أيام في خربة قيس لا تنسى


097950_2009_07_19_23_35_39.image3
بيوت طينية 

كانت بيوت هذه القرية في خمسينات القرن الماضي بيوتاً طينية، أي مبنية من الحجر والطين، وقبل أن يدخل فصل الشتاء كان على كل إمرأة في القرية أن تستعين بقريباتها وجاراتها كي (تُطيّن) سطح بيتها، ومع هذا فإن معظم بيوت أهل القرية، كانت تعاني من (الدلف) في الشتاء، أي تسريب الماء من السقف على شكل نقاط مائية، وهذه النقاط مجتمعة تبلل فراش النائم، لهذا تصحو الأم من نومها في الأيام الماطرة، وتضع أوعية فوق الأطفال النيام، لحمايتهم من البلل، وكم من مرة صحوت من نومي على صوت نقط الماء الساقطة من السقف، عندما كانت تتفرقع في الوعاء الموضوع فوقي وأنا نائم.

12791112_1687600061523424_6455083376768209085_n (1)
البيوت التي طينت اكتست حلة خضراء جميلة

أما عملية (التطيين) هذه، فعلى المرأة أن تحضر كمية مناسبة من التراب الأحمر النقي، وتضيف إليه كمية مناسبة من (القصل) والماء، وتقوم بخلطها  جيداً، ثم عجنها معاً، وبعد ذلك تقوم  بتطيين سطح بيتها من هذه الخلطة الطينية، وما أن ينتهي فصل الشتاء من كل سنة، ويأتي فصل الربيع، حتى تجد كل البيوت التي طُيّنت في القرية قد اكتست بحلة خضراء جميلة من نبات القمح أو الشعير، وذلك بعد أن تنمو بذور القمح أو بذور الشعير المتواجدة في القصل.

imagesZH4BZCDL
خشب شجر الصنوبر الموجود بكثرة في جبل راس زيد 

وكانت الجدران تُبنى من الطين والحجر، وهذا بحد ذاته لم يكن مشكلة، فكان الرجل يبني وزوجته تُطيّن ما يبنيه، لكن المشكلة كانت تبدأ عندما ينتهي بناء الجدران، ويراد سقف هذا البيت، فهم بحاجة إلى خشبة قوية مستقيمة طويلة لتوضع فوق جدران البيت، كي تحمل ما سيوضع فوقها من خشب أصغر منها وحطب وتراب وطين، وما من خشبة فيها كل هذه المواصفات مجتمعة أفضل من خشبة شجر (الصنوبر) الموجود بكثرة في جبل (راس زيد)، والذي يبعد عن قريتنا حوالي ثلاثة كيلومترات، فكيف لهم أن يُحضروا مثل هذه الخشبة من قمة جبل راس زيد إلى القرية؟.

imagesV0BTPSBN
يذهب الرجل إلى راس زيد ويبحث عن شجرة صنوبر 

وما أن ينتهي الشخص من بناء جدران بيته، ويريد سقفه، يذهب إلى جبل راس زيد، ويبحث له عن شجرة صنوبر تناسب بيته، بحيث تكون ساقها طوبلة مستقيمة، ثم يقوم بقطعها، ومن معه بواسطة (الجازور)، ويزيل ما عليها من أغصان صغيرة (بالقدوم)، ثم يقوم بحرق الأعشاب والنتش من تحتها، ومن فوقها ومن حولها، كي يتبخر ماؤها ويخف وزنها، ثم يعلن للعموم في القرية عن يوم محدد لنقل هذه الخشبة من جبل راس زيد إلى بيته، وفي هذا اليوم يلبي كل شباب القرية النداء، ويهبوا جميعاً لمساعدة صاحب البيت ومعهم من يستطيع ويقدر من الأطفال والشيوخ.

images6KZSAXV4
عندما تصل الخشبة نطلق الزغاريد تحية لهم

ومن أجل ذلك، كانوا يحضرون معهم ما يلزمهم من أدوات، وعلى رأس هذه الأدوات حبل قوي يُربط في أحد أطراف هذه الخشبة، أما الطرف الآخر فيكون على الأرض، ومع الحبل قطع من القماش لحماية أكتاف الشباب الذين سيجرونها، وعصي غليظة لتحريك هذه الخشبة،  فيما لو توقفت لسبب أو لآخر في الطريق، ثم يقومون بدحرجتها من رأس الجبل إلى الطريق الزراعي، وهناك يُربط طرفها بحبل قوي، ويقوم أقوى شخصين منهم بجرها، ويساعدهم الآخرون في ذلك، وهم يرددون الأهازيج والشوباش، وعندما تصل هذه الخشبة إلى بيت صاحبها، تقوم صاحبة البيت وجاراتها وقريباتها باطلاق الزغاريد تحية لهم.      

ذكريات في بلدنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s