الفطور الذي لم ولن يُنسى


img1266746629
وإللي بحبك بيجيلك على القدم ماشي

في القرن الماضي لم تكن السيارات منتشرة كما هي اليوم، ولم تكن الطرق معبّدة، بل كانت هذه الطرق التي تصل القرى ببعضها البعض وعرة، لدرجة أن الدواب تعجز أحياناً على السير فوقها. لكن مع هذا كان التواصل أكثر مما هو عليه الآن، فكانت العلاقات الاجتماعية بين الناس أقوى بكثير مما نراه اليوم، وكان للصداقة معنىً كون الذي يُحبك يأتيك على القدم ماشياً، كما كانوا يُغنون في صحجاتهم الليلية، وكان واجباً على كل من يزور قريباً أو صديقاً أن يأخذ معه هدية مما تيسر، وعلى من يُزار ردّ هذه الهدية أيضاً بمثلها أو أحسن منها في الحال.

untitled
هدية والدي لصديقه 

في أحد تلك الأيام الجميلة الماضية، اشتاق والدي لصديق له، وقرر أن يزوره في قريته التي تبعد عن قريتنا حوالي عشرة كيلو مترات على الأقل، طبعاً مشياً على الأقدام، وفوق ذلك كله حاملاً على كتفيه سلة من التين والعنب لصديقه كهدية. خرج من بيته في الصباح الباكر ووصل إلى صديقه قبيل الظهر وما أن وصل والدي صديقه حتى رحّب به وقام بواجب الضيافة وبقي في ضيافته إلى أن بدأت الشمس تغادر المكان واستأذنه والدي كي يعود إلى بيته.

untitled
بقلولة اللبن

احتار صديقه في نوع الهدية التي سيقدمها لوالدي مقابل هديته، وقرر أن يأخذ رأي زوجته في الموضوع فاقترحت عليه أن يهدي والدي “بقلولة” من اللبن الرائب، فهي تعلم أن والدي لا يقتني لا غنماً ولا بقراً، ولمن لا يعرف البقلولة من جيل هذه الأيام فهي علبة لبن بلغة اليوم مصنوعة من الفخار ولا بد لي من أن أذكّر القارئ أنه في ذلك الزمان كان عيب عليك أن ترفض الهدية مهما كان نوعها، ولذا فقد اضطر والدي إلى حمل هذه البقلولة بين يديه بعد أن شكر صديقه وودعه وعاد بها إلى قريته.

imagesU10NOZ7Q
تعثّر والدي في حجر فوقع أرضاً وانكسرت بقلولة اللبن 

في طريق عودته إلى بيته داهمه الليل وحل الظلام في كل مكان حتى أنه لم يعد يرى موضع قدميه في طريق جبلية وعرة منحدرة، إلا أنه استطاع أن يحافظ على هذه البقلولة سليمة إلى ما قبل البيت بعدة أمتار فقد تعثّر في حجر فوقع أرضاً وانكسرت بقلولة اللبن التي كان قد حملها كل هذه المسافة الطويلة، وتفتت إلى قطع صغيرة متناثرة إلا قطعة واحدة منها كانت كبيرة وتحمل في داخلها شيئاً من اللبن فما كان منه إلا تركها في مكانها والعودة إلى البيت ليجدنا نياماً فنام معنا دون أن نشعر به.

Yogurt
الفطور الذي لم ولن يُنسى

وفي الصباح الباكر وقبل أن نصحو من نومنا ذهب والدي ومعه صحنٌ إلى المكان الذي ترك فيه اللبن وما أن وصل إلى ذلك المكان حتى قام بسكب اللبن المتبقي من تلك القطعة الكبيرة من البقلولة في هذا الصحن بعد أن أصرت هذه القطعة الكبيرة إلا أن تكافئه على صبره وقوة تحمله، وعلى حبه لزوجته وأولاده وجاء بهذا الصحن إلى البيت وقام بإيقاظنا من نومنا بعد أن وضع على هذا اللبن قليلاً من زيت الزيتون وما هي إلا دقائق معدودة حتى حضرت أمي من الطابون ومعها الخبز الساخن فكان ذلك الفطور الذي لم ولن يُنسى.

الدنيا حكايات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s