الْمُقُرْ في الذاكرة الشعبية الفلسطينية


407603277
نساء يحملن جرارهن في الطريق إلى عين الماء!

كانت المشكلة الكبرى لسكان هذه القرية منذ القدم هي عدم توفر الماء في حياتهم اليومية!لا ليرووا به مزروعاتهم بل ليشربوه كي يبقوا على قيد الحياة!وفي حالة توفر مثل هذا الماء فستظهر لهم مشكلة أخرى لكنها أسهل حلاً من المشكلة الأولى وهي كيفية حمل هذا الماء ونقله إلى أماكن العمل في الحقول والكروم الموجودة في الجبال والهضاب والوديان في المواسم المختلفة التي كانت تمر عليهم على مدار السنة وهم يعيشون في القرية!؟.

10614373_782308455179391_7703883538479241378_n
موسم قطف ثمار الزيتون 

ولا بد لي من أن أذكر بالمواسم الكثيرة التي كانت تطل علينا أيام زمان ومنها موسم الحراثة وتجهيز الأرض لزراعتها بالمحاصيل الشتوية من قمح وشعير وعدس وفول وكرسنة والمحاصيل الصيفية مثل البندورة والخيار والفقوس والبطيخ والشمام والكوسا والقرع والبامية واللوبية والذرة الصفراء وعباد الشمس وكلها كانت تزرع بعلية ثم يأتي موسم التعشيب أي خلع الأعشاب من بين هذه النباتات وخاصة عندما تنمو ويشتد عودها وتكبر ومن ثم يأتي موسم الحصاد وهو خلع هذه النباتات من مكانها في الأرض بعد أن تجف ونقلها إلى البيدر وهناك يتم درسها أي فصل الحبوب عن قشها.

11218958_489904731188297_2579816424668622425_n
موسم تصنيع القطين من ثمار شجر التين

وهناك موسم جمع ثمار التين الناضج وتذبيله وتصنيع القطين منه ثم نقله إلى البيت لتخزينه أو بيعه وهناك موسم رش وتوريق شجر العنب وتغطية ثماره حفاظاً عليه من الدبابير والصمل ثم قطفه ونقله ثم بيعه أو تصنيعه وهناك موسم قطف ثمار الزيتون وجمعها ونقلها إلى البيت لعصرها ثم تقليم أشجاره ونقل حطبه إلى البيت لاستخدامه في  في أيام الشتاء.

horse-drinking-water-from-pond
كيف يسقون دوابهم في أماكن العمل؟فكانت مشكلة أخرى تضاف إلى مشاكلهم!.

وكانت هناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها من هذه المشاكل التي كانت تواجه أهل القرى التي كانوا يعانون منها الكثير في المواسم المختلفة وكانت هذه المشكلة الجديدة هي كيف يسقون دوابهم التي كانوا يستخدمونها معهم في العمل كالحمار أو الحصان أو البغل أو البقرة أو البغلة أو الفرس؟فهي ستقضي اليوم كله معهم ولا بد لها من أن تعطش وعليهم أن يجدوا حلاً لهذه المشكلة الهامة التي لا تقل أهمية عن غيرها من المشاكل!.

10414637_1558849041000340_1268766977915678178_n
قاموا بحفر حُفرة في الصخر وسموها المُقُر

وعلبه فقد تفتقت قريحة الآباء والأجداد لحل هذه المشاكل مجتمعة!فقاموا بحفر حُفرة في الصخر وسموها المُقُر بكافة المقاسات والأحجام وفي كل منطقة من المناطق التي كانوا يعملون بها أو التي يمكن أن يتواجدوا فيها لتخزين مياه الأمطار فيها!وهم بذلك قد أراحوا أنفسهم من صعوبة الحصول على الماء ومن صعوبة نقله وتخزينه وبعد أن يجف ماء هذا المَقِر كانوا يستخدمونه كوعاء لشرب دوابهم منه بعد ملئه بالماء!وهناك أنواع من هذه المقور حفرت خصيصاً في  صخر صلب مميز كي يستخدمونها في عملية عصر زيت البدودية بعد أن يقوموا بشي ثمار الزيتون الناضجة وكمخزن لهذا الزيت بعد تغطيته وضمان سلامته ليوم أو يومين قادمين!

c656e41c02fbea58fbbf06709727f6739d18f156
من يتنفس وهو يشرب الماء من المقر سيتحول إلى حيوان!

أما طريقة الشرب من هذا المقر فلها قواعد وأصول كانوا قد علمونا إياها آباؤنا وأجدادنا فكان عليك أن تنبطح أرضاً وتنام على بطنك وتمد رأسك فوق المُقُر وأن تشرب منه الماء دون أن تتنفس!وأفهمونا كذلك بأن من يتنفس وهو يشرب الماء من المقر سيتحول إلى حمار أو غزال أو أي حيوان آخر!فكنا نحن الصغار إذا تواجدنا في الخلاء وعطشنا كنا ننبطح أرضاً ونشرب من المَقِر وبعد أن نشرب نتفقد أجسامنا ونرى إذا كنا قد تحولنا أم بقينا كما نحن!؟وعلى الفور نحمد الله لأنه أبقانا على حالنا ولم يغيرنا!.

12717358_1672194343054750_6212764029781293587_n
مقر من صنع الأجداد كما هو موجود في بير العصفور

وقد يكون هذا المقر من صنع  الطبيعة وما عليهم إلا تنظيفه فقط وهذا النوع من المقور موجود في معظم الأماكن الصخرية وقد يكون من صنع الأجداد أنفسهم كما هو موجود في بير العصفور فكانوا يملؤون هذا المقر بالدلو من البير ويسقون أغنامهم ودوابهم من هذا الحوض يومياً ويبقون كذلك إلى أن تجف مياه هذا البير فيتحولوا إلى بير المرج أو عين عادي أو بير الدرح وبعد أن وصلت الماء إلى البلد قاموا بصنع حوض بجانب الحاووز صنع خصيصاً لهذا الغرض!.

10302104_1493356907549554_2468113234027594992_n
سيتراكم العلق والحيوانات المائية الدقيقة في هذه المقور!

وهذه المقور جمع مقر سيتراكم فيها العلق والحيوانات والنباتات المائية الدقيقة الأخرى فكنا عندما نصل إلى أحد هذه المقور ونريد أن نشرب الماء منه نغسل أيدينا أولا ثم نغسل وجوهنا ثانياً ونبعد الماء عن أفواهنا بتفه للخارج خوفاً من دخول العلق أو هذه الحيوانات والنباتات المائية الدقيقة إلى أفواهنا فكان يخرج عن هذه العملية صوت مميز لا يفهمه إلا من عاش في تلك الأيام!.

untitled
عندما سمع حفيدي مني مثل هذا الصوت وأنا أغسل وجهي سألني عنه!

ومن طريف القول أنه كان قد حضر حفيدي إلى بيتي في أحد الأيام ورآني وأنا أغسل وجهي على المغسلة وسمع مني هذا الصوت الغريب الذي يخرج مني حتى الآن بكل عفوية عندما أغسل وجهي فسألني عن هذا الصوت فقلت له:لا أستطيع يا جدي  الآن أن أفهمك عنه شيئاً وأنت صغير في مثل هذا السن لكن عندما تكبر سأكتب لك كي تقرأ وتفهم كل شئ عن ما تسأل عنه الآن!.

 

تراث بلدنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s