تعظيم سلام لهذه المرأة


1460953_10203494312183525_790170491_nقمت بزيارة خاطفة إلى جمعية الوفاء لرعاية المسنين في مدينة سلفيت بمعية رئيسها المهندس فؤاد حسين عبود، رحمه الله، وأمين صندوقها السيد سائد ياسين. ومن المعروف أن من كُتب عليه الإقامة الجبرية في دور الرعاية يستسلم للأمر الواقع وينسى الماضي بكل تفاصيله ويعيش الحاضر إلا إمرأة داهمها خريف العمر من نزيلات هذه الدار كانت في استقبالنا على الباب الخارجي، وما أن رأت الباب يُفتح حتى استبشرت خيراً وهذا الفرح ظهر في تعابير وجهها دون أن تتكلم فتقدمت بسرعة نحو الباب ظناً منها أن الباب فُتح لها كي تعود إلى المكان الذي مُنعت من الوصول إليه، وكانت هذه المرأة تئن بانتظام دون ألم عضوي، فصحتها جيدة فلماذا تئن إذن؟ حاولت أن أعرف سبب أنينها لكنني فشلت لوحدي فلا بدّ من السؤال لكن في الوقت المناسب. 

???????????????????????????????
خنساء فلسطين

ما أن فُتح الباب الخارجي ودخلنا حتى بدأت هذه المرأة تهيء نفسها للخروج، ظناً منها أن الباب فُتح من أجلها فأصدروا على الفور أمراً بإغلاق هذا الباب بعد دخولنا، وعندما قطعت الأمل من الخروج عادت وانضمت إلينا وهي تئن بشكل منتظم، لكن من غير ازعاج. لفتت انتباهي تلك المرأة أكثر من غيرها، وبدأت أنظر إليها خلسة وأفكر علّني أعرف شيئاً عنها لوحدي فلم أستطع، فأخرجت سيجارة وأشعلتها علّها تساعدني على ذلك فلم أفلح. ومما زاد الطين بلة أنها عندما رأتني أدخن قامت من على كرسيها وأحضرت لي مكتة للسجائر وكأني ضيفٌ في بيتها، وما أن أحضروا لي الشاي حتى سبقتهم إليه وتناولت كأساً من على الصينية وحملته بيدها النحيلة وهي ترتجف ووضعته أمامي دون أن تتكلم، فهي غير قادرة على الكلام لكنها كانت تئن كعادتها.

kashkool-org-up-0800cf1b1d
بدأت أبكي سراً في داخلي 

أحرجتني هذه السيدة أكثر عندما قامت وقدمت لي الشاي دون أن تشربه معنا والأصل في الأشياء أن أقوم أنا بخدمتها وليس العكس، فانشغلت بها أكثر وأكثر بعد أن ذكرتني بوالدتي ـ رحمها الله ـ في الحال عندما كانت تكرم ضيوفها في بيتها رغم تقدمها في السن. لم أتمالك نفسي فبدأت أبكي سراً في داخلي دون أن أشعرها أو أشعر أحداً ممن هم حولي بذلك، وعندما تمكنت من ضبط حالتي النفسية سألت عن هذه السيدة فقالوا لي: إنها سيدة من إحدى القرى المجاورة لمدينة سلفيت التي ابتلع الجدار العنصري الجزء الأكبر من أراضيها ومن جملة ما بتلع هذا الجدار (كرماً) من كروم الزيتون الذي كانت هذه المرأة قد زرعته بيديها، وحافظت عليه طوال هذه السنين، إلى أن جاء هذا الجدار واغتصب منها كرمها وجاء بها إلى هذه الدار. 

zyzoom48d17213d6lp6
قررت أن تحفر بيديها حفرة تحت الجدار لتدخل منها 

لم تستسلم هذه المرأة كغيرها وقررت أن تحفر بيديها حفرة تحت الجدار لتدخل منها إلى حقلها، واستمرت في الحفر اليومي فكانت مرة تصيب ومرات تخيب فإذا أصابت حفرت وإذا خابت واكتشفها الأعداء يقومون بتسليمها إلى الارتباط العسكري، والذين يقومون بدورهم بإعادتها إلى بلدها، لتعود ثانية وثالثة ورابعة إلى أن تمكنت من إتمام مهمتها ونجحت في الوصول إلى أرضها وجلست تحت ظلال زيتونتها المفضلة. وعندما يكتشفها الأعداء يردموا ما حفرت في الجدار ويسلموها إلى الارتباط ثانية وتعود وتغير مكان الحفرة الأولى التي ردمها الأعداء وتحفر غيرها وتدخل أرضها وتجلس تحت زيتونتها المفضلة. 

15081_660_Jabal_al_Tur_Mount_of_Olives-11909
زيتوناتها التي كانت تفضل الجلوس تحتها داخل الجدار

وفي إحدى هذه المرات سقطت هذه السيدة على رأسها ففقدت النطق والسمع معاً وأصبحت حياتها صعبة لا تطاق، والأصعب رعايتها فهي لا تسمع ولا تتكلم، وكل ما تريده أن تجلس تحت زيتونتها المفضلة في كرمها المغتصب، فكان لا بد من رعاية هذه المرأة والمحافظة عليها في هذه الدار وأخيراً وليس آخراً لم أجد كلمة أستطيع قولها في نهاية هذه الزيارة إلا تعظيم سلام لـ «خنساء فلسطين» التي علمتنا وتعلمنا حب الأرض والدفاع عنها ختى آخر لحظة في العمر، وتعظيم سلام أيضاً لهذه الجمعية والقائمين عليها والعاملين بها.

الدنيا حكايات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s