القليلة الماضية، إلا أنني اليوم أشعر بتحسن ملحوظ. ربما تكون تلك بركات المنخفض الجوي، أو ربما مضي عدة أيام على انتهاء جرعة الكيماوي.

تجربتي مع السرطان… من الألف إلى النون

(24) عندما يمر الأسبوع كَسَنَة


الثلاثاء 15/11/2016:

20161115_123506-1-4
حصتي من الماء قبل التصوير الطبقي

كان اليوم امتداداً لحالة عدم الشعور بالجوع من آثار تناول الفيتامين ليلة أمس، لكن فيما يخص الإرهاق والتعب فقد بدأ بالتراجع نسبياً، وغلب علي النشاط في الساعات الأولى من الصباح بالمقارنة مع الأيام السابقة، إلا أن هذا الشعور لم يدم، فلا بد لي من الصيام لفترة ست ساعات قبل الذهاب لأخذ الصورة الطبقية، فتحول نهاري إلى يوم طويل وبطيء يغلبه النعاس. انطلقنا في تمام الساعة الثانية عشر لإجراء صورة طبقية عامة، والتي تستدعي شرب لتر ونصف كاملين من الماء المخلوط بمحلول خاص حسب حالة المريض. ما أصعب شرب هذه الكمية من الماء على معدة خاوية. بعد الصورة لم أستطع التحمل فاستفرغت ما في بطني، ثم لازمني شعور عام بالتعب والارهاق إلى آخر اليوم. 

السبت 19/11/2016: 

2016-11-09-17-17-04-1-2
الجلوس على الكمبيوتر لأكثر من ربع ساعة يرهقني

الأيام الثلاثة الماضية مرت بوتيرة واحدة. ليل هادئ أحظى فيه بساعات من النوم العميق، ونهار طويل متعب أشعر به بالجوع الدائم مهما أكلت، والنعاس مهما نمت. أضف إلى ذلك قلة التركيز والقدرة على متابعة وسائل التواصل الاجتماعي. أما الحالة الجسدية، فحدث ولا حرج، فمشي لمدة دقائق معدودة كفيل بإرهاقي، والجلوس على الكمبيوتر لأكثر من ربع ساعة يتعبني، كما غلب علي شعور بالعصبية السريعة غير المبررة، وعدم الرغبة بالتحدث مع الآخرين، كائناً من كانوا. باستثناء القليل من الحماس للغد حيث ينتظرنا يوم طويل في المستشفى، كان يوم السبت شبيهاً بإخوانه السابقين.   

 الأحد 20/11/2016:

2016-11-22-09-20-11
مع علاء بانتظار الكيماوي

اليوم وغداً جدول حافل بمركز الحسين، حيث بدأنا، أنا وزوجتي وعلاء، بزيارة عيادة السكري حيث أبلغتنا الطبيبة بأن البنكرياس ما زال في صفنا، ومن هنا نجدد له التحية، لنستكمل جولتنا إلى عيادة أورام الرئتين، حيث قابلنا الطبيب البديل عن المسؤول عن حالتي، ويبدو أنه لم يكن مهتماً إلا بمرضاه، مثله مثل الأستاذ الذي يعطي حصة بديلة عن زميله الغائب. ورغم ذلك إلا أنه طمأننا أن الأمور مستقرة نسبياً، وبناءً عليه سنستمر بالجرعة الثالثة من الكيماوي والتي ستبدأ صباح الغد. بعد أن قمت بفحص الدم استعداداً لجرعة الكيماوي، انتهى يومنا بالمركز عندما استلمنا الأدوية اللازمة.

2016-11-26-08-10-56
مع ضياء بانتظار دخول قاعة الكيماوي

في يوم الإثنين، ذهبت مع زوجتي وضياء إلى جرعة الكيماوي الأولى، وإذ بسيدة في العقد الثالث من عمرها تقترب منا وتطلب مني الجلوس مكانها، وبعد أن رفضت تقديراً لها كونها امرأة أصرت بشدة فاستجبت لها. وعندما جلست قالت لي أنها تعرفني وتتابعني على الانترنت، فاستنتجت أنها مريضة مثلي فطالبتها بالجلوس مكانها السابق فاستجابت، ثم بدأت تحدثني عن تجربتها، فهي أم لفتاة في الرابعة من عمرها، أخفت عن جميع من حولها خبر مرضها، فأصبحت تأتي وحيدة إلى المركز لتناول علاج سرطان الثدي الذي أصابها. وحتى لا تنكشف أمام ابنتها أو أقاربها، كانت تُركّب رموشاً اصطناعية كلما تساقطت رموشها الحقيقية جراء العلاج. نصحتني هذه السيدة ببعض الأدعية والأذكار المساعدة على الشفاء، ولا أملك إلا أن أشكرها جزيل الشكر وأدعو لها بالشفاء العاجل والتام.  

2016-11-23-19-28-45-1
مع بهاء بانتظار الكيماوي

أما يوم الثلاثاء فقد راجعت عيادة الرئة مع زوجتي وعلاء حيث أبدى الطبيب ارتياحه لوضع الرئتين بعد تناول المضاد الحيوي، كما أخبرنا أن الأمور في طريقها إلى الاستقرار من حيث الالتهابمساءً، وفي نفس التوقيت، سيصل بهاء إلى عمان من جدة، كما سيسافر علاء إلى بيروت في رحلة عمل قصيرة. كانت الأيام الثلاثة التالية متشابهة من حيث الروتين اليومي، ما بين جرعة كيماوي وإرهاق صباحي، ونوم عميق نسبياً في المساء، واشتداد برودة الجو، وقضاء ما أمكن من الوقت مع عائلتي أو منشغلاً بكتابة هذه السطور. وعلى الرغم من روتينها، إلا أنني لمست تحسناً ملحوظاً على حالتي الصحية العامة، كما أكّد ذلك من هم حولي، فصرت أعقد الآمال على مزيد من التحسن مع مرور الأيام علّي أسجل هدفاً في مرمى الخصم العنيد.    

تجربتي مع السرطان… من الألف إلى النون

السيجارة الأولى


14134613_650462415113555_134599086_n
إعلانات الأمس

فتحت عيوني في القرية، على نبتة خضراء عريضة الأوراق، لا تأكلها الحيوانات، يُعزّها كبار السن من الرجال والنساء، ويسمونها شجيرة “الدخان”. كان كل منهم يزرع هذه الشجيرات حول الأرض التي تحيط ببيته، أو في حواكيره، ولا تحتاج هذه الشجيرات إلى سقاية أو عناية من أحد، وحين تنضج أوراق هذه النبتة، تبدأ بالاصفرار، عندها تُقطف وتُجمع وتصفّط فوق بعضها البعض إلى أن يأتي “الفرّام” بآلته الممنوعة قانوناً. وبعد فرم تلك الأوراق، توضع في كل ورقة سجائر من دفتر “الأوتومان” أو منافسه دفتر “غازي” كمية مناسبة من هذا الدخان المفروم، ثم تُلفّ على شكل سيجارة، ثم تُشعل باستخدام ولاعة “قدّاحة” والمصنوعة من فتيل قطني مغموس بالكاز. كان معظم أهل البلد مدخنين من هذه النبتة، ومع ذلك، لا أذكر أن أحداً منهم مرض أو حتى تأثرت صحته بسببها، بل كانوا يجوبون القرية، وما حولها، سيراً على الأقدام، ويحرثون ويزرعون ويحصدون دون استخدام أي من المعدات الحديثة، كما أنهم عمّروا لسنوات طويلة قبل أن يتوفاهم الله.  

3910078727
ارتباط الدخان بالثورة والنضال 

وما أن كبرت أكثر حتى أصبح السيجارة رمزاً من رموز علية القوم، فالطالب اللامع مدخّن، والمدرّس المتميّز أيضاً مُدخّن، والسياسي المُحنّك لا تفارقه سيجارته، والثوري المُناضل يقاتل بماء وخبزة وسيجارة. أما المثل الشعبي الشهير “زينة الشب سيجارته في يده” فقد كان من أشهر الأمثال في تلك الحقبة. بل وصل الأمر إلى ما وصل إليه، عندما قامت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين باعتبار السجائر من المؤن التي توزعها على مستحقيها، كالطحين والسكر والأرز. ولأنها مجانية، فقد دخل العديدون في عالم التدخين، ومن أصرّ منهم على البقاء خارجه، باع حصته من السجائر، لمعشر المدخنين بثمن بخس. أما الأطفال فكانوا يدخنون ما يقع تحت أيديهم من هذا الدخان، وإن لم يجدوه لجؤوا إلى أوراق “الميرمية” الجافة أو إلى أوراق “التين” الجافة أو ما شابهها من النباتات، فكانوا يجففون أوراقها  ثم يفركونها باليد ويلفوا منها سيجارة تلو الأخرى.

410544700
أوله دلع وآخره ولع

أما حكايتي مع الدخان، فقد بدأت عندما سافر أخي الأكبر للدراسة إلى مدينة عمّان، وأنا في الصف الثامن، وعاد إلينا مدخناً بعد أن برر ذلك، بأنه أُصيب بالرّعاف، ولا علاج لهذا الرعاف إلا الدخان. ولتوفير احتياجاته من هذا “العلاج”، كان عليه أن يذهب إلى أقرب دكان يبيعه السجاير والذي يبعد عنا مسافة أربعة إلى خمسة كيلومترات، سيراً على الأقدام. فأصبح أخي يرسلني لأشتري له السجائر، وعندها فرضت عليه سيجارة واحدة عن كل باكيت أحضره له. تدريجياً قمت برفع هذه الضريبة إلى سيجارتين لكل باكيت، ولم يمانع مضطراً، فأنا الوحيد في العائلة الذي يستطيع الذهاب مشياً كل هذه المسافة في ذلك الوقت.

sam9594
إعلان دخان لولو

وكان أخي الأكبر يعود إلى عمّان بعد انتهاء إجازته المدرسية، ليتركني في القرية، ومع الزمن تعوّدت على مثل هذه السيجارة المجانية. وعندما كنت أشتاق إلى مثل هذه السيجارة أقوم وأشتري نصف باكيت من دخان سلوى أو من دخان نوع لولو إذا كان الوضع الاقتصادي خانقاً. وفي حالة الرفاه، أشتري نصف باكيت كمال أو سيد. كل هذا كان يحدث تحت علم والدتي،  لكن ما كان يخفف عنها أنني أعيش بعيداً عنها فهموم الحياة وتأمين متطلبات العيش الرئيسية تكفيها، ولا حاجة لها أن تضيف همّاً جديداً فوق همومها. قد يسأل سائل لو لم أعقد هذه الصفقات مع أخي، هل كنت سأدخن في مرحلة لاحقة من حياتي؟ الجواب: نعم بالتأكيد. فالتدخين كان من علامات الرجولة المبكرة، ونحن جميعاً في ذلك العمر نسعى لإثبات أننا رجال بالغون في أسرع وقت ممكن. 

تجربتي مع السرطان… من الألف إلى النون

هل يُعقل أن تحكمك سيجارة؟


نظرة ٌ فابتسامة ٌ فسلامٌ            فـكلامٌ فـموعـدٌ فلقــــــاءُ

0a5ac38654c03ce9a0462f22e39d64a3لعلّ أحمد شوقي، شاعرنا الكبير، قصد السيجارة بهذا البيت. فرحلة الإدمان على التدخين تبدأ من نظرة إلى سيجارة مدخن، مملوءة بالإعجاب بها وبما تخلقه من أوهام حولها. يتبع تلك النظرة رغبة في دخول هذا العالم، والذي يتعرف عليه المدخن عادة من خلال أحد أصدقائه، ليجربها في المرة الأولى، فإن عاد إليها انتهى به المطاف تحت رحمتها. أما ساعة الفراق، فهي تختلف عن ساعة فراق المحبين، إذ تدوم العشرة بين المدخن وسيجارته طوال العمر في أغلب الأحيان.  

imagesأول حالات الفراق بيني وبين السيجارة كانت في شهر رمضان، إذ ينقلب نهاري جحيماً لا يُحتمل، ومنه تعلم أفراد أسرتي أن يتجنبوني في نهار أول أيام من رمضان، كما أني لا أطيق انتظار أذان المغرب حتى أتناول فطوري وأفرغ منه قبل انتهاء الأذان لأتناول سيجارتي الأولى، أتبعها بأخواتها حتى أعوض نقص النهار كاملاً. وما أن يحين موعد الإمساك حتى أبقى متشبتاً بها إلى آخر لحظة من أذان الفجر. كما أنني لم أكن أستشعر الطعام أو الشراب الذي أتناوله انتظاراً للسيجارة، وكنت أنقض على الطبق الرئيسي دون أي مقدمات من شوربة ونحوه. في تلك الأيام، كنت مستعداً لصيام الدهر لو استثنينا التدخين من المعادلة. 

bntpal_1450115827_898أما ثاني حالات الفراق، فعندما تقرع أجراس الحرب حيث تبدأ القوانين السائدة بالزوال وتحل الأنانية بدلاً منها بين الناس، وتتغير النفوس ويصبح الشعار السائد بينهم: اللهم أسألك نفسي. والمدخنون عادة من الفئات الأكثر تأثراً في المجتمع بالحروب وما أن يستشعروا بقدومها حتى يسيحوا في الأرض بحثاً عن مزيد من السجائر لتخزينها للأيام القادمة، والتي لا يعرف أحد نهاية لها. كما يستغلّ الباعة غياب الرقابة الحكومية والحالة النفسية للمدخنين ويُغيّبون الرقابة الإلهية على أنفسهم ويقومون بإخفاء السجائر ليرفعوا سعرها لأنهم يعتقدون أنهم مهما رفعوا من سعرها فهناك من سيدفع ويشتريها. 

smoking-in-syria
لف السجائر

حرب عام 1967 جلبت المصائب للشعب الفلسطيني، شأنها شأن باقي حروبنا. إلا أن ما يهمنا هنا هو انقطاع الدخان العربي، والسماح فقط ببيع دخان الكيان الصهيوني غالي الثمن، مما اضطرني أنا وأمثالي إلى شراء الدخان العربي المهرب على شكل أكياس تُسمى “أُكك” على الرغم من صعوبة الحصول عليها ناهيك عن حملها، حتى لا يجذبنا العدو إلى مصيدة دخانه المتوافر بعد أن قام بإغلاق مصانع الدخان الفلسطينية.           

%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%a9
الحاويات المشتعلة

هذا كان حالنا أيضاً خلال حرب الخليج، حيث صغرت أحلام المدخن لتصبح سيجارة كاملة غير منتهية الصلاحية. وعندما يشتد الأمر ويحن المدخن إلى سيجارته، كما حدث معي، كنت أقترب من حاويات النفايات التي يتم حرقها نظراً لتعطل حركة نقل النفايات أثناء الحرب، فأشتم منها رائحة دخان مسموم. ألم يكن من الأفضل أن أترك التدخين للأبد في تلك الأيام؟ الجواب ليس بالضرورة نعم، فالوضع النفسي والسياسي والاقتصادي مختل تماماً ونحن ساحة حرب ضروس لأطراف عديدة ولا يعلم نتائجها إلا الله، والسيجارة هي أقصى ما يمكن أن يواسي المرء في تلك الظروف.  

تجربتي مع السرطان… من الألف إلى الياء

(23) الكرسي المتحرك يحقق التعادل


الأحد 13/11/2016: 

104756
ركلات ترجيحية

بهذا اليوم، أكون قد استكملت فيه الشهر الرابع، أنا والسرطان في هذه المعركة، وما زالت النتيجة 1-0 لصالحي، رغم هجمات السرطان المتكررة، والمباغتة من حيث لا أحتسب. فهذا اليوم هو اليوم الثالث على التوالي، وحالة التعب والإرهاق ما زالت تلازمني، إضافة إليهما عدم الرغبة بتناول الأكل، وعلى الرغم من وجود أكوام من الأدوية المختلفة، أما لاعب الهجوم عندي فقد انقلب عليّ، ودخل مع فريق الخصم، فالدخان اتحد مع السرطان في مهاجمتي، وما زال فريقي المخلص من البنكرياس والكلى، يتصدون لهجمات هذا الخصم متحدين معاً. وما يبدو لي حتى الآن، أننا قد نلعب الركلات الترجيحية!   

الاثنين 14/11/2016:

Philodendron pertusum
أصبحت بحاجة إلى من يسندني

صباح هذا اليوم انطلقنا مع ضياء إلى مركز الحسين للسرطان، بعد استراحة طويلة دامت عشرة أيام في البيت. رغم أن السيارة أوقفتني على باب المركز، إلا أنني لم أستطع النزول منها، فقد خانتني قدماي ويداي، ولم أجد شيئاً أتكئ عليه سوى يديْ زوجتي التي قادتني بعدها إلى المختبر، وبعد ذلك طلبت زوجتي من ضياء إحضار كرسي متحرك لنقلي، فرفض معتقداً أن بإمكاني الحركة لوحدي، إلا أن اعتقاده لم يكن بمحله، إذ اضطررت إلى استعمال الكرسي للوصول إلى العيادات الخارجية، ثم خضعت لتحاليل طبية للسكر التراكمي ووظائف الكلى تمهيدًا للصورة الطبقية المقررة غدًا، لأعود إلى مبنى العيادات الخارجية جالساً على نفس الكرسي، حيث كان لدينا موعد مع عيادة الاقلاع عن التدخين، إلا أن الموعد أصبح الساعة 3:30 عصراً، فعدنا أدراجنا إلى البيت لتناول طعام الغداء، والذي لم يزد عن بضع وريقات من الملفوف. وحين اقترب موعد العيادة عدنا الى عيادة الإقلاع عن التدخين، إذ دهبت إليها راغباً في إثبات التهمة على ترك التدخين فيما أنا فيه. وبعد استشارة الطبيب أسقطت كافة التهم التي كنت قد وجهتها لنقص الدخان والنيكوتين في جسمي، إذ اتضح أن ما أشكو منه من مظاهر التعب والإرهاق لا يمت لترك الدخان بصلة، فجسمي أصبح الآن خالياً من آثار التدخين حيث أن نسبة ثاني أكسيد الكربون في مجرى الجهاز التنفسي صفر.

pharmaton-50-plus-vitamins-minerals-omega-3-immunity-heart-brain-eye-bone-energy-50-years.jpgمساءً اتفقت مع ضياء للمرور على طوارىء مركز الحسين لأخذ استشارة من الطبيب المناوب فيما يخص حالة فقدان الشهية، وذلك بعد تبرئة آثار ترك التدخين، فنصحنا الطبيب المناوب بتناول Multi Vitamins يدعى Pharmaton، وقد أخذت منه حبة ليلاً وعلى ما يبدو قد خفف من الشعور بالجوع، إلا أن رائحته كانت منفرة جداً فتهربت من تناوله لاحقاً، وفضلت الشعور بالجوع على تناول هذه الأقراص. 

الجلوس على الكرسي قد يعتبره البعض عادياً، إلا أنني أراه نقطة سجّلها السرطان في مرماي! 

تجربتي مع السرطان… من الألف إلى النون

فاصل… ونواصل


bumecyqcqaeogp6
أفخر أنواع السموم

عتبي الشديد على الرئتين، تحديداً اليمنى، واللتان قمت بتدليلهما طوال الخمسين سنة الماضية بأفخر أنواع السموم ذات تركيز النيكوتين المرتفع، وكانتا ناكرتين للجميل، إذ خرجت من بينهما خلايا خائنة تحولت إلى ورم سرطاني يهاجمني كما يهاجم جيرانه من الخلايا المسالمة. وأعتب أيضاً على ذلك الوعاء (المعدة) والذي أكرمته بمختلف أنواع الطعام وكان يستقلبها مرحِّباً مهللاً، ولما احتجت دعمه باستقبال بعض الأدوية لدعم إخوته الأعضاء تخلى عنا جميعاً، لا بل قام بلفظ هذه المدخلات ورفض استقبالها، وتحالف مع الرئة، جارته العلوية، ناكراً العيش والملح بيننا. 

2016-10-07-13-53-11-6
الشعر الصامد

أما أول ما يستحق مني الشكر والتقدير فهو البنكرياس العظيم، إذْ لم يخذلني يوماً من أيام المرض حتى الآن، وبقي يُزوّدني بما يحتاجه رفاقه من الأعضاء الأخرى من الأنسولين. ولا أنسى الكِلى، فعلى الرّغم مما أُمطرت به من سوائل ومحاليل على مرّ الأيام والشهور، إلا أنها بقيت صامدة. أما فصائل الشعر الذي قاوم القصف الكيماوي المتكرر لأعضاء الجسم المختلفة، فقد بقي صامداً كأشجار السنديان، حتى وإن تساقطت بعض أغصانه هنا وهناك. كما أشكر أسفل الظهر الذي كان يتحمل مسؤولية إيجاد ألم إن لم تقم بذلك به الأعضاء الأخرى. أما الكتفين واليدين، فقد كانتا على الجبهة الأمامية، يساندان الرقبة الصامدة في مواجهة جرعات الكيماوي والأشعة، كما استقبلتا هجوم الإبر في كل زيارة أقوم بها إلى المستشفى، وشكّلتا معاً الخندق الذي اقتحمت من خلاله سوائل العلاج جسمي.  

تجربتي مع السرطان… من الألف إلى النون

الستار الفاصل


الإثنين 31/10/2016: الجلسة الأولى من الجرعة الرابعـة

2016-11-04-14-20-25
أثناء جرعة الكيماوي

بعد الطقوس الصباحية المعتادة، من قياس للسكر وإفطار وقهوة بلا طعم، حيث لا سيجارة، انطلقنا إلى المركز لأخذ الجلسة الأولى من الجرعة الرابعة للعلاج الكيماوي. كان باقي نهارنا عادياً، إلا أن الحشرجة وضيق التنفس اشتدا مساءً حتى أنني لم أتمكن من النوم طيلة الليل. ورغم أن زوجتي وأولادي ضغطوا عليّ للذهاب إلى الطوارئ، إلا أنني لم أستجب، أملاً في التحسن، أو بالأحرى، هرباً من تبعات الزيارة، فأنا أعلم يقيناً أنني إذا دخلت إلى الطوارئ، فاحتمال أن أقضي الليلة بالمستشفى عالٍ جداً، ولا أظن أن أحداً يهوى النوم، هذا إن استطاع أصلاً أن ينام، في مستشفى. 

5883660597_a4a7ef2813_b.jpgها هو اليوم الأول دون دخان ينقضي. لا أنكر أنني لم أحنّ إلى سيجارة تملأ سمومها رئتاي المنهكتين، إلا أن شعوراً بالاشمئزاز كان يراودني، بل ويجتاحني، كلما تذكرت أن هذه السيجارة اللعينة كانت سبب ما أنا فيه الآن، ويمر بي شريط الذكريات عندما كنت أقرأ ما يُكتب على علب السجائر، وأعتبرها مجرد مبالغات عربية نستخدمها عند اللزوم، فأجدادنا كانوا من جهابذة المدخنين، ولم يٌصب أي منهم لا بسرطان ولا حتى بانفلونزا، أو هكذا كنت أقنع نفسي على الأقل.    

الثلاثاء 1/11/2016: الجلسة الثانية من الجرعة الرابعـة

2016-11-04-11-07-32-2
مع ضياء في الطوارئ

ما زالت الحشرجة، وضيق التنفس يلازمانني حتى اللحظة، ورغم ذلك ذهبنا إلى مركز الحسين للسرطان ظهراً لأخذ الجلسة الثانية. خرجنا من المركز إلى البيت عند العصر، إلا أننا عدنا إلى الطوارئ بحلول المغرب تحت ضغط علاء لليوم الثاني على التوالي، إذ شعر أنني لست على ما يُرام منذ الأمس، وحاول أخذي إلى المستشفى إلا أنني كابرت ثم استسلمت اليوم. في الطوارئ، قام الممرض بتركيب جهاز الأكسجين لي فور أن قاس نسبته في الدم حيث وجدها منخفضة، وبعد أن كشف الطبيب المناوب علي قرر إدخالي إلى المستشفى حتى تتم السيطرة على نقص الأكسجين. في تلك الليلة، ولعدم توفر غرف في المستشفى، اضطررت إلى البقاء بالطوارئ، ورغم طلبي المتكرر من عائلتي العودة إلى منازلهم، إلا أن زوجتي وضياء رفضا أن يغادرا قبل الواحدة ليلاً، وخرج علاء في الثالثة فجراً بعد أن أقنعته بالمغادرة حتى أتمكن من النوم، وهو ما لم يحدث، فالضجة والإضاءة وأصوات المرضى والطاقم الطبي لا تهيئ للنوم جواً أبداً، رغم كمية الأدوية التي تناولتها.

الأربعاء 2/11/2016:

2016-11-04-11-07-32-1
أنا والستار الفاصل بيني وبين جاري

في الصباح الباكر، جاءت زوجتي وعلاء حيث وجداني على أهبة الاستعداد؛ فهذه الليلة الثانية التي لا أتمكن من النوم فيها. وبعد مشاورة الأطباء، كانت المعضلة مزدوجة، حيث يجب السيطرة على ضيق التنفس بالإضافة إلى توفير غرفة في المستشفى لاستمرار العلاج الكيماوي، إذ يمنع قانون المركز أخذه في الطوارئ. مضى يومنا ساعين بين قسم الإدخال والطوارئ والطابق الخامس لإيجاد غرفة فارغة، وهو ما لم يحدث حتى المساء، وذلك بعد أن غادرت زوجتي وعلاء بقليل، وبقي ضياء عندي، إذ تم نقلي إلى غرفة مزدوجة تمكنت أخيراً من نيل قسط جيدٍ من النوم فيها، دون أن أعلم ماذا يجري خلف الستار الفاصل بيني وبين جاري.

untitledاستيقظت في الثالثة فجراً على صوت جلبة خلف الستار، فالمريض يئن وأحد مرافقيه يسعل أكثر منه، والممرضون ذهاباً وإياباً يحاولون إقناعه البقاء على السرير، وهو مُصرٌ على النوم معلقاً، وأحد مرافقيه مستمر بإدارة أعماله عبر الهاتف بصوت مرتفع، فيأمر بتحريك هذه السيارة، ويوعز بنقل تلك البضاعة. طبعاً لم تفلح محاولاتي بالعودة إلى النوم بعد هذه الجيرة المزعجة، فأمسكت جوالي أتفحص من خلاله العالم الافتراضي وأجول في شبكات التواصل الاجتماعي إلى أن اقترب شحنه من الانتهاء فأرسلت إلى عائلتي أطلب منهم إحضار شاحن الجوال، إلا أنهم كانوا قد دخلوا المستشفى، جالبين معهم طعام الإفطار. 

الخمبس 3/11/2016:

2016-11-04-11-07-33
مع الأكسجين

لفت انتباه زوجتي كثرة سعال مرافق جاري خلف الستار، فمن يسعل هو مرافق المريض وليس المريض نفسه، فقامت تحتج إلى الممرض المسؤول، والذي أرسل إحدى الممرضات لسؤال المرافق الذي أقرّ بمرضه، مما دعانا إلى الخروج من الغرفة للمشي في الممر والجلوس هناك، وما بين الفينة والأخرى يأتي أحد أفراد المستشفى من أطباء أو ممرضين أو رجال أمن للطلب من مرافق جاري المغادرة، فيخرج لدقائق معدودة ثم يرجع إلى مكانه. أما أنا فبقيت في الممر وإذ بالطبيب الاستشاري المسؤول عن حالتي يقوم بجولته الصباحية ليراني جالساً خارج الغرفة، وبعد أن شرحت له وضعي وشكواي من جاري ومرافقه توقعت منه أن يقوم بحل المشكلة إلا أنه أخذ الموضوع إلى منحىً آخر، فبما أني بقيت دون جهاز الأكسجين كل هذه الفترة فبإمكاني الخروج من المستشفى إذا سمح أخصائي أمراض الرئة بذلك، وهو ما حدث خصوصاً بعد أن أبلغناه أننا سنحضر جهاز الأكسجين إلى المنزل.   

2016-11-04-21-39-15
جهاز الأكسجين

انطلق علاء وضياء لإنهاء إجراءات الخروج وشراء جهاز الأكسجين واستلام الأدوية من الصيدلية ونقل أغراضنا إلى السيارة لنصل المنزل مع المهندس الذي جاء لتركيب الجهاز وإرشادنا إلى طريقة استعماله. 

ولمن لا يعلم، فجهاز الأكسجين هو جهاز يقوم على استخلاص الأكسجين من الهواء وإيصاله بجرعات مركزة إلى المريض، ببساطة أكثر، أصبحنا نشتري الهواء بالمال! كان الله في عون من سيأتي بعدنا، فقد كنا نتندّر بأن الغلاء سيصل إلى حد أن يشتري الشخص الهواء، وهو ما يحدث الآن.

حضر بهاء مساءً من جدة، ورغم شعوري بالتعب الشديد والنعاس، إلا أنني لم أستطع النوم قبل أن يصل إلى البيت. وبعد حوار سريع  كانت هذه أول ليلة أنام فيها مع جهاز الأكسجين.    

تجربتي مع السرطان… من الألف إلى النون

 

(19) Quality of Life


الخميس 27/10/2016:

الصحة-تاج.jpgفي هذا اليوم صحوت من نومي مبكراً في حدود الخامسة صباحاً، فهذه أول ليلة أنام فيها نوماً هادئاً متصلاً دون انقطاع، ودون ألم، ودون جفاف، ودون لعيان، أما انتفاخ القدمين الذي أصبت به حديثاً، فقد خفّ إلى النصف تقريباً. غريبٌ أمر هذا المرض، فما أن يترك عضواً في الجسم حتى يتشبث بغيره، فهو شرسٌ غدّار، حتى أن دفاعات الجسم البشري تعجز عن مواجهته، رغم كل ما وهبها الله به من أسلحة المقاومة. لم يطل غياب اللعيان، فقد عاد بعد الفطور مباشرة، رغم محاولاتي مقاومته بالعلاج وحتى بمشروبات الأعشاب التي أعدتها زوجتي، حيث بقي يرافقني طوال النهار.  

لا بد أن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.

211
فتحة الحجر الأسود

أما في الليل، فحدث ولا حرج، فقد أخذتْ تخرج من صدري حشرجة على شكل أصوات موسيقية مع ضيق في التنفس منعني من النوم، وبقيت أتقلب في الفراش حتى الحادية عشرة ليلاً، عندما سمعت صوت أول زخات مطر لهذا العام، فقمت وفتحت النافذة وأخرجت رأسي منها، وبدأت أتنفس عبق المطر، فأخذ ضيق التنفس يزول تدريجياً، حتى أنني عدت إلى فراشي ثانية، لأحظى بنومٍ غير متقطع حتى الخامسة صباحاً، تخللها حلم راودني عن الموت والدار الآخرة، فكانت  الآخرة على شكل فتحة كبيرةٍ جداً بابها واسعٌ مضيء دون وجود مصدر لهذا الضوء، ربما يشبه ما رأيت الفوهة المحيطة بالحجر الأسود في المسجد الحرام. 

السبت 29/10/2016:

2016-11-04-11-07-31-4
أصدقاء علاء في بيتنا

في هذا اليوم قام أصدقاء علاء من محافظة الخليل المتواجدين في عمان بزيارتنا في بيتنا للسلام والإطمئنان على والد صديقهم، وذلك بعد أن استضافونا أثناء زيارتنا إلى الخليل قبل بضعة أسابيع، حيث قضينا وقتاً ممتعاً معهم في فلسطين. وعلى الرغم من إحساسي باللعيان والإرهاق الجسدي العام، إلا أنني آثرت الجلوس معهم وتجاذب أطراف الحوار حتى نهاية الجلسة. 

الأحد 30/10/2016:

2016-11-04-13-58-14
في الانتظار

صحوت من النوم على غير العادة، والكحة في أشدها، والبلغم يملأ حنجرتي، رغم أنني أخرجت منه ما استطعت، حتى أشعر بالقليل من الراحة، وبقيت على هذا الحال حتى الظهر، حيث حضر علاء ووضع الكريم على قدماي. بعد الغداء، انطلقت مع زوجتي وضياء إلى مركز الحسين للسرطان لزيارة عيادة الألم، ورغم أننا وصلنا في موعدنا الساعة الثانية ظهراً، وكان رقمنا 11، إلا أننا دخلنا إلى الطبيب بحدود الساعة الرابعة عصراً.  

عيادة الألم
دكتور الألم 

امتعض الطبيب مني بسبب عدم تركي التدخين إلى الآن. وبعد شد وجذب بيني وبينه، أوضح أن ترك التدخين سيساهم بشكل رئيسي في تحسين جودة الحياة (Quality of Life)، وليس بالضرورة تقديم الشفاء الكامل في حالتي. ولأن الطبيب هذه المرة، ولأول مرة في حياتي، لعب على الوتر الحساس الذي يدغدغ عواطفي وعقلي على حدٍ سواء، فقد عدت إلى المنزل ليلتها، وكلي عزمٌ على ترك التدخين، فلم أضع أي سيجارة يومها في فمي بعد أن عقدت النية على فراقه فراقاً أبدياً.

ترى كم نسبة من يتركون التدخين بعد إصابتهم بمرض السرطان؟

14222160_10153755572861920_10951761780288492_nليلاً، ما زالت الحشرجة والصفير وضيق التنفس يلازمونني، إلا أنني تمكنت من اختطاف بضع ساعات من الغفوة، دون أن أفتقد سيجارتي المفضلة قبل النوم، والتي كنت أنتظرها بفارغ الصبر، أراجع بها ما حدث في يومي وأخطط لغدي. ما أنا فيه الآن أعظم وأكبر من تلك السيجارة.   

تجربتي مع السرطان… من الألف إلى النون

 

(18) أسبوع الأعراض الجانبية (18)


الإثنين 24/10/2016:

14729272_10211051932876768_8200637981027483512_n
إبرة الـ Zometa

في هذا اليوم، صحوت من نومي مبكراً كالعادة، وفي فمي جفاف، سرعان ما تلاشى بعد أن تناولت كأساً من الماء مع فطوري، لكنني بقيت أعاني من اللعيان في المعدة، حتى استفرغت كل ما كنت قد أكلته في ذلك الصباح، وبعد ذلك شعرت بالراحة، وفي حدود الساعة الواحدة ظهراً، ذهبنا إلى قسم العيادات الخارجية في مركز الحسين للسرطان، وبعد قياسٍ للوزن، تم اعطائي إبرة الـ (Zometa) في الوريد لتقوية العظام، حيث استمرت هذه الإبرة حوالي نصف ساعة.

14650128_10211051908516159_8040276442307300522_n
في الطوارئ

يشبه مرض السرطان سباق التتابع، فبعد عبور مرحلة ما يقوم المتسابق بتسليم الراية لزميله، أما في حالتي فكل عرض يزول يسلمني إلى زميله. عرض اليوم كان تورماً وانتفاخاً في القدمين دون ألم، لهذا قمنا بمراجعة عيادة الطوارئ، وهناك بعد أن اطلع الطبيب على ملفي الصحي قام بفحص سريري سريع، مقرراً أنني لست بحاجة إلى علاج وإنما يجب أن أمارس نشاطاً معقولاً، لا أكثر ولا أقل، فلا جلوس لفترة طويلة، وإذا اضطررت إلى ذلك، فليس لأكثر من ساعة، وعند النوم عليّ أن أضع تحت قدمي مسنداً.

الثلاثاء 25/10/2016:

2016-10-26-07-40-52-2
علاء وهو يدهن قدمي والده 

عموماً، هذا اليوم أفضل من الأيام السابقة، فلا ألم ولا لعيان رغم جفاف الحلق. في المساء حضر علاء ومعه أحد أنواع الكريمات، ودهن لي قدماي منه، فخفّ التورم والانتفاخ.

في خضم هذه التجربة، ما أحسن أن يكون أحد أفراد الأسرة، أية أسرة، في الحقل الطبي. ففي حالتي كان لوجود ابني الصيدلاني علاء، وأمه مساعدة صيدلاني، دور كبير في متابعة تفاصيل العلاج، لأن أدوية هذا المرض بالذات، متنوعة وكثيرة، ولا يستطيع الإنسان العادي متابعتها، فهو أصلاً مريض ولا يستطيع التركيز في كم العلاجات الموصوف، لا بل يمكن أن يزيد الطين بلة إذا خلط بينها، أو اجتهد في تناولها على غير ما وُصف له، كما أن الأطباء يشعرون بالطمأنينة بوجود شخص ذي خلفية طبية من أهل المريض.   

تجربتي مع السرطان… من الألف إلى النون

(17) أسبوع اللعيان (17)


الخميس 20/10/2016:

2016-09-21-04-59-39-31
في عيادة الألم 

في هذا اليوم، صحوت مبكراً من نومي من شدة الوجع، حتى بعد تناول العلاج، وأصبحت أنتظر موعدي مع عيادة الألم. وهذه العيادة في العادة، تكون مكتظة بعدد غير قليل من المرضى، ومَن مِن المرضى يريد أن يتخلّص من الانتظار الممل، عليه أن يحجز له رقماً سلفاً، أما أنا، وفي الساعة الواحدة من بعد الظهر، حجز لي علاء رقم 17 في هذه العيادة، التي تفتح أبوابها الساعة الثانية مساءً، وعندما دخلتها لم أجد كرسياً واحداً  أجلس عليه، وبصعوبة وجدت موضع قدم في القاعة لأقف عليه.

2016-10-27-10-53-41
دواء الكحة الجديد 

وعندما دخلت إلى غرفة الطبيب، سألني عن شدة الألم وزمانه ومكانه، فقرر على ضوء ما سمعه مني، أن يزيد من جرعة المسكّنات، ويلغي دواء الكحة، الذي كان قد كتبه لي زميله في الطوارئ، واستبدله بدواء آخر، أقوى وأفضل منه، وبعد أن تناولته، نمت نوماً هادئاً مريحاً عميقاً هذه الليلة.

images
وصف الدواء المناسب من بحر الأدوية المتوفر

يجب عليّ أن أعترف هنا أنني كنت أستنقص من قدر طبيب تخصص بموضوع كالألم! فالقصة وما فيها لا تزيد عن وصف مجموعة معروفة مسبقاً من الأدوية المهدئة بناءً على شكوى المريض، إلا أنه يبدو أنني كنت مخطئاً هذه المرة، فالتخصص دقيق ويحتاج إلى خبرة كبيرة من الناحية العلمية والنفسية في التعامل مع مختلف أطياف المرضى، وتقييم الحالات بشكل دقيق، إذ أن مثل هذه الأدوية سلاح ذو حدين، وتحتاج إلى من يدرسها ويقيّم آثارها بشكل علمي دقيق شامل لوصف أقل كمية ممكنة من الدواء وتحقيق الفائدة المرجوة بنفس الوقت.   

الجمعة 21/10/2016:

images
الكحة 

في هذا اليوم، أستطيع أن أقول: أنني شُفيت تماماً من هذه الكحة اللعينة بعد تناول العلاج، لكنني أصبحت أنتظر الألم الجديد، الذي عادة ما يتبع الألم القديم، وما هي إلا ساعات قليلة، حتى جاءني زكامٌ قويٌ في الأنف، وجفاف شديد في الفم بعد أن أستيقظ من نومي، لم أر مثلهما في حياتي، لكنهما سرعان ما يختفيان تماماً بعد أن أشرب كوباً من الماء، وأقوم بتنظيف أنفي.

استفراغ
اللعيان 

وما هي إلا بضع ساعات أخرى، حتى جاء ما سمّوه لي باللعيان في المعدة، فأنا لم أسمع، ولم أجرب مثل هذا العارض من قبل، وبعد أن جربته وجدته هو الذي يُشعرني بالرغبة بالاستفراغ، ويجعلني أشعر بالجوع الدائم، مهما زدت من عدد وجبات طعامي، ويفقدني الشهية للطعام نفسه، مهما كان نوعه. بقيت أعاني من هذه الأعراض مجتمعة، إلى أن استفرغت في أحد الأيام، مما جعلني بعدها أخاف من تناول الطعام.

images
جلست مستنداً بظهري إلى الحائط 

وفي هذا اليوم أيضاً، زارني ابن خالتي أبو طارق، وعندما نودي لصلاة الجمعة، طلب مني أن أذهب بمعيته إلى المسجد لأداء الصلاة، بعد أن تعهّد لي بأن يتحمل كل النتائج التي قد تترب على ذلك المشوار، فكان طلبه هذا قد دغدغ مشاعري من الداخل، فأنا لم أصلّي صلاة الجمعة منذ أن أصبت بهذا المرض. أركبني أبو طارق في سيارته، وذهبنا معاً إلى المسجد، وبعد أن صلّيت ركعتي السنة، جلست مستنداً بظهري إلى الحائط، وما هي إلا دقائق معدودة حتى حضر الإمام، وحضر معه اللعيان كذلك.

imageswoda35ui
منبر الإمام 

كان هذا الإمام شاباً ملتحياً، يرتدي دشداشة بيضاء، وفوق رأسه طاقية، وبدأ خطبته هادئاً مُريحاً، لكنه بعد أن قارن أطفال اليوم، بالأطفال الذين كانوا يعيشون في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علا صوته، وبدأ يصرخ ويصيح، ويندب حظ المسلمين، في حلب والموصل، وبورما وفلسطين، وأنا أتلوّى من اللعيان، الذي لم يردعه شيء، حتى وإن كنت داخل المسجد، مما اضطرني إلى قفل أذناي معاً، كي لا أسمع صياح الإمام، وأخفف عن نفسي شيئاً من اللعيان، لهذا لم أسمع بقية خطبته، لا بل أصبحت أنتظر نهايتها على أحرّ من الجمر.

completely-in-canal-hearing-aid
يرفع سماعته من أذنه قبل أن يخطب الإمام 

وفي الحال، تذكرت صديقاً قديماً لي، كان لا يسمع إلا إذا وضع السماعة في أذنه، وعندما كنا نذهب إلى صلاة الجمعة، وقبل أن يحضر الإمام ليخطب، كان يقوم برفع سماعته من أذنيه، لأن صياح الإمام يضاعف عليه شدة الصوت، وبهذا لا يسمع من خطبة الإمام شيئاً. أما ابن خالتي أبو طارق، بعد أن سمع صياح هذا الإمام وعدني في الجمع القادمة، أن يأخذني إلى شيخ أهدأ بالاً من هذا الشيخ بكثير، ويستطيع أن يوصل للناس فكرته التي يريد، دون صياح أو نواح. 

السبت 22/10/2016:

2016-10-15-18-32-51-31
مين ضامن ما ينصاب؟

صحوت صباحاً في هذا اليوم، دون ألم، لكني أشعر بجفاف في الفم، وزكام في الأنف، سرعان ما ذهبا بعد أن شربت كأساً من الماء، لكن تبعه لعيان في المعدة، انتهى باستفراغ، وترجيع كل ما أكلته في وجبة الفطور، وعلى إثر ذلك، تعبت ونمت. عندما صحوت من نومي، شعرت براحة كبيرة، على الرغم أن اللعيان لم ينته بعد، وامتد هذا الحال: جفاف، وزكام، ولعيان إلى يوم الغد، حيث لنا موعد مع مركز الحسين للسرطان، لأخذ عينة دم، وفحصها، تحضيراً لإبرة تقوية العظام، والتي تسمى (Zometa).

تجربتي مع السرطان… من الألف إلى النون