السيجارة الأولى


14134613_650462415113555_134599086_n
إعلانات الأمس

فتحت عيوني في القرية، على نبتة خضراء عريضة الأوراق، لا تأكلها الحيوانات، يُعزّها كبار السن من الرجال والنساء، ويسمونها شجيرة “الدخان”. كان كل منهم يزرع هذه الشجيرات حول الأرض التي تحيط ببيته، أو في حواكيره، ولا تحتاج هذه الشجيرات إلى سقاية أو عناية من أحد، وحين تنضج أوراق هذه النبتة، تبدأ بالاصفرار، عندها تُقطف وتُجمع وتصفّط فوق بعضها البعض إلى أن يأتي “الفرّام” بآلته الممنوعة قانوناً. وبعد فرم تلك الأوراق، توضع في كل ورقة سجائر من دفتر “الأوتومان” أو منافسه دفتر “غازي” كمية مناسبة من هذا الدخان المفروم، ثم تُلفّ على شكل سيجارة، ثم تُشعل باستخدام ولاعة “قدّاحة” والمصنوعة من فتيل قطني مغموس بالكاز. كان معظم أهل البلد مدخنين من هذه النبتة، ومع ذلك، لا أذكر أن أحداً منهم مرض أو حتى تأثرت صحته بسببها، بل كانوا يجوبون القرية، وما حولها، سيراً على الأقدام، ويحرثون ويزرعون ويحصدون دون استخدام أي من المعدات الحديثة، كما أنهم عمّروا لسنوات طويلة قبل أن يتوفاهم الله.  

3910078727
ارتباط الدخان بالثورة والنضال 

وما أن كبرت أكثر حتى أصبح السيجارة رمزاً من رموز علية القوم، فالطالب اللامع مدخّن، والمدرّس المتميّز أيضاً مُدخّن، والسياسي المُحنّك لا تفارقه سيجارته، والثوري المُناضل يقاتل بماء وخبزة وسيجارة. أما المثل الشعبي الشهير “زينة الشب سيجارته في يده” فقد كان من أشهر الأمثال في تلك الحقبة. بل وصل الأمر إلى ما وصل إليه، عندما قامت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين باعتبار السجائر من المؤن التي توزعها على مستحقيها، كالطحين والسكر والأرز. ولأنها مجانية، فقد دخل العديدون في عالم التدخين، ومن أصرّ منهم على البقاء خارجه، باع حصته من السجائر، لمعشر المدخنين بثمن بخس. أما الأطفال فكانوا يدخنون ما يقع تحت أيديهم من هذا الدخان، وإن لم يجدوه لجؤوا إلى أوراق “الميرمية” الجافة أو إلى أوراق “التين” الجافة أو ما شابهها من النباتات، فكانوا يجففون أوراقها  ثم يفركونها باليد ويلفوا منها سيجارة تلو الأخرى.

410544700
أوله دلع وآخره ولع

أما حكايتي مع الدخان، فقد بدأت عندما سافر أخي الأكبر للدراسة إلى مدينة عمّان، وأنا في الصف الثامن، وعاد إلينا مدخناً بعد أن برر ذلك، بأنه أُصيب بالرّعاف، ولا علاج لهذا الرعاف إلا الدخان. ولتوفير احتياجاته من هذا “العلاج”، كان عليه أن يذهب إلى أقرب دكان يبيعه السجاير والذي يبعد عنا مسافة أربعة إلى خمسة كيلومترات، سيراً على الأقدام. فأصبح أخي يرسلني لأشتري له السجائر، وعندها فرضت عليه سيجارة واحدة عن كل باكيت أحضره له. تدريجياً قمت برفع هذه الضريبة إلى سيجارتين لكل باكيت، ولم يمانع مضطراً، فأنا الوحيد في العائلة الذي يستطيع الذهاب مشياً كل هذه المسافة في ذلك الوقت.

sam9594
إعلان دخان لولو

وكان أخي الأكبر يعود إلى عمّان بعد انتهاء إجازته المدرسية، ليتركني في القرية، ومع الزمن تعوّدت على مثل هذه السيجارة المجانية. وعندما كنت أشتاق إلى مثل هذه السيجارة أقوم وأشتري نصف باكيت من دخان سلوى أو من دخان نوع لولو إذا كان الوضع الاقتصادي خانقاً. وفي حالة الرفاه، أشتري نصف باكيت كمال أو سيد. كل هذا كان يحدث تحت علم والدتي،  لكن ما كان يخفف عنها أنني أعيش بعيداً عنها فهموم الحياة وتأمين متطلبات العيش الرئيسية تكفيها، ولا حاجة لها أن تضيف همّاً جديداً فوق همومها. قد يسأل سائل لو لم أعقد هذه الصفقات مع أخي، هل كنت سأدخن في مرحلة لاحقة من حياتي؟ الجواب: نعم بالتأكيد. فالتدخين كان من علامات الرجولة المبكرة، ونحن جميعاً في ذلك العمر نسعى لإثبات أننا رجال بالغون في أسرع وقت ممكن. 

تجربتي مع السرطان… من الألف إلى النون

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s